الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العصر مِنْ مضارع. أحلى مِنَ النبات لفظُه المكرَّر، وكم لَبِسَ مِنْ مُفَصَّلِ المديح ثوبًا محرر. خُلاصة خواصِّ العارفين، مولانا وسيدنا، قاضي القضاة، شهاب الدين، أدام اللَّه تعالى أيَّامه الزاهرة، وأفاض عليه ملابس نِعَمِه الفاخرة في الدنيا والآخرة، وزاده سناءً وسنًا، وأبقاه بقاءً حسنًا.
[قطب الدين الخيضري]
ومنهم القاضي قطب الدين الخيضري.
فقرأت بخطه في كتابه المسمى "اللُّمع الألمعية لأعيان الشافعية" ترجمةً لصاحب الترجمة، وما أعلم أنَّه ذكر في كتابه مِنَ الأحياء غيره، قال:
شيخُنا الإمام، شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، إمام الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، قدوة المحدِّثين، أستاذ المحققين، عُمدة المخرِّجين، علم الناقدين، محطُّ رحال الطالبين، ساقي الظِّماء (1) مِنْ صافي الماء المعين، لأنه البحر الذي لو رآه ابن معين، لصار فيه يعوم، أو البخاري، لكان للشُّرب منه يروم، ولو أدركه الدارقطني لحام حول حماه واستقطنه، أو الطبراني، لم يحلل من رحلته إلا عنده وكان استوطنه، لأنه حاملُ راية أهل الحديث بكَلِّها، وفارس ميادين علومه كُلِّها، لو اجتمع به ابن عساكر، لكان بعسكره مِنْ بعض جُنده، أو ابن مأكولا الأمير، لصار مِنْ أنصاره وذوي رفْدِه، ولو سمع به ابن السَّمعاني، لاستمع إلى كلامه، ولو لحقه ابنُ عبد البرِّ، لأقسم بارًّا أنه لا يتمهَّدُ في أحواله إلا بِدُرِّ نظامه. فهو صاحبُ المصنَّفاتِ التي سارت بها الرُّكبان غربًا ومشرقًا، والمؤلفات التي أضحى بها شهاب سعادته في أفق السماء مُشرقًا. إمام المحدثين، كنز المستفيدين، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين.
إلى أن قال: ولازم الاشتغال والإشغال والإفادة، وعرف العالي والنَّازل، وحفِظَ المُتون، ونظر في الرِّجال وطبقاتهم، ومعرفة تراجمهم، مِنْ
(1) في (أ): "الظمآن".
جَرْحٍ وتعديل، وحقَّق جميعَ أنواعِ هذه الصِّناعة وغيرها مِنْ فقه وأصول وعربيَّة، ومشاركة في فنونٍ كثيرة، حتى مَهَرَ وساد على الأقران. وأقرَّ له الأئمةُ مشايخُه بالفضل والإتقان، واغتبطوا بوجوده وانتفعوا بملازمته.
حتى قال: وترقَّى وارتفعت درجته، واشتهر بالعلم التامِّ، والفضل الغزير، والذكاء المفرط، وتصدَّى للإفادة، وتفرد بالرِّئاسة، وشاع ذكرُه في الأقطار، واشتهر اسمه، وبعُدَ صيتُه، وتَبَجَّح الأئمَّةُ والفُضلاءُ مِنْ جميع النواحي بالرِّحلة إليه والأخذ عنه، وصار هو المرجوع إليه [والمعوَّلَ عند المشكلات عليه](1)، ولا تركنُ النَّفسُ إلا إلى كلامه، ولا يَعتمِدُ النَّاسُ إلا على فتواه. وصار فريدَ الدُّنيا على الإطلاق فيما نعلم، وصنَّف التَّصانيف المفيدة البالغة في الإحسان، النافعة لكل إنسان. فذكر جملة منها.
ثم قال: وبالجملة، فهو فَرْدُ زمانه، لم يَرَ مثل نفسه، ولا وقعت عيني على نظيره، ولا أظنُّ أنَّ الزمان فيما بَعْدُ يسمح بمثله:
حَلَف الزَّمانُ ليأتيَّنَّ بمثله
…
حنثت يمينك يا زمانُ فكفِّرِ
هذا مع ما احتوى عليه مِنْ دينٍ وعبادة وتواضع وصيام وقيام، واتباع للسنة في جميع أحواله، وإحسانٍ كثير إلى المساكين والفقراء. إلى آخر كلامه.
* * *
ورأيت بخطٍّ مغربيٍّ جزءًا أفرده (2) شيخَنا مذيَّلًا به على الحافظ ابن ناصر الدين في الحفاظ، فترجمه الكاتب بآخره، ابتدأ بتعيين مولده ووفاته، لكنه أخطأ فيهما، ثم قال: وكان أحدَ الأئمة الحُفَّاظ الذين بهم يُقتدى، وبمآثرهم يُهتدى، ومن يجب إليهم الانتها ويَحْسُنُ بهم الابتدا، وقد انتهت إليه رئاسة العلم في عصره، واشتهر في الآفاق، وانعقد على حفظه وفضله
(1) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(2)
في (ب، ط): "أفرد".
الاتفاق، نوَّه غيرُ واحدٍ مِنَ المشايخ الأكابر يذكره بالثناء الجميل، وساق عنه مقطوعًا من شعره.
قال: وله جملةُ تصانيف تزيد على المائة، غاية في الإجادة. وشعرُه كثير. وسمع من أشياخنا البرهان الشَّامي، والبلقيني، والعراقي، وابن الملقن، وغيرهم. وله "برنامج" حافل ذكر فيه من شيوخه وشيوخنا نحو ستمائة إنسان، عدا مَنْ تَحَمَّل عنه مِنَ الأقران، وترجمته كبيرة، ذكرتها في غير هذا. قدس اللَّه سره العزيز. انتهى.
وما علمتُ مَنْ هذا المترجِم. وإن كان بآخر التصنيف ما نصه: أملاه اقتضابًا مِنْ خَط مؤلِّفه علي بن محمد العلوي المحمدي الغزالي القادري الشاذلي الموحدي. فاللَّه أعلم.
[وعن بعضهم فيه: قُطعت إلى حضرته المراحل، وسارت بتصانيفه السُّفن والرَّواحل، وغدا بها الفارس والراجل. إلى غير ذلك مما يطول، ولا يستقصى به المقول](1).
قلت: وقد كنتُ عزمت على إيراد التعريف بهؤلاء المترجِمين، ليظهر ما خِفِيَ مِنْ أمرهم عند مَنْ شاء اللَّه مِنَ المهملين، ثم أضربت عن ذلك خوف الإطالة والسآمة والملالة.
وقد بان لك بما أوردته مِنْ كلامهم أن صاحب الترجمة رحمه اللَّه تعالى، قد دخل في (1) طبقات (2) الحُفَّاظ دخولًا متعيّنًا، ولذلك ألحقه فيما ذيل به على الذَّهبي بعضُ من أسلفت كلامَه مِمَّن أخذت عنه. وكذا يدخل في (2) طبقات الأئمة الشافعية، وقد أدخله فيهم غيرُ واحدٍ كما علمته. وفي (3) طبقات أئمة الأدب، وقد أورده فيهم البدر البشتكيُّ كما سبق. وفي (4) أعيان العصر، بل هو أحدُ الأعيان، وقد ذكره المقريزيُّ كما تقدَّم فيهم. ولو تأخر الفاسي، لكتبه في "ذيل سير النبلاء"، وفي (5) التاريخ المشتمل على الحوادث، وعلي وفيات كل مَنْ له ذكر مِنَ الأعيان وغيرهم.
(1) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(2)
وردت هذه الأرقام في نسخة (أ)، وبعضها في (ط) ولم ترد في (ب).
وقد أدخله شيخُنا البدر العيني فيه، لكن لم يقع لي المجلد الأخير مِنْ "تاريخه" إلى الآن. وكذا ذكره غيرُه كما سلف. وفي (6) قضاة مصر، وقد ترجم نفسه فيهم في مصنفه "رفع الإصر". وفي (7) تاريخ مصر، وأظنُّ المقريزيَّ أدخله فيه، لكنه غاب عنّي الآن. وفي (8) معجم الشيوخ، وقد ترجمه [في معجمه](1) غيرُ واحد مِنْ أصحابنا، وكذا (2) البقاعي. لكني لم أقف على كلامه بعد، نسأل اللَّه التوفيق.
[وممَّن ذكره: الشهاب أحمدُ بن عبد اللَّه الطَّاوسي في "مشيخته"، فقال: الحافظ الإمام قاضي قُضاة الإسلام، مُسند بلاد مصر والشام، الشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر.
والعفيف محمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم الجُرْهي، والد نعمة اللَّه، وكلاهما من طلبته، فقال في "مشيخته": الإمام العلامة، الحافظ البارع، المتقن الضابط، الثقة المأمون، فلان. إمامٌ حافظٌ، متبحر في علم الحديث والأدب. وله تواليف بديعة] (3).
وفي (9) المؤتلف والمختلف، وقد أدخله فيه بعض مَنْ قدَّمناهم، (10)، وأدخله ابنُ خطيب الناصرية في "تاريخ حلب"، والفاسي (11) في "ذيل التقييد".
فهذه زيادةٌ على عشرة أنواع مِنْ فنِّ التاريخ وقع إدخاله فيها. وكذا يتعيَّن إدخاله في الأذكياء والظُّرفاء والكتَّاب.
وقد سبقني لما أشرت إليه الجاحظُ، فقال في ترجمة أبي الأسود الدؤلي: كان معدودًا في طبقات مِنْ النَّاس، مقدمًا في كل منها، كان يُعَدُّ في التَّابعين، وفي الشًّعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان،
(1) في "معجمه" ساقطة من (ب).
(2)
في (ب): منهم الشيخ برهان الدين البقاعي، وكذا كانت في (ح)، ثم غيرت كما هنا.
(3)
ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
والأمراء والنُّحاة، والحاضرين الجواب، والشِّيعة، والصُّلْع، والبُّخْرِ، والبخلاء. انتهى.
وللَّه در القائل:
والناس أكيسُ مِنْ أن يَحْمَدوا رجلًا
…
حتى يروا عنده آثار إحسان (1)
وأنشد بعضهم:
إذا سمعتَ كثيرَ المدحِ عَنْ رجل
…
فانظر بأيِّ لسانٍ ظلَّ ممدوحَا
فإن رأى ذلك أهلُ الفَضْلِ فارضَ له
…
ما قِيلَ فيه، وخُذْ بالقولِ تصحيحَا
أو لا فما مدحُ أهلِ الجهل رافِعَه
…
وربما كان ذاك المدحُ تجريحَا
وقال بعضهم:
ثناؤك المشهورُ مسكٌ إذا
…
ما فاح بين النَّاس لم يُكْتَمِ
يُغني فتاة الحيِّ عَنْ عِطرها
…
ويُوقع المُحْرِمَ في مَغْرَمِ
وقال آخر:
والنَّاسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ
…
وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عَنَا
(1) من قوله: "وقد سبقني"، إلى هنا، لم يرد في (ب).