الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضُحكةً لأُولي المعقولات، يَطنُزُون بنا، ويقولون: أهؤلاء هم أهل الحديث؟
وقال في موضع آخر -وقد نقل عن سفيان الثوري أنه قال: ليس طلب الحديث من عُدّة الموت، ولكنه علة يتشاغل به الرجال- ما نصه: لقد صدق فيما قال؛ لأن طلب الحديث شيء غير الحديث، وطلب الحديث اسمٌ عُرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهيَّة الحديث، وكثير منها مراقٍ إلى العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدث، من تحصيل النُّسخ المليحة، وتطلب الإسناد العالي، وتكثير الشيوخ. والفرح بالألقاب، وتمنِّي العمر الطويل ليروي (1)، وحب الانفراد، إلى أمورٍ عديدة لازمةٍ للأغراض النفسانية، لا للأعمال الربّانية، فإذا كان طلبك للحديث النبويِّ محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك فيها إلى الإخلاص؟ وإذا كان علم الآثار مدخولًا، فما ظنُّك بعلوم الأوائل التي تَنْكُب الإيمان، وتورث الشكوك التي لم تكن -واللَّه- في عصر الصحابة والتابعين؟ بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه. انتهى.
[أقسام علوم الحديث]
وقال الإمام أبو شامة رحمه الله: علوم الحديث الآن ثلاثة:
أشرفها: حفظ متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.
والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مُهمًّا، وقد كفيه المشتغلُ بالعلم بما صُنِّف وأُلِّف في ذلك، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل.
الثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلبُ العلو فيه، والرحلة بسببه إلى البلدان. والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهمُّ من علومه النافعة، فضلًا عن العمل به الذي هو المطلوب الأول، قال اللَّه تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. إلا أن هذا لا بأس به للبطالين،
(1)"ليروي" ساقطة من (ب).
لما فيه من إبقاء سلسلة العنعنة المتَّصِلةِ بأشرف البشر صلى الله عليه وسلم، فهي من خصائص هذه الأمة.
قال: ومما يُزهِّد في ذلك، أن فيه يتشارك الصغير والكبير، والفَدْمُ والفاهم، والجاهل والعالم، وقد قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ.
ولام إنسانٌ أحمد رحمه الله في حضور مجلس الشافعي رضي الله عنه، وتركه مجلس سُفيان بن عُيَينة، فقال له أحمد: اسكت، فإن فاتك حديثٌ بعلوٍّ، تجده بنزول، ولا يضرُّك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى، أخافُ أن لا تجده. انتهى.
قال صاحب الترجمة: وهذا في بعضه نظر؛ لأن قوله: وهذا قد كفيه المشتغل بالعلم بما صُنِّف فيه، قد أنكره العلامة أبو جعفر بن الزبير وغيره، ويقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال (1) على ذلك وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإن فقه الحديث وغريبه لا يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادعى مُدّع أن التصانيف التي جمعت في ذلك أجمعُ من التصانيف التي جُمعت في تخيير الرجال، وكذا في تمييز الصحيح من السقيم لما أبْعَدَ، بل ذلك هو الواقع، فإن كان الاشتغال بالأول مُهِمًّا، فالاشتغال بالثاني أهمُّ، لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخلّ به، خلط السقيم بالصحيح، والمُعَدَّل بالجريح وهو لا يشعُر، وكفى بذلك عيبًا، فالحق أن كلًّا منهما في علم الحديث مُهمّ، ولا شك أن مَن جمعهما، حاز القدح المُعَلَّى، مع قصورٍ فيه إن أخلَّ بالثالث، ومن أخلّ بهما، فلا حظّ له في اسم الحافظ، ومن حرَّرَ الأول وأخلَّ بالثاني، كان بعيدًا من اسم المحدث عُرفًا، ومن حرر الثاني وأخل بالأول، لم يبعُد عنه اسم المحدّث، ولكن فيه نقص بالنسبة إلى الأولى.
وبقي الكلام في الفن الثالث، وهو السماع وما ذكر معه، ولا شك أنَّ
(1) في (ب): الإنكار.
مَنْ جمعه مع الفنَّين الأوّلين، كان أوفرَ سَهْمًا وأحظَّ قَسْمًا، ومن اقتصر عليه كان أبخس حظًّا وأبعد حفظًا، فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهًا محدثًا كاملًا، ومن انفرد باثنين منها، كان دونه، وإن كان لا بدَّ مِنَ الاقتصار على اثنين، فليكن الأول والثاني، وهل يُسمّى محدّثًا أو لا؟ فيه تردُّد، وأما من اقتصر على الثاني والثالث، فهو محدّث صِرْفٌ لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ مَنِ انفرد بالأول، فلا حظَّ له في اسم المحدث كما ذكرنا، فهذا هو تحريرُ المقال في هذا الفصل، وطريقُ الإنصاف فيه.
قال: وقد وجدتُ لي فيما ذكرته بحثًا سلفًا من قول رجل من كبار أهل العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن أحمد المقدسي، الذي قال في حقه حجة الإسلام الغزاليّ في "منهاج العابدين" ما قال، حيث ذكر ما رواه الرامهُرمُزِيّ في "المحدث الفاصل" له، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن سهيل، حدثني رجلٌ ذكره من أهل العلم، قال: وقفتِ امرأةٌ على مجلس فيه يحيى بنُ معين (1)، وأبو خيثمة وخلف بن سالم، وجماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ورواه فلان، وما حدَّث به غير (2) فلان، فسألتهم عن الحائض تَغْسِلُ الموتى، وكانت غاسلة، فلم يُجبها أحد منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبل أبو ثور إبراهيم بن خالد الفقيه، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فالتفتت إليه وقد دنا منها، فسألته: فقال: نعم تَغْسِل، لحديث القاسم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليستْ حيضتُك في يدك"، ولقول عائشة: كت أفرق رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا حائضٌ، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيِّ فالميتُ أولى. فقالوا: نعم، رواه فلان، وأخبرناه فلان، ونعرفه من طريق فلان، وخاضوا في الطُّرُق والروايات، فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟
فقال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين (1) ورفقته بعَيْب فيهم؛ لأن اللَّه تعالى قد قسّم العلوم بين عباده، كما قسّم الأرزاق،
(1) في (ط)"سعيد"، تحريف.
(2)
في (أ): "عند" تحريف.
والآجال وسائر الأحكام، فوفَّق قومًا لحفظ أُصول الشريعة، وبيان الصحيح مِنْ ذلك والفاسد، ووفَّق قومًا لمعرفة معاني ذلك، واستنباط الأحكام منها، فكما لم نَعِبْ أبا ثورٍ بترك ذكر الطُّرق والأسانيد، كذلك لا نعيبُ أولئك بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقالٌ، وإنما العيبُ لاحقٌ بمن لم يشتغل بواحدٍ من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُفِّق لهما، قال اللَّه تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، فمن قدم النيّة للَّه في شيء، وجدّ فيه وجده. انتهى.
وقد سئل صاحب الترجمة رحمه الله عن رجل اشتغل بعلم الحديث، وقرأ فيه على أهله أصلًا من أصوله، وبحثه وفهمه فهمًا ودراسة، ومارس أهله وحضر مجالسهم: هل يقومُ له ذلك مقام علوِّ السند، أو يُعتبر علوُّ السَّند؟ وهل إذا كان كذلك، تترجّحُ مروياته على من علا سنده، ويبلغ بعلُوِّ درجته في الفن درَجةَ المرتفعين بعلو السند، وكثرة المسموعات والمقروءات؟ وأيهما (1) أولى بأن يؤخذ عنه، ويقرأ عليه، فأجاب بما قرأته من خطه:
لا يكون حافظًا ولا محدّثًا في الاصطلاح إلا مَنْ عرفَ الأمرين، ومارس الفنين، وأما مَنِ اقتصر على أحدهما، كمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ (2)، وحصّل مِنْ ذلك ما يُطلق عليه اسم الاستكثار مِنْ ذلك عُرفًا، وأهمل -مع ذلك- معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلُح أن يُدَرِّسه ويُفيدُه، فهذا يقال له: مِسنِد وراوٍ، وقد يطلق عليه اسم مُحدِّث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين، إنما يقال له ذلك مجازًا.
وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلق بالأنواع حتى فهمه، وصلح أن يُدَرسه ويُفيده، فهذا يقال له: عالم بعلوم الحديث، ولا يسمّى مُحدثًا أصلًا، ولا يترجّح ما عنده من رواية على رواية الأول، إذا كان أعلى
(1) في (أ): "وأيهم".
(2)
في هامش بخط المصنف: "في الشيوخ".