المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[أقسام علوم الحديث] - الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - جـ ١

[السخاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[حديث: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم]

- ‌[القول في رواية ميمون بن أبي شبيب عن عائشة]

- ‌[أقسام الكتاب]

- ‌المقدمة في التعريف بشيخ الإسلام والمحدث والحافظ

- ‌[شيخ الإسلام]

- ‌[من اشتهر بلقب شيخ الإسلام]

- ‌[تعريف المحدِّث]

- ‌[آداب المحدث]

- ‌[وصية الذهبي للمحدثين]

- ‌[أقسام علوم الحديث]

- ‌[مَنْ يُطلق عليه لقب المحدث]

- ‌[الحافظ]

- ‌[اختصاص العرب بسرعة الحفظ]

- ‌[سلسلة الحفاظ]

- ‌الباب الأولفي ذكر نسبه ومولده وبلدته، وبشارة أبيه به وشهرته ونبذة من تراجم من علمته مِنْ سلفه وإخوته الكرام، أسكنه اللَّه وإياهم دار السلام

- ‌[نسبه]

- ‌[كنيته ولقبه]

- ‌[التلقيب بالإضافة إلى الدين]

- ‌[نسبته]

- ‌[مولده]

- ‌[بشارة والده به]

- ‌[شهرته]

- ‌[أسلافه]

- ‌[والده]

- ‌[إخوته وأخواته]

- ‌الباب الثانيفي صفة مبدأ أمره، ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين من أخذ عنه دراية

- ‌[نشأته:]

- ‌[سماعه بمكة:]

- ‌[سرعة حفظه:]

- ‌[طلبه العلم:]

- ‌[دراسته الفقه:]

- ‌[سلسلة الفقه:]

- ‌[سلسلة أصول الفقة]

- ‌[دراسة النحو:]

- ‌[رحلاته]

- ‌رحلته إلى قوص:

- ‌[رحلته إلى الإسكندرية:]

- ‌[رحلته إلى الحجاز:]

- ‌[رحلته إلى اليمن:]

- ‌[اجتماعه بالفيروزآبادي:]

- ‌[رحلته الثانية إلى اليمن:]

- ‌[من لقيهم من العلماء بمكة والمدينة:]

- ‌[رحلته إلى الشام]

- ‌[الأمور المساعدة على طلب العلم]

- ‌[شرب ماء زمزم لقضاء الحوائج]

- ‌[سرعة الكتابة الحسنة:]

- ‌[الصحبة الطيبة من طلبة العلم:]

- ‌[عدم التردُّد إلى الكبراء:]

- ‌[استثمار الوقت]

- ‌[بركة ابن حجر]

- ‌[السفر إلى حلب وسماعه:]

- ‌[التواضع في طلب العلم:]

- ‌[ذكر الأماكن التي زارها الحافظ ابن حجر]

- ‌ذكر القائمة المشار إليها ونصها: "البلدانيات" لكاتبه

- ‌[الاعتناء بالبلدانيات]

- ‌شيوخه

- ‌القسم الأول

- ‌القسم الثاني

- ‌القسم الثالث

- ‌مروياته

- ‌صحيح البخاري

- ‌صحيح مسلم

- ‌السنن لأبي داود

- ‌الجامع للترمذي

- ‌السنن للنسائي

- ‌[السنن الكبرى للنسائي]

- ‌السنن لابن ماجه

- ‌الموطأ رواية يحيى بن يحيى عن مالك

- ‌الموطأ رواية أبي مصعب

- ‌مسند الشافعي

- ‌السُّنن له رواية المزني

- ‌[السنن للشافعي رواية ابن عبد الحكم]

- ‌واختلاف الحديث له

- ‌مسند الدارمي وهو على الأبواب

- ‌مسند عبد

- ‌مسند أحمد

- ‌مسند مسدد

- ‌مسند الطيالسي

- ‌مسند الشهاب للقضاعي

- ‌صحيح ابن خزيمة

- ‌صحيح ابن حبان

- ‌المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم

- ‌السنن للدارقطني

- ‌السنن للبيهقي

- ‌الأدب المفرد للبخاري

- ‌بر الوالدين له

- ‌الأدب للبيهقي

- ‌السِّيرة تهذيب ابن هشام

- ‌عيون الأثر في فنون المغازي والسِّيَر لابن سيد الناس

- ‌بشرى اللَّبيب بذكرى الحبيب له

- ‌دلائل النبوة للبيهقي

- ‌الشمائل النبوية للترمذي

- ‌الشفاء للقاضي عياض

- ‌مكارم الأخلاق للخرائطي

- ‌مساوىء الأخلاق له

- ‌الزهد لابن المبارك

- ‌الحلية لأبي نعيم

- ‌الدُّعاء للطبراني

- ‌الترغيب للتَّيْمي

- ‌فضائل القرآن لأبي عبيد

- ‌المجالسة للدِّينوري

- ‌المعجم الأوسط للطبراني

- ‌المعجم الصغير له

- ‌البعث لابن أبي داود

- ‌الثاني من حديث ابن مسعود لابن صاعد

- ‌مشيخة الرازي

- ‌سداسياته

- ‌جزء أبي الجهم

- ‌جزء سفيان بن عيينة

- ‌جزء مأمون

- ‌جزء ابن مخلد

- ‌الأول الكبير والثاني، كلاهما من حديث المخلِّص

- ‌المسلسل بالأولية

- ‌الباب الثالثفي ثناء الأئمة عليه

- ‌ ثناء الأئمة عليه

- ‌[المحب ابن الهائم]

- ‌برهان الدين الأبناسي

- ‌[عبد الرحمن بن محمد العلوي]

- ‌سراج الدين ابن الملقِّن

- ‌[سراج الدين البُلقيني]

- ‌[الحافظ العراقي]

- ‌[تقي الدين الدِّجْوي]

- ‌[الحافظ الهيثمي]

- ‌[ابن خلدون]

- ‌[الشهاب الحُسباني]

- ‌[ابن حجي الحسباني]

- ‌[ابن درباس]

- ‌[ابن ظهيرة المكي]

- ‌[الفيروزآبادي]

- ‌[حميد الدين التركماني]

- ‌[عز الدين ابن جماعة]

- ‌[كمال الدين الشُّمُنِّي]

- ‌[جمال الدين الأقفهسي]

- ‌[جلال الدين البلقيني]

- ‌[نفيس الدين العلوي]

- ‌[أبو زرعة العراقي]

- ‌[شمس الدين ابن الديري]

- ‌[شرف الدين التَّبَّاني]

- ‌[ابن مغلي]

- ‌[البدر البشتكي]

- ‌[الشمس البرماوي]

- ‌[التَّقيُّ الفاسي]

- ‌[تقي الدين الكرماني]

- ‌[المجد البرماوي]

- ‌[ابن الجزري]

- ‌[الشهاب الكلوتاتي]

- ‌[ابن الغرابيلي]

- ‌[ابن حجة الحموي]

- ‌[زين الدين الخوافي]

- ‌[ابن الخياط]

- ‌[علاء الدين البخاري]

- ‌[سبط بن العجمي]

- ‌[ناصر الدين الفاقوسي]

- ‌[ابن ناصر الدين الدمشقي]

- ‌[أبو شعرة الحنبلي]

- ‌[شمس الدين البساطي]

- ‌[ابن خطيب الناصرية]

- ‌[المقريزي]

- ‌[ابن نصر اللَّه البغدادي]

- ‌[شمس الدين ابن عمار]

- ‌[شمس الدين الونائي]

- ‌[عثمان بن عمر الزَّبيدي]

- ‌[شمس الدين القاياتي]

- ‌[عز الدين عبد السلام]

- ‌[الشهاب ابن المجدي]

- ‌[ابن قاضي شهبة]

- ‌[برهان الدين بن خضر]

- ‌[رضوان العقبي]

- ‌[ابن أبي الوفاء]

- ‌[تغري برمش]

- ‌[ابن التنسي]

- ‌[ابن العليف]

- ‌[ابن حسان]

- ‌[أبو الفتح المراغي]

- ‌[موفق الدِّين الإبِّي]

- ‌[ابن الضياء]

- ‌[ابن الهُمام]

- ‌[زين الدين القلقشندي]

- ‌[أبو البركات الغزِّي]

- ‌[ابن كُحيل]

- ‌[علم الدين البلقيني]

- ‌[تقي الدين ابن فهد]

- ‌[تقي الدين القلقشندي]

- ‌[الشهاب الحجازي]

- ‌[قاسم بن قطلوبغا]

- ‌[أبو ذر الحلبي]

- ‌[برهان الدين البقاعي]

- ‌[نجم الدين بن فهد]

- ‌[ابن الشِّحنة]

- ‌[شهاب الدين بن الأخصاصي]

- ‌[قطب الدين الخيضري]

- ‌فصل

- ‌[الناقلين عن ابن حجر في تصانيفهم]

- ‌[مراسلة الحافظ العراقي لابن حجر]

- ‌[مراسلة الجلال البلقيني لابن حجر]

- ‌[القول في رواية رافع بواب مروان عن ابن عباس]

- ‌[القول في حديث "لا تسبُّوا أصحابي

- ‌[جواب ابن حجر عن الحديث]

- ‌فصل

- ‌[حديث رأيت عيسى وموسى وابراهيم]

- ‌[القول في التفريق بين جنادة بن أبي خالد وجنادة بن أبي أميَّة]

- ‌[عنايته بالكتب]

- ‌[تعقُّباته على الكتب]

- ‌[الأربعون التساعيات لأبي علي الصيرفي]

- ‌[الأربعون العشاريات لابن الجزري]

- ‌[الكامل لابن عدي]

- ‌[الأنساب لابن السمعاني]

- ‌[تعقُّبه أبا عليٍّ الصدفي]

- ‌[شرح البخاري لمُغلطاي]

- ‌[تعقُّبه أبا زرعه العراقي]

- ‌[تعقُّبه الحافظ ابن رجب الحنبلي]

- ‌[الحكاية الرباعية المنسوبة للبخاري]

- ‌[تعقُّبه ابن جماعة في العَروض]

- ‌[التعقب على حلّ لغز]

- ‌[تعقبه على ابن جماعة]

- ‌[كمال الظَّرف]

- ‌[عدم جواز تصرُّف الناسخ فيما ينسخ]

- ‌[تعقُّبه على ابن الملقِّن]

- ‌[المفاضلة بين صحيحي البخاري ومسلم]

- ‌[سماع رقية بنت الشرف محمد من ابن المصري]

- ‌[إجازة ابن قريش للسويداوي]

- ‌[قياس ارتفاع النيل]

- ‌فصل

- ‌[طبقات الشافعية لابن الملقِّن]

- ‌[الإجابة للزركشي]

- ‌[شرح العمدة للبرماوي]

- ‌[شرح البخاري للعيني]

- ‌[مصنفات المقريزي]

- ‌[قوة الاستحضار حال القراءة والدَّرس]

- ‌الأشعار المنظومة في مدح الحافظ ابن حجر

- ‌[برهان الدين المليجي]

- ‌[الجُحافي]

- ‌[ابن قوقب]

- ‌[برهان الدِّين البقاعي]

- ‌[ابن نصر اللَّه العسقلاني]

- ‌[ابن أبي السعود]

- ‌[الشِّهاب التَّروجي]

- ‌[ابن العماد الأقفهسي]

- ‌[ابن مبارك شاه]

- ‌[الشهاب ابن صالح]

- ‌[ابن عربشاه]

- ‌[ابن كُحيل]

- ‌[ابن القُرْدَاح]

- ‌[الشِّهاب الحجازي]

- ‌[الشهاب المنصوري]

- ‌[الشهاب ابن والي]

- ‌[الشهاب السَّيرجي]

- ‌[الزُّعيفريني]

- ‌[المجد الزَّمزمي]

- ‌[ابن حجَّة الحموي]

- ‌[أبو بكر الزبيدي]

- ‌[ابن صدقة]

- ‌[حسن الصَّفدي]

- ‌[ابن العُليف]

- ‌[خطَّاب بن عمر الدمشقي]

- ‌[ولغيره [في العكس]

- ‌[الأقفهسي]

- ‌[غرس الدين خليل]

- ‌[رضوان العقبي]

- ‌[شعبان الآثاري]

- ‌[المرشدي]

- ‌[تاج الدين الأذرعي]

- ‌[زين الدين البكري]

- ‌[عبد الرحمن الشاذلي]

- ‌[عُبيد الرِّيمي]

- ‌[جلال الدين البلقيني]

- ‌[ابن الخراط]

- ‌[ابن الديري]

- ‌[عبد الرحمن الصوفي]

- ‌[عبد السلام البغدادي]

- ‌[عبد الغني الشرجي]

- ‌[الإشليمي]

- ‌[عبد القادر النحريري]

- ‌[الطَّويلي]

- ‌[الجوجري]

- ‌[ابن العديم]

- ‌[التاج عبد الوهاب]

- ‌[الدواليبي]

- ‌[أبو الحسن العراقي]

- ‌[وما وجدت عندي باقيها]

- ‌[ابن المغلي]

- ‌[الأسواني]

- ‌[الجعبري]

- ‌[عمر الطرابلسي]

- ‌[الطنوبي]

- ‌[مجد الدين ابن مكانس]

- ‌[قاسم بن قطلوبغا]

- ‌[البدر البشتكي]

- ‌[القباقبي]

- ‌[ابن خطيب داريّا]

- ‌[شمس الدين البساطي]

- ‌[شمس الدين الأسيوطي]

- ‌[شمس الدين الدجوي]

- ‌[المراغي]

- ‌[البدر المارديني]

- ‌[بدر الدين الدماميني]

- ‌[الشريف الأسيوطي]

- ‌[شمس الدين القادري]

- ‌[ابن ناصر الدين الدمشقي]

- ‌[شمس الدين النَّواجي]

- ‌[ابن المصري]

- ‌[شمس الدين الطنتدائي]

- ‌[قطب الدين المكي]

- ‌[شمس الدين الهيثمي]

- ‌[ابن الفالاتي]

- ‌[محمد بن عمر الحنفي]

- ‌[ابن قرقماس]

- ‌[الرّاعي]

- ‌[البدر سبط الحسني]

- ‌[شمس الدين الزركشي]

- ‌[زين الدين الخوافي]

- ‌[البكري]

- ‌[ابن ناهض]

- ‌[مسافر بن عبد اللَّه]

- ‌[نعمة اللَّه الجرهي]

- ‌[الفرَّاء]

- ‌[الشريف]

- ‌[شخص من المنزلة]

الفصل: ‌[أقسام علوم الحديث]

ضُحكةً لأُولي المعقولات، يَطنُزُون بنا، ويقولون: أهؤلاء هم أهل الحديث؟

وقال في موضع آخر -وقد نقل عن سفيان الثوري أنه قال: ليس طلب الحديث من عُدّة الموت، ولكنه علة يتشاغل به الرجال- ما نصه: لقد صدق فيما قال؛ لأن طلب الحديث شيء غير الحديث، وطلب الحديث اسمٌ عُرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهيَّة الحديث، وكثير منها مراقٍ إلى العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدث، من تحصيل النُّسخ المليحة، وتطلب الإسناد العالي، وتكثير الشيوخ. والفرح بالألقاب، وتمنِّي العمر الطويل ليروي (1)، وحب الانفراد، إلى أمورٍ عديدة لازمةٍ للأغراض النفسانية، لا للأعمال الربّانية، فإذا كان طلبك للحديث النبويِّ محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك فيها إلى الإخلاص؟ وإذا كان علم الآثار مدخولًا، فما ظنُّك بعلوم الأوائل التي تَنْكُب الإيمان، وتورث الشكوك التي لم تكن -واللَّه- في عصر الصحابة والتابعين؟ بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه. انتهى.

[أقسام علوم الحديث]

وقال الإمام أبو شامة رحمه الله: علوم الحديث الآن ثلاثة:

أشرفها: حفظ متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.

والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مُهمًّا، وقد كفيه المشتغلُ بالعلم بما صُنِّف وأُلِّف في ذلك، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل.

الثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلبُ العلو فيه، والرحلة بسببه إلى البلدان. والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهمُّ من علومه النافعة، فضلًا عن العمل به الذي هو المطلوب الأول، قال اللَّه تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. إلا أن هذا لا بأس به للبطالين،

(1)"ليروي" ساقطة من (ب).

ص: 73

لما فيه من إبقاء سلسلة العنعنة المتَّصِلةِ بأشرف البشر صلى الله عليه وسلم، فهي من خصائص هذه الأمة.

قال: ومما يُزهِّد في ذلك، أن فيه يتشارك الصغير والكبير، والفَدْمُ والفاهم، والجاهل والعالم، وقد قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ.

ولام إنسانٌ أحمد رحمه الله في حضور مجلس الشافعي رضي الله عنه، وتركه مجلس سُفيان بن عُيَينة، فقال له أحمد: اسكت، فإن فاتك حديثٌ بعلوٍّ، تجده بنزول، ولا يضرُّك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى، أخافُ أن لا تجده. انتهى.

قال صاحب الترجمة: وهذا في بعضه نظر؛ لأن قوله: وهذا قد كفيه المشتغل بالعلم بما صُنِّف فيه، قد أنكره العلامة أبو جعفر بن الزبير وغيره، ويقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال (1) على ذلك وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإن فقه الحديث وغريبه لا يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادعى مُدّع أن التصانيف التي جمعت في ذلك أجمعُ من التصانيف التي جُمعت في تخيير الرجال، وكذا في تمييز الصحيح من السقيم لما أبْعَدَ، بل ذلك هو الواقع، فإن كان الاشتغال بالأول مُهِمًّا، فالاشتغال بالثاني أهمُّ، لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخلّ به، خلط السقيم بالصحيح، والمُعَدَّل بالجريح وهو لا يشعُر، وكفى بذلك عيبًا، فالحق أن كلًّا منهما في علم الحديث مُهمّ، ولا شك أن مَن جمعهما، حاز القدح المُعَلَّى، مع قصورٍ فيه إن أخلَّ بالثالث، ومن أخلّ بهما، فلا حظّ له في اسم الحافظ، ومن حرَّرَ الأول وأخلَّ بالثاني، كان بعيدًا من اسم المحدث عُرفًا، ومن حرر الثاني وأخل بالأول، لم يبعُد عنه اسم المحدّث، ولكن فيه نقص بالنسبة إلى الأولى.

وبقي الكلام في الفن الثالث، وهو السماع وما ذكر معه، ولا شك أنَّ

(1) في (ب): الإنكار.

ص: 74

مَنْ جمعه مع الفنَّين الأوّلين، كان أوفرَ سَهْمًا وأحظَّ قَسْمًا، ومن اقتصر عليه كان أبخس حظًّا وأبعد حفظًا، فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهًا محدثًا كاملًا، ومن انفرد باثنين منها، كان دونه، وإن كان لا بدَّ مِنَ الاقتصار على اثنين، فليكن الأول والثاني، وهل يُسمّى محدّثًا أو لا؟ فيه تردُّد، وأما من اقتصر على الثاني والثالث، فهو محدّث صِرْفٌ لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ مَنِ انفرد بالأول، فلا حظَّ له في اسم المحدث كما ذكرنا، فهذا هو تحريرُ المقال في هذا الفصل، وطريقُ الإنصاف فيه.

قال: وقد وجدتُ لي فيما ذكرته بحثًا سلفًا من قول رجل من كبار أهل العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن أحمد المقدسي، الذي قال في حقه حجة الإسلام الغزاليّ في "منهاج العابدين" ما قال، حيث ذكر ما رواه الرامهُرمُزِيّ في "المحدث الفاصل" له، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن سهيل، حدثني رجلٌ ذكره من أهل العلم، قال: وقفتِ امرأةٌ على مجلس فيه يحيى بنُ معين (1)، وأبو خيثمة وخلف بن سالم، وجماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ورواه فلان، وما حدَّث به غير (2) فلان، فسألتهم عن الحائض تَغْسِلُ الموتى، وكانت غاسلة، فلم يُجبها أحد منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبل أبو ثور إبراهيم بن خالد الفقيه، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فالتفتت إليه وقد دنا منها، فسألته: فقال: نعم تَغْسِل، لحديث القاسم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليستْ حيضتُك في يدك"، ولقول عائشة: كت أفرق رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا حائضٌ، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيِّ فالميتُ أولى. فقالوا: نعم، رواه فلان، وأخبرناه فلان، ونعرفه من طريق فلان، وخاضوا في الطُّرُق والروايات، فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟

فقال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين (1) ورفقته بعَيْب فيهم؛ لأن اللَّه تعالى قد قسّم العلوم بين عباده، كما قسّم الأرزاق،

(1) في (ط)"سعيد"، تحريف.

(2)

في (أ): "عند" تحريف.

ص: 75

والآجال وسائر الأحكام، فوفَّق قومًا لحفظ أُصول الشريعة، وبيان الصحيح مِنْ ذلك والفاسد، ووفَّق قومًا لمعرفة معاني ذلك، واستنباط الأحكام منها، فكما لم نَعِبْ أبا ثورٍ بترك ذكر الطُّرق والأسانيد، كذلك لا نعيبُ أولئك بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقالٌ، وإنما العيبُ لاحقٌ بمن لم يشتغل بواحدٍ من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُفِّق لهما، قال اللَّه تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، فمن قدم النيّة للَّه في شيء، وجدّ فيه وجده. انتهى.

وقد سئل صاحب الترجمة رحمه الله عن رجل اشتغل بعلم الحديث، وقرأ فيه على أهله أصلًا من أصوله، وبحثه وفهمه فهمًا ودراسة، ومارس أهله وحضر مجالسهم: هل يقومُ له ذلك مقام علوِّ السند، أو يُعتبر علوُّ السَّند؟ وهل إذا كان كذلك، تترجّحُ مروياته على من علا سنده، ويبلغ بعلُوِّ درجته في الفن درَجةَ المرتفعين بعلو السند، وكثرة المسموعات والمقروءات؟ وأيهما (1) أولى بأن يؤخذ عنه، ويقرأ عليه، فأجاب بما قرأته من خطه:

لا يكون حافظًا ولا محدّثًا في الاصطلاح إلا مَنْ عرفَ الأمرين، ومارس الفنين، وأما مَنِ اقتصر على أحدهما، كمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ (2)، وحصّل مِنْ ذلك ما يُطلق عليه اسم الاستكثار مِنْ ذلك عُرفًا، وأهمل -مع ذلك- معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلُح أن يُدَرِّسه ويُفيدُه، فهذا يقال له: مِسنِد وراوٍ، وقد يطلق عليه اسم مُحدِّث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين، إنما يقال له ذلك مجازًا.

وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلق بالأنواع حتى فهمه، وصلح أن يُدَرسه ويُفيده، فهذا يقال له: عالم بعلوم الحديث، ولا يسمّى مُحدثًا أصلًا، ولا يترجّح ما عنده من رواية على رواية الأول، إذا كان أعلى

(1) في (أ): "وأيهم".

(2)

في هامش بخط المصنف: "في الشيوخ".

ص: 76