المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[شمس الدين النواجي] - الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - جـ ١

[السخاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[حديث: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم]

- ‌[القول في رواية ميمون بن أبي شبيب عن عائشة]

- ‌[أقسام الكتاب]

- ‌المقدمة في التعريف بشيخ الإسلام والمحدث والحافظ

- ‌[شيخ الإسلام]

- ‌[من اشتهر بلقب شيخ الإسلام]

- ‌[تعريف المحدِّث]

- ‌[آداب المحدث]

- ‌[وصية الذهبي للمحدثين]

- ‌[أقسام علوم الحديث]

- ‌[مَنْ يُطلق عليه لقب المحدث]

- ‌[الحافظ]

- ‌[اختصاص العرب بسرعة الحفظ]

- ‌[سلسلة الحفاظ]

- ‌الباب الأولفي ذكر نسبه ومولده وبلدته، وبشارة أبيه به وشهرته ونبذة من تراجم من علمته مِنْ سلفه وإخوته الكرام، أسكنه اللَّه وإياهم دار السلام

- ‌[نسبه]

- ‌[كنيته ولقبه]

- ‌[التلقيب بالإضافة إلى الدين]

- ‌[نسبته]

- ‌[مولده]

- ‌[بشارة والده به]

- ‌[شهرته]

- ‌[أسلافه]

- ‌[والده]

- ‌[إخوته وأخواته]

- ‌الباب الثانيفي صفة مبدأ أمره، ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين من أخذ عنه دراية

- ‌[نشأته:]

- ‌[سماعه بمكة:]

- ‌[سرعة حفظه:]

- ‌[طلبه العلم:]

- ‌[دراسته الفقه:]

- ‌[سلسلة الفقه:]

- ‌[سلسلة أصول الفقة]

- ‌[دراسة النحو:]

- ‌[رحلاته]

- ‌رحلته إلى قوص:

- ‌[رحلته إلى الإسكندرية:]

- ‌[رحلته إلى الحجاز:]

- ‌[رحلته إلى اليمن:]

- ‌[اجتماعه بالفيروزآبادي:]

- ‌[رحلته الثانية إلى اليمن:]

- ‌[من لقيهم من العلماء بمكة والمدينة:]

- ‌[رحلته إلى الشام]

- ‌[الأمور المساعدة على طلب العلم]

- ‌[شرب ماء زمزم لقضاء الحوائج]

- ‌[سرعة الكتابة الحسنة:]

- ‌[الصحبة الطيبة من طلبة العلم:]

- ‌[عدم التردُّد إلى الكبراء:]

- ‌[استثمار الوقت]

- ‌[بركة ابن حجر]

- ‌[السفر إلى حلب وسماعه:]

- ‌[التواضع في طلب العلم:]

- ‌[ذكر الأماكن التي زارها الحافظ ابن حجر]

- ‌ذكر القائمة المشار إليها ونصها: "البلدانيات" لكاتبه

- ‌[الاعتناء بالبلدانيات]

- ‌شيوخه

- ‌القسم الأول

- ‌القسم الثاني

- ‌القسم الثالث

- ‌مروياته

- ‌صحيح البخاري

- ‌صحيح مسلم

- ‌السنن لأبي داود

- ‌الجامع للترمذي

- ‌السنن للنسائي

- ‌[السنن الكبرى للنسائي]

- ‌السنن لابن ماجه

- ‌الموطأ رواية يحيى بن يحيى عن مالك

- ‌الموطأ رواية أبي مصعب

- ‌مسند الشافعي

- ‌السُّنن له رواية المزني

- ‌[السنن للشافعي رواية ابن عبد الحكم]

- ‌واختلاف الحديث له

- ‌مسند الدارمي وهو على الأبواب

- ‌مسند عبد

- ‌مسند أحمد

- ‌مسند مسدد

- ‌مسند الطيالسي

- ‌مسند الشهاب للقضاعي

- ‌صحيح ابن خزيمة

- ‌صحيح ابن حبان

- ‌المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم

- ‌السنن للدارقطني

- ‌السنن للبيهقي

- ‌الأدب المفرد للبخاري

- ‌بر الوالدين له

- ‌الأدب للبيهقي

- ‌السِّيرة تهذيب ابن هشام

- ‌عيون الأثر في فنون المغازي والسِّيَر لابن سيد الناس

- ‌بشرى اللَّبيب بذكرى الحبيب له

- ‌دلائل النبوة للبيهقي

- ‌الشمائل النبوية للترمذي

- ‌الشفاء للقاضي عياض

- ‌مكارم الأخلاق للخرائطي

- ‌مساوىء الأخلاق له

- ‌الزهد لابن المبارك

- ‌الحلية لأبي نعيم

- ‌الدُّعاء للطبراني

- ‌الترغيب للتَّيْمي

- ‌فضائل القرآن لأبي عبيد

- ‌المجالسة للدِّينوري

- ‌المعجم الأوسط للطبراني

- ‌المعجم الصغير له

- ‌البعث لابن أبي داود

- ‌الثاني من حديث ابن مسعود لابن صاعد

- ‌مشيخة الرازي

- ‌سداسياته

- ‌جزء أبي الجهم

- ‌جزء سفيان بن عيينة

- ‌جزء مأمون

- ‌جزء ابن مخلد

- ‌الأول الكبير والثاني، كلاهما من حديث المخلِّص

- ‌المسلسل بالأولية

- ‌الباب الثالثفي ثناء الأئمة عليه

- ‌ ثناء الأئمة عليه

- ‌[المحب ابن الهائم]

- ‌برهان الدين الأبناسي

- ‌[عبد الرحمن بن محمد العلوي]

- ‌سراج الدين ابن الملقِّن

- ‌[سراج الدين البُلقيني]

- ‌[الحافظ العراقي]

- ‌[تقي الدين الدِّجْوي]

- ‌[الحافظ الهيثمي]

- ‌[ابن خلدون]

- ‌[الشهاب الحُسباني]

- ‌[ابن حجي الحسباني]

- ‌[ابن درباس]

- ‌[ابن ظهيرة المكي]

- ‌[الفيروزآبادي]

- ‌[حميد الدين التركماني]

- ‌[عز الدين ابن جماعة]

- ‌[كمال الدين الشُّمُنِّي]

- ‌[جمال الدين الأقفهسي]

- ‌[جلال الدين البلقيني]

- ‌[نفيس الدين العلوي]

- ‌[أبو زرعة العراقي]

- ‌[شمس الدين ابن الديري]

- ‌[شرف الدين التَّبَّاني]

- ‌[ابن مغلي]

- ‌[البدر البشتكي]

- ‌[الشمس البرماوي]

- ‌[التَّقيُّ الفاسي]

- ‌[تقي الدين الكرماني]

- ‌[المجد البرماوي]

- ‌[ابن الجزري]

- ‌[الشهاب الكلوتاتي]

- ‌[ابن الغرابيلي]

- ‌[ابن حجة الحموي]

- ‌[زين الدين الخوافي]

- ‌[ابن الخياط]

- ‌[علاء الدين البخاري]

- ‌[سبط بن العجمي]

- ‌[ناصر الدين الفاقوسي]

- ‌[ابن ناصر الدين الدمشقي]

- ‌[أبو شعرة الحنبلي]

- ‌[شمس الدين البساطي]

- ‌[ابن خطيب الناصرية]

- ‌[المقريزي]

- ‌[ابن نصر اللَّه البغدادي]

- ‌[شمس الدين ابن عمار]

- ‌[شمس الدين الونائي]

- ‌[عثمان بن عمر الزَّبيدي]

- ‌[شمس الدين القاياتي]

- ‌[عز الدين عبد السلام]

- ‌[الشهاب ابن المجدي]

- ‌[ابن قاضي شهبة]

- ‌[برهان الدين بن خضر]

- ‌[رضوان العقبي]

- ‌[ابن أبي الوفاء]

- ‌[تغري برمش]

- ‌[ابن التنسي]

- ‌[ابن العليف]

- ‌[ابن حسان]

- ‌[أبو الفتح المراغي]

- ‌[موفق الدِّين الإبِّي]

- ‌[ابن الضياء]

- ‌[ابن الهُمام]

- ‌[زين الدين القلقشندي]

- ‌[أبو البركات الغزِّي]

- ‌[ابن كُحيل]

- ‌[علم الدين البلقيني]

- ‌[تقي الدين ابن فهد]

- ‌[تقي الدين القلقشندي]

- ‌[الشهاب الحجازي]

- ‌[قاسم بن قطلوبغا]

- ‌[أبو ذر الحلبي]

- ‌[برهان الدين البقاعي]

- ‌[نجم الدين بن فهد]

- ‌[ابن الشِّحنة]

- ‌[شهاب الدين بن الأخصاصي]

- ‌[قطب الدين الخيضري]

- ‌فصل

- ‌[الناقلين عن ابن حجر في تصانيفهم]

- ‌[مراسلة الحافظ العراقي لابن حجر]

- ‌[مراسلة الجلال البلقيني لابن حجر]

- ‌[القول في رواية رافع بواب مروان عن ابن عباس]

- ‌[القول في حديث "لا تسبُّوا أصحابي

- ‌[جواب ابن حجر عن الحديث]

- ‌فصل

- ‌[حديث رأيت عيسى وموسى وابراهيم]

- ‌[القول في التفريق بين جنادة بن أبي خالد وجنادة بن أبي أميَّة]

- ‌[عنايته بالكتب]

- ‌[تعقُّباته على الكتب]

- ‌[الأربعون التساعيات لأبي علي الصيرفي]

- ‌[الأربعون العشاريات لابن الجزري]

- ‌[الكامل لابن عدي]

- ‌[الأنساب لابن السمعاني]

- ‌[تعقُّبه أبا عليٍّ الصدفي]

- ‌[شرح البخاري لمُغلطاي]

- ‌[تعقُّبه أبا زرعه العراقي]

- ‌[تعقُّبه الحافظ ابن رجب الحنبلي]

- ‌[الحكاية الرباعية المنسوبة للبخاري]

- ‌[تعقُّبه ابن جماعة في العَروض]

- ‌[التعقب على حلّ لغز]

- ‌[تعقبه على ابن جماعة]

- ‌[كمال الظَّرف]

- ‌[عدم جواز تصرُّف الناسخ فيما ينسخ]

- ‌[تعقُّبه على ابن الملقِّن]

- ‌[المفاضلة بين صحيحي البخاري ومسلم]

- ‌[سماع رقية بنت الشرف محمد من ابن المصري]

- ‌[إجازة ابن قريش للسويداوي]

- ‌[قياس ارتفاع النيل]

- ‌فصل

- ‌[طبقات الشافعية لابن الملقِّن]

- ‌[الإجابة للزركشي]

- ‌[شرح العمدة للبرماوي]

- ‌[شرح البخاري للعيني]

- ‌[مصنفات المقريزي]

- ‌[قوة الاستحضار حال القراءة والدَّرس]

- ‌الأشعار المنظومة في مدح الحافظ ابن حجر

- ‌[برهان الدين المليجي]

- ‌[الجُحافي]

- ‌[ابن قوقب]

- ‌[برهان الدِّين البقاعي]

- ‌[ابن نصر اللَّه العسقلاني]

- ‌[ابن أبي السعود]

- ‌[الشِّهاب التَّروجي]

- ‌[ابن العماد الأقفهسي]

- ‌[ابن مبارك شاه]

- ‌[الشهاب ابن صالح]

- ‌[ابن عربشاه]

- ‌[ابن كُحيل]

- ‌[ابن القُرْدَاح]

- ‌[الشِّهاب الحجازي]

- ‌[الشهاب المنصوري]

- ‌[الشهاب ابن والي]

- ‌[الشهاب السَّيرجي]

- ‌[الزُّعيفريني]

- ‌[المجد الزَّمزمي]

- ‌[ابن حجَّة الحموي]

- ‌[أبو بكر الزبيدي]

- ‌[ابن صدقة]

- ‌[حسن الصَّفدي]

- ‌[ابن العُليف]

- ‌[خطَّاب بن عمر الدمشقي]

- ‌[ولغيره [في العكس]

- ‌[الأقفهسي]

- ‌[غرس الدين خليل]

- ‌[رضوان العقبي]

- ‌[شعبان الآثاري]

- ‌[المرشدي]

- ‌[تاج الدين الأذرعي]

- ‌[زين الدين البكري]

- ‌[عبد الرحمن الشاذلي]

- ‌[عُبيد الرِّيمي]

- ‌[جلال الدين البلقيني]

- ‌[ابن الخراط]

- ‌[ابن الديري]

- ‌[عبد الرحمن الصوفي]

- ‌[عبد السلام البغدادي]

- ‌[عبد الغني الشرجي]

- ‌[الإشليمي]

- ‌[عبد القادر النحريري]

- ‌[الطَّويلي]

- ‌[الجوجري]

- ‌[ابن العديم]

- ‌[التاج عبد الوهاب]

- ‌[الدواليبي]

- ‌[أبو الحسن العراقي]

- ‌[وما وجدت عندي باقيها]

- ‌[ابن المغلي]

- ‌[الأسواني]

- ‌[الجعبري]

- ‌[عمر الطرابلسي]

- ‌[الطنوبي]

- ‌[مجد الدين ابن مكانس]

- ‌[قاسم بن قطلوبغا]

- ‌[البدر البشتكي]

- ‌[القباقبي]

- ‌[ابن خطيب داريّا]

- ‌[شمس الدين البساطي]

- ‌[شمس الدين الأسيوطي]

- ‌[شمس الدين الدجوي]

- ‌[المراغي]

- ‌[البدر المارديني]

- ‌[بدر الدين الدماميني]

- ‌[الشريف الأسيوطي]

- ‌[شمس الدين القادري]

- ‌[ابن ناصر الدين الدمشقي]

- ‌[شمس الدين النَّواجي]

- ‌[ابن المصري]

- ‌[شمس الدين الطنتدائي]

- ‌[قطب الدين المكي]

- ‌[شمس الدين الهيثمي]

- ‌[ابن الفالاتي]

- ‌[محمد بن عمر الحنفي]

- ‌[ابن قرقماس]

- ‌[الرّاعي]

- ‌[البدر سبط الحسني]

- ‌[شمس الدين الزركشي]

- ‌[زين الدين الخوافي]

- ‌[البكري]

- ‌[ابن ناهض]

- ‌[مسافر بن عبد اللَّه]

- ‌[نعمة اللَّه الجرهي]

- ‌[الفرَّاء]

- ‌[الشريف]

- ‌[شخص من المنزلة]

الفصل: ‌[شمس الدين النواجي]

عدَتْ للسِّوا قصدًا لتظهر فضلكم

وعادت إلى عَلياك والعَوْدُ أحمدُ

[ابن ناصر الدين الدمشقي]

ومنهم: الحافظ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمَّد بن أبي بكر عبد اللَّه (1) بن محمد بن ناصر الدين الدمشقي.

فكتب عنه صاحبنا (2) النجم بن فهد الهاشمي مما أنشده لنفسه لفظًا:

إن قيلَ من ترتجي جودًا ويفعلُه

قُلِ المفيدُ بفضلٍ كلَّ مَنْ وفَدا

قاضي القضاة إمامُ العصر حافظُه

فردُ الزمان الذي في فضلِه انفردَا

وإن أردت نظيرًا في تبحُّره

علمًا وفضلًا وجودًا لم تجد أحدَا

لا تنكروا جُودَه كالماء منسحبًا

فالماءُ من حَجَرٍ يحيى به أبدا

[شمس الدين النَّواجي]

ومنهم: العلامة فخر الأدباء شمس الدين محمد بن حسن النَّواجي غفر اللَّه له.

وله فيه المدائح الكثيرة (3)، فمنه ما قرأته بخطه:

نفسٌ على هام الكواكب تُشْرُفُ

وحُلا أرقُّ مِنَ النَّسيم وألْطَفُ

يا واحدَ الدُّنيا الذي عزماتُه

حلفَ الزَّمانُ بمثلها لا يُخلِفُ

كم رامَ بدرُ التَّمِّ يحكي وجهَك الوضَّـ

ـاحَ حسنًا فاعتراه تكلُّفُ

لا شك فيه مِنَ الإله سريرةٌ

بالبِشْرِ مِنْ صَفَحاتِ وجهك تُعرَفُ

(1) في (أ): "أبي بكر بن عبد اللَّه"، خطأ، وانظر الضوء اللامع 8/ 103.

(2)

أضيفت في (ح) كلمة "الحافظ"، فأصبحت:"الحافظ صاحبنا. . . " ثم علق أحدهم بعد ذلك في الهامش ما نصه: ينظر هذه اللفظة ما هي، فإنها من إصلاح الجاهل الكاذب الحمار (!) صاحب النسخة، المجترئ على اللَّه وعلى المصنفين في تغيير عباراتهم، وهو معلوم من بيت المذكور.

(3)

ذكر المصنف في ترجمته من الضوء اللامع 7/ 232: أنه مدح صاحب الترجمة، وقال: وله في غرر المدائح، أودعت الكثير منها في الجواهر.

قلت: وقد أورد المصنف مجموعة من القصائد للنواجي، تنتهي بصفحة 538.

ص: 513

حمَّلتَ أعناقَ الكرامِ صنائعًا

عَنْ بعضِ أيسرِها تكِلُّ وتَضعُفُ

ومنحتَ أربابَ البُيوت بدائعًا

بحُلَى معانيك الحسان (1) تُزَخْرَفُ

للَّه دَرُّك مِنْ سليلِ مآثرٍ

بأثيل محتَدِهِ العُلا يتشرَّفُ

شهمٌ أبيٌّ جائدٌ متفضِّلٌ

نَدْبٌ وفيٌّ زاهدٌ متعفِّفُ

ورِثَ السيادةَ لا أقول كَلالَةً

بل ذاك مجدٌ عَنْ أبيه مخلفُ

رحبُ الحظيرة في العُلوم مَبصَّرٌ

في الحكم لا أنِفٌ ولا مُستنكِفُ

يبدي التَّرفُّع حيث شامَ من امرئ

شَممًا ويَرفُق بالضَّعيف ويرأفُ

أبدًا يُنزِّه طَرْفَه في (2) روضة

أطيارُ فكرته عليها عُكَّفُ (3)

ويكاد صدر الطِّرس يخبره بما

فيه وتنطِقُ في يديه الأحرفُ

وإذا الفقير شكا إليه ظُلامَةً

رقمتْ (4) أناملُه الكريمةُ تكشِفُ

هو سيبويه زمانِه وعلُومه

عين الخليلِ لنحوها تَتَشَوَّفُ (5)

فأبو عُبيدٍ لو تأخَّر عنه لم

يُنْسَبْ إليه في الغريب "مُصَنَّفُ"

ولو ابن عصفور رآه لطَارَ مِنْ

فرحٍ وعادَ إليه وهو يُرفرِفُ

بأداة الاستقبالِ لم يَكُ ناطقًا

وبأحرفِ التَّنْفِيس ليس يُسَوِّفُ

بل أمرُه في الحالِ يرجعُ ماضيًا

حتمًا وفعلُ نوالِه مُتَصَرِّفُ

قد حازَ معرفةً ووزنًا مِنْ ندى

كفٍّ فعن رُتَبِ العُلا لا يُصرفُ (6)

وإذا وجوهُ المكْرُماتِ تنكَّرت

بأداة نشرِ عطائِه تتعرَّفُ

(1) في (ط): الكرام.

(2)

في (أ): "عن".

(3)

في (ب): "عطف".

(4)

في (أ): "رمقت"، تحريف.

(5)

في (ب) و"المختصر": "تتشرف".

(6)

هذا البيت ساقط من (ط).

ص: 514

لا عيبَ في علياهُ إلا أنه

يحبُو بما ملكت يداهُ ويُتْحِفُ

وإذا تعزَّزَ مالُه عَن طالبٍ

رِفْدًا تراه لذا وهذا يُضْعِفُ

لا يُخلِفُ الميعادَ أصلًا بل يرى

أن الإله عليه حقًا يُخلِفُ

كَلِفٌ بأمر الدِّين لا يَلْوِي على

ما فاتَ مِنْ دنيا ولا يتأسَّفُ

وله إذا سَدَلَ الظَّلام رُواقَه (1)

عينٌ مُسَهَّدةٌ ودمعٌ يَذرِفُ

فألذُّ ما يُتْلَى عليه كلامُ خا

لِقه وأشْهى ما إليه المُصْحَفُ

يا كعبَةَ الجُودِ الذي لِمَقَامِه

تسعَى الوفودُ نَدًى ولا تتوقَّفُ

وتطُوفُ حولَ البيتِ منه كأنَّه

للفضل ما بين الخلائقِ موْقفُ

بمنَى المُنَى وقفُوا، وفي حرَم الهَنَا

عكَفُوا، وبالحَجَرِ المكرَّم أُتحِفُوا

بالعلْمِ والحلْمِ اشتهرتَ فقُل لنا

هل أنتَ أحمدُ عصرِنا أم أحنَفُ

وبحُسْنِ خُلقك حيثُ راح مُوطَّأ

أصبحت فينا مالِكًا يتصرَّفُ

أم نفسُ حاتِم نَقْشُ خاتَمِ كفِّكم

بهما الجناس يروقُ وهو مصحَّفُ (2)

يا حافظَ الإِسلام مِنْ لَددٍ ومِنْ

نزعاتِ خصمٍ كيدُه مستضعفُ

لك منطقٌ جزلٌ رصينُ اللَّفظ لا

متكلِّفٌ لَسَنًا ولا مُتعسِّفُ

مُرْدٍ لسَفْسافِ الكلام إذا انتضى

حدًّا لِنحْلَة حَائِدٍ يَتَفَلْسَفُ

ما زِلْتَ تحمي شرعَ سنَّةِ أحمدٍ

وبه تَذُبُّ عَنِ الحديث وتَصرِفُ

حتى أعدت الحقَّ أبيضَ أبلجًا

بسَنًا يكادُ البرقُ منه يَخطَفُ

وقَفَوْتَ آثارَ الرِّجالِ فلم تَدَع

لهُم طريقًا فيه ما يُتَخوَّفُ

وبمجلسِ الإملاء تملأ سمعَنا

دُررًا بها أُذْنُ الرُّواة تُشنَّفُ

وإذا أتيتَ بطُرْفَةٍ شهِدَ الورى

حقًا بأنك يا إمامُ مُطرِّفُ

(1) في (أ): "وراقه"، تحريف.

(2)

هذا البيت لم يرد في (أ).

ص: 515

و"بنخبة الفكر" انتهجتَ طريقةً

غرَّاءَ يعرفُ فضلَها مَنْ يعرفُ

وبفتح باريك اغتنيت فكلُّهم

مِنْ فيضِ فضلِ علومِكم يتلقفُ

وعُنيتَ بالذَّهبي في "ميزانه"

بالنَّقد فيما بَهْرجُوه وزيَّفُوا

حركتَ فيه له (1)"لسانًا" مُسْلَطًا

كالسَّيف يرهبُه الحُسامُ المرهَفُ

لا غَرْوَ أنْ يُقضى بقطع نزاعهم

فاللَّفظُ عضْبٌ واليَراع مثقَّفُ

يا شيخَ الاسلامِ الذي أفكارُه

أبدًا بها شملُ العلوم مؤلَّفُ

مِنْ بحرِ جُودك قد نظمتُ قصيدةً

زَهرُ البلاغة مِنْ حُلاها يَقْطِفُ

حاكت بصنعاء القَريض برودَها

وأتت تجرُّ المِرْط وهو مفَوَّفُ (2)

لطُفت معانيها فأعينُ عَينِها

لك مِنْ كُوى فاءاتها تَتَشَوَّفُ

وتمايلت مَرحًا فلولا نِسْبَةٌ

لكُم لقيل ثَنَى المليحةَ قَرْقَفُ

هي بهجةٌ للشمس إلا أنَّها

تسمو بعلياء الشِّهاب وتَشْرُفُ

طوَّقْتَنِي بالجودِ منك فلم أزلْ

بعُلاك فُي فُنَنِ البلاغة أهتِفُ

وكسوتني حُلَل الجمالِ فها أنا

لكمُ مُريدٌ في الورى متصوِّفُ

لي فيك حسنُ تخضُّعِ وتذلُّلٍ

ولكم عليَّ تحنُّنٌ وتعطُّفُ

ووحقِّ فيضِ نَدَاكَ وهو ألِيَّتِي

ويَحِقُّ لي أنِّي بذلك أحلفُ

ما لي إلى أحدٍ سواكَ تَلَفُّتٌ

كلَّا ولا لي عَنْ جنابك مصرِفُ

وعلى محبتك الخلائقُ أجمعوا

كُلًّا فما أحدٌ عليك يعنَّفُ

لا زلتَ في أمرِ الممالكِ قاضيا

وشهاب علمِك بالفضائلِ يُسعِفُ

ويَحفُّكَ البدرُ المنيرُ بطلعةٍ

شمسُ الظهيرة من سناها تكسَفُ

واللَّه يكلؤكُم بعين عِنَايةٍ

منه ويحفظُكم لديه ويُزلِفُ

(1)"له" ساقطة من (ط).

(2)

في هامش (ط): "البرد المفوَّف: ما فيه خطوط بيض".

ص: 516

يا ربِّ واحشرني بزُمرته إذا

هبت سعيرُ لظًى وهال الموقفُ

فبجاه أحمدَ لم أزل مُتَشَفِّعًا

مِنْ مالكٍ وبدينه أتحنَّفُ

صلَّى عليه اللَّه ما ذُكِرَ اسمُه

لشجٍ فَهَامَ إليه صبٌّ مُدْنَفُ

ومنه ما أنشد عقب ختم "فتح الباري" بالمنكوتمرية، فقال:

خُذوا حديث الغرام مُسنَدْ

عَنْ مُستهامِ الفُؤادِ مُبعَدْ

وسَلْسِلُوه بِدُرِّ دمعي

فابنُ مَعينٍ به تَفَرَّدْ

يا خدُّه الواقديُّ (1) رفقًا

بخاطرٍ منك قَدْ توقَّدْ

وثغرُه الجوهريُّ كم ذا

يمنعني ريقَك المبرَّدْ

باللَّه يا راحلًا بقلبي

هل (2) لفؤاد المشُوقِ مِنْ رَدْ

اللَّهَ اللَّهَ في محبٍّ

بنظرةٍ منك ما تزوَّدْ

يُكَفكِفُ الدَّمع في جيوبٍ

خوفَ وُشَاةٍ له وحُسَّدْ

لو سُمْتُه قُبْلَةً ولو في المنـ

ـامِ بالرُّوح ما تردَّدْ

للَّه ساجي اللَّحاظِ ألمى

أغنُّ لَدْنُ القَوامِ أغيَدْ

ألثغُ حُلْوُ الكلامِ كادَت

حلاوةُ الثَّغْرِ منه تُعْقَدْ

البدرُ (3) قد لاح مِنْ سناه

والغُصْنُ من عِطفِه تأوَّدْ

رقَّ أديمًا فكاد يجري

على فؤادٍ له كجلمَدْ

لو هفواتُ النَّسيم مَرَّتْ

عليه من لُطفه (4) تجَعَّدْ

جامعُ حسْنٍ إذا تبدَّى

خرَّت عيونُ الأنامِ سُجَّدْ

(1) في (أ): "الواقد".

(2)

في (أ): "قل".

(3)

في (أ): "الثغر".

(4)

في (ط): "لفظه"، تحريف.

ص: 517

وقُبلةُ العِشْقِ إن تُغنِّي

أبصرتَ في الحالتين مَعبَدْ

صيرتُ دمعي عليه وقفًا

مُسبَّلًا جاريًا مؤبَّدْ

وعاذلٍ كان قبلَ هذا

يطعنُ في حُسنِه ويَجْحَدْ

ومُذْ بدا وجهُه هلالًا

يفوقُ بدرَ السَّما تَشَهَّدْ

وزان خدَّيه حُسْنُ خالٍ

بكعبة الحُسْنِ قَدْ تعبَّدْ

حَمَاهُ ربي فكيف أضحى

في وسط نيرانها مخَلَّدْ

لم أنْسَ إذ زارني بليلٍ

كأنَّه كوكبٌ توقَّدْ

وابتسم الثغر عن لآلٍ (1)

فَهِمْتُ في عِقدها المُنضَّدْ

واستعبَرَ الجَفْن مِنْ دموعٍ

لمَّا رأى صدْرَهَ تنهَّدْ

أرشَفَنِي مِنْ رحيقِ ثغرٍ

كاسًا وحيَّا بوردِه الخَدْ

شمِمت منه عبير خالٍ

يعبَقُ مِنْ نشره شَذَا النَّدْ

فَيَا له عنبرٌ ذكيُّ

وعاذلِي فيه قد تَبَلَّدْ

يا مالك (2) الحسن جُد بنعما

ن وَجنَتَيْ خدِّكَ الموَرَّدْ

وإن تكن شافعي فإني

أشكرُ ربَّ السَّما وأحمدْ

قاضي قُضاةِ الأنامِ كنزُ الـ

ـغنى حليف النَّدى المؤبَّدْ (3)

حامي ذُرى المجد والعُلَا مَنْ

فاقَ الورى في حُلا وسُؤدُدْ

بنى له الفضلُ بيتَ عَلْيا (4)

له بساطُ النُّجوم مَقْعَدْ

وأعربَتْ عن عُلاه خِيمٌ (5)

بالعطف معروفُها تأكَّدْ

(1) في (أ): "هلال".

(2)

في (أ): "يا مالكي".

(3)

في (ب) والمختصر: "المؤيّد".

(4)

في (أ): "عالي".

(5)

في "المختصر": "وأعرب الفعل عن صفات". وفي هامش (ط، ح). "الخِيم -بالكسر- السجية والطبيعة".

ص: 518

مولى به اللَّه في الورى قد

أعزَّ أحكامَه وأيَّدْ

أعفُّ في الحكم مَنْ مَشَيْنَا

تحتَ لواء عَدْلِه وأزهَدْ

له مع اللَّه حُسْنُ حال

بظهرِ غيبٍ له ومَشْهَدْ

ما مثلُه في وفًا وحلْمٍ

إنْ وعَدَ المرءَ أو توعَّدْ

ولم يقُل في نَدًى وعِلم

لمَنْ أتى سائلًا: إلى غَدْ

ذُو راحة أتْعَبتْ حسودًا

قصَّرَ عَنْ نَيْلها وفَنَّدْ

أصابع النِّيل قاصِراتٌ

عنها وكفُّ الغمام مُمتَدْ

كم قلتُ لمَّا سَمَا فحاذى

رأسَ سِمَاكٍ وفَرقَ فَرْقدْ

يا هل تُرى غاية لعليا

متفردٌ في الأنام أوحدْ

وليت شعري أنَال ذا عن

أبٍ (1) عليَّ المقامِ أم (2) جَدْ

في مصره كم أغاث حيًّا

أتْهَمَ في غوره وأنْجَدْ (3)

وكم وكم قد أمات خصْمًا

عانَد في شَرعِهِ وألْحدْ

يا عَمرَك اللَّهُ أُمَّ حَبرًا

عنه حديثُ الكرام يُسنَدْ

وارْوِ ندَى راحتيه بحرًا

مِنَ الطَّريقين عنه يُوردْ

فبابُه للوفود مَلْجَا

ومالُه للعُفاةِ مُرصَدْ

وأعجب لذي باطلٍ وحقٍّ

كلاهُما في حِماه يُعضَدْ

هذاك بالقطع ليس يَرْقَى

وذا بكلتا اليدين يُرْفَدْ

(1) في (ب): "أمجد"، خطأ.

(2)

في (أ): "أو جد".

(3)

في هامش (ط، ح) ما نصه؛ أتهم وأنجد أتى تهامة ونجدًا، ونظرهما كثيرًا، كأعْمَنَ وأعرق. أتى عُمان والعراق. قال الممزّق العبدي:

فإن تُتهمُوا أنجد خلافًا عليكم

وإن تُعمِنُوا مستحقبي الحرب أُعْرِقُ

وكذلك غار، أتى الغوْرَ، ولا يُقال: أغار. وعُمان -بضم المهملة والتخفيف- بلد، وأما عمَّان -بالفتح والتشديد- فموضع بالشام.

ص: 519

لا عيبَ في جُوده (1) سوى أنَّ

شملَ أموالِه مُبَدَّدْ

يَسْبِيك في كفِّه يراعٌ

أسمرُ لَدْنِ القَوامِ أمْلَدْ

أحوى غَضِيضُ الجفون ألمى

مكَحَّلُ الطَّرْفِ لا بمِرْوَدْ

مواظب الخمس وِرْده في

وقت صلاة الصِّلاتِ يشهد (2)

إذا هوى للرُّكوع خرَّتْ

له وجوهُ الطُّروس سُجَّدْ

سبحان مَنْ قد براه غُصنًا

ثمارُه فِضَّةٌ وعَسْجَدْ

مُحبِّرٌ في العلوم زاكي الـ

أُصولِ سامي الذُّرى مُسَوَّدْ

في قصَب السَّبق ما رأينا

مثالَه في الجياد جَوَّدْ

تهزُّ أصواتُ سائليه

أعطافَه للنَّدى فَتَمْتَدْ

وتَنْبرِي للعطَا فيُزرِي

بالبحر في جَزْرِه وفي المَدْ

يسعى على رأسه لأمِّ

طِرافُها للحِبا مُمدَّدْ

تُرضعه (3) يومها وعند الـ

ـمغيبِ في بطنها يمهَّدْ

واسْتَجْلِ ما شئتَ مِنْ معاني

مِرْمَلَةٍ طرفُها مُسهَّدْ

يحكي سنا وجهها الثُّريا

حسنًا إذا سعدُها تَجدَّدْ

في بيت أفراحها اجتماعٌ

بالرَّمل مِنْ سِلكها (4) تولَّدْ

تنظمُ الدُّر فوقَ طِرْسٍ

نَظْمًا فتظمَى لمَّا تنضَّدْ

وتنثر التِّبْرَ في لُجَيْنٍ

نثرًا فنًثرِى به ونَسْعَدْ

تُذيب قلبَ النُّضار لا ما

حصَّله باخِلٌ وجَمَّدْ

(1) في (أ): "وجوده"، خطأ.

(2)

هذا البيت لم يرد في (ب).

(3)

في (ب): "ترضعها".

(4)

في (ط): "شكلها".

ص: 520

إن أنكرتْ قتلَ حاسديها

ها دمُهُم في الطروس يَشْهَدْ

وشمُ حُلا مُديةٍ عليها

خناصرٌ للعلوم تُعقَدْ

تَقْطعُ وصلَ الجَفا وتبري

قلبَ عِداة بَغَوْا وحُسَّدْ

وتُثبت الجُرحَ في وجُوهٍ

تجاوزُوا في لقائها الْحَدْ

ما طالَ مِنها اللسانُ إلا

قصَّر مَنْ كلَّمْت عن (1) الرَّدْ

قوامُها اللَّدنُ سَمهيريٌّ

وإنَّما طرفُها مهنَّدْ

تملك الحُسْنَ في نصابٍ

ما مثلُه في القُرون يُعهدْ

قتيلُها المَحْلُ ليس يُودَى

شرعًا وإن كان بالمحدَّدْ

يا شيخَ الإِسلام يا إمامًا

دَعَا لطُرْقِ الهُدى وأرشَدْ

يا ذا التَّصانيف ليس يُلْقَى

نظيرُها في الورى ويُوجَدْ

لو رام تعدادَها حسودٌ

بكى على نفسه وعدَّدْ

شرحَتَ صدرَ الحديث لمَّا

قصدتَ للشرحِ أيَّ مقصِدْ

ورحتَ تُمليه في نُجومٍ

شهابُها في العلا توقَّدْ

أخجلَ في أُفقه الدَّراري

أما تَرى الجوَّ أحْمرَ الْخَدْ

واستخدمَ الكُنَّسَ الجواري

تدأبُ في بابه وتَجهَدْ

أفعم أذواقَ طالبيه

بمشتهَى لفظِه الْمُسَرْهَدْ

وسار في شرقها وغرَّب

تُتلى أحاديثُه وتُسْرَدْ

وكم طوى نشرُه كتابًا

على ممرِّ الدُّهور سَرمَدْ

ومَن يَكنْ علمهُ عطاءً

من فتح باريه كيف ينفَدْ

خذها ابنةَ الفكر ذاتَ شجوٍ

بلُطْف معناك قد تَجَسَّدْ

(1) في (أ): "من"، تحريف.

ص: 521

تغنيك أوصافُ حسنها عن

وصْلِ حسانٍ ووصف (1) خُرَّدْ (2)

تختال مِنْ طرسِها ومَعْنَى

عُلاك في صَرْحِها المُمَرَّدْ

جمالُها مطلقٌ وحرفُ الـ

ـرَوِيِّ في حُبِّكم مُقَيَّدْ

وبحرُها من بَسيط كفَّيْ

نَداكُمُ بالوفَا تعوَّدْ

مَنْ رامَ يَقفُو سَنَا عُلاهَا

لمطلع الشَّمس كيف يَصْعدْ

رقيقةُ النَّظم ذاتُ لفظٍ

حُرٍّ ومعنًى بكم مُولَّدْ

حَرَّرَها في عُلاك مَولى

عِتَاقُه بالوَلَا تَعَبَّدْ

أمسكَ فضلَ العِنَانِ لمَّا

زادتْ معانيكم على العَدْ

ولو أطالَ المديحَ جاءت

-وحقِّ علياك- في مُجَلَّدْ

طوَّقتَه بالنَّدى فَقَلَّمَا

مطوَّق في الرِّياض غَرَّدْ

ورِشْتَ منه الجناحَ حتى

حلَّق نحو العُلا وصَعَّدْ

وحقِّ ربِّ السَّما ومولى

يُخشى لكلِّ الورى ويُعبَدْ

ما لي إلى غيرك التفاتٌ

كلا ولا عَنْ حِمَاك مَقْصدْ

قَيَّدْتني بالنَّدى فَتَمِّمْ

واكتب على قَيْدِيَ المخلَّدْ

وكم يدٍ (3) قد أنلتَ حتَّى

سَلَبتَ منِّي الفؤادَ باليَدْ

هذا هو الفضلُ بل أبوهُ

أنت وهذا لَعَمْركَ الْجَدْ

لا زلتَ مستعصمًا أمينًا

مستنصرًا هاديًا لمهْتَدْ

مستَظهِرًا واثِقًا رشيدًا

على العِدى ظاهرًا مُؤيَّدْ

يَحُفُّكَ البدرُ في كمالٍ

بخيرِ ما طالعٍ وأسعَدْ

(1) في (ط): "ووصل".

(2)

هذا البيت لم يرد في (ب).

(3)

في (ب): "به".

ص: 522

ومنه، ممَّا نقلته مِنْ خط ناظمه النواجي رحمه الله:

تذكَّرَ عهدًا بالغُويرِ ومَعْهَدَا

ومعنًى يروق الناظرَ المتَردِّدَا

وشاهدَ ربعًا بالعقيق ومَرْبَعًا

فساقط دُرَّ الدَّمعِ مثنًى وموحِدَا

حليفُ جوى هيمان ظمآن كلَّما

شكى علةً للربع جاوبه الصَّدَى

مَليٌّ مِنَ التَّسهيد والدمعُ مملقٌ

مِنَ الصَّبر لا يلقى على البَيْنِ مُسعِدَا

على حين زُمَّت بالحبيبِ رواحلٌ

لنَجْدٍ فلم تترك لقلبيَ مُنجِدَا

هُمُ أودعوا دُرَّ الحديث بمَسْمَعي

فسال عقيقًا مِنْ جفوني وعَسْجَدَا

وفي الرَّكب حوراءُ العيون إذا رَنَت

لرِيمِ الفَلا في التِّيه راح مشرَّدَا

مهفهفةٌ لولا جوارحُ لحظِها

على عطفها غنَّى الحمام وغَرَّدَا

ترعرعَ مِنْ ماء الشَّيبَةِ خَدُّهَا

فأينعَ وَرْدًا كلَّلته يدُ النَّدَى

فيا ظمأ المضنيِّ إلى عذْب وردِه

إذا ما رأى الخدِّ الأسيلَ مورَّدَا

وشاهدَ (1) بدرًا لو يلُوح هلالُه

لغادرَ طرفُ الشَّمس في الحال أرمَدَا

وشَعرًا وثغرًا إنْ تأملتَ فيهما .. ترى الفرقَ ما بين الضَّلالةِ والهُدَى

أكرِّرُ طرفي في بديع حُلَاهُ كَيْ

أُشاهِدَ معنى الحُسن منها (2) وأشهدَا

وأحذرُ إن هبَّت مِنَ الثَّغرِ نسمةٌ

على لُطْفِ ذاك الجسمِ أن يَتَجَعَّدَا

تزخرف بالأصداغِ قِبلة وجهها

فتونًا فتُسبي الزَّاهدَ المتعبِّدَا

وتتلو على الأسماع آياتِ حُسنها

فيصبحُ كلٌّ للإله موحِّدَا

فسبحان مَنْ أهدى لنور جبينها

بمشكاة فيها كوكبًا قد توقَّدَا

وأطلع (3) نجم السَّعد بالثغر للورى

نهارًا ولم يخْلُق محاسنَها سُدَى

(1) في (أ): "وشاهدت".

(2)

في (ط): "فيها".

(3)

في (أ): "وأطلق".

ص: 523

قرأت "صحاحَ الجوهريِّ" بثغرها

ومِن ريقها ذُقتُ الزُّلالَ المبَرَّدَا

مُجاهدُ ذاك اللَّفظ (1) أضحى مقاتلًا

يُفَوقُ سهمًا نحو قتلي مسدَّدَا

ومنزلُ قلبي كان بالحُبِّ عامرًا

فخرَّبه لمَّا أخاف وهَدَّدَا

تمالت بجيدٍ مالَ فيها مَع الهوى

فأجرى عيونًا مِنْ دَمِي وتقلَّدَا (2)

وقالت: تجلَّد، قلتْ: قد صرت (3) أعظُمًا

هبينيَ جِسْمًا واسأليني التَّجلُّدا

محبُّكِ في ذا اليوم يا ميُّ ميِّتٌ

فأوليه خيرًا ترتجي أجرَه غَدا

عجبتُ لسيفٍ مِنْ جفونك مُرْهفٌ

تصدَّى لقتلي وهوَ ما زال مُغْمَدَا

وعهدي بسهمِ اللَّحظ يُنْسَبُ للخَطا

فما باله في قِتْلَتي قد تعمَّدَا

وأعجب مِنْ ذا أنَّ ريقَك سَلْسلٌ

فُراتٌ وفيه الدُّرُّ يُلْفَى منضَّدَا

ليَ اللَّه قلبًا قد قضى نحبَه أسًا

عليها ومِنْها نظرة ما تزوَّدَا

وعقد دموعٍ (4) كلَّما رُمْتُ صونَه

بعينيَ أضحى مثل شملي مُبدَّدَا

فأرْوِي "حديث القُلَّتين" مُسلسلا

إلى ابن معينٍ مِنْ أماليه مُسنَدا

وأحمِلُ منه مطلقًا كلَّ ما جرى

على القلب إذ أمسى بشجوي مقيَّدا

تفقَّهتُ في شرع الغرام مُيَمِّمًا

طريقًا بها في مذهب القومِ يُهتدَى

فبي يَقْتَدِي العُشَّاقُ في الحُبِّ مثلما

بقاضي قُضاة العصر في العلم يُقتدَى

إمامُ الفتاوى قِبلَةُ الفقهِ جامع الـ

أُصول خطيبُ الوقت للدِّين قد هدَى

أقامَ منارَ الشَّرع إذ أذَّنوا له

بفضل وبالتسليم أعلن في النِّدا

فصلَّت له الأقلام (5) في الطرس وانْبَرَتْ

على رأسها في العلم تسعى (6) لتسعدا

(1) في (أ): "اللطف".

(2)

هذا البيت ساقط من (ط).

(3)

في (أ): "حرت"، تحريف.

(4)

في (ط): "دموعي".

(5)

في (أ): "الأقدام"، تحريف.

(6)

في (أ): "تسقي".

ص: 524

وفي خدمة الباري تراهُنَّ ركَّعًا

قيامًا بمحراب المهارق سُجَّدَا

له اللَّه حبرًا كم أتمَّت صلاتُه

صلاةً وكم أحيا بمحياه مسجدَا

بعلم قضى فينا وأدَّى حقُوقَنَا

فأحسنَ فعلًا في القضاء وفي الأدَا

وما إن رأينا أو سمعنا بعصرِنا

أعفَّ وأزكى منه نفسًا وأزهَدَا

إذا قام في المحراب للَّه قانتًا

بترجيع صوتٍ خِلْتَ في القوم معبَدَا

فكم قد وفي وعْدًا وأنجز مَوعِدًا

وكم قد رعى عهدًا وجَدَّد معهدَا

وكم قد رأى درسَ المدارس دارسًا

فصيَّر فيه مَعْلَمَ العلمِ مشهدَا

حليفُ الهدى مُولي الندى سامعُ النَّدا

بعيدُ المدى واقي الرَّدى كابتُ العِدَا

شهابُ علومٍ ثاقبُ الفكرِ مُحرِقٌ

لشيطانِ إنسٍ قد طغى وتمرَّدَا

فمَنْ يسترِقْ بالسَّمع نقلَ حديثِه

يُذَدْ عَنْ سما علياهُ حقًا ويُطْرَدَا

له مفرِق الجَوْزَا بساطٌ وإنَّنا

لنرجو له في حضرة (1) القدس مقعدَا

أبي الفضلُ إلا أن يكونَ له أبًا

فنال به أصلًا عريقًا وسؤدُدَا

محطُّ رحال الطَّالبين فجلُّهم

لبيتِ النَّدى والعلمِ وافى مجرَّدَا

وللحَرَمِ الميمون مِنْ كلِّ وُجْهَةٍ

مشارقها والغرب يسعون وُفَّدَا

إلى حجر يُنْمَى (2) عليُّ مقامِه

فاكرِمْ به للبيت ركنًا مشيدَا

غدا شافعيَّ الوقتِ إذ كان وارثًا

لعلمٍ به خصَّ المهيمنُ أحمدَا

ومالكه أهدى لنعمان روضِه

أبا يوسف مِنْ فضله ومحمَّدَا

تكوَّن من نُورٍ وأشرقَ بدرُه

فللَّهِ ذو النُّورين فرعًا ومحتدَا

وحاز جمالًا في رُبا العلم قد نشَا

عزيزًا بعليا مصرَ أصبحَ سيِّدَا

تَسَرْبَلَ بالتَّقوى وتُوِّج بالعُلا

وصارَ شعارُ الأشعريِّ له رِدَا

(1) في (أ، ط): "مقعد".

(2)

في (أ): "ينمو".

ص: 525

ومِنْ "فتح باريه" استمدَّ يراعُه

فحاشاه أن يفنى عطاءً وينفدَا

إذا ماس فوقَ الطِّرس كالغُصنِ خلتَه

مهفهفَ عطفٍ أكحلَ الطَّرف أغيدَا

بخمسِ بحُورٍ مِنْ أكفِّ يمدُّه

فتُثمر في الأوراق دُرًّا وعسجدَا

فقل في سجايا العسقلانيِّ إنها

تقرِّب للخيرات مَنْ كان مُبْعَدَا

وسلسِل حديثَ الجُودِ عنه فإنَّه

أصحُّ وأعْلى ما سمعناه في النَّدى

بدور نوالٍ في المكارم كلَّما

نقول انتهى في الحالِ عاد لِمَا بدَا

فكم فرِّحتْ قلبًا وكم أظهرتْ نبأة

وكم فرَّجَتْ كربًا وكم كشفت رَدَى

وكم مِنْ يدٍ أوْلَتْكَ في القبض (1) راحةً

ببسطِ الندى لمَّا مَدَدْتَ له اليدَا

يمينًا لقد أبدت يسارًا (2) وأطلقَتْ

أناملَ منْ كفِّ الغمامة أجودَا

يُشار إليها بالأصابع عندما

تزيدُ فيجلُو بالوفا غُلَّةَ الصَّدَى

فمِنْ لُطف خَلْقِ النِّيل جاء مخلقًا

ومِنْ عظم غيْظِ البحر أرغى وأزبَدَا

وما يستوى البحران، هذاك مالحٌ

أُجاجٌ وهذا للورى طاب مَورِدَا

شهِدْتُ بما شاهَدْتُ منه، فإن تَلُح

لعينك مثلُ الشَّمس بالحق فاشهدَا

فمَنْ رامَ تعدادًا لأوصافها بكى

على نفسه طولَ الزَّمان وعدَّدَا

أسيدَنا قاضي القضاة ومَنْ هدَى

إلى الحقِّ من غيِّ الضَّلال وأرشَدَا

ويا حافظ الإِسلام مِنْ زَيْغ مُبطلٍ

أماتَ علومَ الشَّرع جهلًا وألْحَدَا

جَمَعْتَ أحاديثًا تفرَّد حُسْنُها

فللَّهِ مجموعٌ غدا متفَرِّدَا

وقَلَّدْتَ جيدَ الفقه دُرَّ حُلًى، فيا

لمجتهدِ في العصر أضحى مقلِّدَا

وفي صنعة الإعراب كم مِنْ قواعدٍ

أقمت وفي الأنساب أظهرتَ قُعْدُدَا

وأعْرَبْتَ عَنْ مجدٍ رفعتَ بِنَاءه

فخُرْتَ به نعتًا وعطفًا مؤكَّدَا

(1) في (أ، ب): "الفيض".

(2)

في (ط): "لسانًا".

ص: 526

وكم لك مِنْ نقدٍ على الذَّهبيِّ في

ضعيفٍ يرى في بَهْرَج القولِ جيّدَا

أقمتَ له بالقسط وزنًا فأصبحت

صيارفةُ الأذهان نحوَك نُقَّدَا

وحرَّكْتَ إذ حرَّرت "ميزان" عَدْلِه

بعضْبِ "لسان" يترُكُ السَّيف مِبردَا

فيا جابرًا قلبَ العُفاةٍ وواصلًا

بفيض عطا والرأيُ أضحى مسدَّدَا

ويا متحفي في كلِّ عام بكِسْوَةٍ

بها قبل يومِ العيدِ أغدو معيِّدَا

وأروي عَنِ الفَرا أحاديثَ جُلة

يَروقُ الكسائيَّ حسنُها والمبرّدا

بجودك جيد (1) النَّظمِ راح مطوَّقًا

فأضحى بأفنانِ الثَّناء مغرِّدَا

وأبياتُ شعري في حياتي جعلتُها

على مدحكم وقفًا صحيحًا مؤبدَا

تود (2) النجوم الزُّهْرَ لو لَمَّ شملَها

بديعُ نظام جاء فيك منضَّدَا

وتهوى حروفُ الخطِّ لو كان كلُّها

حروفَ نداءٍ إذ خَصَصْتُكَ بالنِّدَا

يموت الفتى دهرًا ويفنى ادِّكارُه

وذكرُكَ يبقى في الطُّروس مخَلَّدَا

وما رفعُوا في الكتب أخبارَ عالمٍ

بمأثرة إلا وذكرُك مُبتدَا

فعش وابْقَ واسْلَمْ واغْنَ واغْنَمْ وجُدْ وسُدْ

ودُمْ وارْقَ واكْمُلْ نافذَ الحُكْمِ مرشِدَا

نرى كل يوم منك (3) عيدًا مباركًا

وسعدًا على طُولِ الزَّمان مجدّدَا (4)

ومنه، ونقلته مِنْ خطِّه أيضًا:

أما والهوى لو ذاق طعم وِصَالِكِ

محبُّك ما استهواه طيفُ خيالِكِ

سلبتِ الكبرى عَنْ مُقلتي وأحَلْتِني

على الطَّيف واهًا مِنْ عظيمِ مِحَالِكِ

ووطَّأتِ هجري إذ ملكتِ فأشهبُ الـ

ـمدامع يُملي عَنْ موطأ مالِكِ

(1) في (أ): "جود"، تحريف.

(2)

في (أ): "تؤم".

(3)

"منك" ساقطة من (أ).

(4)

في (أ): "مخلدا".

ص: 527

بثغركِ والألحاظِ والخصرِ في الهوى

لعَمْري لقد ضاقت عليَّ مسالِكي

فيا ربَّةَ الخلخالِ والخالِ عَلِّلي

فؤادَ مَشُوق هائمٍ بجمالِكِ

صَبورٍ على حَرِّ الغرامِ ولَيْتَهُ

يذُوق برَبْعِ الأُنسِ بردَ ظلالكِ

أقلُّ هواه أنه عنكِ مُبعَدٌ

وأقصى مناه لو يمرُّ ببالِكِ

ملكتِ فؤادَ الصَّبِّ تِيْهًا فأسْجحي

وكُفِّي عَنِ الأحشاء سيفَ قتالِكِ

فكم فوقَّتْ عيناكِ سهمًا فغادرت

ليوثَ الشَّرى صرعى برَشقِ نِبَالِكِ

وكم غرَّني مِنْ درِّ ثَغْرِكِ مطلبٌ

فشمت مِنَ الألحاظِ أيّ مهالِكِ

بَنَيْتِ على كسرٍ فؤاديَ والحشا

وأعربتِ عَنْ هجرٍ بطولِ ملالِكِ

فبالخدِّ تسهيلٌ وفي الطَّرف لمحَةٌ

تُعرِّف يا أسماء بعضَ فَعالِكِ

وشاعرُ درِّ الثَّغر نظمُ مليحةٍ

بها القلب صادٍ لارتشافِ زُلالِكِ

قفي زوِّدي المُشتاقَ منكِ بنظرةٍ

فقد حال حالي قبلَ يومِ ارتحالِكِ

وكان نهاري من مُحياك مُشرقًا

فأظلَمَ يا شمسَ الضُّحى بزوالِكِ

تنقَّلتِ مِنْ طرف لقلبٍ (1) فأشرقت

كواكبُ سَعْدِي في بُروجِ انتقالِكِ

وسِرْتِ بليلٍ مِنْ شُعورك مُسْبَلٍ

فنَمَّ (2) بنشرِ المِسْكِ عنبرُ خالِكِ

ورقَّ هلالُ الأفق في الجو (3) وانحنى

خضوعًا إلى تقبيلِ تُرْبِ نِعَالِكِ

ولاحت لبدرِ التَّمِّ منكِ التفاتَةٌ

فأضحت عليه لَمعةٌ مِنْ جلالِكِ

كأن مُحَيَّاه البديعُ سنا جَبيْـ

ـنِ قاضي قُضاة العصرِ حَبْرِ الممالِكِ

شهابُ علومٍ إن تسامى فأصلُه

عليٌّ به يا نفسُ عِزُّ مَنالِكِ

لطلعته تعنو (4) البدورُ وتقتدي

بهدْي سناه في اللَّيالي الحوالِكِ

(1) في (ب): "القلب".

(2)

في (ط): "فتمَّ"، تحريف.

(3)

في (ب، ط): "الجود في الأفق".

(4)

في (أ): "تعفو"، تحريف.

ص: 528

إلى حجر يُنْمَى وفي حرمِ المُنى

رواحلُ وفْدِ العلمِ حطَّ رحالِكِ

تحجُّ بنو الآدابِ كعبةَ فضلِه

وتقصِدُه الطُّلابُ قَصدَ المناسِكِ

إمامٌ وفي فقه الإِمام فحُجَّةٌ

قديمُ مَعَالٍ واضحاتِ المسالِكِ

مشارقُ أنوارِ الحديث له شِفَا

وعمدتُه عند اختلافِ المداركِ

بحضرته نعمانُ روضٍ وأحمدٌ

غدا شافعي إذ كان في الأصل مالكي

له قدمٌ أندَى مِنَ الغيث إن هَمَى

وأزهَرُ مِنْ زهر الرُّبا المتضاحِكِ

يُطيلُ لباريه القيامَ نهارَه

ويسجد في ليل مِنَ النِّقس حالِكِ

فقُلْ لسيوف الهندِ إن تتنصّلي

إليه فكم جاوزتِ حدَّ نصالكِ

وأنتِ رماحَ الخَطّ لا تتطاولي

فقد قَدَّ قِدْمًا مُشْرَعاتِ طوالِكِ

وإن زوَّرَتْ عطفاك عدلَ قِوَامِه

ومِلْتِ قضى قاضي العُلا باعتقالِكِ

أسيدَنا قاضي القُضاة ومَنْ له

مجالسُ خُفَّت في الملا بالملائكِ

ويا حافظَ الإِسلام من كيدِ فاتكٍ

بسُنَّتِه الغَرَّا ومِنْ زيغ آفِكِ

رفعتَ منارَ العلمِ بالجامع الذي

شرحتَ لتَهْدي مِنْ ضلالِ المهَالِكِ

وأيّدكَ الباري بفتحِ فلم تَدَعْ

طريقًا لأبواب الهُدى غيرَ سَالِكِ

وفي مُحْكَم التَّنزيل أوتيتَ آيةَ

فأنتَ بها كشافُ ليلِ المعاركِ

ورُضْتَ جِمَعَ النَّحوِ حتَّى ملكته

وأصبحتَ فيه مالكًا وابنَ مالكِ

وشاركتَ كلَّ النَّاس في جُلِّ فنِّهم

وليس لكم في فنِّكُم مِنْ مشارِكِ

وأنتَ لسانُ الدَّهرِ حقًا، فلا سوى

حديثِك يُروى في ثُغور الممالك

لكَ اللَّه من قاضٍ سريٍّ مهذَّبٍ

مُهِيبٍ وَهُوبٍ زائدِ البِشْرِ ضاحكِ

حيِيٍّ أبيٍّ زاهدٍ متعفِّفٍ

بهيٍّ وضيءٍ لازمِ الصَّمتِ ناسكِ

إلى العدل والإحسان والخيرِ جَانِح

وللظُّلم والعُدوان والشرَّ تاركِ

يَزِين الحُلَى بالحِلْمِ فضلًا ورأفةً

ويفتِكُ بالخصمِ الألدِّ المُماحِكِ

وكم هزَّ أعوادَ المنابر وعظُه

فأحيا فؤادَ الهالِك المتهالِكِ

ص: 529

به الفضلُ يحيى والرَّبيع وجعفرٌ

فخذ عنه أخبارَ الكرامِ البَرَامِكِ

فيا للسَّجايا الغُرِّ دعوةُ وامقٍ

محبٍّ صدوقٍ مخلصٍ في ولائكِ

لبيتِك قد وافَى مريدًا فأسعفي

نزيلَكِ يا خيم الكرام ودارِكِ

ويا دولةً في باطن الأمر أخلصت

لظاهرِها يهنيكِ نيلُ مرامِكِ

كسرتِ الأعادي وانتصبتِ لخفضِهم

بفتحٍ مُبينٍ فيه رفعُ لوائكِ

وحافظُ هَدْي (1) المصطفى لك حافظٌ

وشيخُ شيوخِ العصرِ شيخُ رجالِكِ

أدام إلهُ العرش عزَّك للورى

وأسبغ في الأكوان سِتْرَ ظلالكِ (2)

ولا زال في علياء أفْقِ سُعودهِ

شهابُكِ مقرونًا ببدرِ كمالكِ

ومنه، ونقلته مِنْ خطِّه أيضًا:

رُدِّي المنامَ لطرفِ المدنَف الباكِي

لعلَّه في الكبرى يحظى برُؤياكِ

يا كعبةَ الحُسْنِ يا ذاتَ المنازل يا

ربيبةَ الحِجْر ما أبهى مُحَيَّاكِ

سُبحان مَنْ قد أماطَ الحُجْبَ عنك لنا

وجلّ مَنْ بجميل الستر غطَّاك

إن كنتِ فتنة ألْباب وأفتدةٍ

فأنتِ قِبْلَة عُبَّادٍ ونُسَّاكِ

يودُّ شوقًا كليمُ الوَجْدِ بعدَك لو

يكونُ من فوق طُولِ الوصل ناجَاكِ

ولو دعوتِ مشوقًا ماتَ فيك أسًى

من تحت تُرْب أديمِ الصَّخر لبَّاكِ

يا مالكيَّة (3) عُذري في محبَّتِها

موطَّأ، فعلامَ الغيرُ يَلْحاكِ

وشافِعيَّةَ حُسن قُلَّدت بِدِمَا

عُشاقِها مَنْ بقتلِ الصَّبِّ أفتاكِ

سَرى خيالُكِ في جَفْنٍ يفيض بُكا

سبحان مَنْ مِنْ (4) بحارِ الْيَمِّ نجَّاكِ

(1) في (أ): "هذا"، تحريف.

(2)

هذا البيت ساقط من (ط).

(3)

في (أ): "يا مالك"، خطأ.

(4)

"من" ساقطة من (ب).

ص: 530

وترجَمَ الوَجْدُ ذَرى الدَّمع منه فما

أذراك يا سُحْبَ أجفاني وأدراكي

يَحْكيْنيَ الخصرُ أو أحكيه في عدمٍ

سُقمًا فيا ليتَ شعري أيُّنا الحاكي

وأجتلي في صَفَا خدَّيْكِ دُرَّ مدَا

معِي فيحسب طرفي طرفَك الباكي

واحرَّ قلباهُ مِنْ نارِ الخُدود ويا

شوقًا لبرد رُضَابٍ مِنْ ثناياكِ

في فِيْك ماءُ حياةٍ لو بُعثْتِ به

صِرفًا لأحييتِ يومَ البعثِ موتاكِ

وفي الشِّفاهِ شِفَاءٌ كم وَعَدْت به

صبًّا وأخلفتِ حتَّى ملَّ ضُعفاكِ

فهات خدَّكِ كي نقضي وُعُودَ فتى

إن رمتِ حُسْن وفاء منه أوفَاكِ

لا رمتُ عنكِ سُلوًّا يا مراشِفَها

وكيفَ أنساكِ يا درِّي وأسْلَاكِ

وإنْ تركتُ هوى دنيا وجنَّتِهَا

عدمتُ دنياك يا روحي وأُخراكِ

ويا مليكةَ عصرِ الحسنِ لحظُك لي

سَبَا وبالسَّيف في العُشَّاق ولَّاكِ

لك "النجاشيُّ" خالٌ والجفون حمتْ

نعمانَ خدٍّ بأزْرِ المُلْكِ حيَّاكِ

حُزتِ الخلافةَ لمَّا أن نَشَرْتِ لِوَا

ءَ شَعرٍ ومنشورها بالسَّعد وافاكِ

وسرتُ في جيشك المنصور معتضدًا

مِنْ ناظرَيْكِ بسفَّاح وسفَّاكِ

ومُذْ سَريتُ بليل الشَّعر في غَسَق

حمدتُ عند صباحِ الثَّغر مَسْراكِ

وجُلتُ بالطَّرف في بدْوٍ وفي حَضَرٍ

فأكثرَ اللَّه في الأحياء قتلاكِ

وكم شرطتِ بسيفِ اللَّحظِ قلبَ شجٍ

بالحبِّ بعد أداة الشَّرط جازاكِ

فراقبي (1) اللَّهَ في قتلِ العِبادِ ولا

تُصْمِي الفُؤادَ فإنَّا مِنْ رعاياكِ

يا ليتَ سيفَ لحاظٍ منك قابَلَنا

بالصَّفحِ أو قَلَّ عن أحشاء مُضناكِ

أو ليتَ عدلَ قوامٍ لم (2) يُمِلْهُ هوى

للطَّعن بالشَّك في تجريحِ مرضاكِ

أو ليتَ أشراكَ صُدغٍ لم يَصِدْ كلفًا

بحبَّة الخالِ أضحى بعضَ أسْراك

(1) في (أ): "فراقب".

(2)

"لم" ساقطة من (أ).

ص: 531

أو ليتَ خصْرَك لو أعدى برقَّتِه

قلبًا لأعْدَايَ قَدْ وَالى وأعداكِ

إن كنتِ أزمعتِ هجرًا أو صددت قِلًا

فموقف الحشر تلقانا ونلقاكِ

أو رمتِ يا نفسُ منها مخلصًا فإلي

قاضي القُضاة ملاذِ الخَلْقِ ملجاكِ

حامِي الحقيقةِ كهفُ العلم حاملُ أعـ

ـباء الشَّريعةِ مولانا ومولاكِ

وحافظُ العصر والإِسلام مِنْ لدَدٍ

خصمٍ ومِنْ مُلحدٍ في الدِّين أفَّاكِ

أحكامُه وقضاياه منفَّذةٌ

وعدلُه منصف المشكوِّ والشَّاكي

حُجّي لبيتِ نَداه الجمِّ واسْتَلِمِي

رُكنًا يَطيبُ به في الحجِّ مسعاكِ

وقَبِّلي مِنْ ذُرى عليائه حجرًا

إلى مِنى عرفاتِ الفضلِ نَاداكِ

زوري حِماهُ وإن وافيتِ حضرتَه

يا حبَّذا وجِنَان الخُلدِ مأواكِ

وخيِّمي بفنا وادي قُراهُ فكم

تَبَرَّكَتْ بفنَا الوادي مطاياكِ

ولا تمُدِّي يدَ التَّسآل والْتَمِسي

منه غنًى قبل أن تمتدَّ كفاكِ

إنْ رُمتِ منه نوالًا أو طلبْتِ رضًا

حبَاك مِنْ فيضِ نَعماهُ وأرضاكِ

أو سُمْتِ أسنى مقامٍ تَرتَقين به

إلى العُلا في سماء العزِّ رقاكِ

وإن شكوتِ ليُمْنَى راحتيه أذَى

بُؤْسٍ أزالَ بحمدِ اللَّه شكواكِ

وإن حُرِمتِ زمانًا مِنْ جَدَاهُ فقد

أولاكِ أضعافَه فضلًا ووَالاكِ

وإنْ تعطَّشْتِ يومًا للرواية عن

حديثِ بحرِ نداهُ الجمِّ روَّاكِ

وإن أردتِ علومًا تحْمَدين بها

شرعًا ويحسُنُ في الدَّارين مثواكِ

أعطاك من "فتح باريه" كُنوزَ هدًى

تعمُّ كلَّ دمشقيٍّ وأنطاكِي

يا أيُّها العالمُ الحَبْر الهمام (1) ومَنْ

له بأوج المعالي أيُّ إدراكِ

يا شيخَ الإِسلام يا مَنْ طابَ عنصُره

أصلًا وزانَ خلاه فرعُه الزَّاكي

حلَّيتَ ثغرَ المعاني بارتشاف لمَى

عروس أفراحِه مِنْ دُرِّ أسلاكِ

(1) في (أ): "الإمام"، وكذا كانت في (ح)، ثم عُدِّلت.

ص: 532

وكم فتحتَ لتلخيص البراعةِ من

بابٍ، فأغنيت عَنْ "مفتاح" سَكَّاكي

بمنطقٍ وبراعاتٍ مطالعُها

شمسيةٌ أشرقت مِنْ قطب أفلاكِ (1)

وبحرُ فقهِكَ ضاهته السَّما فغَدا

يُحَفُّ كل بأفلاك وأملاكِ

للَّه درُّك ما أوفاك من عَضدٍ

عانٍ بجُلِّ أصول الفقه دَرَّاكِ

شادَ الذُّرى وبنى للمجدِ بيتَ عُلًا

فلم يَدَعْ من مَعَالٍ قِيدَ مِدْماكِ

عَدُوُّه منه في أمنٍ وكم حذِرت

أموالُه خوفَ إتلافٍ وإهلاكِ

يميلُ غصن النَّقا شوقًا لعطفِك يا

أقلامَه ورماح الخطِّ تخشاكِ

سَلسِلْ أحاديثَ بشرٍ عن عطاهُ وعَنْ

معروفه لابن بسَّامٍ وضحَّاكِ

إنْ أمسَك النِّيلُ يومًا عَنْ أصابعه

فكفُّهُ بالعطايا غير مسَّاكِ

يا نسمَةً ليَ أهدت في الثنا خبَرًا

يُعزَى لأنفاسه ما كان إذ ذاكِ

مِنْ حيِّ نعمانَ أم من عسقلانَ سرت

أم من شذا نفحةِ "الفِردوسِ" رَيَّاكِ

ويا جواريَ جُودٍ من عوائده

على البريَّةِ باسم اللَّه مجراكِ

ويا براعة إنشاءٍ يُحبِّرُها

يَراعُه جلَّ مَنْ باللُّطف أنشَاكِ

ويا فُروع أصولٍ منه دانيةٌ

ظلالُها في البرايا طابَ مجناكِ

ويا مواتَ عُلومٍ لو عُرِضْتِ على

أفكاره في نهار العرضِ أحياكِ

ويا أسانيدَ أخبارٍ بجوهرها

ما كان أعلاك بل ما كان أغلاكِ

ويا درَارِي اضْمحلِّي بالشِّهاب، فقد

مَحَا سَنَا ابنِ عليٍّ حُسنَ مرآكِ

ويا أماليَ مالي لا أهيمُ وقد

طربتُ عند سماعي وصفَ مغْناكِ

رشفتُ كأسَ سُلافٍ من حلاك وما

لثمتُ ثغرَ عَذولي حين سمَّاكِ

لا زال غيثُكِ سحَّابًا أيادِيَه

وفيضُ يمناك مقرونًا بيُسراكِ

هَمَتْ أصابعُ نَيْلِ منكِ منعِمة

على الورى، فأدام اللَّه نُعماكِ

(1) في (ب): "أملاك".

ص: 533

ولا برحتُ بأرزاقِ الورى ديمًا (1)

تجري وفي كلِّ عامٍ لا عَدِمْنَاكِ

ومنه ما نقلته من خطه أيضًا:

ذاب المشوقُ أسًى ممَّا يقاسيه

فراقبي اللَّه يا شمسَ الضُّحى فيهِ

يا ربَّةَ الخَالِ يا ذاتَ الحِجَال ويا

ربيبةَ القلب يا أقصى أمانيهِ

هلَّا رعيتِ رَعاكِ اللَّه عهدَ فتى

مُضنَى الفؤادِ قريحَ الجَفْنِ باكيهِ

يشكو إلى اللَّه ما أضحى يكابدُه

مِنَ الغرام وما أمسى يُلاقِيهِ

رُدِّي عليه منامًا كان يعهدُه

لعلَّ طيفَ خيالٍ منك يأتيهِ

وعلِّلِيه بجيران النَّقا فعسى

يشفي غليل فؤادي مِنْ تلظِّيهِ

قلبٌ تمزَّق مِنْ بعد، فهل لكِ أن

تُعامليه بتقريبٍ وترقيهِ

واهًا لمضطرِبِ الأحْشا بجَمرِ غَضًا

لو أنَّ ماء دموعِ العين يُطفيهِ

ما زال مِسعرُ قلبي مِنْ طريق أبي الزِّ

ناد عَنْ واقديِّ الخدِّ يَرويهِ

وسَلْسَل الدمعُ أخبار الغرامِ، فقُل

ما شئتَ في ابنِ معينٍ أو أماليهِ

صبٌّ تفقَّه في شرع الهوى فَغَدا

إمامَ مذهب أهلِ الحُبِّ مُفتِيهِ

في كلِّ يوم له درس يطالعُه

في صفحةِ الهجر بالذِّكرى ويُلقيهِ

ما بينَ أقوالِ عُذَّالِ تحذِّرهُ

مِنَ الغرام ووجدِ فيك يُغْريهِ

تصرَّفَتْ فيه أيدي الحُسنِ واحتكمت

فالجفنُ آمِرُه واللَّحظُ ناهِيهِ

وكم جرت بين وصفيه مناظَرَةٌ

فالحبُّ يُثبته والسُّقْمُ يَنْفيهِ

وكاتبُ الدَّمع يُنشي فوقَ وَجْنَته

رسائلَ الوَجْدِ والأشجانُ تُمليهِ

يا ظاعنين وقد أبلى الهوى جسدي

والشوقُ يلعب بالمُضنَى ويَبريهِ

عُوجوا على مُستهامِ القلبِ ذي شجنٍ

يُطيعُه السُّهدُ والسُّلوان يعصيهِ

وراقبوا اللَّه في هُجران مكتئبٍ

في عُنفوان الصِّبا شابت نواصيهِ

(1)"ديمًا" ساقطة من (ب).

ص: 534

لا تسألوا في الهوى عَنْ فيض مَدمَعِه

فما جرى منه يومَ البَيْنِ يَكفيهِ

أودعتمو سمْعَه (1) دُرَّ الحديث وقد

بِنْتُم، ففاض عقيقًا من مآقِيهِ

أقولُ والقلبُ قد أشْفَى على تلفٍ

ظُلمًا وقد كُتِبَتْ فيه فَتَاوِيهِ

يا حاكمَ الحُب رفقًا بالفؤاد وسَلْ

من مَدمعي وخُذِ الْمَا مِنْ مجاريهِ

ما بال مَنْ لم أُنَوِّهُ بالسُّلُوِّ لها

ترومُ قتلي بإظهارٍ وتنويهِ

وما لظبيةِ أُنسي وهي نافرةٌ

ترعى حُشاشَة قلبٍ لا تُراعِيهِ

في لمحة الطَّرف تَرمي قلبَ عاشِقها

عَنْ قوس حاجبها عمدًا فَتَسْبيهِ

ما جردتْ سيفَ سحر مِنْ لواحظها

إلا تذكَّرَ عهدًا مِنْ مواضيهِ

ولا ثَنَتْ في رداء (2) الشّعر قامتها

إلا حسِبْنا النَّقا عادت لياليهِ

يا والهًا بتَوالي العَذْل عنَّفني

فيها، فأضنى فؤادي في تواليهِ

شوَّهتَ نطقَكَ إذ برَّحت بي، فلَكَمْ

تَقلَّى حشاي بتبريحٍ وتشويهِ

إن أوْرَثَ الجفنُ جسمي في محبتها

سُقمًا، فما لبيانِ الثَّغر يَشفيهِ

أو ضلَّ في ليل شَعرٍ (3) مِنْ ذوائبِها

فهديُ قاضي قُضاة العصر يَهديهِ

العالمُ العاملُ الحَبر الإِمام ومَنْ

جاز النِّهايةَ علمًا في مباديهِ

حامي الكتيبة ميمون النَّقيبة محمـ

ـود الضَّريبة فرد في معاليهِ

شهاب علمٍ رَقَى أوْجَ العُلا فجَلَا

غياهِبَ الشَّكِّ وانجابت دياجيهِ

حليفُ مجدٍ عليُّ الجَدِّ خِدنُ ندًى

مكرَّمُ الأصل زاكي الفرعِ نامِيهِ

أغَرُّ وضاحُ وجهِ نورُ غُرّتِه

مقدمٌ وضياءُ البدرِ تاليهِ

ذُو منطقٍ ببديعِ القولِ مكتمل

يُريك كلَّ بيان في معانيهِ

تجانست فيه أوصافٌ مطابقةٌ

فالعلمُ يرفعه والحِلْمُ يُدنيهِ

(1) في (أ): "سهمه"، تحريف.

(2)

في (أ): "ولا ثبت في ذُرى"، تحريف.

(3)

في (أ): "شعري".

ص: 535

مهذَّبٌ روضهُ التَّحقيقُ بحرُ ندًى

بسيطُ علمٍ وجيزُ اللَّفظِ حاويهِ

تتمَّةُ الفضلِ في منهاج عُدَّتِه

إبانةٌ أعربت عَنْ حسن تنبيهِ

برٌّ جوادٌ كَبَتْ عنه الفحولُ فما

في حَلْبَةِ السَّبق أصلًا مَنْ يُجاريهِ

ماضي الشَّكيمة لا يَثْنَي أعِنَّتَه

جاهٌ ولا عَنْ طريقِ الحقِّ يَلويهِ

بل كلُّ ما يُسخِطُ الرَّحمنَ يُسخِطُه

حتمًا، وما كان يرضي اللَّهَ يُرضيهِ

وما تَردَّد فيه قال: إن يَكُ مِنْ

عند الإله حقيقًا، فهو يُمضيهِ

كم أمَّ ركبَ حِمَى علياهُ فانْبَعثت

له بَواديه إذ حلت بِوَاديهِ

وشاسع الدار (1) قد شطَّ المزار به

أضحى رجاه يناديه بناديهِ

يا كعبةَ الفضلِ يا مَنْ لم أزل أبدًا

أسعى إليه وأشواقي تلبِّيهِ

ومَنْ تجرَّد فيه قصدُ طالبه

فالعزمُ قائدُه والحزمُ حاديهِ

في منحناه ضُلُوعي حرُّ نارِ غَضًا

بالبَيْن في جمرات القلبِ يَرميهِ

لا تخشَ بيتَ فُؤادٍ أنتَ مالكُه

ضيمًا فللبيت ربٌّ سوف يَحمِيهِ

وما خلا عنك قلبٌ أنتَ ساكنُه

و"صاحبُ البيت أدرى بالَّذي فيهِ"

ما شرَّفَ اللَّه مِنْ بيت النُّهى حَجرًا

إلا لسِرٍّ قديمٍ مُودَعٍ فيهِ

إذ أنبعَ اللَّه عينًا منه فانبجست

على مواتِ رُسُومِ العلمِ تُحييهِ

ففيَّأ الخلقَ ظلًّا من مَراحِمِه

وطبَّقَ الأرضَ علما مِنْ فتاويهِ

بحرٌ رأينا الوفَا مِنْ راحتَيه فما

أصابع النِّيل إن جادت أياديهِ

إنْ يُحمَدُ البحرُ إذ يروي البقاع فحبـ

ـرُ العلمِ أحمدُ كَمْ أمسى يُروِّيهِ

والبحر تروى خَلَا فيه الرِّعاء وذا

عَذْبُ النَّمير بكفيه حَلَا فِيهِ

علا مَحلًّا وإسنادًا (2) وتسميةً

ومَحْتِدًا ليس فيها منْ يدانيهِ

(1) في (ب): "وسامع الدر"، تحريف.

(2)

في (أ): "أسماعًا".

ص: 536

فانهضْ إليه وحدِّث عنه واسمُ به

وغالِ فيه تَنَلْ أقصى عواليه

وانبذ "أماليَ" قالٍ بالعراق وخُذْ

عَنْ عسقلانيِّ مصر في "أماليهِ"

حِماه أفقٌ لعلياه وحضرتُه

روضٌ يَفِيض ندى كفَّيْهِ يسقيهِ

جرى على الطِّرْسِ مِنْ رَيْحانِه قلمٌ

زاهٍ رقيقُ الحواشي جلَّ منشيهِ

إذا انبرى لمباراة الغيوث ندى

فالكوثر العَذْبُ جودًا لا يباريهِ

كم مِنْ علوم حبانا اللَّه منه وكم

رِزْقٍ على يده الخَلَّاق يُجريهِ

لا تخشَ قطٌّ نفادًا فهو يُمْدَدُ مِنْ

غيبٍ وإنفاقُه مِنْ "فتح باريهِ"

يا شيخَ الإِسلام يا رُوحَ الأنام ومَن

دُرُّ النِّظام تَحلَّى باسمه فِيهِ

جاريتُ في وصف علياك الفُحُولَ إذا

ما راحَ ذِكرُكَ في سِرِّي أناجيهِ

إذا أشاهد مغناكم فأودِعُ ما

منكم أعايِنُه فيما أعانيهِ

من كل بيت إذا ما رحتُ أنشِدُه

مَنْ ذا يوازنه مَنْ ذا يُوازيهِ

شنَّفْتُ بالدُّرِّ (1) أسماعَ القريضِ ولا

سيَّما إذا رُحْتُ عَنْ علياكَ أرْوِيهِ

وكلَّما صُغْتُ معنى في البديع فمِنْ

بسيطِ بحرِ نَداك الجمِّ أمليهِ

كم شاعرٍ بالمعاني لا شُعورَ له

أعيت قَوافيه إذ خان القُوى فيهِ

أضحى يزَخْرِفُ أقوالًا مزيَّفةً

لبَهْرجِ النَّقدِ فيها أيُّ تَمويهِ

وكم أديبٍ له في النَّظمِ تورَيةٌ

عنها تَوارى وما أجدى (2) تَواريهِ

رامَ التَّشبُّه في توجيه ذاك ولم

يشعُرْ بإبداع تشبيهٍ وتوجيهِ

لا زلتَ في دُوَلِ الإِسلام محتكما

بسيفِ شرعٍ صقيلِ الحدِّ ماضيهِ

ولا برحتَ شهابَ العلم يَقْدُمُهُ

بدرُ السَّعادة في أعلى مراقيهِ

اللَّه يكلؤه، اللَّه يحرسه

اللَّه يحفظه، اللَّه يُبقيهِ

(1) في (ط): "بالرد"، تحريف.

(2)

في (أ): "أجرى"، تحريف.

ص: 537