الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ بسَقْيِهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ.
ــ
الماءَ بينَهما إن أمْكَنَ، وإلَّا أُقْرِعَ بينَهما، فَقُدِّمَ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، فإن كان الماءُ لا يَفْضُلُ عن أحَدِهما، سَقَى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ بقَدْرِ حَقِّه مِن الماءِ، ثمَّ تَرَكَه للآخَرِ، وليس له السَّقْيُ بجَمِيعِ الماءِ؛ لمُساواةِ الآخَرِ له في اسْتِحْقاقِ الماءِ، وإنَّما القُرْعَةُ للتَّقْدِيمِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ لا في أصْلِ الحَقِّ، بخِلافِ الأعْلَى مع الأسْفَلِ، فإنَّه ليس للأسْفَلِ حَقٌّ إلَّا في الفاضِلِ عن الأعْلَى. فإن كانت أرْضُ أحَدِهما أكْبَرَ مِن أرْضِ الآخَرِ، قُسِم الماءُ بينَهما على قَدْرِ الأرْضِ؛ لأنَّ الزائِدَ مِن أرْضِ أحَدِهما مُساوٍ في القُرْبِ، فاسْتَحَقَّ جُزءًا مِن الماءِ، كما لو كان لثالِثٍ.
2487 - مسألة: (فإن أراد إنسانٌ إحْياءَ أرْضٍ)
ليَسْقِيَها مِن ماءِ النَّهْرِ (جاز، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه) إذا كان لجَماعَةٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسْمُ شُرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، أو سَيلٍ، فجاء إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ مِن رَأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يكنْ له أن يَسْقِيَ قبلَهم؛ لأنَّهم أسْبَقُ إلى النَّهْرِ منه، ولأنَّ مَن مَلَك أرْضًا مَلَكَها بحُقُوقِها ومَرافِقِها، ولا يَمْلِكُ غيرُه إبْطال حُقُوقِها، وهذا مِن حُقُوقِها. وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه؛ لأنَّ حَقَّهم في النَّهْرِ لا في المَواتِ. والثانِي، لهم مَنْعُه؛ لِئَلَّا يَصِيرَ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَنْعِهم حَقَّهم مِن السَّقْي؛ لتَقْدِيمِه عليهم في القُرْبِ إذا طال الزَّمانُ وجُهِل الحالُ. فإذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْنا: ليس لهم مَنْعُه. فسَبَقَ إلى مَسِيلِ ماءٍ أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ فأحْيا في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيا آخَرُ فوقَه، ثمَّ أحْيا ثالثٌ فوقَ الثانِي، كان للأسْفَلِ السَّقْيُ أوَّلًا ثمَّ الثاني ثمَّ الثالثِ، ويُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، لِما ذَكَرْنا.
فصل: الضَّرْبُ الثانِي، الجارِي في نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ الماءُ مُباحَ الأصْلِ، مثلَ أن يَحْفِرَ إنْسانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يتَّصِلُ بنَهْرٍ كبيرٍ مُباحٍ، فما لم يتَّصِلِ الحَفْرُ لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو تَحَجُّرٌ وشُرُوعٌ في الإِحْياءِ، فإذا اتَّصَلَ الحَفْرُ، مَلَكَه؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ أن تَنْتَهِيَ العِمارَةُ إلى قَصْدِها، بحيث يتَكَرَّرُ الانْتِفاعُ بها على صُورَتِها، وهذا كذلك. وسَواءٌ أجْرَى فيه الماءَ أو لم يُجْرِه؛ لأنَّ الإِحْياءَ يَحْصُلُ بتَهْيِئَتِه للانْتِفاعِ به دُونَ حُصُولِ المَنْفَعةِ، فيَصِيرُ مالِكًا لقَرارِ النَّهْرِ وحافَّتَيه، وهَواؤُه حَقٌّ له، وكذلك حَرِيمُه، وهو مَلْقَى الطَّينِ مِن جَوانِبِه. وعندَ القاضي أنَّ ذلك غيرُ مَمْلُوكٍ لصاحِبِ النَّهْرِ، وإنَّما هو حَقٌّ مِن حُقُوقِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المِلْكِ. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه مَمْلُوكٌ لصاحِبِه (1)، قِياسًا على قَوْلِه في حَرِيمِ البِئْرِ، أنَّه يَمْلِكُه. إذا تَقَرَّرَ ذلك، فكان النَّهْرُ لجَماعَةٍ، فهو بينَهم على حَسَبِ العَمَلِ والنَّفَقَةِ؛ لأنَّه إنَّما مُلِك بالعِمارَةِ، والعِمارَةُ بالنَّفَقَةِ، فإن كَفَى جَمِيعَهم، فلا كَلامَ، وإن لم يَكْفِهم فتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جاز؛ لأنَّه (2) حَقُّهم، لا يَخْرُجُ عنهم. وإن تَشاحُّوا فيه، قَسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم
(1) في م: «لغير صاحبه» .
(2)
في م: «لأن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمْلِكُ مِن النَّهْرِ بقَدْرِ ذلك، فتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ، أو حَجَرٌ مُسْتَوي الطَّرَفَين والوَسَطِ فيُوضَعُ على مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِن الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حُزُوزٌ أو ثُقُوبٌ مُتَساويَةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقُوقِهم يَخْرُجُ (1) مِن كلِّ [حَزٍّ أو ثُقْبٍ](2) إلى (3) ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحِدٍ منهم، فإذا حَصَل الماءُ في ساقِيَتِه، انْفَرَدَ به، فإن كانت أمْلاكُهم مُخْتَلِفَةً، قسِمَ على قَدْرِ ذلك، فإذا كان لأحَدِهم نِصْفُه، وللثانِي ثُلُثُه، وللثالثِ سُدْسُه، جُعِل فيه سِتَّةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولصاحِبِ الثُّلُثِ اثْنان، ولصاحِبِ السُّدْسِ واحِدٌ. فإن كان لواحِدٍ الخُمْسانِ، والباقِي لاثْنَين على السَّواءِ، جُعِل عَشَرَةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ الخُمْسَين أرْبَعةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين ثلاثةٌ. فإن كان النَّهْرُ لعَشَرَةٍ، لخَمْسَةٍ منهم أراضٍ قَرِيبَةٌ (4) مِن أَوَّلِ النَّهْرِ، ولخَمْسَةٍ أراضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِل لأصْحابِ القَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ، لكلِّ واحِدٍ ثُقْبٌ، وجُعِل للباقِين خَمْسَةٌ، تَجْرِي في النَّهْرِ حتى تَصِلَ إلى أرْضِهِم، ثمَّ تُقْسَمٌ بينَهم قِسْمَةً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُخْرَى. فإن أراد أحَدُهم أن يُجْرِيَ ماءَه في ساقِيَةِ غيرِه ليُقاسِمَه في مَوْضِعٍ آخَرَ، لم يَجُزْ بغيرِ رِضَاه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في ساقِيَتِه، ويَخْرُبُ حافَّتَها بغيرِ إذْنِه، ويَخْلِطُ حَقَّه بحقِّ غيرِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ، فلم يَجُزْ ذلك. ويَجِئُ على قَوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ. أنَّ حُكْمَ الماءِ في هذا النَّهْرِ حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وأنَّ الأسْبَقَ أحَقُّ بالسَّقي، ثمَّ الذي يَلِيه، على ما ذَكَرْنا. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا حَصَل نَصِيبُ إنْسانٍ في ساقِيَتِه (1)، فله أن يَسْقِيَ به ما شاءَ مِن الأرْضِ، سَواءٌ كان لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ. وله أن يُعْطِيَه مَن يَسْقِي به. وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا الماءِ؛ لأنَّ ذلك دالٌّ على أنَّ لها قَسْمًا مِن هذا الماءِ، فرُبَّما جُعِلَ (2) سَقْيُها منه دَلِيلًا على اسْتِحْقاقِها لذلك، فيَسْتَضِرُّ الشُّرَكاءُ، ويَصِيرُ هذا كما لو كان له دارٌ بابُها في دَرْبٍ لا يَنْفُذُ، ودارٌ بابُها في دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُها مُلاصِقٌ لظَهْرِ دارِه الأُولَى، فأراد تَنْفِيذَ إحْداهما إلى الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه اسْتِطْراقًا مِن كلِّ واحِدةٍ مِن الدّارَين. ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ باسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِيَ منه ما شاء، كما لو انْفَرَدَ به مِن أصْلِه. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه
(1) في م: «ساقية» .
(2)
في الأصل: «حصل» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الدّارَين، وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينَهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها إلى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أن لكلِّ دارٍ سُكانًا، فيَجْعَلُ لسُكّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْراقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْراقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِي مِن ساقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشارِكُه غيرُه فيها، فلو صار لتلك الأرْضِ رَسْمٌ مِن الشُّرْبِ مِن ساقِيَتِه لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ. ولو كان يَسْقِي مِن هذا النَّهْرِ بدُولابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِيَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ مِن ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جاز أن يَسْقِيَ بنَصِيبِه مِن الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. فإن ضاق الماءُ، قُدِّمَ الأسْبَقُ فالأسْبَقُ، على ما مَضَى.
فصل: ولكلِّ واحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ مِن إجْراءِ (1) غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارةٍ، وهي خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَي النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ فيها الماءُ، أو غيرِ ذلك مِن التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا حَقَّ فيها لغيرِه. فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ، أو في حَرِيمِه بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه. وقال القاضي في العَبّارَةِ: هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين في مَن أراد أن يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه.
(1) بعده في م: «ماء» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْراءَ الماءِ في أرْضٍ يَنْفَعُ صاحِبَها، لأنَّه يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا. وهذا لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حافَّتَيه، ولا يَسْقِي له شيئًا. ولو أراد أحَدُ الشُّرَكاءِ أن يَأْخُذَ مِن النَّهْرِ قبل قَسْمِه شيئًا يَسْقِي به أرْضًا في أوَّلِ النَّهْرِ أو في غيرِه، أو أراد إنسانٌ غيرُهم ذلك، لم يُجزْ؛ لأنَّهم صارُوا أحَقَّ بالماءِ الخاصِّ في نهْرِهم مِن غيرِهم، ولأنَّ الأخْذَ مِن الماءِ رُبَّما احْتاجَ إلى تَصَرُّفٍ في حافَّةِ النَّهْرِ المَمْلُوكِ لغيرِه، أو المُشْتَرَكِ بينَه وبينَ غيرِه. ولو فاض ماءُ هذا النَّهْرِ إلى أرْضِ إنْسانٍ، فهو مُباحٌ، كالطّائِرِ يُعَشِّشُ في مِلْكِ إنْسانٍ. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في ذلك على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإن قَسَمُوا ماءَ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ بالمُهايَأةِ، جاز، إذا تَراضَوْا به وكان حَقُّ كلِّ. واحِدٍ منهم مَعْلُومًا، مثلَ أن يَجْعَلُوا لكلِّ حِصَّةٍ يومًا ولَيلَةً. وان قَسَمُوا النَّهارَ، فجَعَلُوا لواحِدٍ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ، وللآخَرِ مِن الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، ونحوَ ذلك، جاز. وإن قَسَمُوه ساعاتٍ، وأمْكَنَ ضَبْطُ ذلك بشيءٍ مَعْلُومٍ، جاز. فإذا حَصَل الماءُ لأحَدِهم في نَوْبَتِه، فأراد أن يَسْقِيَ به أرْضًا ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا، أو يُؤْثِرَ به إنْسانًا، أو يُقْرِضَه إيَّاه على وَجْهٍ لا يَتَصَرَّفُ في حافَّةِ النَّهْرِ، جاز. وعلى قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، يَنْبَغِي أن لا يجوزَ؛ لِما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقَدَّمَ. وإن أراد صاحِبُ النَّوْبَةِ أن يُجْرِيَ [مع مائِه ماءً له آخَرَ، يَسْقِي به أرْضَه التي لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن النَّهْرِ](1)، أو أرْضًا له أُخْرَى، أو سَألَه إنْسانٌ [أن يُجْرِيَ](2) له ماءً مع مائِه في هذا النَّهْرِ ليُقاسِمَه إيّاه في مَوْضِعٍ آخَرَ على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ ولا بأحدٍ، جاز ذلك، في قِياسِ قولِ أصْحابِنا؛ فإنهم قالوا في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا: جاز أن يُجْرِيَ فيها ماءً في نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذا كان فيها. ولأنَّه مُسْتَحِقٌّ. لنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإجْراءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.
فصل: القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثلَ أنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في اسْتِنْباطِ عَينٍ وإجْرائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونَها أيضًا، لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها وفي ساقِيَتِها على حَسَبِ ما أنْفَقُوا عليها وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا في النَّهْرِ في القِسْمِ الذي قبلَه، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لأنَّه مُباحٌ دَخَل مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَل بُسْتانَه صَيدٌ، وههُنا يُخْرَّجُ على رِوايَتَين، أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا، وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ البَيعِ (3). وعلى كلِّ حالٍ فلكلِّ أحَدٍ أن يَسْتَقِيَ مِن الماءِ الجارِي لشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيابِه، ويَنَتْفِعَ به في أشْباهِ ذلك ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، مِن غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه. ولا يَحِلُّ (4)
(1) في الأصل: «له ماء مع مائه في هذا النهر» .
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
انظر ما تقدم في: 11/ 78.
(4)
في م: «يحصل» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لصاحِبِه المَنْعُ مِن ذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بالطَّرِيق فمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» . رَواه البُخارِيُّ (1). وعن بُهَيسَةَ، عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«الماءُ» . قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«المِلْحُ» . قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«أنْ تَفْعَلَ الخَيرَ خَيرٌ لَكَ» . رَواه أبو داودَ (2). ولأَنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ. وأمَّا ما يُؤَثِّرُ، كسَقْي الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ، فإن فَضَل عن حاجَتِه، لَزِمَه بَذْلُه، وإلَّا لم يَلْزَمْه، وقد ذَكَرْناه.
فصل: إذا كان النَّهْرُ أو السّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأرادُوا إكْراءَه، أو سَدَّ شِقٍّ (3) فيه، أو إصْلاحَ حائِطِه، أو شيءٍ منه، كان ذلك عليهم على حَسَبِ مِلْكِهم فيه، فإن كان بعضُهم أدْنَى إلى أوَّلِه مِن بعضٍ، اشْتَرَكَ الكلُّ في إصْلاحِه وإكْرائِه، إلى أن يَصِلُوا إلى الأوَّلِ، ثمَّ لا شيءَ على الأوَّلِ، ويَشْتَرِكُ الباقُونَ حتى يَصِلُوا إلى الثانِي، ثمَّ يَشْتَرِكُ مَن بعدَه كذلك، كلَّما انْتَهَى العَمَلُ إلى مَوْضِعِ واحِدٍ منهم، لم يَكُنْ عليه فيما بعدَه
(1) في: باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، من كتاب المساقاة. صحيح البخاري 3/ 145.
كما أخرجه أبو داود، في: باب في منع الماء، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 249. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كراهية الأيمان في الشراء والبيع، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 744.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 100.
(3)
في م: «بثق» .