الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.
ــ
2501 - مسألة: (وتَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسام؛ أحذها: ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ كالسَّوْطِ، والشِّسْعِ
(1)، والرَّغِيفِ، فيَمْلِكُه بأخْذِه. بلا تَعْرِيفٍ) لِما روَى جابِر، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في العَصا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشباهِه، يَلْتَقِطُه الرجلُ فيَنْتَفِعُ به. رَواه أبو داودَ (2). وكذلك التَّمْرَةُ، والكِسْرَةُ، والخِرْقَةُ، وما لا خَطر له، يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ حيث أكلَها، بل قال له:«لَوْ لَمْ تَأتِهَا لأتتْكَ» (3). ورأى النبي صلى الله عليه وسلم تَمْرَةً فقال: «لَوْلَا أنِّي أخشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُهَا» (4). ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العِلمِ في إباحَةِ اليَسِير والانْتِقاعِ به. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ. وبه قال عَطاء، وجابرُ بنُ زَيد،
(1) الشسع: سَير يُمسكُ النعل بأصابع القدم.
(2)
في: كتاب اللقطة. سنن أبي داود 1/ 399.
(3)
أخرجه ابن حبان. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 8/ 33.
(4)
تقدم تخريجه في 11/ 86.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وطاوس، والنَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأي. قال شيخُنا (1): وليس عن أحمدَ تحديدُ اليَسِيرِ الذي يُباحُ. وروَى عن أحمدَ أبو بكرِ بنُ صَدَقَةَ: إذا أخَذَ دِرْهَمًا عَرّفه سَنة. وقال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: ما كان نحوَ التَّمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خَطَرَ له، فلا بَأسَ. ونحوُ ذلك قولُ الشافعيِّ. وذَكَرَ القاضِي ذلك في كتابِ «الخِلافِ» . ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ تَعرِيفُ (2)، ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ. [ذَكَرَه شيخُنا في كِتابِ «الكافِي». وقال مالك، وأبو حنيفةَ: لا يَجِبُ تَعْرِيفُ ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ](3). وهو رُبْعُ دِينارٍ عندَ مالكٍ، وعَشَرَةُ دَراهِمَ عندَ أبي حنيفةَ؛ لأن ما دونَ ذلك تافِهٌ، فلا يَجِبُ تَعْرِيفُه، كالكِسْرَةِ والتَّمْرَةِ؛ بدَليلِ قولِ عائشةَ، رضي الله عنها: كانوا لا يَقْطَعُون في الشيءِ التّافِهِ. ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله
(1) في: المغني 8/ 296.
(2)
سقط: من الأصل.
(3)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه، أَنه وَجَدَ دِينارًا فتَصَرَّف فيه (1). وروَى الجُوزْجانِي، عن سَلْمَى بنتِ كَعْبٍ، قالت: وَجَدت خاتَمًا مِن ذَهَبٍ في طَرِيقِ مَكةَ، فسألْتُ عائشةَ عنه، فقالت: تَمَتَّعِي به (2). ورَخصَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الحَبْلِ، في حَدِيثِ جابر، وقد تكونُ قيمتُه دَراهِمَ. وعن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: خَرجْتُ مع سلمانَ بنِ رَبيعَةَ، وزَيدِ بنِ صُوحانَ حتى إذا كُنّا بالعُذَيبِ، الْتَقَطْتُ سَوْطًا، فقال لي: ألْقِه. فأبَيت، فلمّا قَدِمْنا المدينةَ، أتَيتُ أبيَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ (3). قال التِّرْمِذِي: هذا حَديث حسن صَحيح. وللشافعيَّةِ ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمذاهِبِ الثَّلاثة. ولَنا على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَروه، عُمُومُ حديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجبُ إبْقاؤه على عُمومِه إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَص، ولا هو في مَعْنَى ما ورَدَ به النَّصُّ. ولأنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْلَمُ بالقِياسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِن نَص أو إجْماع، وليس فيما ذَكَرُوه
(1) أخرجه أبو داود، في: كتاب اللقطة. سنن أبي داود 1/ 398.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في اللقطة ما يصنع بها، من كتاب البيوع والأقضية. المصنف 6/ 461.
(3)
أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم، من أبواب الأحكام. عارضة الأحوذي 6/ 141. وابن ماجه، في: باب اللقطة، من كتاب اللقطة. سنن ابن ماجه 2/ 837.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصٌّ ولا إجْماعٌ. فأمّا حَدِيثُ عليّ، فهو ضَعِيفٌ، رَواه أبو داودَ وقال: طرُقُه كُلُّها مُضْطَرِبَة، ثم هو مُخالِفْ لمَذهَبِهِم ولسائِرِ المذاهِبِ، فتَعَينَ حَمْلُه على وَجْهٍ مِن الوُجوهِ غيرِ اللُّقَطَةِ، إمّا لكَوْنِه مضْطَرًّا إليه، أو غيرِ ذلك. وحَدِيثُ عائِشةَ قَضِيَّة في عَين، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قولُ صحابي، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِير، لكن يباحُ ما ذَكَرَه النبي صلى الله عليه وسلم ورَخصَ فيه مِن السَّوْطِ والعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والذي يَجُوزُ التِقاطُه والانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، كالكِسْرَةِ، والتَّمْرَةِ، والعصا، ونحو ذلك، إذا التَقَطَه إنْسان وانْتَفَعَ به وتَلِف، فلا ضَمانَ فيه. ذَكَرَه صاحِبُ المُستوعِبِ. وكذلك ما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فيه، ولم يَذْكُرْ عليه ضَمانًا، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وكذلك يُخَرَّجُ في السَّوْطِ والحَبْلِ وشِبْهِه، المَذْكُورِ في حديثِ جابِر. وقَدرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ (1) بما دونَ القيراطِ. ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه؛ لِما ذَكَرْناه. وذَكَرَ القاضِي، أنَّه لا يَجِبُ تعريفُ الدّانِقِ.
(1) يعني ابن الجوزى عبد الرحمن بن علي.
الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ.
ــ
القِسمُ (الثاني، الضَّوالُّ التي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغارِ السِّباعِ؛ كالإِبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظِّباءِ، والطَّيرِ، والفُهودِ، ونحوها، لا يَجوزُ التِقاطُها) كُلُّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الامْتِناعِ مِن صِغارِ السِّباعِ، ووُرُودِ الماءِ، لا يَجُوزُ التِقاطُه، سَواءٌ كان لكِبَرِ جُثَّتِه؛ كالإبِلِ، والخَيلِ، أو لطيرانِه؛ كالطّيورِ كُلِّها، أو لعَدْوه؛ كالظِّباءِ، أو بنابِهِ، كالكِلابِ، والفُهودِ. قال عُمر، رضي الله عنه: مَن أخَذَ الضّالَّةَ فهو ضالّ. أي مُخْطِئٌ. وبهذا قال الشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ. وقال مالك، واللَّيثُ، في ضالَّةِ الإبِلِ: مَن وَجَدَها في الصَّحْراءِ لا يَقْرَبُها. ورَواه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ. وكان الزُّهْرِيُّ يقولُ: مَن وَجَدَ بَدَنَةً فليعَرِّفْها، فإن لم يَجِدْ صاحِبَها فلْيَنْحَرْها قبلَ أن تَنْقَضِيَ الأيامُ الثّلاثةُ. وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ التِقاطُها؛ لأنها لُقَطَةٌ، أشْبَهَتِ الغَنَمَ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لمّا سُئِلَ عنها: «مَا لكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِن مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَأكل الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (1). وسُئِلَ صلى الله عليه وسلم فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ إنّا نُصِيبُ (2) هَوامِيَ الإبِلِ. فقال: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النارِ» (3). وعن جَرِير بن، عبدِ اللهِ، أنَّه أمَرَ بطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ ببَقَره حتى تَوَارَتْ، وقال سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ:«لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلا ضَال» . رَواه أبو داودَ بمعناه (4). وقِياسُهُم يُعارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ، وكيف. يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصَرِيحِ قولِه بقِياسِ نَصِّه في مَوْضِعٍ آخَرَ! على أن الإبِلَ تُفارِقُ الغَنَمَ؛ لضَعْفِها، وقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، والخَوْفِ عليها مِن الذِّئبِ.
(1) تقدم تخريجه في صفحة 186.
(2)
في م: «نجد» .
(3)
أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن الشرب قائما، من أبواب الأشربة. عارضة الأحوذي 8/ 74. وابن ماجه، في: باب ضالة الإبل والبقر الغنم، من كتاب اللقطة. سنن ابن ماجه 2/ 836. والدارمي، في: باب في الضالة، من كتاب البيوع. سنن الدارمي 2/ 266. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 25، 5/ 80.
(4)
أخرجه أبو داود، في: كتاب اللقطة. سنن أبي داود 1/ 399. وابن ماجه، في: باب ضالة الإبل والبقر والغنم، من كتاب اللقطة. سنن ابن ماجه 2/ 836. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 362.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كانتِ الصُّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحْراءِ وعَجَزَ عنها صاحِبُها، جاز التقاطُها؛ لأنَّ تَرْكَها أضْيَعُ لها مِن سائِرِ الأمْوالِ. والمَقْصُودُ حِفْظُها لصاحِبِها، لا حِفْظُها في نَفْسِها، ولو كان المقصودُ حِفْظَها في نَفْسِها، لمَا جازَ الْتِقاطُ الأثْمانِ، فإنَّ الدِّينارَ دِينار حيث كان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والبَقَرُ كالإبِلِ. نَص عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أن البَقَرةَ كالشّاةِ. ولَنا، خبَرُ جَرِير فإنه طَرَد البَقَرَةَ ولم يَأخُذْها، ولأنها تَمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ، وتُجْزِئ في الأضْحِيَةِ عن سَبْعَةٍ، فأشْبَهَتِ الإبِلَ. وكذلك الحُكْمُ في الخَيلِ والبِغالِ. فأمّا الحُمُرُ، فجَعَلَها أصْحَابُنا مِن هذا القِسْمِ الذي لا يَجُوزُ الْتِقاطُه؛ لكِبرِ أجْسامِها، فأشْبَهَتِ الخَيلَ والبِغال. قال شَيخُنا (1): والأوْلَى إلْحاقُها بالشّاةِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ الإبِلَ بأنَّ معها سِقاءها، يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِها عن الماءِ؛ لكَثْرَةٍ ما تُوعِي في بُطُونِها منه، وقُوتِها على وُرُودِه، وفي إباحَةِ ضالَّةِ الغَنَمِ بأنها مُعَرَّضَة لأخْذِ الذِّئْب إيّاها، [بقولِه: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ] (2). والحُمُرُ مُساويِة للشّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمْتَنِعُ مِن الذِّئْبِ، وتُفارقُ الإبِلَ في علَّتِها؛ لكَوْنِها لا صَبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضْرَبُ المَثَلُ بقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، فيُقالُ: ما بَقِيَ من مُدَّتِه إلَّا ظمْء (3) حِمار. وإلْحاقُ الشيءِ بما ساواه في عِلَّةِ الحُكْمِ وفارَقَه في الصُّورَةِ أوْلَى مِن إلْحاقِه بما قَارَبَه في الصُّورَةِ وفارَقَه في العِلَّةِ.
(1) في: المغني 8/ 344.
(2)
سقط من: الأصل.
والحديث تقدم تخريجه صفحة 186.
(3)
الظمْء: ما بين الشربتين.
وانظر: مجمع الأمثال، للميداني 3/ 251.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا غيرُ الحَيَوانِ، فما كان منه يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، كأحْجارِ الطَّواحِينِ، والكَبِيرِ مِن الخَشَب، وقُدُورِ النُّحاسِ، فهو كالإِبِلِ في تَحْرِيمِ أخْذِه، بل أوْلَى منه؛ لأنَّ الإِبِلَ مُعَرَّضَة للتَّلَفِ في الجُمْلَةِ بالأسَدِ وبالجُوعِ والعَطَشِ، وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضِيعُ عن صاحِبِها ولا تَبْرَحُ مِن مكانِها، بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حُرِّمَ أخْذُ الحَيَوانِ، فهذه أوْلَى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن أخَذَ الحَيَوانَ الذي لا يَجوزُ أخْذُه على سَبِيلِ الالْتِقاطِ، ضَمِنَه، إمامًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه بغير إذْنِه ولا إذْنِ الشّارِعِ له، فهو كالغاصِب. فإن رَدَّه إلى مَوْضِعِه، لم يَبْرأ مِن الضّمانِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالك: يَبرأ؛ لأنَّ عُمَرَ، رضي الله عنه، قال: أرْسِلْه إلى المَوْضِعِ الذي أصَبتَه فيه (1). وجَرِير طَرَد البَقَرَةَ التي لَحِقَتْ ببَقَرِه. ولَنا، أنَّ ما لَزِمَه ضَمانُه لا يَزُولُ عنه إلَّا بِرَدة إلى صاحِبِه أو نائِبِه، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ. وأمّا حَدِيثُ جَرِير، فإنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ فطَرَدَها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَتْ دارَه فأخْرَجَها. وأمّا عُمَرُ، فهو كان الإِمامَ، فأمْرُه برَدِّها إلى مَكانِها كأخْذِها. فعلى هذا، متى لم يَأخُذْها بحيثُ تَثْبُتُ يَدُه عليها لا يَلْزَمُه ضَمانُها، سواء طَرَدَها أو لم يَطْرُدْها. فإن دَفَعَها إلى نائِبِ الامامِ، زال عنه الضّمانُ؛ لأنَّ له نَظَرًا في ضَوالِّ النّاسِ، بدَلِيلِ أنَّ له أخْذَها، فكان نائِبًا عن أصْحابِها فِيها.
(1) أخرجه مالك، في: باب القضاء من الضوال، من كتاب الأقضية. الموطأ 2/ 759. وأخرجه أبو داود بمعناه في: كتاب اللقطة. عنن أبي داود 1/ 399. وانظر تخريج حديث: «لا يؤوى الضالة إلا ضال» في صفحة 193.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وللإمامِ أو نائِبِه أخْذُ الضّالَّةِ ليَحْفَظَها لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رضي الله عنه، حَمَى مَوْضِعًا يُقالُ له النَّقِيعُ لخَيلِ المُجاهِدِين والضَّوَالِّ، ولأنَّ للإِمامِ نَظَرًا في حِفْظِ مال الغائِبِ، وفي أخْذِ هذه حِفْط لها عن الهَلاكِ. ولا يَلْزَمُه تَعْرِيفُها؛ لأَنَّ عُمَرَ، رضي الله عنه، لم يَكُنْ يُعَرِّف الضَّوالَّ، ولأَنه إذا عُرِفَ ذلك، فمَن كانت له ضالة فإنَّه يَجِئُ إلى مَوْضِعِ الضَّوالِّ، فإذا عَرَف ضالَّتَه، أقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ؛ لأنَّها ظاهِرَة بينَ النّاسِ، فيَعْرِفُ صِفَاتِها مَن رَآها مِن غيرِ أهْلِها، فلم تَكُنِ الصِّفَةُ دَلِيلًا على مِلْكِه لها. ولأنَّ الضَّالَّةَ كانت ظاهِرَةً للنَّاسِ حين كانت في يَدِ مالِكِها، فلا يَخْتَصُّ هو بمَعْرِفَةِ صِفاتِها دُونَ غيرِها، فلم يَكُنْ ذلك دَلِيلًا، ويُمْكِنُه إقامَةُ البَينةِ عليها لظُهُورِها للنّاسِ، ومَعْرِفَةِ خُلَطائِه وجيِرانِه تَمَلكَه إيّاها.
فصل: وإن أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبه ليَحْفَظَها لصاحِبِها، لم يَجُزْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له ذلك، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا ولايةَ له على صاحِبِها. وهذا ظاهِر مَذْهَبِ الشافعيِّ. ولأصْحابه وَجْه، أنَّ له أخْذَها لحِفْظِها، كالإمامِ أو نائِبِه، [ولا يَصِحُّ](1)؛ [لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم منَع أخْذَها مِن غير تَفْرِيقٍ بين قاصِدِ الحِفْظِ وقاصِدِ الالْتِقاطِ، ولا يَصِحُّ](2) القِياس على الإمامِ؛ لأنَّ له ولَايةً، وهذا لا ولايةَ له. فإن وَجَدها في مَوْضِع يَخَاف عليها به، كأرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ الأسَدَ يَفتَرِسُها إن تُرِكَتْ به، أو قَرِيبًا مِن دارِ الحَرْبِ، يَخافُ عليها مِن أهْلِها، أو بمَوْضِع يَسْتَحِل أهْلُه أمْوال المُسْلِمِين، أو في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بها ولا مَرْعَى، فالأوْلَى جَواز أخْذِها للْحِفْظِ، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأن فيه إنْقاذَها مِن الهَلاكِ، فأشْبَهَ تَخْلِيصَها مِن غَرَقٍ أو حَرِيق، وإذا أخَذَها سَلمها إلى نائِبِ الإمامِ، وبَرِئ مِن ضَمانِها، ولا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك فيها.
فصل: ويَسِم الإِمامُ ما يَحْصُلُ عنده مِن الضَّوَال بأنها ضالَّة، ويُشْهِدُ عليها، ثم إن كان له حِمى تَرْعَى فيه تَرَكَها فيه إن رَأى ذلك، وإن رأى المَصْلَحَةَ في بَيعِها، أو لم يَكُنْ له حِمي، باعَها بعدَ أن يَحْلِيَها ويَحْفَظَ صِفاتِها، ويَحْفَظُ ثَمَنَها لصاحِبِها، فإن ذلك أحْفَظُ لها؛ لأنَّ تَرْكَها يفْضِي إلى أن تَأكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِها.
(1) سقط من: الأصل.
(2)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَنْ ترك دابَّةً بمَهْلَكَةٍ، فأخَذَها إنْسان فأطْعَمَها وسَقاها وخَلصَها، مَلَكَها. وبه قال اللَّيثُ، والحَسَنُ بنُ صالِح، وإسحاقُ، إلَّا أن يكونَ تَرَكَها لتَرْجِعَ إليه، أو ضَلَّتْ منه. وقال مالك: هي لمالِكِها، ويَغْرَمُ ما أنْفَقَ عليها. وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هي لمالِكِها، والآخَرُ مُتَبَرِّع بالنَّفَقَةِ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مِلْكُ غيرِه، فلم يَمْلِكْه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت في غيرِ مَهْلَكَةٍ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بما أنْفَقَ، لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجعْ به، كما لو بَنَى دارَه. ولَنا، ما روَى الشّعْبِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:«مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَز عَنْهَا أهلُها فَسَيبوهَا، فأخَذهَا فَأحيَاهَا، فَهِيَ لَهُ» . قال [عُبَيد اللهِ بنُ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ](1): فقلتُ -يعني للشَّعْبِيِّ-: مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟ قال: غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ أبو داودَ (2). وفي لَفْظٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بمَهْلَكَة، فَأحيَاهَا رَجُل، فَهيَ لِمَنْ أحْيَاهَا» . ولأنَّ في الحُكْمِ بملْكِها إحياءَها وإنْقاذَها مِن الهَلَاكِ، ومُحافَظَةً على حُرْمَةِ الحَيَوانِ، وفي القَوْلِ بأنَّها لا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لذلك كلِّه مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ، ولأنه نُبِذَ رَغْبَةً عنه وعَجْزًا عن أخْذِه، فمَلَكَه آخِذُه، كالساقِطِ مِن السُّنْبُلِ، وسائِرِ ما يَنْتَبِذُه الناسُ رَغْبَةً عنه. فأمّا إن تَرَكَ مَتاعًا، فخَلَّصَه إنْسان، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه،
(1) في م: «عبد الله بن عبد الرحمن» . وانظر: تهذيب التهذيب 7/ 9.
(2)
في: باب في من أحيا حسيرا، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 258.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ؛ فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأكلُه السِّباعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجعَ إليه صاحِبُه. وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يَأخُذْه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ بها، بخِلافِ البَهِيمَةِ. وله أخْذُ العَبْدِ والمَتَاعِ ليُخَلِّصَه لِصاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المَتَاعِ. نَصَّ عليه، وكذلك العَبْدُ على قِيَاسِه. قال القاضِي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَل له ذلك أو أمَرَه به، فأمّا إن لم يَجْعَلْ له شيئًا، فلا شيءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مال غيرِه بغيرِ جُعْل، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالمُلْتَقِطِ، وهذا خِلاف ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَل له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ. ويُفارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنه لم يُخَلِّصِ اللُّقَطَةَ مِن الهَلاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في مَكانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضاع وهَلَك، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، فَفِي جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظُ الأمْوالِ مِن الهَلاكِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ، كالجُعْلِ في الآبِقِ. ولأنَّ اللُّقَطَةَ جَعَل فيها الشارِع ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكها إن لم يَجيء صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فَيَنْبَغِي أن يُشْرَحَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ، كَرَدِّ لآبِقِ.
فصل: فأمّا ما ألقاه رُكّابُ البَحْرِ فيه خَوْفًا مِن الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحابِنا فيه قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا مَنْ أخَذَه. وهو قولُ اللَّيثِ. وبه قال الحَسَنُ، فيما أخْرَجه، قال: وما نَضَبَ عنه الماءُ فهو لأهْلِه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا شيءَ له. ويَقْتَضِيه قولُ الشافعيِّ، والقاضِي؛ لِما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ قَبلَه. ويَقْتَضِي قولُ الإِمامِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ لمَن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لِما ذَكَرْنا. قال شَيخُنا (1): ووَجْهُ ما ذَكَرْنا مِن الاحْتِمالِ أنَّ هذا مال ألْقَاهُ أصْحابُه فيما يتلَفُ ببَقائِه فيه اخْتِيارًا منهم، فمَلَكَه مَن أخَذَه، كالذي ألْقَوْه رَغْبَةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإتْلافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالاتْلافِ. فأمّا إن انْكَسَرتِ السَّفِينَة، فأخرَجَه قوم. فقال مالِك: يَأخُذُ أصحابُ المَتاعِ مَتاعَهُم، ولا شيءَ للذين أصابُوه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضِي. وعلى قِياسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لمُسْتَخْرِجِه ههُنا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسيلة إلى تَخْلِيصِه وحِفْظِه لصاحِبه وصِيانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأَجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ ليُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخاطِرْ بنَفسِه في اسْتِخْراجِه، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ.
فصل: ذَكَرَ القاضِي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيَةً، أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أَنه لا يُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ. وقال الشافعيّ: يُمْلَكُ العَبْدُ دونَ الجارِيَةِ؛ ولأن التَّمَلكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِراض، والجاريَةُ عندَه لا تُمْلَكُ بالقرْضِ. قال شيخُنا (1): وهذه المسألةُ فيها نَظَر؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُوم
(1) في: المغني 8/ 349.
الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ.
ــ
بحُرِّيته، وإن كان مِمّن يُعَبِّرُ (1) عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنه مَمْلُوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعْرِيفِه لسَيِّدِه.
(الثالثُ، سائِرُ الأمْوالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلان، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ)(2) فيجوزُ الْتِقاطُها لمَن يَقْصِدُ تَعْرِيفَها وتَمَلُّكَها بعدَه؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وقولِه في الشّاةِ:«خُذْهَا فَإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أو للذِّئْبِ» (3). ثَبَت في الذّهَبِ والفِضَّةِ، وقِسْنَا عليه المَتاعَ، وقِسْنا على الشّاةِ كلَّ حَيَوانٍ
(1) في الأصل: «لا يعبر» .
(2)
الأفلاء: جمع فلو، وهو ولد الفرس.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 186.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَمْتَنِعُ بنَفْسِه مِن صِغارِ السباعِ، وهي الثَّعْلَبُ، وابنُ آوَى، والذِّئْبُ، وَوَلَدُ الأسَدِ، ونحوُها، ومنه الدَّجَاجُ، والإوَزُّ، ونحوُها، يجوزُ الْتِقاطُها. ورُوِيَ عن أحمدَ رِواية أخْرَى، ليس لغيرِ الإِمامِ الْتِقاطُها، يَعْنِي الشّاةَ ونحوَها مِن الحَيَوانِ. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا أخْتارُ أن يَقْرَبَها، إلَّا أن يُحْرِزَها لصاحِبِها؛ لقولِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» (1). ولأنَّه حيَوان، أشْبَهَ الإبِلَ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الشّاةِ:«خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيك أوْ للذِّئْبِ» . مُتَّفق عليه. ولأنَّه يُخْشَى عليه التَّلَفُ والضَّياعُ، أشْبَهَ لُقَطَةَ غيرِ الحَيوانِ، وحَدِيثُنا
(1) تقدم تخريجه في صفحة 193.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخَصُّ مِن حَدِيثهم، فنَخُصُّه به، ولو قُدِّرَ التَّعارضُ قُدِّم حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الإبِلِ، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقاطِها بأنَّ مَعَها حِذاءَها وسِقاءَها، وهذا مَعْدُوم في الغَنم، ثم قد فَرقَ النبي صلى الله عليه وسلم بينَهما في خَبَر واحدٍ، فلا يجوزُ الجَمْعُ بين ما فرَّقَ الشّارِعُ بينَهما، ولا قِياسُ ما أمَر بالْتِقاطِه على ما مَنَع منه.
فصل: ولا فَرْقَ بين أن يَجِدَها بمِصْرٍ أو مَهْلكةٍ وقال مالك، وأبو عبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في الشّاةِ تُوجَدُ في الصَّحْراء: اذْبَحْها وكُلْها. وفي المِصْرِ: ضُمَّها حتى يَجِدَها صاحِبُها؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للذِّئْبِ» (1). ولا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَر بأخْذِها، ولم يفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ، ولأنَّها لُقَطَة، فاسْتَوَى فيها المِصْرُ وغيرُه، كسائِرِ اللُّقَطاتِ. وقَوْلُهم: لا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ. قُلْنا: كونُها للذِّئْبِ في الصَّحْرَاءِ، لا يَمْنَعُ كَوْنَها لغيرِه في المِصْرِ. ومَتى عَرَّفَها حَوْلًا مَلَكَها. وذَكَر القاضِي، وأبو الخَطّابِ، عن أحمدَ رِوَايَةً: أنَّه لا يَمْلِكُها. ولَعَلَّها الرِّوايَةُ التي مَنَع مِن الْتِقاطِها فيها. ولَنا، قولُه عليه السلام:«هِيَ لَكَ» . أضافَها إليه بلامِ التَّمْلِيكِ، ولأنَّ الْتِقاطَها مُباحٌ، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأثْمانِ. وقد حكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
(1) تقدم تخريجه في صفحة 186.