الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ. وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ.
ــ
كما لو أُخِذَتْ منه كَرْهًا. وَوَجْهُ الأوّلِ، أنَّه دَفَع مال غيرِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه اخْتِيارًا منه، فَضَمِنَه، كما لو دَفَع الوَدِيعةَ إلى غيرِ مالِكِها إذا غَلَب على ظَنِّه أنَّه مالِكُها.
2516 - مسألة: (إلَّا أن يَدْفَعَها بحُكْمِ حاكِمٍ)
فلا يَمْلِكُ صاحِبُها مُطالبَتَه؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ منه على سَبِيلِ القَهْرِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو غَصبَها غاصِبٌ، ومتى ضَمِن الواصِفُ لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ العُدْوانَ منه والتَّلَفَ عندَه. وإن (ضَمِنَ الدافِعُ، رَجَع على الواصِفِ) لأنَّه كان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَبَ تَغْرِيمِه، إلَّا أن يكونَ المُلْتَقِطُ قد أقَرَّ للواصِفِ أنَّها له، فإنَّه لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ أنَّه مالِكُها ومُسْتَحِقُّها، وأنَّ صاحِبَ البَيِّنةِ ظَلَمَه بتَضْمِينِه، فلا يَرْجِعُ على غيرِ ظالِمِه. وإن كانتِ اللُّقَطَةُ قد تَلِفَتْ عندَ المُلْتَقِطِ، فضَمَّنَه إيّاها، رَجَع على الواصِفِ بما غَرِمَه، وليس لمالِكِها تَضْمِينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه إنَّما هو مالُ المُلْتَقِطِ لا مالُ صاحِبِ اللُّقَطَةِ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ العَينَ. فأمّا إن وَصَفَها إنْسان فأخَذَها، ثم جاء آخرُ فوَصَفَها وادَّعاها، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ الأوَّلَ اسْتَحَقَّها لوَصْفِه إيّاها وعَدَمِ المُنازِعِ فيها، وثَبَتَتْ يَدُه عليها، ولم يُوجَدْ ما يَقْتَضِي انْتِزاعَها منه، فوَجَبَ إبْقاؤُها في يدِه (1)، كسائِرِ مالِه.
فصل: ولو جاء مُدَّعٍ للُقَطَةٍ فلم يَصِفْها، ولا أقامَ بَيَنةً أنَّها له، لم يَجُزْ دَفْعُها إليه، سواءٌ غَلَب على ظَنِّه صِدقُه أو كَذِبُه؛ لأنَّها أمانةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى مَنْ لم يُثْبتْ أنَّه صاحِبُها، كالوَدِيعة. فإنْ دَفَعَها فجاء آخَرُ فوصَفَهَا، أو أقامَ بها بَيِّنةً، لَزِمَ الدّافِعَ غَرامَتُها له، لأنَّه فَوَّتَها على مالِكِها بتَفْرِيطِه، وله الرُّجُوعُ على مُدَّعِيها، لأنَّه أخَذ مال غيرِه، ولصاحِبِها تَضْمِينُ آخِذِها، فإذا ضَمَّنَه، لم يَرْجِع على أحَدٍ. وإن لم يَأْتِ أحَدٌ يَدَّعِيها فلِلْمُلْتَقِطِ مُطالبةُ آخِذِها؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ مَجِئَ صاحِبِها فيُغَرِّمُه إيّاها، ولأنَّها أمانةٌ في يَدِه، فمَلكَ الأخْذَ مِن غاصِبِها، كالوَدِيعةِ.
(1) بعده في الأصل: «له» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ قد مات واللُّقَطَةُ مَوْجُودةٌ، قام وارِثُه مَقَامَه في تَعْرِيفِها، أو إتمامِه إن مات قبلَ إتْمامِ (1) الحَوْلِ، ويَمْلِكُها بعد إتْمامِ التَّعْرِيفِ. وإن مات بعد تَمامِ الحَوْلِ، وَرِثَها الوارِثُ، كسائِرِ أمْوالِ المَيِّتِ، ومتى جاء صاحِبُها، أخَذَها مِن الوارِثِ، كما يأْخُذها مِن المَوْرُوثِ، وإن كانت مَعْدُومَةَ العَينِ، فصاحِبُها غَرِيمٌ للمَيِّتِ بمِثْلِها إن كانت مِن ذواتِ الأمْثالِ، أو بقِيمَتِها إن لم تَكنْ كذلك، فيَأْخُذُ ذلك مِن تَرِكَتِه إنِ اتَّسَعَتْ لذلك، فإن ضاقَتِ التَّرِكَةُ زاحَمَ الغُرَماءَ ببَدَلِها، سواءٌ تَلِفَتْ بعد الحَوْلِ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه؛ لأنَّها قد دَخَلَتْ في مِلْكِه بمُضِيِّ الحَوْلِ. وإن عَلِمَ أنَّها تَلِفَتْ قبلَ الحَوْلِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، ولا شيءَ لصاحِبِها؛ لأنَّها أمانةٌ في يَدِه تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلم يَضْمَنْها، كالوَدِيعةِ. وكذلك إن تَلِفَتْ بعد الحَوْل قبلَ تَملُّكِها بغيرِ تَفريطٍ، عند مَن يَرَي أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يتَملَّكَها، أو أنَّها لا تُمْلَكُ بحالٍ. وقد مَضَى الكلامُ في ذلك. فأمّا إن لم يَعْلَم تَلَفَها، ولا وُجِدَتْ في تَرِكَتِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه غرِيمٌ بها، سَواءٌ كان قبلَ الحَوْلِ أو بعدَه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، ويَسْقُطَ حَقُّ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّةِ المُلْتَقِطِ منها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قد تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا تُشْغَلُ ذِمَّتُه بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَوْتُ قبلَ الحَوْلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّها كانتْ أمانةً عنده، ولم تُعْلمْ خِيانَتُه (2)
(1) زيادة من: م.
(2)
في ر 1: «جنايته» .
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَدْلًا أَو فَاسِقًا، تَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيها. وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا.
ــ
فيها، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّتِه منها. وإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، فهي في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعد الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه. فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ صاحِبَها لو جاء بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ إيّاها أو هِبَتِه لم يَكُنْ له إلَّا بَدَلُها. فلِمَ قُلْتُم: إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعًى مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجِئِ صاجِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلافِ مِلْكِ المُشْتَرِي والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
فصل: قال، رحمه الله:(ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُلْتَقِطِ غَنِيًّا أو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أو كافرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، يأَمَنُ نَفْسَه عليها. وقيل: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في تَعْرِيفِها وحِفْظِها) إذا الْتَقَطَ الغَنِيُّ لُقَطَةً وعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها، كالفَقِيرِ، رُوِيَ نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائشةَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعَلِيٍّ، وابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ. وبه قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: ليس له أن يَتَمَلَّكَها، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوي القُرْبَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِيُّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيها ذَا عَدْلٍ -أو ذَوَيْ عَدْلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإِنْ وَجَدَ صاحِبَها فَلْيَرُدَّهَا عَلَيه، وَإلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . رَواه النَّسَائِيُّ (1). قالوا: وما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى إنَّما يتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل. وأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ (2):«فَإِنْ لم تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها» . وفي لَفْظٍ: «فَشَأنَكَ بها» . وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مالِكَ» . ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرْضِ مَلَك اللُّقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جاز له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التَّعْريفِ، كالفَقِيرِ، ودَعْواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضافُ إلى اللهِ تعالى لا يتَمَلَّكُه إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا دَلِيل عليها (3)، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشياءَ كُلَّها تُضافُ إلى
(1) تقدم تخريجه في صفحة 535.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 186.
(3)
في الأصل، م:«عليه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِ تعالى؛ مِلْكًا وخَلْقًا، قال اللهُ تعالى:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (1).
فصل: ويَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالالْتِقاطِ كالمُسْلِم. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: ليس له الالْتِقاطُ في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأمانةِ. ولَنا، أنَّه نَوْعُ اكْتِسابٍ، فكان مِن أهْلِه، كالاحْتِشاشِ [والاصطِيادِ](2) والاحتِطاب -وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فإنَّه يَصِحُّ الْتِقاطُهُما مع عَدَمِ الأَمانةِ. ومتى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، مَلَكَها، كالمُسْلِمِ، وإن عَلِم بها الحاكِمُ أقَرَّهَا في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه ويُعَرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ الكافِرَ على تَعْرِيفِها، ولا نَأْمَنُ أن يُخِلَّ في التَّعْرِيفِ بشيءٍ
(1) سورة النور 33.
(2)
سقط من: م.