الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. وَقَال الْخِرَقيُّ: إِذَا طَلَّقَ، فَلَمْ يَدْرِ أواحِدَةً طَلَّقَ أم ثَلَاثًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ.
ــ
3635 - مسألة: (وإن شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى على اليَقِينِ)
لِما ذَكَرْنَا (وقال الخِرَقِيُّ: إذا طَلَّقَ، فلم يَدْرِ واحدِةً طَلَّقَ أم ثَلاثًا) اعْتَزَلها، وعليه نَفَقَتُها ما دامَتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها في العِدَّةِ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، ولمْ يَطَأها حتى يَتَيَقَّنَ كَمِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للتَّحْرِيمِ، شَاكٌّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في التَّحْلِيلِ (1). وجملةُ ذلك، أنَّ مَن طلَّقَ وشكَّ في عَدَدِ الطَّلَقاتِ، بَنَى على اليَقِينِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُل لَفَظَ بطَلاقِ امْرَأتِه، لا يَدْرِي واحدَةً أم ثلاثًا؟ فقال: أمَّا الواحِدَةُ فقد وَجَبَتْ عليه، وهي عندَه حتى يَسْتَيقِنَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، لأنَّ ما زاد على القَدْرِ الذي تَيَقَّنَه طلاقٌ مَشْكُوكٌ فيه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شكَّ في أصْلِ الطَّلاقِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تَبْقَى أحْكامُه أحْكامَ المُطَلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ من إباحةِ الرَّجْعةِ. وإذا ارْتَجَعَ (2) عادت إلى ما كانت عليه قبلَ الطَّلاقِ. وقال الخِرَقِيُّ: يَحْرُمُ وَطْؤُها. ونحوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عنه، أنَّه يَلْزمُه الأكثرُ مِن الطَّلاقِ المشْكُوكِ فيه. وقولُهما: مُتَيَقنٌ للتَّحْرِيمِ؛ لأنَّه تَيَقَّنَ وُجودَه بالطَّلاقِ، وشَكَّ في رَفْعِه بالرَّجْعَةِ، فلا يَرْتَفِعُ بالشَّكِّ، كما لو أصابَ ثَوْبَه نجَاسَةٌ، وشَكَّ في مَوْضِعِها، فإنَّه لا
(1) إلى هنا ينتهي كلام الخرقي كما في المغني 10/ 514، 515.
(2)
في م: «رجع» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَزُول حُكْمُ النَّجاسَةِ بغَسْلِ مَوْضعٍ مِن الثَّوْبِ، ولا يَزُولُ حتى يَغْسِلَه جَمِيعَه. وفارَقَ لُزُومَ النَّفَقَةِ، فإنَّها لا تَزُولُ بالطَّلْقَةِ الواحدةِ، فهي باقيةٌ؛ لأنَّها كانت باقِيَةً، وقد شَكَكْنا في زَوالِها. وظاهرُ قولِ سائرِ أصحابِنا، أنَّه إذا راجَعَها حَلَّتْ له. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ المُتَعَلِّقَ بما تَيَقَّنَه يَزُولُ بالرَّجْعَةِ يَقِينًا، فإنَّ التَّحْريمَ أنْواعٌ؛ تحريمٌ تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، وتحْريمٌ يُزِيلُه نِكاحٌ جديدٌ، وتحريم يُزِيلُه نِكاحٌ بعد زَوْجٍ وإصابةٍ، ومَن تَيَقَّنَ الأدْنَى لا يثْبُتُ فيه حُكْمُ الأعْلَى، كَمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ الأصْغَرَ، لا يَثْبُت فيه حُكْمُ الأكْبرِ، ويَزُولُ تحْريمُ الصَّلاةِ بالطَّهارةِ الصُّغْرى، ويُخالِفُ الثَّوْبَ، فإنَّ غَسْلَ بعْضِه لا يَرْفعُ ما تَيَقَّنَه مِن النَّجاسَةِ، فنَظِيرُ مَسألتِنا أن يَتَيقَّنَ
وَكَذَلِكَ قَال فِي مَنْ حَلَف بِالطَّلَاقِ لَا يَأكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أنَّهَا لَيسَتِ الَّتِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ.
ــ
نجاسةَ كُمِّ الثَّوبِ ويَشُكَّ في نجاسةِ سائرِه، فإنَّ حُكْمَ النَّجاسةِ فيه يَزُولُ بغَسْلِ الكمِّ وحْدَه، كذا هاهُنا، ويُمْكِنُ مَنْعُ حُصولِ التَّحْريم هاهُنا ومَنْعُ تَيَقُّنِه، فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُباحَة لزَوْجِها، في ظاهرِ المذهبِ، فما هو إذًا مُتَيَقِّنٌ للتَّحْريمِ، بل هو مُتَيَقِّنٌ للإِباحَةِ، شاكٌّ في التَّحْريم (وكذلك قال في مَن حَلَفَ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ، فأكلَ منه واحدةً، مُنِعَ مِن وَطْءِ امْرأتِه حتى يتَحَقَّقَ (1) أنَّها ليستِ التي وَقَعَتِ اليَمِينُ عليها، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه حتى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه) وهذه المسألةُ لا تَخْلُو مِن أحْوالٍ ثلاثٍ؛ أحدُها، أنَّ يَتَحَقَّقَ أكلَ التَّمرةِ المحْلوفِ عليها؛ إمَّا بأن
(1) في م: «يعلم» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْرِفَها بعَينها أو صِفَتِها، أو يأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه، أو الجانبَ الذي وَقَعَتْ فيه كلَّه، فيَحْنَثُ بلا خلافٍ بينَ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّه أكلَ التَّمرةَ المحْلُوفَ عليها. الثَّاني، أنَّ يتَحَقَّقَ أنَّه لم يَأكُلْها، إمَّا بأن لا يأكُلَ مِنَ التَّمْرِ شيئًا، أو يأكُلَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه غيرُها، فلا يَحْنَثُ أيضًا بلا خلافٍ، ولا يَلْزَمُه اجْتِنابُ زَوْجَتِه. الثَّالثُ، أكلَ مِن التمرِ شيئًا، واحدةً أو أكثَرَ، إلى أن لا تَبْقَى منه إلَّا واحدة، ولم يَدْرِ أكَلَها أو لا؟ فهذه مسْألَةُ الخِرَقِيِّ، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه؛ لأنَّ الباقِيَةَ يَحْتَمِلُ أنَّها المحْلوفُ عليها، ويَقِينُ النِّكاحِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشكِّ. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي. فعلى هذا، يكونُ حُكْمُ الزُّوْجِيَّةِ باقِيًا في لُزُومِ نَفَقَتِها، وكُسْوَتِها، ومَسْكَنِها، وسائِرِ أحْكامِها، إلَّا في الوَطْءِ؛ فإنَّ الخِرَقِيَّ قال. يُمْنَعُ مِن وَطْئِهَا، لأنَّه شاكٌّ في حِلِّها، فحَرُمَتْ عليه، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه امْرأتُه بأجْنَبيَّةٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّها باقِيَةٌ على الحِلِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأَصْلَ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، كسائرِ أحْكام النِّكاحِ، ولأنَّ النِّكاحَ باقٍ حُكْمًا (1)، فأثْبَتَ الحِلَّ، كما لو شَكَّ هل طَلَّقَ أو لا؟ وإن كانت يَمِينُه: ليَأكُلَنَّ هذه التَّمرةَ. فلا يتَحَقَّقُ بِرُّه حتى يَعْلَمَ أنَّه أكَلَها.
(1) في م: «حكمه» .