الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإن طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَينهَا وَأُنْسِيَهَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
ــ
يُرْوَى عن ابنِ عباس. وقال الجماعَةُ: يقَعُ على واحدةٍ مُبْهَمَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالقٌ، وإحْداكُنَّ حُرَّةٌ. لأنَّ لَفْظَ الواحدِ لا يُسْتَعْمَلُ في الجمعِ إلَّا مَجازًا، والكلامُ يُحْمَلُ على حقيقَتِه ما لم يَصْرِفْه عنها دليلٌ، ولو تَساوَى الاحْتمالان، لوجَبَ قَصْرُه على الواحدةِ؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما زادَ عليها بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه. وهذا أصَحُّ. واللهُ أعلمُ.
3637 - مسألة: (وإن طَلَّقَ واحِدَةً وَأُنْسِيَها، فكذلك عندَ أصحابِنا)
أكثرُ أصحابِنا على أنَّه إذا طَلَّقَ امرأةً مِن نِسائِه وأُنْسِيَها، أنَّها تُخْرَجُ بالقُرْعَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، وتَحِل له الباقِيات. وقد روَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ القُرْعَةَ لا تُسْتَعْملُ هاهُنا لمعْرفةِ الحِلِّ، وإنَّما تُسْتَعْملُ لمعْرفَةِ المِيراثِ، فإنَّه قال: سألْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرأةً مِن نِسائِه، ولا يَعْلَمُ أيَّتهُنَّ طلَّقَ؟ قال: أكْرَهُ أن أقولَ في الطَّلاقِ بالقُرْعَةِ. قلتُ: أرَايتَ إن ماتَ هذا؟ قال: أقولُ بالقُرْعَةِ. وذلك لأنَّ القُرْعَةَ تَصِيرُ على المالِ. وجَماعَةُ مَن رَوَى عنه القُرْعَةَ في المُطَلَّقَةِ المَنْسِيَّةِ إنَّما هو في التَّوْرِيثِ، فأمَّا في الحِلِّ فلا يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ بالقُرْعَةِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، فالكلامُ إذًا في المسْألةِ في شَيئَينِ؛ أحدُهما، في استعْمالِ القُرْعَةِ في المَنْسِيَّةِ في التَّوْريثِ. والثَّاني، في اسْتِعْمالِها فيها للحِلِّ. أمَّا الأوَّلُ فوَجْهُه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ حُمَيدٍ (1)، قال: سألْتُ أبا جَعْفَرٍ، عن رَجُل قَدِمَ مِن خُراسَانَ، وله أرْبَعُ نِسْوَةٍ، [قَدِمَ البَصْرَةَ](2) فَطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ونَكَح، ثم مات لا يَدْرِي الشهودُ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ؟ فقال: قال عليٌّ، رضي الله عنه: أقْرِعْ بينَ الأرْبَعِ، وأنْدِرْ (3) مِنْهُنَّ واحِدَةً،
(1) عبد الله بن حميد بن عبيد الأنصاري الكوفي، ثقة، روى عن عطاء والشعبي وأبي جعفر، وروى عنه أبو أسامة وأبو نعيم. التاريخ الكبير 5/ 71. الجرح والتعديل 5/ 37.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في م: «أنذر» . وأندر: أي أسقط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واقْسِمْ بينَهنَّ المِيراثَ. ولأنَّ الحُقوقَ إذا تَساوَتْ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ التَّمْييزُ إلَّا بالقُرْعَةِ، صَحَّ اسْتِعْمالُها، [كالشركاءِ في القِسْمَةِ، والعبيدِ في الحريةِ. فأمَّا القُرْعةُ في الحلِّ في المَنْسِيَّةِ، فلا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها](1)؛ لأنَّها اشْتَبَهَتْ عليه زَوْجَتُه بأجْنَبِيَّةٍ، فلم تَحِلَّ له إحْداهُما بالقُرْعَةِ، كما لو اشْتَبَهَتْ بأجْنَبِيَّةٍ لم يَكُنْ له عليها عَقْدٌ، ولأنَّ القُرْعَةَ لا تُزِيلُ التَّحْريمَ عن المُطَلَّقةِ، ولا تَرْفَعُ الطلاقَ عمَّن وقعَ عليها (2)، ولاحْتِمالِ كونِ المُطَلَّقةِ غيرَ مَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ، ولهذا لو ذَكَرَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُها، حَرُمَتْ عليه، ولو ارْتَفَعَ التَّحْريمُ أو زال الطَّلاقُ، لَمَا عادَ بالذِّكْرِ، فيَجِبُ بقَاءُ التَّحْريمِ بعدَ القُرْعَةِ، كما كان قبلَهَا. وقد قال الخِرَقِي، في مَن طَلَّقَ امْرأتَه، فلمِ يَدْرِ واحدةً طَلَّقَ أم ثلاثًا؟ ومَن حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تمْرٍ، فأكَلَ منه واحدةً: لا تَحِلُّ له امْرأتُه، حتى يَعْلَمَ أنَّها ليستِ التي وقَعَتِ اليَمِينُ عليها. فحَرَّمَهَا مع أنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، ولم يُعارِضْه يَقِينُ التَّحْريمِ، فهاهنا أوْلَى. وكذلك الحُكْمُ [في كل مَوضعٍ وقَعَ](3) الطَّلاقُ على امْرأةٍ بعَينها، ثم اشْتَبَهَتْ بغيرِها؛ مثلَ أن يَرَى امْرَأةً
وَالصَّحِيحُ أنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هاهنَا، وَتَحْرُمَانِ عَلَيهِ جَمِيعًا، كَمَا لَو اشْتَبَهَتِ امْرَأتهُ بِأجْنَبِيَّةٍ.
ــ
مُوَلِّيَةً، فيقولُ: أنتِ طالقٌ. ولا يَعْلَمُ عَينَها مِن نِسائِه، فإنَّ جميعَ نِسائِه يَحْرُمْنَ عليه، حتى يَعْلَمَ المُطَلَّقَةَ، ويُؤْخَذُ بنَفَقَةِ الجميعِ؛ لأنَّهُنَّ مَحْبُوسات عليه. وإن أقْرَعَ بينَهُنَّ، لم تُفِدِ القُرْعَةُ شيئًا، ولا يَحِلُّ لمَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ التَّزَوُّجُ (1)؛ لأنَّها يَجوزُ أن تكونَ غيرَ المُطَلّقَةِ. وقال أصحابُنا: إذا أقْرَعَ بَينَهُنَّ، فخَرَجَتِ القُرْعَةُ على إحداهُنَّ، ثَبَتَ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، فحَلَّ لها النِّكاحُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، وأُبِيحَ للزَّوْجِ مَن سِواها، كما لو طَلَّقَ واحدةً غيرَ مُعَينَّةَ. واحْتَجُّوا بما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، رضي الله عنه، ولأنَّها مُطَلَّقَة لم تُعْلَمْ بِعَينها، فأشْبَهَ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالق. ولم يُرِدْ واحدةً بعَينها. ولأنَّه إزَالةُ أحَدِ المِلْكَين المَبْنِيَّين على التَّغْلِيبِ والسِّرايَة، أشْبَهَ العِتْقَ. قال شيخُنا:(والصَّحِيحُ أنَّ القُرْعَةَ لا مَدْخَلَ لها هاهُنا) لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ (وتَحْرُمان عليه، كما لو اشْتَبَهَتِ امْرأتُه بأجْنَبِيَّةٍ) وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّ الحَقَّ لم يَثْبُت لواحدٍ بعَينه، فجعَلَ الشَّرْعُ القُرْعَةَ مُعَيَّنةً، فإنَّها تَصْلُحُ للتَّعْيِينِ، وفي مسألتِنا، الطَّلاقُ واقعٌ على مُعَينَّةٍ لا مَحَالةَ، والقُرْعَةُ لا تَرْفَعُه عنها، ولا تُوقِعُه على غيرِها، ولا يُؤْمَنُ وُقُوعُ القُرْعَةِ على غيرِها، واحْتِمالُ وُقوعِ القُرْعَةِ على غيرِها كاحْتِمالِ وُقوعِها عليها، بل هو أظْهَرُ مِن غيرِها، فإنَّهُنَّ إذا كُنَّ
(1) في م: «التزويج» .