الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعشرة" "وكانت هي السن المثالية لشيوخ المصريين". وترتب على سمعته الطيبة أن قدسه مواطنوه بعد وفاته واعتبروه من الأولياء، ثم ألهوه في عصورهم المتأخرة وشاركهم الإغريق في تأليهه، وقدسوا أمه وصوروها على هيئة الربة سشات راعية الكتابة والحساب. ونسبوا إليه المعرفة بالطب، وأعادوا بناء مقصورة شعائره في غرب طيبة وأحالوها إلى معبد كبير، وقرنوه بإيمحوتب مهندس عصر الأسرة الثالثة وحكيم زمانه وخصصوا لهما مقصورتين في المسطح العلوي من معبد حاتشبسوت بالدير البحري، وشادوا بكراماته في قضاة حوائجهم وشفاء مرضاهم إذا باتوا في معبده، ثم جمعوا بينه وبين ملكه في أسطورة سموها "تنبوءات الفخراني"1.
ومرة أخرى لا نود أن نتخيل حياة أولئك الكبار مثالية كما صوروها، ولا أن نتخيلها نموذجًا لحياة كثيرين من أفراد شعبهم، فشتان ما بين مقدرات الكبار والصغار، وبين القول وبين التطبيق في كل مجتمع وزمان، ولكننا نود أن نجمع بين تراجمهم وبين تراجم من استشهدنا بهم في مناسبات سابقة من رجالات العصور المتعاقبة، في القول بأن شخصية الفرد "الكبير" إزاء فرعونه في مصر القديمة كانت أظهر بكثير من شخصيات كبار الأفراد في الأمم الشرقية المعاصرة، مثل بلاد النهرين، إزاء ملوكهم، سواء من حيث الثراء أم من حيث الاعتداد بالنفس، وذلك على عكس الظن الشائع باختفاء شخصية الفرد المصري إلى جانب قديسة ملكه وسلطانه.
1 See، Sethe، “Egyptian Heros”، In Hasting’s Encyclopaedia، Vi، 650 F.; Robischon Et Varille، Le Temple De Scribe Royal Imenhotep Fils D’hapou، 1936.
في السياسة الخارجية:
خرج أولو الرأي المصريون من محنة الهكسوس وقد غلب على تفكيرهم أنه لا أمان لاستقلالهم من غدر أعدائهم إلا إذا واصلوا الاهتمام بجيشهم وزادوا قوته الحربية، وأنه لا أمان لاقتصادهم من اعتداءات بقايا الهكسوس وأمثالهم إلا إذا أبعدوهم عن مسالك تجارتهم الخارجية جهد ما يستطيعون وأحاطوهم بأنصارهم جهد ما يستطيعون، وأنه لا أمان لمستقبل بلدهم ممن غزو هجرات شعوبية جديدة غريبة إلا إذا سيطروا بأنفسهم على مداخل الهجرات في شمال الشام وأطراف العراق. وتكفل بالمرحلتين الأوليين من هذه السياسة الملكان أحمس الأول وأمنحوتب الأول على التعاقب. بينما أخذ خليفتهما تحوتمس الأول على عاتقه أن يبدأ بتنفيذ المرحلة الثالثة منها.
وكان أحمس الأول "نب بحتي رع" قد استن من جانبه أدوات تنفيذ المرحلتين الأوليين، فترأس جيوشه بنفسه وخرج بها عن حدود بلده، وأبان عن إدراكه لخطورة إقامة الهكسوس على مقربة من هذه الحدود، فحاصرهم في شاروحين حتى أجلاهم عنها وشتتهم منها كما أسلفنا. ثم استعاد هو ورجاله صلات بلدهم بتجارة الشمال والجنوب، أي تجارة أهل الشام ومن كانوا يتعاملون مع موانيهم من تجار الكريتيين ثم تجارة الكاشيين في بلاد النوبة ومن ورائهم من أهل الجنوب.
وخلف أحمس الأول على عرش مصر ولده أمنحوتب الأول "جسر كارع"، فانتفع بجهوده واستقرت أحوال مصر في عهده، وغلب السلام عليها. وطال عهده معها أكثر من واحد وعشرين عام "1550 - 1528ق. م" يذكر له فيها أنه جرى على سنة أبيه فخرج على رأس جيشه إلى ما وراء الحدود المصرية في الشمال والجنوب والغرب ليثبت أن سلام مصر في عهده هو سلام الأقوياء. وقد صحبه في بعض حملاته قائدان كان لهما فضل كبير فيما روياه عن حروبه، أولهما أحمس بن إبانا الذي خدم أباه أحمس، وقد ذكر في نصوصه أنه تولى قيادة الأسطول النهري وعاد به من النوبة في يومين1 "حتى أسوان؟ "، وثانيهما رجل يدعى أحمس كذلك واشتهر باسم أحمس بانخبة2، وسوف يكون له دوره هو الآخر في سياق الحوادث بعد عهد أمنحوتب.
وعمل أمنحوتب على أن يجعل لبلاد النوبة السفلى شخصية واضحة في صلب الدولة، فسلكها في وحدة إدارية واحدة تمتد من الشلال الثاني وتدخل في صلب الحدود المصرية متضمنة محافظة أسوان، ليثبت عمليًّا أنها جزء من مصر يجري عليها ما يجري على أقاليم مصر نفسها، وأصبح حاكمها يلقب بلقب والي الأقاليم الجنوبية3 "وإن استمرت الألقاب تترى على صاحب هذا المنصب فيما بعد حتى أصبح أشبه بنائب ملك في النوبة وغدا يلقب بلقب الأمير".
وليس من تفاصيل معروفة حتى الآن عن مشروعات عهد أمنحوتب الأول في بلاد الشام، ولكن لوحظ أن رجلًا من رجاله ذكر اسم دولة الميتان مثن في نصوصه لأول مرة4. وذلك مما يعني أن جهود رجاله قد ترتبت عليها زيادة معرفتهم بأحوال الشرق القديم وأحوال دوله. وكانت دولة الميتان آرية الأصل نزلت جماعاتها في شمال شرق سوريا وأطراف العراق، قبيل أوائل القرن السادس عشرة ق. م، واعتمدت على نظام الإمارات الفيدرالية لفترة طويلة. وتركزت أهم مدنها على نهير الخابور ونهر الفرات5.
لم يكن السلام المسلح الذي غلب على أحوال مصر في عهد أمنحوتب الأول غير فترة استجمام استجمعت البلاد قواها فيها وتحفزت بعدها لخطوات جريئة جديدة. وبدأت هذه الخطوات بتولي تحوتمس الأول "عاخبر كارع" الذي اعتلى العرش في سن الرجولة الناضجة "ربما بعد الأربعين"، أي بعد أن حدد أهدافه ورسم آماله. وقد آثر لنفسه خطة النضال وسياسة الهجوم، فكان من قوله عن نفسه إن ساعة الحرب أشهى عنده من يوم هنيء6، وإنه يتشوق للقتال وينشرح كلما بلغه نبأ تحرك الأعداء7. واستغل تحوتمس هذه
1 Sethe، Urkunden، Iv، 7، 15; Breasted، Ancient Records، Ii، 39.
2 Sethe، Op. Cit.، 32 F.
3 Ibid.، 78.
4 Gardiner، Egypt Of The Pharaohs، 197 “After L. Borchardt”.
5 See. Sidney Smith، Early Llistory Of Assyria، Xiv، Xv; W.F. Albright، Jea، Xiv، 283 F. Gardiner، Ancient Egyptian Onomastica، I، 173 F.، 266، 286.
6 Urk.، Iv، 85، 9.
7 I. D.، Iii. 128 A.
القوة الدافعة في نفسه واستغل الروح الحربية التي سادت شعبه منذ عهدي سلفيه، فمد حدود مصر الجنوبية إلى المدى الذي كان يعتقد أنه مداها الطبيعي، ووصل بها قرب الشلال الرابع، ثم عاد وسجل أخبار انتصاراته على الصخور المواجهة لجزيرة تومبس1. وزاد في سنة سلفه فجمع المناطق الجنوبية في وحدة إدارية كبيرة امتدت من نواحي نباتا حتى مدينة الكاب قرب إدفو، ورفع قيمة واليها بما يتفق مع اتساعها الجديد فخلع عليه لقب الإمارة "حرفيا: ابن الملك"2. واستمرت بلاد النوبة تتمصر منذ ذلك الحين بخطى سرية وتهذبت مصنوعاتها المحلية التي شاعت فيها منذ أيام الدولة الوسطى3.
ووجه تحوتمس ناحية الشام عاملان: عامل القوة الدافعة التي صبغت سلوكه وروح عصره، وعامل تحرك الجماعات الميتانية التي ذكرتها نصوص عهد سلفه، في شمال شرق الشام وقرب نهري الخابور والفرات. وكان في كل من العاملين ما شجعه على تنفيذ المرحلة الثالثة من سياسة أسرته، ألا وهي السيطرة على أبواب التجارة ومداخل الهجرات في شمال الشام وأطراف العراق. ولم تكن أحوال بلاد الشام حين ذاك مما يشجعها على صد هجرات جديدة أو كسر شرة الهجرات الموجودة على أطرافها، دون دفع خارجي أو عون خارجي، وحين تطلع تحوتمس الأول إلى جمعها تحت رايته اعتمد على جرأته واستعان بالتحركات القوية الخاطفة، فمرق بجيشه من مصر عبر الشام في سرعة غريبة ودون معارضة كبيرة حتى بلغ أرض نهرينا في منطقة الميتان4 ثم عبر نهر الفرات وأرسى على ضفته الشرقية نصبًا حدد به حدود دولته الناهضة5 التي امتدت على حد تعبير نصوص عهده من قرن الأرض في الجنوب إلى أطراف المياه المعكوسة في الشمال، أي من جبل برقل والشلال الرابع حتى أطراف مياه الفرات التي استغرب المصريون جريانها من الشمال إلى الجنوب على عكس جريان مياه نيلهم، فاعتبروا جريانها جريانًا معكوسًا ووصفوها بأنها المياه التي تجعل المبحر يقبل "أو تجعل الطالع نازلًا"6. وعند عودته من ضفاف الفرات، وجد تحوتمس من وقت فراغه ومن شعوره بالطمأنينة ما شجعه على أن يمتع نفسه هو وخاصة رجاله بصيد الفيلة في منطقة أحراج "ني"7.
وظل الرجل فخورًا بما أداه لمصر، وكان من قوله بين كهنة أوزير في أبيدوس:"أطلقت حدود تامري "أي مصر" إلى ما تحيط الشمس به، وعوضت أهلها بعد خوفهم قوة "وأمنًا"، وأقصيت الشر عنها، وجعلتها فوق رأس الدنيا كلها، وجعلت الجميع أتباعًا لها"8.
1 Urk.، Iv، 82 F.; Ancient Records، Ii، 67 F.; Saeve-Soderbergh، Aeghpten Und Nubie، 148، 154.
2 Urk. Iv، 80; And See، Jea، Vi، 82 F.; Rec. Trav.، Xxxix، 182.
3 ألكسندر شارف: تاريخ مصر، ص122.
4 See، Gardiner، Onomastica، I، 144، 171 F.، 180، 266.
5 Breasted، Op. Cit.، Ii، 478.
6 Urk.، Iv، 85، 14.
7 See، Gardiner، Op. Cit.، 158 F.
8 Urk.، Iv، 102، Ii F.; Zaes، 1910، 73-74.
ولحسن الحظ احتفظت النصوص المصرية بأقوال بعض من شاركوه في السمعة الحربية من شجعان جيشه، وكان منهم أحمس بن إبانا الذي تمرس على الحرب منذ أيام الكفاح ضد الهكسوس، وقد كتب في نقوش مقبرته يقول "حين بلغ الفرعون نهرينا
…
كنت في مقدمة جيشنا، وشهد جلالته مدى جرأتي، وقدت إليه "ذات مرة" عربة حربية بخيلها وبمن فيها أسرى وقدمتهم إليه، فكافأني بالذهب ضعفًا
…
"1. وكان في قوله "كنت في مقدمة جيشنا" ما يشهد باعتزازه بهذا الجيش وبأن المواطنين أصبحوا يعتبرون الجيش جيشهم وليس جيش الفرعون وحده. ثم أحمس بانخبة الذي زامله في خدمة أمنحوتب الأول وذكر هو الآخر أنه اشترك في حروب نهرينا وأنه قتل واحدًا وعشرين شخصًا وأسر وغنم مركبة حربية
…
2.
كان منطقيًّا أن تعقب فترة النضال المستمر في المرحلة الأولى من عصر الأسرة الثامنة عشرة، فترة هدوء واستجمام، وقد حدثت هذه الفترة بالفعل في عهدي ولدي تحوتمس الأول. وهما تحوتمس الثاني ثم حاتشبسوت. وقد سارت العلاقات الخارجية في عهد تحوتمس الثاني "عاخبرن رع" سيرًا عاديًّا هينًا، وتكفلت جيوشه بمجهودات يسيرة لتوطيد الأمن في الأملاك الجنوبية3 والشمالية4.
واتجهت سياسة الدولة في عهد حاتشبسوت "ماعت كارع" وجهة إفريقية أكثر منها آسيوية، فعملت جيوشها على توطيد الأمن في منطقة كاش5. وعلى استغلال مناجمها وزيادة التبادل التجاري معها هي وما ورائها من بلاد السودان. وخرجت حينذاك بعثتها الاقتصادية الكبيرة المشهورة إلى بلاد بوينة "أو بونت" في عام حكمها التاسع، وقد صورت مراحلها على جدران معبدها في الدير البحري، وقيل معها إنها بدأت بوحي الإله آمون رع وإنه أرشدها إلى خير السبل على بلاد بوينة ومدرجات أشجار الكندر. وقد خرجت البعثة في عدة سفن شراعية كبيرة ومعها سرية من الجند وأبحرت في البحر الأحمر حتى باب المندب ومنه إلى بلاد بوينة "إرتيريا أو الصومال" فاستقبلها الحاكم بوينة وزوجته وأولاده وكبار رجاله، وانحنى كبار حاشيته أمام رمز حاتشبسوت وقالوا وهم يحيونه ويلتمسون البركة منه "تحية لك ملك مصر، الشمس الأنثى التي تضيء مثل الكوكب" وقالوا "حقًّا إن ملك مصر لا يعزب عنه شيء" ويبدو أن البعثة هدفت أصلًا إلى بلوغ مدرجات الكندر في اليمن لتستورد خير أنواعه وتتفادى تدخل الوسطاء، ولكن أمير بوينة ورجاله خوفوا رجال البعثة مشقة الطريق وقاموا باستيراد 31 من شجيرات الكندر عن طريقهم حتى لا يفقدوا مكاسب الوساطة6. ثم بادلوا البعثة متاجرها، وعادت من أرضهم بكميات كبيرة من الذهب وثمار البخور
1 Urk.، Iv، 9، 10-10،3.
2 Ibid.، 36، 10-11.
3 Ancient Records، Ii، 119 F،.
4 Ibid.، 124.
5 See، Jnes، Xvi، 99 F.; Zaes، 1966، 97 F.
6 Abdel-Aziz Saleh، “Some Problems Relating To The Pwenet Reliefs At Deir El- Bahari”، Jea، 1972، 140-158.
يستخدمها أهل بوينة في أعيادهم وأفراحهم، ومجموعة من كلاب الصيد والزراف والقرود. وكان قد صحب الرحلة فنان كبيرة تولى بعد عودته نقش مناظرها ومراحلها على جدران المسطح الأول لمعبد ملكته في الدير البحري1، وصور معها خصائص قرى بلاد بوينة بنخيلها وأكواخها العالية التي تقوم على أعمدة من سيقان الأشجار ويصعد إليها أصحابها على سلالم خشبية متنقلة، وصور حيواناتها وبعض خصائص سكانها، وسجل معها لوحته الفكاهية الطريفة التي صور فيها أميرة بوينة بدينة ذات أرداف ثقيلة تقف مع زوجها، وصور معهما حمارًا صغيرًا كتب عنه أنه الحمار الذي يحمل زوجته، تلاعبًا باللفظين بين الزوج الآدمي والزوج الحيواني، وإشفاقًا على الحمار الصغير من حمل ذلك الثقل الكبير.
انفر تحوتمس الثالث "من خبر رع" أعظم رجال الحرب من الفراعنة المصريين بالعرش عام 1468ق. م أو نحوه. وكان نفس الغلام الذي أشركته حاتشبسوت معها في بداية حكمها ثم نحته عن الحكم وأجبرته على الانطواء في معبد آمون "ص207". وعندما اعتلى العرش منفردًا واجه مشكلة واسعة هددت زعامة مصر وسمعتها الدولية في الشرق الأدنى، وكان عليه أن يتحداها ويثبت كفايته لحلها. وتفرقت مواطن هذه المشكلة في نواحٍ من بلاد الشام وأطراف بلاد النهرين، وكانت عواملها ثلاثة، وهي: اهتمام عهد حاتشبسوت بسياسته الإفريقية أكثر من اهتمامه بسياسته الآسيوية، مما بعد بعض الشيء بين مصر وبين جيرانها أهل الشام. وأمل دولة المتيانيين التي بدأت تلم شملها وتعترف بملك واحد في أن يصبح لها ضلع في توجيه أحوال الشرق الأدنى وتجارته، لا سيما وأن موقعها على الفرات وامتدادها إلى شرقه نحو دجلة سمح لها بمركز تجاري متوسط يمكن أن تتحكم به في مداخل التجارة السورية العراقية ويمكن أن تتنافس مصر به2. ثم اتجاه حكامها إلى شغل مصر عنهم بإثارة الاضطرابات ضدها، وقد استجاب لتحريضاته بالفعل بعض حكام الشام وشيوخ بدوها، لا سيما وأنه كانت لا تزال تعيش بينهم بقية من ذراري الهكسوس الذين طردهم المصريون من بلادهم شر طردة3.
وتمخضت هذه العوامل الثلاث عن تحالف ضم عددًا من رؤساء القبائل والمدن الشامية، وتزعمه أمير قادش، وكان فيما يحتمل ميتاني الأصل، أو كان على الأقل كبير المستجيبين للميتان والضالعين معهم. وقد اتجه بحلفائه وخيلهم ورجلهم، على حد تعبير النصوص المصرية4، إلى شمال فلسطين وسيطر على مدينة مجدو وجعلها مركزًا لأطماعه، ومد نفوذه حتى مدينة شاروحين معقل الهكسوس القديم. وتمثلت أهمية مجدو "التي قد يعني اسمها معنى الحصن أو القاطع، وقامت على أطلالها بلدة تل المتسلم الحالية" في
1 E. Naville، The Temple Of Deir Sl-Bahari، Vol. Iii; Brunner-Traut، E.، “Die Krankheit Der Fursten Von Punt”، Welt Des Orients، X “1957”، 307-11.
2 J. Nilson، The Collapse Of An Ancient Civilisation، 1940، 4.
3 See، Ibid.، 2; Sethe، Zaes، Xlvii، 84; Jea، V، 54، N. 2; Ancient Records، Ii، 636.
4 Urk.، Iv، 649.
أنها كانت تتحكم بموضعها في الممرات الجبلية التي تعترض طرق التجارة بين جنوب بلاد النهرين وجنوب الشام من ناحية، وبين فلسطين ومصر من ناحية أخرى.
وتعنينا خطط تحوتمس الثالث في معالجة مشكلات عصره من نواحٍ ثلاثة، وهي: دلالتها على التكتيك الحربي في عهده. وتعبيرها عن تقليد عسكري مستحب وهو حرص الفرعون على تبادل الرأي مع ضباط جيشه عند مواجهة مفاجآت الحرب وقبل دخول المعارك الكبيرة. ثم نجاحها في إعادة الاستقرار المنشود إلى ربوع الشرق الأدنى. فقد لجأ تحوتمس إلى سرعة الإعداد، ولم يقض في مصر غير شهور قلائل منذ انفراده بالحكم، واعتزم الهجوم الخاطف وسرعة التنفيذ. وخرج بجيشه في 16 أبريل 1468، وقطع بجيشه ما بين 125 ميلًا و150 ميلًا من المنطقة الصحراوية الممتدة بين مدينة ثارو "تل أبو صيفة شرق القنطرة الحالية" وبين غزة في تسعة أيام أو عشرة، أي بمعدل ما بين 12.5 و15 ميلًا في اليوم الواحد، على الرغم من صعوبة الطريق وعلى الرغم من أن جيشه بلغ ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا أغلبهم من المشاة. وأقام تحوتمس في غزة يومًا واحدًا احتفل فيه بعيد توليته، ثم واصل الزحف بجيشه حتى بلغ مشارف جبل الكرمل في أحد عشر يومًا أو اثنى عشر يومًا قطع فيها ثمانين ميلًا. ونزل في بلدة "يحم""فيما يوازي 7 مايو 1468"، عند مفترق ثلاثة طرق تنتهي جميعها إلى مجدو، وكان أقصر هذه الطرق طريق وعر ضيق ذكره المصريون باسم طريق عارونا، يمر خلال شعب من جبال الكرمل وينفذ رأسًا إلى مجدو، أما الطريقان الآخران طريق تاعاناقا وطريق جفتي، فكلاهما رحب متسع، غير أن كلًّا منهما طويل وينعطف في نهايته بعيدًا بعض الشيء عن مجدو، وعقد تحوتمس مجلس حربه، وقال لقادته: "الآن دخل العدو مدينة مجدو، وضم إليه أمراء الأقطار
…
بخيلهم ورجلهم". ثم عرض عليهم أمر الطرق الثلاثة وطلب منهم رأيهم في اختيار الطريق المناسب وقال لهم "أفتوني بما في نفوسكم". وشعر القادة بأن فرعونهم يميل إلى سلوك الطريق القصير الضيق، فقالوا: "وكيف يتيسر المسير على طريق وعر بالغ الضيق؟ " ثم شك بعضهم في الأنباء التي بلغت الفرعون عن دخول الأعداء في مدينة مجدو، وخشوا أن يحتل الأعداد مرتفعات الطريق الضيق ويتعقبوهم أو يحتلوا مخرجه ويتصيدوهم، فقالوا له: "هناك نبأ يقول بأن الأعداء لا زالوا في الخلاء، يفوقون الحصر عدًّا، ثم إنه لن يستطيع جواد أن يسير بجوار جواد في هذا الطريق الضيق، فضلًا عن الجنود والمدنيين، وقد تقاتل مقدمتنا هناك وتظل مؤخرتنا هنا في عارونا بغير قتال
…
، ومعنى ذلك أن ما يناسبنا جميعًا هو الطريق المتسع، سواء الطريق المؤدي إلى تاعاناقا، أو الطريق الآخر المؤدي إلى شمال جفتي، وعلينا بعد ذلك أن نتجه شمال مجدو، فليسلك مولانا الهمام أي طريق شاء من الطريقين "الواسعين"، ولكن لا يجبرنا على أن نسير في الطريق الحزون". وهكذا دبر القادة أمرهم، وحاولوا تبرير رأيهم، وأرادوا أن يؤمنوا جيشهم ضد مفاجآت الطريق، ولكهم فضلوا الحذر واللباقة، فتركوا لفرعونهم حرية اختيار أصلح الطريقين المتسعين.
ولم يتكلم تحوتمس لتوه، وأراد أن يقنع القادة المتشككين، بصدق ما أخبرهم به عن دخول الأعداء إلى مدينة مجدو، فاستدعى عيونه وأمرهم أن يعيدوا على مجلس الحرب ما سبق أن أنبئوه به عن مواقع الأعداء.
ثم اعتزم أمرًا، ولكنه لم يشأ أن يصدره إلى رجاله في هيئة الأمر. وفضل أن يعلن استعداده للتضحية بنفسه ثم يترك لرجاله الخيار في متابعته أو مخالفته، فقال لهم: أقسم بحب رع، وفضل أبي آمون
…
، لأسلكن هذا الطريق "الضيق"، طريق عارونا بالذات، فليذهب من شاء منكم على الطريقين اللذين ذكرتموهما، وليأت معي من رغب منكم في متابعتي. وإلا فما الذي سيقوله الأعداء أعداء رع، ألن يقولوا إن جلالته سلك طريقًا آخر من فرط خوفه منا؟ ". وأفحم القادة بمنطق الملك وهزتهم الأريحية للدفاع عن سمعة الفرعون وكرامة رع وآمون، فأمنوا عليه وقالوا له: "ليساعدك أبوك آمون، وها نحن في معيتك سائرون أينما سرت، فتقدم ونحن معك كالتابع في معية مولاه". وشفع تحوتمس حديثه بالعمل، أو بمعنى آخر شفع المشورة بسرعة التجهيز والتنفيذ، واعتزم الهجوم الخاطف، فاستقبل جيشه ونادى: "هلموا آزروا مولاكم المظفر، وسيروا على هذا الطريق برغم ضيقه الشديد". ثم أقسم قائلًا:"ولن أسمح بأن يتقدمني "أحد حتى" فرق الطليعة في هذا المقام". وبر الفرعون بيمينه، وأصر على أن يخرج بنفسه في طليعة جيشه "وحينذاك أخطر المنادون كل فرد بمكانه في المسيرة، وسار الجواد في إثر الجواد والفرعون على رأس الجنود".
لم يتوقع خصوم تحوتمس أن سيجازف وجيشه الكثيف بسلوك الطريق الضيق، فابتعدوا عنه، وخرج هو بطليعة جيشه. ولكن صدق شك ضباطه في الأنباء التي وصلته عن تجمع خصومهم داخل مجدو، فقد كان هؤلاء لا يزالون منتشرين في الخلاء فعلًا. ولما تيقن القادة من ذلك قالوا لفرعونهم في صراحة:"نرجو أن يستمع مولانا إلينا في هذه المرة، ويتركنا نحافظ على مؤخرة جيشه وأفراد شعبه، فإذا وصلت إلينا مؤخرة الجيش قاتلنا الأعداء دون أن يشغل بالنا على رجالنا". وأطاع تحوتمس رجاله، وجلس على مقعدة أمام سرادقة، حتى خرجت إليه مؤخرة جيشه عند الزوال، وأكرم القادة وأرسل المؤن للاتباع وعين حرس المعسكر وأوصاهم بالثبات واليقظة
…
، ثم أتته الأنباء بخلو الساحل وأن فرق العسكر الجنوبية والشمالية في وضع سليم. وفي يوم عيد القمر الصادق "بما يوافق 12 مايو 1468ق. م" خرج الملك في الفجر.، في عربة مذهبة مزودة بأسلحة الحرب، وتوسط جيشه ثم انحط به على الميدان، ولم تطل المعركة وآثر خصومه الفرار، وتركوا خيولهم وعرباتهم المذهبة والمفضضة. وكان أهل مجدو قد أغلقوا أبواب مدينتهم، ولكنهم عاونوا كبار الفارين ودلوا لهم أقمشة ربطوها حول خصورهم ورفعوهم بها .. ، وهنا عقب المراسل الحربي لتحوتمس بأنه لو لم ينشغل جيشه جلالته بجمع الغنائم لاستولى على مدينة مجدو في الحال، ولكن انشغالهم سمح لأمير قدش وأمير مجدو بالفرار إليها
…
، واضطر الجيش المصري إلى تطويق المدينة، فأحاطها بخندق وطوقها بسور من أخشاب الأشجار، واستمر في مراقبتها سبعة شهور، حتى إذا طال المطال على أهلها أخرجوا أبناءهم إلى تحوتمس يقدمون له السلاح والهدايا، فعفا عنهم وقبل هداياهم، ثم خرج إليه حلفاؤهم الأمراء وأعلنوا استسلامهم، فقبل جزاهم وسرحهم إلى مدنهم، واكتفى بأن جعلهم يستبدلون الحمير بخيولهم، عقابًا يسيرًا، وهونًا من هوان، ولأنه كان أحوج إلى الخيول كما قال1. وعندما عاد
1 Urk.، Iv، 647 F.; Ancient Records، Ii، 391 F.; H. H. Nelson، The Battle Of Megiddo، 1913; R. Faulkner، Jea، Xxviii “1942”، 2 F.
عبد العزيز صالح: "التربية العسكرية في مصر القديمة" – بحث في المجلد الأول من تاريخ الحضارة المصرية – القاهرة 1962 ص196 - 198.
بجيوشه إلى مصر كان قد أعاد الاستقرار إلى جنوب الشام وأرهب خصومه، وكسب ود الأمراء الذين تسامح معهم، واصطحب معه بعض أبنائهم إلى مصر ليكونوا ضمانًا لإخلاص آبائهم1.
وتفقد تحوتمس أحوال الشام بعد ذلك أربع مرات في أربعة أعوام متتالية، كان يخرج فيها بمظاهرات عسكرية سليمة ضخمة. ثم اعتزم في مرته السادسة منازلة أمير قادش رأس المشكلة في عقر داره، بعد أن اطمأن إلى سلامة ظهره، أي اطمأن إلى إخلاص المدن الشامية التي تركها خلفه اطمأن إلى كفاية أساطيله وقدرتها على تموين جيشه من ناحية البحر وحماية إمداداته فيما لو حدث شيء يهدد اتصالاته من ناحية البر.
وكانت قادش، وهي تل نبى مند الآن، تستمتع بحصانة طبيعية وتحتل موضعًا إستراتيجيًّا أصيلًا فاقت أهميتها به أهمية مجدو. فقد وقعت بين ثلاثة تحصينات مائية: نهر العاصي الذي قامت على ضفته الشرقية وفرع صغير اتصل به عندها من ناحيتة الغربية، ثم بحيرة حمص التي تقع إلى الشمال منها بقليل. وتحكمت قدش بحكم موقعها في المدخل الشمالي لوادي البقاع المؤدي إلى قلب سوريا، وأشرفت على وادي النهر الكبير المؤدي إلى ساحل البحر المتوسط، وأطلت على طريق تجاري رئيسي يصل بين بلاد النهرين وبين سوريا. وكانت محصنة ويقوم بالقرب منها معسكر قديم من معسكرات الهكسوس، كما يقوم على بعد 35 ميلًا منها معسكر قطنة أكبر معسكرات الهكسوس جميعًا. "راجع أيضًا حضارة الشام في جزء تالٍ لهذا الكتاب".
ونجح تحوتمس بجيشه في هزيمة خصمه أمير قادش بعد مجهود كبير، ودخل المدينة وأصلح رجاله أسوارها، وألف بينها وبين بقية المدن السورية، ورجع إلى مصر ومعه بعض أمرائها الصغار الذين قالت عنهم حولياته الرسمية:"استحضر جلالته أولاد الأمراء وإخوتهم ليكونوا ودائع على أرض مصر، حتى إذا توفي أحد الأمراء عين جلالته ولده في منصبه، وكان عددهم في هذا العام 36 فردًا، ومعهم من الخدم والجواري 188"2. وعلى الرغم من الرغبة في اتخاذ هؤلاء الأمراء ودائع ضمانًا لإخلاص آبائهم، فإن بقية السياق تدل على أنه كان ينظر إليهم نظرة طيبة تحفظ عليهم مكانتهم الأولى وينعمون فيها بخدمهم وجواريهم العديدين، وأن من أغراضه من استقدامهم أن يلمسوا أمجاد مصر وعظمة عاصمتها التي كانت بهرة العالم المتمدين في ذلك العصر، وليطمئنوا إلى الحضارة المصرية ويتشبعوا بها ويصبحوا أوفياء لها ولفراعنتها إذا تولوا حكم مدنهم وإماراتهم بعد وفاة آبائهم.
وعندما خرج تحوتمس بجيشه إلى سوريا في مرته الثامنة "في العام 33 من حكمه" كان قد اعتزم أن يهاجم دولة الميتان في عقر دارها ليأمن دسائسها وتحريضاتها وليستقر الأمن بعدها على حدود دولته. وعمل في سبيل نجاح خطته على تنظيم المواني الشامية وتزويدها بما كان يعوزها من المحاصيل الغذائية، وقالت
1 But Compare، Ancient Records، Ii، P. 170.
2 Maritte، Karnak. 13، Ii; Anc. Records. Ii، P.198.
نصوصه في ذلك: "تعليماته لإعداد المواني: مون جلالته كل ميناء وصل إليها بالخبز الجيد "من القمح؟ " وأنواع الخبز الأخرى، وزيت الزيتون والبخور والنبيذ والعسل والفواكه"1. ثم طلب إلى رجاله أن يجهزوا أسطولًا كبيرًا من أخشاب لبنان وأن ينقلوا سفنه وناقلاته مفككة عن طريق البر على عربات تجرها الثيران إلى قرب نهر الفرات. والتقى تحوتمس وجيوشه بالميتانيين في قرقميش، وانتصر برجاله عليهم، ففر ملكهم على أحد أقاليم دولته القصية، وهنا قال تحوتمس في حولياته "قسمت جيشي بعد المعركة قسمين عبر أحدهما الفرات وتتبع الأعداء، ولاحق الآخر العدو الخاسئ "ملك الميتان" في جبال ميتاني، ولكنه فر إلى بلد بعيد". وقد يعني هذا أن دولة الميتان لم يقض عليها تمامًا وأنه كان ينبغي أن تحدث معها جولات تالية. ومع ذلك فقد توج تحوتمس نصره بأن عبر الفرات بسفنه، ثم أرسى رجاله نصبين على ضفتيه سجلوا عليهما أخبار نصره وعينوا بهما حدود فتوحاته2. وكان هي المرة الأولى التي نقلت السفن الحربية فيها على طريق البر لمسافة تقرب من 250 ميلًا "وكانت السفن المصرية تصنع من ألواح ذات وصلات كثيرة وذلك مما ساعد على سهولة نقلها"، كما كانت من أولى المرات التي استخدمت فيها لعبور جيش كبير على متن نهر واسع كالفرات في التاريخ القديم3. وعبر تحوتمس حينذاك عن اتساع حدود دولته بعبارة قريبة من عبارة جده تحوتمس الأول، قال فيها إنه "جعل حدوده من بداية الأرض "أي من أقاصي النوبة" إلى أقاصي آسيا "الغربية"4. ثم خرج إلى الأقاليم الشمالية نحو ثمان مرات أخرى أو تسع، قصد بها الاستطلاع حينًا، والإصلاح حينًا، وتوطيد الأمن وإرهاب العصاة حينًا، ومجرد الزيارة والرحلة حينًا آخر.
وازدادت صلات مصر ببلاد الشام من وراء هذه الجهود، وازدادت أعداد المصريين فيها من موظفين وتجار، كما ازدادت أعداد مواطنيها في مصر أمراء وتجارًا وعاملين. ولم يجد كبار الموظفين المصريين بأسًا من أن يحترموا بعض أرباب الشام إلا جانب معبوداتهم5. وكان من ذلك على سبيل المثال أن ذكر أحد رؤساء الخزانة في عهد تحوتمس الثالث أنه حرص على أن يقدم قرابينه إلى "ربة جبيل المسماة بعلة" قبل أن يصعد جبل لبنان لانتقاء أشجار الأرز اللازمة لمهمته6.
1 A. Erman، Die Literatur Der Aegypter، 1923، 284 F.
2 Urk.، IV، 697 F.; Anc Records، II، 476 F.; Jea، XXXII، 39f.; Mond And Myers، Armant، 103، 7 F.
3 See، R. Faulkner، Jea، 1946، 39 F.
4 Gebel Barkal Stela، 8; Zaes، Lxix، 24 F.; Var. Urk.، Iv، 587، 2 F.
5 See، Steindorff، Zaes، XXXVIII، 15 F.; Gustavs، Zaes، Lxiv، 54 F.; G. Posener، Syria 1937، 183 F.; W.F. Albright، J.A.O.S.، 1954، 222 F.; Seforad، Ibid، 1956، 215.; W. Helck، Die Beziehumgen Aegyptens Zu Vorderasien Im 3 Und 2. Jahrtausend، V. Chr.، Wiesbaden، 1962.
6 Urk، IV، 531 F.; Montet، Byblos Et L’egypte، 35 F.، Pl. XXVIII، 2.
وكان من إصلاحات الإدارة في أقاليم الشام حينذاك توجيه أهل الحكم فيها على إحصاء محصولاتها بمختلف أنواعها لتقدير الضرائب عليها على أساس سليم. وتوجيههم إلى الاهتمام بالمواني بوجه خاص "وتموينها على أساس التعيين المقرر لها كل عام" كما قالت نصوص العصر. وترك تحوتمس الأمراء المحليين في حكم إماراتهم واعتبرهم نوابًا "إدنو". وإن كان قد أقام معهم في المدن الرئيسية مفتشين مصريين، وعين حاكمًا عامًّا للشام، وجعل مدينة غزة ومدينة سميرا من مراكز الإدارة الرئيسية1.
وبعد أن آتت جهوده ثمارها في الشام، توفرت له الشهرة الخارجية الواسعة، وأحست الدول المجاورة بيقظته ورغبت في مصادقته، وهادته. ومنها بابل التي كان من هداياها إليه كميات من اللازورد الجيد2، وآشور التي أهدته هي الأخرى كميات من اللازورد الحر3، وخت "أوخاتي" دولة الحيثيين في آسيا الصغرى4.
وكان من الطبيعي أن تجد بلاد النوبة بقسيمها من اهتمام الدولة في هذا العهد ما لا يقل عن اهتمامها ببلاد الشام. فتأكد استتباب النفوذ المصري حتى ما بعد الشلال الرابع بقليل. وتعينت الحدود بلوحة أقامها رجال تحوتمس عند جبل برقل، ضمنوها أخبار الفتوحات الأولى لملكهم وذكروا أنه مد حدوده إلى المدى الذي وصلت إليه في عهد جده تحوتمس الأول5. وسرى التنظيم الإداري في مناطق النوبة. وظل الحكام النوبيون يتلقبون بألقاب النواب "إدنو"، وبدأت تظهر المعابد الفخمة في النوبة عوضًا عن المعابد البسيطة المبنية باللبن6. وزاد صبغ البلاد بالحضارة المصرية. وعلى نحو ما انتفعت النوبة بمصر، انتفعت مصر بها، فكان يصلها من ذهب النوبة السفلى ما يتراوح بين 212 وبين 227 من الكيلوجرامات سنويًّا، ويصلها من ذهب النوبة العليا مقدار يقل عن ذلك7. ويبدو أن الحائل الذي وقف دون مد الحدود المصرية مع نهر النيل إلى ما بعد المدى الذي وصله نفوذ تحوتمس، هو انحناءة النيل بعد الشلال الرابع وابتعاده شرقًا عن طريق القوافل التجارية التي كانت تتجه إلى الجنوب وإلى الغرب8.
وظهر في نصوص تحوتمس الثالث ما يرجح معه وصول بعثة تجارية من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى مصر تحمل معها بعض منتجات بلادها من البخور والكندر، وتبغي عقد علاقات مباشرة مع فرعون مصر المنتصر، وكان أفرادها من "الجنبتيو" أسلاف العرب القتبانيين9.
1 See، D.G. Hogarth، Jea، I، 9 F.; W.F. Albright، Ajsl، 1938، 352; Edgerton، Jnes. Vi “1947”، 152 F.
2 Urk.، Iv، 668، 13; A.R.، II، 484.
3 Urk.، IV، 688، 6; 671، 8; A.R.، 446 F.
4 Urk.، IV، 701، II; 727، 13; A.R.، Ii، 485.
5 G. Reisner، Azes، XLIX “1933”، 24 F; Var.: Mond And Myres، Armant، Pl. 103.
6 H. Kees، Ancient Eygpt، 325.
7 Urk.، IV، 931; Save-Soderbergh، Op. Cit.، 210-211.
8 Sec، H. Kees، Op، Cit.، 337.
9 Abdel-Aziz Saleh، “The Gnbtyw Of Thutmosis Iii’s Annals And The South Arabian Gebbanitae Of The Classical Writers”، Bifao، LXXII، 245-262.
ولي أمنحوتب الثاني "عاخبرو رع" عرش مصر بعد أبيه تحوتمس الثالث في عام 1436ق. م، وانتفع بالتربية العسكرية التي تعهده أبوه بها1 في توطيد أركان الأمن في دولته وإشاعة الهيبة في أرجائها الواسعة، تلك الدولة التي روى "مين مس" مهندسه ومهندس أبيه أنه ثبت حدودها في العام الرابع من حكمه بنصبين جديدين: نصب أقيم في أرض نهرينا على الفرات، ونصب آخر أقيم في أرض كاروى في جنوب النوبة2 وذكرت نصوص أمنحوتب أنه تفقد المناطق الشمالية مرتين، بلغ في إحداهما أوجاريت وألالاخ "تل العطشانة" قرب أنطاكية3. كما وجد له تمثال جاث يحمل آنيتين قربانًا على يديه قرب شندي وعلى مسافة سبعين ميلًا شمالي الخرطوم.
ومالت حوليات أمنحوتب الثاني ونصوصه إلى المبالغة في تصوير انتصاراته، على العكس من حوليات أبيه التي راعت سلامة المنطق في روايتها بقدر الإمكان. ولو أن نصوص أمنحوتب امتازت على الرغم من عنصر المبالغة فيها بنصيب كبير من الحيوية والتفصيل، لا سيما فيما روته عن أخبار صاحبها في المرات التي تعمد فيها أن يستعرض فتوته وعضلاته داخل مصل وخارجها. وكان من ذلك على سبيل المثال أنها روت أنه عبر بجيشه ذات مرة مياه نهر العاصي الهادرة، ثم اندار فجأة ليطمئن على سلامة جيشه، فلحظ جماعة أتوا من ناحية قطنة خلسة يحاولون الانقضاض عليه، فقصدهم وحيدًا وانقض عليهم انقضاض الباشق، فانطلقوا مذعورين ووقع كل منهم فوق رفيقه ومعهم قائدهم، ولكنه لاحقهم ولحقهم وهو وحيد وفتك بهم أجمعين. ثم روت أنه تجمع في معسكر الأسرى ذات مرة أكثر من ثلاثمائة أسير، فلما رأى أن عددهم كبير خشي هروبهم، فقام بليل وحفر حولهم حفرتين أوقد فيهما نارًا، وظل ساهرًا يحرسهم حتى الصباح "وهو يحمل بلطة الحرب في يده، وكان بمفرده وليس معه مصري آخر، بل وكان جيشه بعيدًا عنه، بعيدًا عن سماع صوته"4.
ومع حب المبالغة مال أمنحوتب الثاني في بعض أحواله إلى الغلظة في معاملة خصومه، على العكس من أبيه. وإن كانت هذه الغلظة لم تؤثر عنه غير مرتين أراد الاشتداد فيهما على كبار خصومه الذين غدروا بولائهم له "من وجهة نظره"؛ ليكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالتآمر عليه والغدر به. واختتمت نصوصه أخبار انتصاراته الحربية بتصوير النتائج التي ترتبت عليها، بنفس الأسلوب الجانح إلى المبالغة، في قولها:"وحين سمع أمير نهرينا "الميتاني" وأمير خاتي "الحيثي"، وأمير سنجار "البابلي"، بانتصارات جلالته، نافس كل منهم الآخر في هداياه إليه
…
وتوجهوا إليه بدعائهم من أجل إقرار السلام،
…
"وقال رسلهم إليه": أتينا بهدايانا إلى قصرك يابن رع أمنحوتب، حاكم الحكام، الأسد الهصور في كل مكان، وفي هذه الدنيا كلها، إلى أبد الآبدين".
1 راجع للمؤلف: "التربية العسكرية في مصر القديمة" – في المجلد الأول من "تاريخ الحضارة المصرية" – القاهرة 1962، ص203 - 205.
2 L.D.، Text، I، 20; Ancient Records، II، 800.
3 Ch. Kuentz، Amada، 2، 210، 227; Karnak Stela، II. 13.
4 A.M. Badawi، Asae، XLII، 1 F.
وانتقلت مقاليد الأمور في مصر إلى تحوتمس الرابع "من خبرو رع"، وكان كفئًا لشغل منصبه على الرغم من صغر سنه، وقد لجأ في سياسته الخارجية إلى وسيلتين، فاتبع سياسة القوة في بداية عهده وخرج بجيوشه إلى أطراف دولته وضرب بها على أيدي جماعات من الخوارج في الشمال وفي الجنوب حاولوا استغلال فرصة وفاة أبيه وصغر سنه، حتى إذا ما أعاد لحكومته هيبتها واستقر السلام في دولته وجرت أمورها في مجاريها الطبيعية، سمحت له تطورات العصر بأن يتبع سياسة جديدة لضمان السلم في الشرق القريب. وهنا كان كل من المصريين والميتانيين قد أدركوا أن أمن التجارة البرية التي يأخذون بناصيتها في أسواق الشرق الأدنى لن يستقر إلا إذا استقرت قبله أحوال السياسة بينهما، وشعرت كل من الدولتين حينذاك ببوادر الخطر من أطماع دولة خاتي "أي دولة الحيثيين" الآرية التي قامت في آسيا الصغرى وأطلت على الفرات الأعلى وعلى شمالي سوريا في الوقت نفسه. ورأت الدولتان أن توثيق روابط الصداقة والتقارب بينهما يمكن أن يحد من آمال هذه الدولة الثالثة الناهضة ويجعلها تفكر مرتين قبل أن تهاجم واحدة منهما. ولسنا ندري أي الدولتين بدأت الأخرى برغبتها في السلم، ولكننا ندري أن تحوتمس رأى أن خير روابط السلم المنشود هو رباط المصاهرة، فخطب لنفسه ابنة أرتاتاما ملك الميتان1، وقيل عن أباها جادله في مهرها عدة مرات رغبة في زيادة نصيبه من الهدايا قبل أن يزفها إليه2، ولم يكن زواج الفرعون المصري بأميرة آسيوية جديدًا تمامًا على تقاليد أسلافه الأقربين، فقد تزوج جده تحوتمس الثالث أميرات سوريات، وامتلأ قصر أبيه أمنحوتب الثاني بجوار آسيويات من أخوات الأمراء وبناتهم كما قالت نصوصه3، وليس من المستبعد أن يكون قد تزوج بواحدة منهن أو أكثر من واحدة. ولكن الجديد في أمر تحوتمس الرابع هو ما يحتمل من أنه جعل زوجته الميتانية من زوجاته الرئيسيات في قصره4 "انظر ص208"، بينما أنزل أسلافه زوجاتهم الآسيويات منزلة الزوجات الثانويات.
أدت جهود النصف الأول من عصر الأسرة الثامنة إلى أن بلغت خيرات مصر وثرواتها في بداية عهد أمنحوتب الثالث "نب ماعت رع" خليفة تحوتمس الرابع "منذ 1405ق. م"، مبلغًا لم تبلغه من قبل، ليس فحسب عن طريق الضرائب والاستغلال الداخلي والغنائم والجزى، بل ولأن الدولة قد وطدت سيطرتها على عصب التجارة البرية في الشرق، وأزادت أساطيلها في البحرين الأحمر والمتوسط، واستخدمتها أداة للرخاء التجاري ولأمان البحر وأمان السواحل ولتوسيع اتصالاتها بجيرانها، وحملت طرق البر والبحر الآمنة أفواجًا من التجار والسفراء والرسل والزوار من مصر وإليها، فضلًا عن أفواج الأرقاء والجواري الواصلة إليها من الشمال والجنوب. وظل هؤلاء جميعهم من أدوات التبادل والتقارب الثقافي واللغوي والفني والصناعي بينهما وبين جيرانها. وترتبت على ذلك كله بالنسبة لمصر نتائج طيبة وأخرى غير مستحبة، فكان من النتائج الطيبة
1 Knudtzon، Die El-Amarna Tafein، Nr. 29.
2 Ibid.، Nr. 29، 11. 16-18.
3 See، Helck، Jens، 1955، 29.
4 Wolf، Zaes، Lxv، 98 F.; Newberry، Jea Xiv، 82 F.
أن اتسعت آفاق المصريين المادية والفكرية واستحبوا حياة السلام، وخفت حدة النزعات العنصرية بينهم وبين جيرانهم، وزاد انتشار حضارتهم بين أهل الشام وبلاد الميتان. وانتفع هؤلاء وهؤلاء بالفن المصري ومزجوا بينه وبين فنونهم. وازدادت أعداد المصريين في الشام، كما استقبلت مصر مزيدًا من أفواج أهل الشام بصدر رحب واستحبت بعض مصنوعاتهم وفنونهم، ونفعتهم وانتفعت بهم، واستضافت بعض معبوداتهم ومعبودات الميتان في معابدها1.
ولم يكن من بأس على أثرياء مصر في أن يستمتعوا بما أفاءته عليهم جهود أسلافهم من نعمة ونعيم، ولكن الضرر أوشك أن يقع بهم حين استمرءوا النعمة واستناموا إلى النعيم. وإذا كان الناس على دين ملوكهم، كما يقال، فقد بدءوا وبدأ فرعونهم أمنحوتب الثالث عهده بمظاهر الفتوة التي بدأ بها عهد أبيه، فخرجت جيوشه في جولة تفتيشية إلى الشام، وخرجت في جولة أخرى إلى النوبة2، واستحب أن يوصف في نصوصه بأنه "حاكم ينال "ما يشاء" بسيفه ويعمل بيديه"، وأنه حاكم "يعمل بساعديه
…
رب للسيف"3. ومارس في شبابه حياة الصيد شأن آبائه الرياضيين، وهاداه ملوك الشرق وأمراؤه، واعتاد كل منهم أن يسأل عن أهل الآخر وجنوده وخيوله، وتطلعوا جميعهم إلى ثراء مصر، وكانوا لا يفتئون يرجون فرعونها أن يفيض عليهم من ذهبها نظير هداياهم من الأرقاء والجواري والخيول والمركبات والأحجار الكريمة، تساوى في ذلك ملوك الميتان، وملوك بابل، وملوك آشور، وحكام قبرص، فضلًا عن أمراء الشام.
وكتب ملك الميتان ذات مرة إلى صهره أمنحوتب الثالث، يقول له: "أخي، أرجو أن تهديني ذهبًا كثيرًا لا يُحصى، وإني على ثقة من أن أخي سوف يحقق ذلك ويهديني ذهبًا أكثر من الذهب الذي حصل والدي عليه، أليس الذهب في بلد أخي كتراب الأرض؟ بارك الأرباب فيه حتى يصبح الذهب في أرض أخي أضعاف ما هو عليه الآن. وعسى ما أطلبه لا يضايق أخي ولا يضيق به قلبه
…
، وسوف أرد لأخي فضله عشرة أمثال مما يشتهيه. فهذه الأرض أرض أخي وهذا البيت بيت أخي". واستغل أمنحوتب من ناحيته صداقاته لملوك الشرق وتقديرهم له، في إرضاء نزواته من الزيجات وأسرف في ذلك إسرافًا كبيرًا. وسار على سياسة أبيه في توثيق عرى المودة بينه وبينهم عن طريق المصاهرات. وظل على الرغم من ترحيبهم في مجملهم بمصاهرته، ضنينًا عليهم بأميرات بيته، فكتب إليه معاصره ملك بابل كاداشمال إنليل الأول، يعتذر له بأنه ليس له أخت يرسلها عروسًا إليه، ويرجوه في الوقت نفسه أن يزوجه من إحدى بناته، فاعتذر أمنحوتب بحجة أنه "لم يسبق أن أرسلت أميرة مصرية إلى أي إنسان"، فعاد البابلي وألح عليه بأن يتخير له أي فتاة من
1 See، H. Frankfort، The Art And Architecture Of The Ancient Orient، 1958، 148-149; P. Montet، Les Reliques De L’art Syrien
…
، 1937; Berlin 1248; Amarna Letters، 23; Asae، Xi، 258; Chronique D’egypte، L، 62; W. Helck ، Op. Cit.
2 Urk.، Iv، 1661 F.; Ancient Records، Ii، 842 F.، 851، 5.
3 Petrie، Six Temples، 9.
قصره ويرسلها إليه باعتبارها أميرة من بيته صونًا لكرامته بين شعبه. وفي كل ذلك ما يشير إلى عظم مكانة مصر واعتزاز أهلها بسمو منبتهم.
ولكن تبدلت أحوال الاستقرار الخارجي في عهد أمنحوتب شيئًا فشيئًا. بعد أن استنام إلى حياة الرفاهة وترك تقاليد آبائه في إيثار السلام المسلح والخروج من حين إلى حين إلى أطراف دولته لطمأنة الموالين لها والضرب على أيدي الخارجين عليها والحد من أطماع الدول المتربصة بها، فانتقد الشعب الشامي بخاصة صلاته الشخصية به وبدأ يئن تحت وطأة دسائس أصحاب المطامع في الداخل وفي الخارج. كما بدأ الحيثيون يعبثون بالحدود السورية والحدود الميتانية، ويغرون ضعاف النفوس من الإقليمين بالعمل لصالحهم. وعندما خفت الإدارة المصرية في بلاد الشام أغار بعض أمرائها على جيرانهم، وهددت هجرات قبائل الخابيرو والعابيرو البدوية الأمن وسبل التجارة، فتوالت صرخات الاستغاثة من الأمراء الموالين لأمنحوتب، فوجدت الاستجابة مرة، ولكنها وجدت الإهمال مرات. ولم يقدر أمنحوتب خطورة هذه الأحوال تقديرها الصحيح، واستمر يظن في نفسه السيادة، واستمر يتلقى رسائل التكريم من أمراء بابل والميتان وبعض أمراء آسيا الصغرى، وكان شر ما أعماه عن تبين حقيقة الأوضاع هو أمر جماعة من أمراء كنعان ومن الخابيرو والعابيرو، مهروا في النفاق واستمروا يضللونه ويضللون ولده أخناتون من بعده، ويسرفون في إظهار الود والطاعة لمصر وفرعونها، ويسرفون في الوقت نفسه في إضمار الحقد لهما.
وصورت هذه البلبلة مجموعة رسائل كانت محفوظة بديوان رسائل أمنحوتب الثالث وآخناتون من بعده عثر عليها خلال القرن الماضي مصادفة في أطلال العمارنة، فنسبت إليها وسميت باسم رسائل العمارنة، وبلغ ما عثر عليه منها 377 رسالة تضمنت المراسلات المتبادلة بين الفرعونين وبين ملوك الشرق وحكام الشام في عهديهما1. ويفهم منها أنه امتاز من بين حكام الأموريين في أواسط سوريا وشرقها حاكمان: حاكم يسمى ريب أدى أشرف على منطقة واسعة تمتد من الساحل إلى الداخل حول ميناء جبيل، وظل مواليًا لمصر حتى آخر حياته، وكان يؤيده حلف من المواني الكبيرة التي تشترك مع جبيل في المصالح التجارية مثل بيروت وصور وصيدا وعكا. ثم حاكم آخر يدعى عبدو عشرتا "أو أشرتا" أشرف على جزء كبير من حوض العاصي وبسط نفوذه عنوة على حساب جيرانه فاحتل عرقه وقطنه وحماة وني في الداخل، واحتل أرواد وهاجم سميرا على الساحل، ونافق كلًّا من الحيثيين والمصريين وادعى لكل طرف أنه يعمل لحسابه. وتوالت شكاوى ريب أدى إلى أمنحوتب الثالث بعد أن أصبحت عاصمته جبيل شبه محصورة، وتوالت رسائل حلفائه إلى مصر ترجو نجدة حليفهم، وذلك في نفس الوقت الذي بلغ فيه من فجور عبدو عشرتا أنه كان يبعث الرسائل إلى مصر يكذب كل ما يتهم به ويسرف في إظهار الخضوع فيقول فيما يقول:"إلى الملك شمسي ومولاي يقول عبدو عشرا عبدك وتراب قدميك: أجثو عند قدمي مولاي الملك سبعًا، وسبعًا، فأنا خادم الملك وجرو بيته، وأحرس أرض أمورو كلها من أجل مولاي وسيدي2". وكان ذلك كافيًا لإشباع غرور الملك وخديعته ..
1 J.A. Knudtzon-E. Ebeling-O. Weber، Die El-Amarna Tafein، 1907-15; O. Schroeder، Die Tontafein Uon El-Amarna، 1915; S.A.B. Mercer، The Tell El-Amarna Tablets، 1939.
2 Amarna Letters، No. 60، Also 42.
وعندما هلك عبدو عشرتا لك ولده عزيرو مسلكه، في حين كتب ريب أدى إلى الفرعون قائلًا:"كان حكام كنعان إذا رأوا جنديًّا مصريًّا ولوا الأدبار، أما الآن فإن أبناء عبدو عشرتا يستخفون بالمصرين ويهددونني بأسلحة فتاكة". وغدا الرجل حسيرًا محصورًا في عاصمته جبيل كطائر في قفص، فكتب إلى الفرعون المصري يقول ثانية "قديمًا كان للملك عندنا قلعة مئونة، وكان الملك يكفل تموينها من إياريموتا، ولكن عزيرو يهاجمنا الآن مرارًا دون خوف، ولم يبق لي حاشية أو مئونة، بعد أن أصبحت قراي الآن في حوزة عزيرو، وهو يظهر لي الرغبة في أن أنضم إليه، ولكن لماذا أنضم إليه؟ إنهم أجراء أبناء عبد وعشرتا هؤلاء، يبغون مصالحهم ويخلفون مدن مولاي الملك طعامًا للنيران"1.
وكتب حاكم مدينة تونيب يردد نفس الشكوى قائلًا: "مولاي ملك مصر، نحن أهل تونيب أتباعك، ندعو لك بالحياة ونقبل قدميك، إن أمتك مدينة تونيب تقول من ذا الذي كان يستطيع أن ينهب تونيب دون أن ينتقم لها منخبريا "تحوتمس الثالث" ويفعل بالناهب ما فعل بها: إن آلهة مولانا الملك وتماثيله لدينا، وليسأل مولانا شيوخ رجاله ليعرف إذا ما كنا نقول الحقيقة أم غيرها. إذا لم يدركنا مشاة ملك مصر وعرباته قبل فوات الفرصة فإنه عزيرو سيصنع معنا ما صنعه في مدينة ني، وحينئذ لن نبك وحدنا بل سيبكي معنا أيضًا ملك مصر مما يرتكبه عزيرو من أعمال؛ لأنه سيرفع يده حينذاك ضد مولانا". وتوالت رسائل أهل تونيب وكتبوا إلى الفرعون يقولون له "إن مدينتك تونيب تبكي، ودموعها تجري، ولا ناصر لنا، أرسلنا عشرين رسالة إلى مولانا ملك مصر ولم نتلق ردًّا منه".
ومضى عزيرو في غيه، واستمال أمير صيدا الذي لجأ إليه ريب أدى في آخر مطافه فسلمه إليه، واستولى هو على ألازا "شمال طرابلس"، وأرداتا "قرب زغرتا"، وحرق أوجاريت ودمر سميرا، وظل يرسل خطاباته المخادعة إلى آخناتون يظهر ولاءه فيها. ويدعي أنه إنما يستولي على المدن ليحميها من الحيثيين، وأنه يخرب بعضها حتى لا يستفيدوا منها، وبلغت به صفاقته أنه كان يراسل الملك بأمله في أن يرى وجه مولاه البهي، وذهب إليه بالفعل ورجع آمنًا من عنده2.
حدث هذا في أواسط سوريا وشمالها بتحريض الحيثيين وأطماع بعض الأموريين، وحدث ما يماثله في منطقة فلسطين، وقام بدور المخربين فيه جماعات العابيرو، وبدور عبدو عشرتا رجل يدعى لابآيو حكم مدينة سشم هاجم مدينة جزر وغيرها من مدن جيرانه، وتعاون هو وأولاده مع قبائل العابيرو وسمح لهم بدخول مدينته. وجأر الحكام بالشكوى منه إلى أمنحوتب الثالث ثم إلى آخناتون3، فبلغت الصفاقة بلابآيو أن كتب إلى الفرعون قائلًا "إلى الملك مولاي وشمسي يقول لابآيو خادمك والتراب الذي تطأ عليه: أجثو لدى قدميك سبعًا وسبعًا. "وبعد أن تتصل من كل ما نسب إليه وادعى أنه وقف موقف المدافع"،
1 Op. Cit.، No. 109: F. Steindorff-K.G.Seele، When Egypt Ruled The East، 107.
2 Amarna Letters، No. 164 F.
3 Ibid.، Nos. 244، 270، 287.
ختم رسالته بقوله: وهل إذا طلب الملك امرأتي أستطيع أن أمنعها؟ وإذا كتب إليَّ أن اضرب قلبك بخنجر ومت، فهل أخالف أمر مولاي؟ "1. وعندما لقي لابآيو حتفه خلفه في الشر والنفاق ولداه.
وتوالت الرسائل على آخناتون تفيض نفاقًا، فأصبح لا يعرف المخلص منها من المخادع، فبينما كتب إليه أحد الحكام يشكو إليه حاكم أورشليم عبدوخيبا ذا الأصل الحوري، ويقول له إذا كان لابآيو قد مات فقد ظهر بدله عبدوخيبا2، بعث عبدوخيبا هذا برسائل تفيض بالولاء للملك والشكوى من جيرانه ومن العابيرو وكان يكرر فيها أنه يتمنى أن يقابل الفرعون ويرى عينيه ويتمنى أن يموت لديه، ويعترف بأنه ما ولي منصبه عن أبيه ولا عن أمه ولكن بفضل الملك، ويخبره بأنه عمل كل ما في وسعه ولكن تخلى الكل عنه، وأنه إذا لم تصله إمدادات مولاه ضاعت منه أرضه3.
بدأت كل هذه الخلخلة في أواخر عهد أمنحوتب الثالث، واشتدت في عهد ولده آخناتون "نفر خبرو رع" كما رأينا، في وقت انصرف فيه هذا الأخير إلى دعوة الوحدانية "راجع فصل عقائد الدين" وظن معها أن الدعوة لإله واحد يعبده الجميع ويتساوى عنده الجميع يمكن أن تربط بين مصر وبين أتباعها وجيرانها بروابط أوثق من كل ما جربه أسلافه من روابط الحرب والسياسة والمصاهرة، ولكن فاته أن الشرق أصبح في شغل شاغل بمخاوفه وأطماعه عن دعوة التوحيد والإخاء والمساواة التي دعا إليها. وأحاط بآخناتون عدد مداهن من رجال حاشيته طمأنوه إلى بأس جيشه، ورحموا اعتلال صحته فأخفوا عنه تذمر قادته وخوفهم من ضياع سمعة البلاد وتفسخ أملاكها، كما أحاط به عدد آخر من غير المصريين خدعوه عن حقيقة مجريات الأمور في الخارج وتواطئوا مع مخادعيه فيها، وكان منهم رجل يدعى توتو، راسله أحد المنافقين ذات مرة قائلًا له: "لا أستطيع أن أنحرف عن كلمات سيدي وربي وشمسي، ولا أحيد عن كلمات سيدي توتو
…
، فأنا أخشى مولاي الملك وأخاف توتو
…
".
وظلت سياسة مصر الخارجية مائعة متدهورة خلال عهود خلفاء آخناتون الأقربين: سمنخ كارع "عنخ خبرو رع"، وتوت عنخ آمون "نب خبرو رع"، وآي "خبر خبرو رع". ولم يجد جديد عليها إلا بولاية حور محب "جسر خبرو رع"، الذي مثل عهده فترة انتقالية بين عصر الأسرة الثامنة عشرة وبين عصر الأسرة التاسعة عشرة. وكان فيما أسلفنا من قادة الجيش في عهد آخناتون، وخاض معركتين على الأقل في عهده وعهد توت عنخ آمون، وكان الجديد في أيامه، هو أنه عاصره في حكم الحيثيين الملك مورسيل "الثالث" وقد مال إلى السلام، فاستجاب حور محب له، وربما حدثت بينهما هدنة، تفرغ حور محب بعدها للإصلاح الداخلي في بلده.
1 Op. Cit.، 254، Also 252.
2 Ibid.، No. 280.
3 Ibid.، 286، 287، 288.
وإذا كان ثمة ما يعقب به على ما أفاءه عصر الأسرة الثامنة على أهله من ثراء، وعلى عظمائهم والمقربين منهم إلى الفرعون وحاشيته وحكومته ومشروعاته الحربية والمدينة، بمعنى أدق، فهو مائل فيما تعتز به المتاحف العالمية مما كشف عنه من آثار ملوك العصر وعظمائه. وكان أسعد هؤلاء الملوك حظًّا فيما أبقت الأيام عليه من آثاره الخاصة هو توت عنخ آمون "نب خبرو رع"، على الرغم من أنه كان نكرة بين الفراعنة، ولي الحكم غلامًا بعد وفاة أخويه"؟ " آخناتون وسمنخ كارع، ولم يطل عهده غير ثمان سنوات أو تسع، بدأها بالارتداد عن ديانة آتون، وشغلها بالتقرب إلى كهنة آمون ومضاعفة ثروات معابدهم تكفيرًا عما أصابهم من هوان في عهد أخيه. ثم أسعد الحظ ذكراه بأن علت فوق مقبرته مقبرة أخرى ضخمة من عصر الرعامسة فسترتها عن عوامل النهب والتخريب حتى اكتشفت شبه كاملة في عام 1922، وحققت لصاحبها شهرة واسعة ما كان يستحقها لنفسه. وقد تضمنت أثاثه الأخروي وبعض ما كان يعتز به من مقتنياته الدنيوية الخاصة ومقتنيات أسرته. ومن أروع ما فيها قناعه الذهبي وتوابيته الثلاثة التي شكلت على هيئته وصيغ الداخلي منها من الذهب الخالص وصفح الآخران بالذهب وطعما بأحجار شبه كريمة. ثم مقعد عرشه وصندوقه الخاص، ومجموعة رائعة من تماثيله المعدنية الصغيرة وتماثيل بعض أفراد أسرته. ومجموعات من أدوات الزينة والأواني المرمرية الشفافة تعتبر من أرق آيات الصناعة الفنية في العالم القديم كله. ولسنا ننكر ما في ذلك كله من مفخرة لا نزال نعتز بها على القدماء والمحدثين معًا، ولكن أن يكتنز شخص واحد هذا الثراء كله ويدخره لمقبرته ولآخرته، لهو الإسراف المشين. وعلى أية حال وإذا كان ذلك هو ثراء مقبرة فرعون قصير الأجل مضطرب العهد، غطت صفائح الذهب على عجلاته الحربية وسرادقاته الخشبية، فلا شك في أن ثراء مقابر أسلافه العظام كان أجل وأعظم، لولا أن تعرضت للعبث والنهب على مر العصور، ولم يبق من مدخراتها غير القليل النادر. وقل الأمر نفسه بالنسبة لمقابر كبار الأفراد من الشعب، فقليل منها احتفظت بمحتوياتها، مثل مقبرة يويا وثويا صهري أمنحوتب الثالث، ولكن قليلها يشهد في الوقت ذاته بترف واسع أثرى الفن وأغنى التاريخ، وإن كان قد تحقق لأصحابه على حساب الملايين من الشعب وسوف يكون لما تضمنته هذه المقابر وتلك وما احتوته معابد العصر من فنون النحت والنقش والتصوير، بحث موجز خاص يرد في ختام هذا الفصل.