المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: عقائد البحث والخلود - الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الشرق الأدنى القديم

- ‌الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله

- ‌مدخل

- ‌في وادي النيل:

- ‌في بلاد النهرين:

- ‌في بلاد الشام:

- ‌في شبه الجزيرة العربية:

- ‌الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ

- ‌مدخل

- ‌في الدهر الحجري القديم الأسفل:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأوسط:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأعلى:

- ‌قرائن العمران:

- ‌من السلالات البشرية:

- ‌بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:

- ‌تعدد الحرف وبدايات الفنون:

- ‌وضوح التجمعات:

- ‌تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:

- ‌الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية

- ‌الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها

- ‌مدخل

- ‌في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة

- ‌مدخل

- ‌في مرمدة بني سلامة:

- ‌في الفيوم:

- ‌في دير تاسا:

- ‌في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية:

- ‌في البداري:

- ‌في حضارة نقادة الأولى:

- ‌في حضارة نقادة الثانية:

- ‌بين الصعيد وبين الدلتا:

- ‌التطور السياسي:

- ‌من تطورات الفنون وتعبيراتها:

- ‌سكين جبل العركى:

- ‌من آثار العقرب:

- ‌صلاية الفحل:

- ‌آثار نعرمر:

- ‌الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية

- ‌مدخل

- ‌الكتابة وتوابعها:

- ‌الحكام والإدارة

- ‌مدخل

- ‌أوضاع الحكم:

- ‌في العمران والفكر:

- ‌النشاط الحدودي والخارجي:

- ‌الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة

- ‌أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة

- ‌مدخل

- ‌إيمحوتب وشواهد العمارة والفن:

- ‌قصة المجاعة:

- ‌التقويم:

- ‌ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة

- ‌تجديدات عهد سنفرو

- ‌عهد خوفو:

- ‌تعبيرات الهرم الأكبر:

- ‌هزات مؤقتة في عهد جدف رع

- ‌آثار عهد خفرع:

- ‌أبو الهول:

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة

- ‌مدخل

- ‌خصائص معابد الشمس:

- ‌أهرام العصر ومعابدها:

- ‌الاتصالات الخارجية:

- ‌التطور السياسي والاجتماعي:

- ‌رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة

- ‌مدخل

- ‌نمو البيروقراطية:

- ‌أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:

- ‌العمارة والفن والمجتمع:

- ‌رحلات الكشف في الجنوب:

- ‌الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى

- ‌نهاية دورة

- ‌الثورة الطبقية:

- ‌الغموض:

- ‌انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:

- ‌ازدهار الفردية:

- ‌عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين

- ‌معالم الفن الإقليمي:

- ‌الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى

- ‌أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة

- ‌مدخل

- ‌استرجاع المركزية:

- ‌الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:

- ‌صور من المجتمع:

- ‌في العمارة الدينية والفن:

- ‌ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة

- ‌مدخل

- ‌في السياسة الداخلية:

- ‌في العمران:

- ‌في الأساليب الفنية:

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية

- ‌أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة

- ‌في نصفه الأول:

- ‌مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة:

- ‌ثانيًا: محنة الهكسوس

- ‌ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير

- ‌الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة

- ‌في السياسة الداخلية

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة

- ‌ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين

- ‌الدفعة الأولى

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين

- ‌خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة

- ‌الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة

- ‌أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات 22 - 24

- ‌ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين

- ‌ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين

- ‌رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين

- ‌خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات 28 - 30

- ‌مدخل

- ‌الوثائق الآرمية في أسوان:

- ‌الأسرتان الأخيرتان:

- ‌خاتمة المطاف القديم:

- ‌الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة

- ‌أولًا: عقائد التأليه

- ‌نشأتها:

- ‌خصائصها:

- ‌في سبيل الترابط:

- ‌في سبيل التوحيد:

- ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

- ‌الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم

- ‌أولا: في أدب الأسطورة والملحمة

- ‌أسطورة أوزير وتوابعها

- ‌الحق والبهتان

- ‌ثانيا: في أدب القصة

- ‌سنفرو والحكماء

- ‌قصة خوفو والحكيم جدي:

- ‌قصة العاشقين والتمساح:

- ‌قصة الأخوين:

- ‌من قصص المغامرات:

- ‌ثالثا: في أدب النصيحة

- ‌مدخل

- ‌بتاح حوتب:

- ‌آني:

- ‌أمنموبي:

- ‌نصائح المعلمين:

- ‌رابعا: في أدب النقد والتوجعات

- ‌إبوور والثور الطبقية

- ‌القروي الفصيح:

- ‌الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث

- ‌أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة

- ‌ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية

- ‌مدخل

- ‌حضارة العبيد:

- ‌ج- قبيل العصر الكتابي

- ‌حضارة الوركاء:

- ‌الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق

- ‌عصر بداية الأسرات السومرى

- ‌مدخل

- ‌الكتابة المسمارية:

- ‌العمارة الدينية "والزقورات

- ‌العقائد:

- ‌التطور السياسي:

- ‌الفنون:

- ‌المقابر:

- ‌الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى 2340 - 2180 "أو 2371 - 2230" ق. م

- ‌مدخل

- ‌الفنون:

- ‌نهاية دولة:

- ‌الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ 2125ق. م

- ‌في لجش:

- ‌في أوروك:

- ‌في دولة أور:

- ‌الفنون:

- ‌من الأدب السومري:

- ‌نهاية أور:

- ‌في عصر إسين - لارسا:

- ‌تشريع إشنونا:

- ‌تشريع إسين:

- ‌في لارسا:

- ‌في الفن:

- ‌الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم

- ‌بداية دولة بابل الأولي

- ‌حمورابي:

- ‌من الأدب البابلي:

- ‌الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "1580 - أواخر القرن 12 ق. م

- ‌الحياة الساسية

- ‌العلاقات الخارجية:

- ‌الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة:

- ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

- ‌الفصل التاسع عشر: آشور

- ‌أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم

- ‌ب- في العصر الأشورى الوسيط

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌ج- في العصر الأشورى الحديث

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولي:

- ‌مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث:

- ‌الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585

- ‌تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور

- ‌التطور السياسي:

- ‌العمران والفنون:

- ‌الأفول أمام نهضة الفرس:

- ‌خاتمة:

- ‌الخرائط واللوحات

- ‌قائمة بأهم المفردات:

- ‌الموضوعات:

الفصل: ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

ثانيًا: عقائد البعث والخلود

طمعت أغلب شعوب العالم القديم في الخلود واستئناف الحياة بعد الممات، كما طمع المصريون سواء بسواء. ولكن بينما رتبت هذه الشعوب طمعها في الخلود على الأمل وحده ووقفت عنده، رتب المصريون طمعهم فيه على المنطق والعمل والأمل والعقيدة في آن واحد، وكانوا أول أمة آمنت بالبعث والخلود من تلقاء نفسها وأصرت عليهما1.

وافترض المصريون للإنسان مقومات عدة، طبيعية ومكتسبة، أهمها سبعة، وهي: جسم مادي "خت"، وقلب مدرك "إب"، وطاقة أو فاعلية أو نفس فاعلة "كا"2، واسم معنوي "رن"، وظل ملازم "شوت"، وروح خالدة تسري في الظاهر والباطن "با"، ونورانية شفافة "آخ". وتشتد صلته بالاثنتين الأخيرتين منها بعد وفاته، إذا كان صالحًا. واعتقدوا أنه لا بقاء للمرء في أخراه إلا باجتماع كل هذه المقومات، وأنه لا سعادة لها في جملتها دون مساعدة خارجية. ولهذا تلمسوا سبل الاهتمام بكل واحد منها على حدة، إلى جانب الاهتمام بها جميعها كوحدة واحدة. فالجسد ينبغي أن يصان ويحنط، والقلب يحفظ ويعوذ، والكا أو النفس الفاعلة تتلي التراتيل باسمها من أجل صاحبها وتقدم القرابين لصالحها، والروح تتنقل ما شاء لها ربها في عالم الأرض أو في عالم السماء ما دامت مؤمنة، والنورانية تكتسب بالتقوى، والاسم يخلد عن طريق صالح الأعمال، وترديده في الدعوات وتكراره في نقوش المقبرة وقرنه بالسمعة الطيبة للأسرة عن طريق جهود الابن الأكبر3.

ووجد المصريون في خصائص بيئتهم ما يوحي لهم بمنطقية الخلود ويشجعهم على طلبه. فقد اعتادت أغلب أجيالهم منذ فجر تاريخهم على أن يدفنوا موتاهم في الحواف الصحراوية "والغربية منها بخاصة"، لينأوا بمقابرهم عن رطوبة الأرض الطينية، ويتركوا الأرض الطميية للزراعة. ويوفروا أراضي القرى لأحيائها. وشيئًا فشيئًا تبينوا أن مقابرهم الصحراوية تحفظ جثث موتاهم بحالة لا بأس بها لفترات غير

1 كثيرة هي المؤلفات التي كتبت عن عقائد ما بعد الموت في مصر القديمة ومنها:

أدولف إرمان: ديانة مصر القديمة - معرب بالقاهرة 1952.

جيمس هنري برستد: تطور الفكر والدين - معرب بالقاهرة 1965.

جيمس هنري برستد: فجر الضمير - معرب بالقاهرة 1956.

A. H. Gardiner، The Attitude Of The Ancient Egyptians To Death And The Dead، 1935; H. Kees، Totenglauben Und Jenseitsvorstellungen Der Alten Aegypter، “2ed”، 1956; J. Vandier، La 1962، Ch. Ix.

2 راجع المؤلف: Saleh، “Notes On The Egyptian Ka”، Bulletin Of The Faculty Of Arts، Cairo University، Vol. Xxii، Part 2 “1965”، 1 F.

3 راجع المؤلف: مداخل الروح وتطوراتها حتى أواخر الدولة القديمة - مجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة - 1964 - ص95 - 136.

مقومات الإنسان وماهيته في مصر القديمة - نفس المجلة – 1969 - ص159 - 198.

ص: 334

قصيرة، وعندما اختلطت هذه الظاهرة بأحاسيسهم الدينية لم يردوها إلى جفاف الصحراء وحده، ولا إلى دور الرمال في امتصاص رطوبة الجسد وحده، وإنما ردوها أساسًا إلى قدرة ربانية حانية، وقدروا أنهم إذا استرضوا صاحب هذه القدرة وقدسوه، زاد في رعايته لجثثهم وحفظها سليمة لأطول مدة ممكنة. وقد حدث بالفعل أن المعبود الذي تخيلوه ربًّا للحواف الصحراوية وسموه "إنبو""أو أنوبيس في الإغريقية"، كان هو نفس المعبود الذي تخيلوه راعيًا لجثث الموتى وقادرًا على حفظها وحاميًا للجبانات. وقد انتشر الإيمان به من طائفة إلى أخرى حتى أصبح الجميع يتوجهون بدعواتهم الأخروية إليه. واعتبروه ربًّا للتحنيط بارعًا فيه، ورمزوا إليه بهيئة ابن آوى، وهو رمز يصعب تعليل اختياره، مع شرور بنات آوى في الجبانات والصحراوات، إلا بما قدمنا به وهو الاعتقاد العكسي بأنه لن يستطيع أن يخبت شرة هذه الحيوانات إلا من خلقها وارتضى لها هيئتها وجعلها آية ظاهرة لقدرته، بعد أن يترضاه الناس ويحسنوا الظن به فيغلبوا قدرة الخير فيه على قدرة الشر.

ولم يكن نهر النيل وما يترتب عليه في دنيا المصريين بمعزل عن الإيحاء إليهم بإمكان تجدد الحياة والبعث وهم يرون فيضانه يتجدد كل عام في موسم لا يخلفه، فيخصب التربة، وينبت البذرة، ويدفع دورة الحياة الزراعية دائمًا دفعات جديدة، ولم يتوهموا هذه المظاهر تحدث تلقائيًّا من غير علة أو غاية، وإنما آمنوا معها برب كريم يدفع الفيضان من باطن الأرض، ويدفع النبات من الحب المدفون في التربة، ويحيي الحقول الجافة بعد الموات كلما مسها بفيضه ورحمته. ومع طول التدبر ونمو التدين قدروا أن من يتعهد طبيعتهم بالحياة المتجددة ويدفع عنها مواتها، قادر من غير شك على أن يتعهد أهلها بالحياة بعد وفاتهم، طالما أحبهم وأحبوه، وطالما تقربوا إليه وقدسوه. وقد حدث بالفعل أن المعبود الذي تخيله نفر منهم ربًّا للفيضان والخصب والزرع، وقدسوه باسم أوزير "أو أوزيريس كما دعاه الإغريق" كان هو نفس المعبود الذي نسبوا إليه ربوبية البعث والآخرة، وجعلوا مملكته تحت الأرض، وامتد تقديسهم له في طول البلاد وعرضها، وأحاطوه بأساطير وتخيلات عدة. "وهو غير إله النيل جعبي".

وكما استمد المصريون أملهم من أحوال الأرض وأربابها، استمدوا كذلك من السماء وأكبر أربابها حين لاحظوا ما لاحظته أغلب الشعوب القديمة، من أثر الشمس في دورة الحياة اليومية، وارتباط شروقها بيقظة الكائنات بعد النوم، والنوم هو الموت الأصغر كما يقولون، وبالحركة بعد الخمول، والرؤية بعد قلة الرؤية، فلم يردوا ذلك إلى عملية آلية لا روح فيها ولا هدف لها، وإنما ردوه إلى رب قادر اتخذ الشمس آيته الكبرى لنفع الأحياء في الدنيا، وتوهموا في هذا الرب "رع" وفي علل شروق شمسه وغروبها ما سبق لنا تفصيله في عقائد التأليه، ثم قدروا أن من يسير الشمس لنفعهم في الدنيا قادر على أن يوجهها لنفعهم في الآخرة، بعد أن تتجه إلى الأفق الغربي حيث توجد أغلب مدافنهم، فتنزل فيه إلى ما تحت الأرض وتضيء ظلمة القبور وتنير مسالك العالم السلفي، وتخيلوا للرب من أجل هاتين الغايتين، مركبين "سبق التنويه بهما"، مركبًا يعبر بها سماء الأحياء في النهار، وهي معنجة، ومركبًا يعبر بها سماء الموتى في الليل وهي "مسكتة"، وله في هذه الأخيرة مسار معلوم تحدثت عنه كتب الموتى في كل ساعة من ساعات الليل الاثنتي عشرة.

ص: 335

العصور ونمو الإمكانيات وتطور التصورات. فسادت الماديات في العصور المبكرة، ثم غلبت المعنويات عليها شيئًا فشيئًا خلال العصور المتحضرة المتتالية، ولكن دون أن تمحوها، فإلى جانب الارتقاء المستمر بعمارة المقابر وتوسيعها وتأمينها ضد عوادي الزمن واعتداءات الغير، باعتبارها المساكن الباقية لجثث أصحابها، بدأت الرعاية المادية في العصور المبكرة بتزويد المتوفى في قبره بما يمكن تزويده به من أواني الطعام والشراب والأدوات الضرورية وبعض مقتنياته الثمينة الخاصة، وتماثيل صغيرة رمزية لخدمه وجواريه إذا كان ثريًّا، وذلك ما يمكن تفسيره بالرغبة في إكرامه وإيثاره، وبالأمل في أن ينتفع بما يوضع معه في قبره خلال سفره الطويل، انتفاعًا يناسبه، وكل ذلك مع الحرص على تقديم القرابين وتلاوة التراتيل باسمه في الجزء العلوي من مقبرته في أوقات معينة وبما يتفق مع إمكانيات أهله.

وتطورت الرعاية شيئًا فشيئًا منذ أوائل العصور التاريخية، فاستعاضت عن الأطعمة الفعلية التي توضع في أسفل القبر، بتسجيل أسمائها وأعدادها ورموزها في قوائم منقوشة على لوحات خاصة تتخذ أوضاعًا محددة في قاعات تقديم القرابين فوق سطح الأرض، ثم تصوير مصادر خيرات الدنيا من زراعة وصناعة وصيد وفخر ولهو، على الجدران الداخلية في الجزء العلوي من المقبرة، ابتداء من أوائل الدولة القديمة. وقد رمزت هذه النقوش والمناظر في مجملها إلى أهم ما استحبه أهلها في دنياهم، ثم عبرت بتفاصيلها عن أغراض شتى، فاعتبرها أصحابها نموذجًا لما يودون أن تصبح عليه حياتهم في العالم الآخر، ورأوا فيها إذكاء لسعادة الروح وتذكيرًا لها بحياتها الأولى كلما هبطت من عالم السماء على قبرها، واعتقدوا بإمكان تحولها إلى حقائق تناسب العالم غير المنظور الذي سوف ينتقلون إليه، عن طريق ما يكتب معها ويتلى عليها من تعاويذ السحر وتراتيل الدين، واعتبروها تعويضًا احتياطيًّا لاحتمال تقصير ورثتهم في تقديم القرابين الفعلية لصالحهم، ثم اتخذوها وسيلة لتخليد السمعة والتفاخر والتعبير عن الثراء، ووسيلة للتعبير عن حب الزخرف والرغبة في استرواح صور الفن الجميل في الدنيا والآخرة. وانتقلت بعض هذه النقوش والمناظر منذ أواخر الدولة القديمة، من الحجرات فوق سطح الأرض إلى غرف الدفن وما حولها، وانتقل بعضها إلى سطوح التوابيت، ولكن ظلت أغراضها في أغلب الأحيان متشابة. وكان التابوت يعتبر المسكن الأصغر للمتوفى كما كان قبره يعتبر مسكنه الأكبر، ولهذا وجد من العناية والتطوير نصيبًا كبيرًا.

وتضمنت المقابر إلى جانب مناظرها ونقوشها، تماثيل كبيرة وصغيرة لأصحابها، وضعها الأحياء في أوائل الدولة القديمة في مقاصير مغلقة الجوانب وفي أقرب مكان فوق سطح الأرض يمكن أن يؤدي إلى بئر الدفن، كي ترغب الروح في التردد على مقبرة صاحبها وتسترشد بملامحها وهي في طريقها إلى حجرة دفنه حيث تحط على جثته. وليس من المستبعد أن تكون هذه الرغبة قد ارتبطت عند أصحابها بالخشية من أن تتغير ملامح الجثة أو تتحلل رغم وسائل حفظها، فتضل الروح عنها أو تنفر من أن تعود إليها، ثم انتقلت التماثيل منذ أواسط الدولة القديمة إلى مقاصير مفتوحة بالمقابر، وجمعت إلى غرضها السالف غرض تخليد صورة المتوفى بين الأحياء المترددين على مقبرته، وغرض تقديم القرابين والتراتيل أمامها لمنفعة روحه حين تتلبسها.

ص: 336

وساير الفنانون عقائدهم التي وعدت المؤمنين بالبعث برءاء من أعراض الضعف والمرض وعيوب البدن، فنحتوا هذه التماثيل في هيئات صحيحة قوية مستبشرة، ولم يمثلوا فيها عيوب البدن إلا في مرات نادرة. وغالبًا ما صحبت تماثيل المتوفى تماثيل أخرى صغيرة لخدمه وجواريه، كل بعمله الذي تخصص فيه، ابتغاء أن تنتفع روحه بمجهودات أعمالهم في الآخرة كما تنتفع بصورهم في مناظر المقبرة. ثم تماثيل أخرى صغيرة تسمى الرشابتي يقوم بعضها بدور المجيب عن صاحبه حين يُدعى لشأن من شئون الآخرة، ويقوم بعضها الآخر بدور التابع المسخر لأداء ما يأنف صاحبه من أدائه من أعمال في الآخرة1.

وليس أدل على أن المصريين لم يعملوا لتقبل الموت بقدر ما عملوا للتغلب عليه من آية التحنيط التي حفظت على جثث كبارهم خواص تقاطيعها، وجلودها وشعورها، وأصابعها بأظفارها، على الرغم من مرور ما بين ثالثة آلاف وثالثة آلاف وخمسمائة عام عليها. ومعروف ما استهدفه المصريون من التحنيط من حيث الرغبة في الإبقاء على الجسم سليمًا واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه، وضمانًا لبعثه، وتشجيعًا لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه. وقد سكلوا في سبيل التحنيط مراحل وتجارب عدة، ندع تفاصيلها وتتابعها التاريخي لبحث آخر تالٍ، ويكفي أن نذكر أنهم وصلوا إلى كما التحنيط في الدولة الحديثة. ويفهم مما احتفظت به نصوص معدودات ومما سجله المؤرخان هيرودوت وديودور، ومما انتهى إليه الأخصائيون المحدثون2، أن البطن كانت تشق من جانبها بشفرة ظزانية رقيقة لتستخرج منها أحشاء الفراغ البطني والفراغ الصدري فيما عدا القلب، وقد يستخرج المخ من الرأس أيضًا، ثم تعالج كل من هذه بمواد معينة وتلف على حدة وتوضع في تجاويف الجسم ثانية. أو توضع في أوانٍ فاخرة تناسب صاحبها وتحاط بمواد تحفظ عليها كيانها وتمنع فسادها، مع الاعتقاد في إيكال رعايتها إلى أبناء الإله حور الأربعة، وحينئذ تملأ فراغاتها في الجسم بالراتنجات والصموغ والنشارة وما يماثلها أما المواد الأساسية المستعملة لكي تتشرب دهنيات الجسم وشحومه وعفونته، وتكسبه النقاء والجفاف والرائحة الزكية، فكان منها فيما يعرف حى الآن: النطرون وشمع العسل والقرفة والكاسيا والبصل وأنواع من الراتنجات الصمغية وحبوب العرعر وزيته وزيت الأرز وزيت الزيتون، والمر والمستكة والحناء، وكل ذلك بنسب وطرق لا تزال تحوطها الأسرار حتى الآن. وأضاف محنطو عصر الأسرة الحادية والعشرين خطوة قد تحتسب لهم أو عليهم، وهي معالجة تقلصات الأعضاء في بعض أجزاء الجسم حين التحنيط بحشو ما تحت الجلد بمواد مختلفة حتى تنبسط وتتخذ شكلها الأصيل، وحشو الصدغين أحيانًا حتى يتخذا امتلاءهما الطبيعي، وملء تجويف العين بما يرد عليها حيويتها. وشيئًا فشيئًا شاع استخدام التحينط لكل من يقدر على نفقاته من أفراد الشعب، وأصبحت له ثلاث مراتب كما روى هيرودوت تتفاوت

1 Speleere، Les Gurines Egyptiennes، Bruxelles، 1923.

2 Ef. Pap Boul. Iii; Pap. Louver 5158; Herodotus، Ii، 88 F.; Diodorus، I، 91 F.; Dawson، Jea، Xiii، 40 F.; E. Smith And Dawson، Egyptian Mummies، 1924; K، Sethe، Zur Geschichte Der Einbalsmierung Bei Der Aegypter

، 1934; A. Lucas، Ancient Egyptian Materials And Industries، 1948، Ch. Xii And Notes.

ص: 337

في تكاليفها ومدى إتقانها، كما تتفاوت في فتراتها. بين أيام معدودات، وبين سبعين يومًا أو ما هو أكثر. وكان تمام عملية التحنيط فيما يسبقها ويصحبها ويتلوها من عمليات الغسل والتنظيف والتطهير والتعطير واللف والتكفين ثم وضع التمائم، لا سيما تميمة القلب، والحلي والأقنعة الذهبية، وكتابة الاسم والألقاب ونصوص الدين، فضلًا عما يتلى عليها من الرقى والإشارات الرمزية إلى فتح الفم وتنشيط الحواس، وما إلى ذلك مما ابتدعه الكهان وبرعوا فيه واعتمدوا في معيشتهم عليه.

ولم يكن للخطوات السابقة من أثر، في عرف المصريين، إلا بفضل ما يُتلى عليها من تراتيل السحر والدين، عند الوفاة، وعند الغسل والتطهير، وعند الدفن، وعند تقديم القرابين، وعند إجراء الصلوات في مقاصير المقابر وهياكل المعباد. وأوسع المصادر الدينية حظًّا فيما تضمنته من هذه التراتيل، وأوسعها تعبيرًا عن عقائد ما بعد الموت وتطورها من عصر إلى عصر، هي: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وكتب الموتى. وقد استشهدنا ببعض خصائص المصدرين الأولين منها، خلال حديثنا عن التطور الحضاري للنصف الثاني من الدولة القديمة بالنسبة لمتون الأهرام، وخلال عصر اللامركزية الأولى بالنسبة لمتون التوابيت. وأسلفنا عن متون الأهرام التي بدأ تسجيلها في باطن أهرام الملوك منذ نهاية عصر الأسرة الخامسة حتى نهاية الدولة القديمة "ثم في العصر الصاوي"، أنها لم تكن وليدة عصر كتابتها وحده وإنما كانت من تراث عصور طويلة سابقة وإنتاج كفايات فكرية متباينة، لهذا تضمنت صورًا أخروية ودنيوية وأسطورية وفلسفية، بعضها بدائي مضطرب، وبعضها راقٍ منطقي.

وظهرت متون التوابيت، فيما مر بنا، منذ أواخر الدولة القديمة1، وزادت حصيلتها وتنوعت مذاهبها في عصر الانتقال الأول في الدولة الوسطى، واقتبس الكهان بعض أورادها من متون الأهرام، ثم ألقوا بقيتها بما يتناسب مع عهودهم المتتالية وآمال الناس فيها. وكان من أهم ظواهرها تلقب كل متوفى فيها بلقب "أوزير" أملًا في أن ينعم في الآخرة بما نعم به ويخلد فيها مثل خلوده. وكان هذا اللقب في بدايته قاصرًا على الفرعون باعتباره وريث أوزير في الدنيا والآخرة، فلما اهتزت أركان الملكية في أواخر الدولة القديمة، انتحل حكام الأقاليم امتيازاتها الدينية ورجوا لأنفسهم في الآخرة ما كان الفراعنة يرجونه لأنفسهم، وتلقبوا مثلهم بلقب أوزير، ثم قلدهم في ذلك من تحتهم حتى شاع اللقب وأصبح أملًا عامًّا لكل إنسان2.

ولم تؤدِ متوت التوابيت إلى الاستغناء عن نقش متون دينية أخرى على الجدران، ثم لم تغنِ هذه ولا تلك عن ظهور موسوعات دينية جديدة في الدولة الحديثة، وهي كتب الموتى التي أصبحت تكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي وتحفظ مع المتوفى في تابوته أو توضع بين أكفانه. ولم تكن في حقيقة أمرها كتابًا يلتزم ترتيبًا معينًا، ويتحدد ببداية أو نهاية، ومن أجل هذا عدلنا عن تسميتها بالاسم الشائع لها وهو كتاب الموتى، وإنما كانت فصولًا دينية متفرقة تطور بعضها عن متون التوابيت، وألف بعضها الآخر بما

1 Speleers، Textes Des Cercueils، 1947; A. De Buck، The Egyptian Coffin Texts، 1935 F.; R.O. Faulkner، The Ancient Egyptian Coffin Texts، I-Iii.

2 Moyen A. Moret، “Laccession De La Plebe Egyptienne Aux Droits Religeux Et Politiques Sous Le Empire”، Rec. D’etudes Eg.، 1922، 231 F.

ص: 338

يتفق مع تصورات عصره، وكان الكتبة الدينيون يكتبون في كل دراج ما يحفظونه منها أو ما تتوفر عندهم نسخه. أو ما يطلبه منهم العميل نفسه، أو يشيع عادة في أيامهم. وقد داخل هذه الفصول كثير من السحر والأخيلة الشعبية، ولكننا لا نكتفي بنماذج من أفضل ما فيها. وكانت فكرة الحساب والمسئولية أمام الأرباب قد ترددت من قبل في كل من متون الأهرام ومتون التوابيت ولكنها أصبحت أوضح من كتب الموتى، ويعبر عنها فيها باللفظ والصورة، وبصور معنوية وأخرى مادية، ومن أكثر صورها شيوعًا تصوير ميزان ينصب ويوضع قلب المتوفى في إحدى كفتيه، باعتباره مصدر النية والمشاعر والضمير بينما تصور في الكفة الأخرى ريشة ترمز من حيث اللفظ إلى كلمة "ماعت" بمعنى العدالة، وترمز من حيث الصورة إلى دقة الوزن وحساسيته. ويجري الحساب عادة في حضرة رب الآخرة أوزير، وبحضور اثنين وأربعين قاضيًا مقدسًا، يمثلون أرباب عواصم الأقاليم، بينما يقوم على تقييم الحسنات والسيئات رب الكتابة والحكمة تحوتي فيسطر على لوحته نتيجة الوزن ونتيجة دفاع المتوفى عن نفسه أمام أربابه وإلهه الأكبر، وحينئذ يتحدد مصيره، فإما إلى جنان ذات برك وغدران وزروع ترتفع سنابلها إلى سبعة أذرع، وإما إلى جحيم تتنوع فيه صور الحرمان والفزع وأذى الوحوش والحيات والنيران.

ويبدأ المتوفى يتنصل من آثام الدنيا في دفاع إنكاري طويل، يقول في بعض عباراته: لم أرتكب ذنبًا ضد الناس

، لم أضلل الرعية

، لم أرتكب إثمًا في دار الحق

، ما قسوت على فقير، ما حرضت عبدًا على سيده

، ما أمرضت "إنسانًا"، وما أبكيت إنسانًا

، لم أقتل ولم آمر بقتل

، لم آت اللواط لم أطفف الكيل ولا الميزان. وعندما ينتهي من حديثه الطويل يعلن طهارته بقوله: إني طاهر، طاهر، طاهر، طاهر؛ ونقائي نقاء طائر البنو الكبير في أهناسيا. وفي هذه المبادئ من الطهر وكثير أمثالها ما تضمنته كتب الموتى ونعالجه بتفصيل في بحث آخر، ما يشهد بأن القيم العليا في أغلب الأديان وفي الحضارات الراقية تكاد تكون واحدة1.

1 راجع المؤلف: ديانة مصر القديمة - القاهرة 1984.

ص: 339