الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم
أولا: في أدب الأسطورة والملحمة
أسطورة أوزير وتوابعها
…
الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم
سجلت الآداب المصرية على صفحات البردي واللخاف، بخطوطها التي عرفناها: الهيروغليفي والهيراطي منذ أواخر الألف الرابع ق. م، والديموطي منذ القرن السابع ق. م، ثم القبطي منذ القرن الثاني للمسيح. وظلت لغتها على مدى آلاف طويلة من السنين واحدة متصلة في أساسها، ولكن مع تمايز خفيف وتطور يسير في نحوها وأساليبها وهجاء كلماتها بين كل عصر وآخر من عصور تاريخها الطويل.
أولًا: في أدب الأسطورة والملحمة
أسطورة أوزير وتوابعها:
هذه واحدة من أساطير نسب رواتها فيها أعمال زعماء أتباع الأرباب إلى شخوص أربابهم حينًا، وارتفعوا فيها بالزعماء إلى مستوى الأرباب أنفسهم حينًا آخر، ثم طبقوا فيها تصرفات البشر ومشاعرهم على حياة المعبودات وتخيلوهم يحكمون ويتعاقبون، ويتزاوجون وينسلون، ويتعاونون ويتخاصمون، ويتبادلون الحب والكره، والوفاء والغدر.
سجلت هذه الأسطورة أول ما سجلت في سياق متون الأهرام الدينية من الدولة القديمة عن عصور أسبق منها، مما يعني أنها اصطبغت منذ عصورها الأولى بصفة القداسة، وأنها كانت تردد في أعياد المعابد أو تمثل، كما اتصلت تفاصيلها بتاريخ الملكية المقدسة وذكرياتها، وذلك مما يدفع إلى الظن بأنها كانت تردد كذلك في أروقة القصور وربما تمثل أيضًا. ثم أخذت الصبغة البشرية للأسطورة تتضح بعد ذلك شيئًا فشيئًا، واستمر كل جيل يضيف إليها من خيالاته ما يوائم تصورات عصره وما يزيد من تأثيرها في أذهان الناس، ولكن دون التضحية بجوهر الأسطورة وقداستها. ويستنتج مما أتت به صورها المختلفة أن شخوصها الرئيسيين أربعة وهم زوج وزوجة، وولد وعم. وأنه تمايز من نماذج الطباع والعواطف فيها أربعة: صلاح ووفاء وحسد وانتقام. وبغير أن نتكلف سجعًا، نرى أنه يمكن إرجاع مصادرها إلى أربعة أيضًا: ذكريات قومية، وتخريجات دينية، وعبرة خلقية، ثم صياغة فنية. وبهذا المحصول المتنوع أصبحت من أقدم أساطير الدراما الكبيرة المعروفة1.
كان أوزير وإيسة، فيما مر بنا من بعض صفحات هذا الكتاب، أخين وزوجين من مجموعة رباعية يكملها ست وأخته نبت حت. وكان الأربعة رعيلًا أولًا جمع بين الألوهية وبين البشرية في أعقاب انفصال السماء عن الأرض. وبنقلة سريعة اعتبرت الأسطورة أوزير ملكًا على البشر يحكم بينهم ويهديهم إلى ما يصلح أمرهم، إلى أن نقم أخوه ست عليه منزلته، فكاد له وقتله ثم رماه في اليم واغتصب عرشه. وظلت إيسة وفية لزوجها الشهيد، فداومت البحث عن بدنه حتى عثرت عليه، واستعانت بسحرها حتى ردت روحه
1 See، Moret، La Passion D’osiris، Dans Rois Et Dieux D’egypte، Paris، 1916، 77f،; J. Vandier، La Religion Egyptienne، Paris، 1949، 44 F. And Notses.
عليه لفترة من الوقت، وحطت عليه كما يحط الطائر، فحملت منه حملًا ربانيًّا، ووضعت منه طفلها "حور""أو حورس كما شهره الإغريق"، وربت طفلها خفية في أحراج الدلتا، وعاوتها كائنات عدة على كفالته، فأرضعته بقرة، ورعته معها سبع عقارب، ثم عادت إيسة فشهرت بست الغاصب القاتل بين الأرباب والناس، وكادت له عدة مرات، وعندما شب ولدها سريعًا، كما يشب أبناء الأساطير الذين لا يخضعون في نموهم لحكم المنطق والزمن، تعاونت هي وأختها نبت حت على تجديد المناحة على أوزير الشهيد واستثارة الحلفاء من أجل ثأره. وعهدوا بزعامتهم لولدها حور، ودعوه "المنتقم لأبيه"، وتجمع معه زعماؤهم وأربابهم تحت إشراف أكبر رعاة الحرب فيهم "وبواوت"1. وطالت المواقع بينهم وبين ست وأنصاره حتى فقد حور عينه وفقد ست خصيته، ثم توقف القتال لهدنة قصيرة، استغلها أنصار حور لعرض الأمر على أرباب الدولة الحكماء، أصحاب القضاء في عين شمس "أو في منف"، وجاءوا معهم ببدن شهيدهم أوزير ليكون أية صريحة على ما حل به من غدر. وأقام حور الدعوى باسم أبيه، فأدان القضاء ست بالاعتداء على أخيه، ولكن ست أنكر أنه بدأ بالشر، وادعى أن أوزير هو الذي تحداه ونزل أرضه، فأبى القضاء الأخذ بدعواه، وبرءوا أوزير من تهمة البدء بالعدوان، واعتبروه "ماع خرو" أي مبرأ، أو صادق التعبير. ولما لم يكن له في الدنيا غاية، بعد أن برئت ساحته وأدين خصمه، انتقل إلى أسفل الأرض، ومارس سلطانه على ملكوت الموتى، وعاود نشاطه، فاستمر يدفع الماء من تحت الأرض، ويدفع الخصب إلى التربة وينمي الحب، أو هو بمعنى آخر، ظل يقيم الأدلة على حيويته وقدرته، فيظهر على هيئة النبت الأخضر في مواسم النبات، ويظهر على هيئة الماء الدافق في مواسم الفيضان.
وهكذا انتهت الأسطورة بتغليب الحق وبقاء الخير، والإيمان بعدالة الأرباب، وتبرير أسباب تقديس أوزير تحت الأرض، وتفسير القدرة الربانية في دفع الفيضان وتجدد الخصب وإنماء الحب والزرع. وكانت مشاهدها مما يمكن تمثيله بسهولة في المعابد والقصور، وفي مواسم معينة ترمز إلى بعث أوزير وغلبة الخصب على الجفاف وتغلب الخير على الشر. ويستفاد من نصوص إيخر نفرة أحد كبار موظفي الخزانة في عصر الأسرة الثانية عشرة أن الأسطورة كانت تمثل في العيد الأكبر للإله أوزير بمعبد أبيدوس، وأن تمثيلها كان يستغرق عدة أيام قد تصل إلى ثمانية، ويمثل فصل منها في كل يوم، ويشارك فيها جمهور من حجاج المعبد2. ويبدو أن أحداثها التي رويناها عن متون متفرقة من متون الأهرام والتوابيت وشواهد أخرى تضمنها المذهب المنفي، لم تكن من بنات الخيال برمتها، وإنما كانت فيما يغلب على الظن رموزًا لأحداث قومية بعيدة سبق أن مهدنا بأخبارها لمراحل قيام وحدة مصر التاريخية "ص65"، ولا يخلو من دلالة أنه على الرغم من ضراوة النزاع بين أوزير وست، أو بمعنى آخر بين رب الوجه البحري ورب الصعيد، فقد اعتبرتهما الأسطورة أخوين دائمًا اعترافًا فيما يبدو بصلة القربى بين الوجهين وانتسابهما إلى وطن واحد.
1 Pyr. 1004 C-F.; 2190; Jea، 1944، 52 F.; Sethe، Urgeschichte، 191; Unters.، Iii، 12-16.
2 H. Schaefer، Die Mysterien Des Osiris In Abydos، 1904; Wilson، Anet، 1955، 329-330.
وأضافت الأيام إلى مشاهد أسطورة أوزير وأسرته أخيلة عدة استهوت أذواق أهلها ورمزت إلى خصائص المجتمع في عصور إضافتها، وإن انتهت في مجملها إلى نهايات متماثلة ينتصر الحق فيها على الباطل مهما طال أمد التنازع بينهما. فحادثة قتل ست لأخيه عنوة وإلقائه في ماء ترعة ندية، تهذبت روايتها وصُورت على هيئة مكيدة محبوكة دبرها ست في حفل أقامه في داره، حيث أعد صندوقًا فاخرًا وعد بأنه يهبه لمن يطابق جسمه، فتهافت المدعوون يتمددون فيه، ولما جاء دور أوزير نزله فطابقه، وهنا أطبق أخوه الصندوق عليه وأحكم غطاءه وألقاه في النيل.
وحادثة عثور إيسة على بدن زوجها في أرض مصر، اتسع مجالها فقيل إن النيل احتمل الصندوق حتى مصبه، ثم أسلمه للبحر الأخضر، فاحتمله البحر بدوره حتى ألقاه آمنًا على شاطئ جبيل "في لبنان"، فأظلته هناك شجرة مباركة واحتوته في جوفها. وساحت إيسة في الأرض بحثًا عن أخيها، حتى بلغت جبيل واهتدت إلى الشجرة، واستخلصت الوديعة منها وحملتها إلى مصر، حيث أعادت إلى بدن أخيها روحه وحملت منه، وتسترت معه. ولكن أخاه ست كشف مخبأه ومزقه في هذه المرة شر ممزقة وقطعه اثنتين وأربعين قطعة "وفي رواية أخرى أربع عشرة قطعة" ورمى بكل قطعة في مكان، وذلك يرمز فيها يبدو إلى تمزق وحدة البلاد القديمة وتجزئها إلى عدد من الأقاليم، كما يفسر تعدد مزارات أوزير التي قامت على أجزائه الموزعة في كافة هذه الأقاليم1.
وأصبح الرواة كلما ألمت ببلدهم مصيبة وتعرضت لغزو من آسيا عبر صحراواتها رمزوا إلى هذه المصيبة رمزًا في أساطير عقيدتهم وربطوا بينها وبين مكائد ست وإيحاءاته. وظنوا مثل هذا الظن بالنسبة للهكسوس الذين أتوا من آسيا وعبدوا ست فعلًا وحاربوا تحت رايته، وظنوه كذلك بالنسبة للفرس الذين اغتصبوا عرشهم واستهانوا بمعابدهم ومذاهبهم ولم يحترموا موتاهم وحاربوا أبطال القومية الساعين إلى تحرير وطنهم وأدمجت كل هذه الشرور رمزًا في أساطير وتمثيليات تبناها معبد أوزير في أبيدوس واحتفظت بها بعض البرديات المتأخرة2، وقد خدمت غرضين: غرض إرضاء السامعين والمشاهدين بالرمز إلى استمرار مشكلات ست ضد أوزير وأسرته، وغرض ترديد اللعنات باسم الدين والقومية على الأعداء الأجانب الذين سمح ست لهم باجتياز أراضيه الآسيوية وإيذاء مصر في كرامتها وتقاليها. ولو أن هذه الدعوى ضد ست لم تمثل في واقع الأمر غير وجهة نظر واحدة، وهي وجهة نظر المتحيزين لعبادة أوزير وأسرته، ولم تمنع أنصار ست من المصريين من أن يعتبروه ربًّا قادرًا فاضلًا يرسل العواصف لكي تبشر بالمطر، ويستخدم طاقته الحربية في نصرة مصر وجيوشها، ويستخدم قوته السحرية في حماية رب الشمس ومركبه، بل ويأخذ بناصر أخيه أوزير في الآخرة.
1 Plutarch، De Iside
…
، Xii-Xix; Sethe، Zaes، Xlv، 12 F.; Guenth-Agloueft، Rev. D’eg.; 1933، 197 F.