المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌أوضاع الحكم: يعتبر عصر بداية الأسرات عصر تكوين لنظم الإدارة المصرية. - الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الشرق الأدنى القديم

- ‌الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله

- ‌مدخل

- ‌في وادي النيل:

- ‌في بلاد النهرين:

- ‌في بلاد الشام:

- ‌في شبه الجزيرة العربية:

- ‌الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ

- ‌مدخل

- ‌في الدهر الحجري القديم الأسفل:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأوسط:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأعلى:

- ‌قرائن العمران:

- ‌من السلالات البشرية:

- ‌بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:

- ‌تعدد الحرف وبدايات الفنون:

- ‌وضوح التجمعات:

- ‌تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:

- ‌الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية

- ‌الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها

- ‌مدخل

- ‌في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة

- ‌مدخل

- ‌في مرمدة بني سلامة:

- ‌في الفيوم:

- ‌في دير تاسا:

- ‌في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية:

- ‌في البداري:

- ‌في حضارة نقادة الأولى:

- ‌في حضارة نقادة الثانية:

- ‌بين الصعيد وبين الدلتا:

- ‌التطور السياسي:

- ‌من تطورات الفنون وتعبيراتها:

- ‌سكين جبل العركى:

- ‌من آثار العقرب:

- ‌صلاية الفحل:

- ‌آثار نعرمر:

- ‌الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية

- ‌مدخل

- ‌الكتابة وتوابعها:

- ‌الحكام والإدارة

- ‌مدخل

- ‌أوضاع الحكم:

- ‌في العمران والفكر:

- ‌النشاط الحدودي والخارجي:

- ‌الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة

- ‌أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة

- ‌مدخل

- ‌إيمحوتب وشواهد العمارة والفن:

- ‌قصة المجاعة:

- ‌التقويم:

- ‌ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة

- ‌تجديدات عهد سنفرو

- ‌عهد خوفو:

- ‌تعبيرات الهرم الأكبر:

- ‌هزات مؤقتة في عهد جدف رع

- ‌آثار عهد خفرع:

- ‌أبو الهول:

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة

- ‌مدخل

- ‌خصائص معابد الشمس:

- ‌أهرام العصر ومعابدها:

- ‌الاتصالات الخارجية:

- ‌التطور السياسي والاجتماعي:

- ‌رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة

- ‌مدخل

- ‌نمو البيروقراطية:

- ‌أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:

- ‌العمارة والفن والمجتمع:

- ‌رحلات الكشف في الجنوب:

- ‌الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى

- ‌نهاية دورة

- ‌الثورة الطبقية:

- ‌الغموض:

- ‌انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:

- ‌ازدهار الفردية:

- ‌عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين

- ‌معالم الفن الإقليمي:

- ‌الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى

- ‌أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة

- ‌مدخل

- ‌استرجاع المركزية:

- ‌الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:

- ‌صور من المجتمع:

- ‌في العمارة الدينية والفن:

- ‌ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة

- ‌مدخل

- ‌في السياسة الداخلية:

- ‌في العمران:

- ‌في الأساليب الفنية:

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية

- ‌أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة

- ‌في نصفه الأول:

- ‌مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة:

- ‌ثانيًا: محنة الهكسوس

- ‌ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير

- ‌الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة

- ‌في السياسة الداخلية

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة

- ‌ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين

- ‌الدفعة الأولى

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين

- ‌خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة

- ‌الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة

- ‌أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات 22 - 24

- ‌ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين

- ‌ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين

- ‌رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين

- ‌خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات 28 - 30

- ‌مدخل

- ‌الوثائق الآرمية في أسوان:

- ‌الأسرتان الأخيرتان:

- ‌خاتمة المطاف القديم:

- ‌الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة

- ‌أولًا: عقائد التأليه

- ‌نشأتها:

- ‌خصائصها:

- ‌في سبيل الترابط:

- ‌في سبيل التوحيد:

- ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

- ‌الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم

- ‌أولا: في أدب الأسطورة والملحمة

- ‌أسطورة أوزير وتوابعها

- ‌الحق والبهتان

- ‌ثانيا: في أدب القصة

- ‌سنفرو والحكماء

- ‌قصة خوفو والحكيم جدي:

- ‌قصة العاشقين والتمساح:

- ‌قصة الأخوين:

- ‌من قصص المغامرات:

- ‌ثالثا: في أدب النصيحة

- ‌مدخل

- ‌بتاح حوتب:

- ‌آني:

- ‌أمنموبي:

- ‌نصائح المعلمين:

- ‌رابعا: في أدب النقد والتوجعات

- ‌إبوور والثور الطبقية

- ‌القروي الفصيح:

- ‌الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث

- ‌أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة

- ‌ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية

- ‌مدخل

- ‌حضارة العبيد:

- ‌ج- قبيل العصر الكتابي

- ‌حضارة الوركاء:

- ‌الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق

- ‌عصر بداية الأسرات السومرى

- ‌مدخل

- ‌الكتابة المسمارية:

- ‌العمارة الدينية "والزقورات

- ‌العقائد:

- ‌التطور السياسي:

- ‌الفنون:

- ‌المقابر:

- ‌الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى 2340 - 2180 "أو 2371 - 2230" ق. م

- ‌مدخل

- ‌الفنون:

- ‌نهاية دولة:

- ‌الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ 2125ق. م

- ‌في لجش:

- ‌في أوروك:

- ‌في دولة أور:

- ‌الفنون:

- ‌من الأدب السومري:

- ‌نهاية أور:

- ‌في عصر إسين - لارسا:

- ‌تشريع إشنونا:

- ‌تشريع إسين:

- ‌في لارسا:

- ‌في الفن:

- ‌الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم

- ‌بداية دولة بابل الأولي

- ‌حمورابي:

- ‌من الأدب البابلي:

- ‌الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "1580 - أواخر القرن 12 ق. م

- ‌الحياة الساسية

- ‌العلاقات الخارجية:

- ‌الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة:

- ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

- ‌الفصل التاسع عشر: آشور

- ‌أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم

- ‌ب- في العصر الأشورى الوسيط

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌ج- في العصر الأشورى الحديث

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولي:

- ‌مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث:

- ‌الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585

- ‌تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور

- ‌التطور السياسي:

- ‌العمران والفنون:

- ‌الأفول أمام نهضة الفرس:

- ‌خاتمة:

- ‌الخرائط واللوحات

- ‌قائمة بأهم المفردات:

- ‌الموضوعات:

الفصل: ‌ ‌أوضاع الحكم: يعتبر عصر بداية الأسرات عصر تكوين لنظم الإدارة المصرية.

‌أوضاع الحكم:

يعتبر عصر بداية الأسرات عصر تكوين لنظم الإدارة المصرية. ويعني التكوين هنا معنيين: أحدهما أن العصر كان محدود المطالب والوسائل بالنسبة إلى العصور التي تلته، ولهذا اكتفى بما ناسب دنياه الخاصة من النظم والمناصب والإدارات. وثانيهما أن تنظيمات العصر على الرغم من بساطتها أصبحت أساسًا لأغلب التنظيمات التي قامت بعدها وتطورت عنها في عصور الدولة القديمة.

الفرعون:

كان الفرعون هو رأس الدولة قولًا وعملًا، يرأس الإدارة والجيش وأمور الدين، وتنسب السلطات العليا إلى قصره المسمى "برعو" أو "برنيسو". وصورت النصوص سلطانه مطلقًا بما يزيد عما عبر به بعد آلاف السنين لويس الرابع عشر ملك فرنسا في عهد "الملكية المقدسة" بمثل قوله "أنا الدولة والدولة أنا". على أنه ليس من الضروري أن تؤدي هذه السلطة المطلقة للفرعون المصري إلى الإسراف في الربط بينها وبين ربوبية لازمة أو سلطة غاشمة كما يتردد أحيانًا. فلفظ "فرعون" لم يكن في بدايته أكثر من تعريف اصطلاحي إداري، كتب في صيغته المصرية "برعو" بمعنى البيت العالي أو القصر العظيم، قصر الحكم الأعلى الذي يتجه شعبه إليه بمشاعر الأمل والرهبة والولاء. ثم امتد مدلول لفظ "برعو" على القصر وساكنه. ويمكن فهم هذا بمقارنته بما شاع في العصر العثماني، بعد عشرات القرون، من التعبير بلفظ "الباب العالي" عن قصر السلطنة، وبالتالي عن السلطان نفسه "مع تقدير معنى "باب" في اللغتين الفارسية والتركية"، بل ومقارنته لما تذكره لغة الصحافة الحديثة عن سياسة "البيت الأبيض" في الولايات المتحدة وتعني بها سياسة رئيس الدولة فيها وجهازه الأعلى. وأخيرًا شاع لفظ "فرعون" مع الاسم الشخصي لكل ملك مصري "كما شاع فيما بعد لقب "قيصر" على كل حاكم أعلى للرومان والبيزنطيين، وشاع لقلب "نجاشي" لكل ملك حبشي". وحرفت النصوص العبرية لفظ برعو إلى "فرعو""نظرًا لاختلاط نطق الباء مع الفاء في بعض اللغات القديمة"، ثم أضافت اللغة العربية إليه نونًا أخيرة. وهكذا لم يكن لفظ فرعون "وجمعه فراعنة" يدل على جنس أو على طغيان الحكم، كما يشيع خطأ أحيانًا. وإذا وصف القرآن الكريم والتوراة الفرعون الذي عاصر موسى عليه السلام بالتجبر والطغيان وادعاء الربوبية، فعلينا أن نصدق ونؤمن بكل ما وصف به، ولكن ليس علينا أن نعمم صفاته هذه على كل الفراعنة، لا سيما وأن القرآن الكريم لم يأب أن يصف عزيز مصر وملكها اللذين آويا يوسف عليه السلام بأوصاف طيبة. وما من شك في أن الحكام في كل مجتمع وكل زمان، وأيًّا ما كانت ألقابهم، يتعاقب منهم العادل والظالم، الصالح والطالح. وأخيرًا وعلى الرغم من أن تسمية "الفراعنة" بهذا المفهوم العلمي لا ضير فيها، وأن الفراعنة قد مثلوا جزءًا من صميم الشعب المصري فعلًا إلا أنه لم يكن من المنطق تعميم هذه التسمية على المصريين القدامى جميعهم. فمن المسلم به أن تسمية "القياصرة" لم تطلق على الرومان والروم كلهم، كما لم تطلق تسمية "الأكاسرة" على الفرس كلهم، وإنما على ملوكهم.

وتلقب كل فرعون بعدة ألقاب وتسميات عقد الصلة بها بين شخصه وبين مقدسات وطنه؛ لتأكيد شرعية سلطانه الديني والدنيوي. واستقر من هذه الألقاب والتسميات خلال عصر بداية الأسرات،

ص: 77

ثلاثة قد يختارها الفرعون على صورة واحدة أو يجعل كل واحد منها مختلفًا عن الآخر1، وهي: الاسم الحوري: وكان يؤكد صلة الفرعون بالمعبود حور ويجعله وريثًا له، يحكم باسمه ويتجسد شخصيته. والاسم النبتي: وكان يؤكد صلة الفرعون بالربتين الحاميتين القديمتين، نخابة حامية الصعيد التي رمزوا إليها بأنثى العقاب، وواجه حامية الوجه البحري التي رمزوا إليها بحية ناهضة. ثم الاسم النسوبيتي: وكان يؤكد صلة الفرعون بالشعارين المقدسين القديمين، "سو" شعار مملكة الصعيد القديمة، و"بيت" شعار مملكة الدلتا القديمة، ويؤكد بالتالي اعتباره الوارث الشرعي لكل من المملكتين القديمتين صاحبتي الشعارين. وأدى تعدد أسماء الملوك وألقابهم إلى صعوبة تعيين تتابعهم وصعوبة التثبت من شخصياتهم عن يقين، فقد تحتفظ قائمة من قوائم الملوك باسمائهم الحورية وحدها، وتذكرهم قائمة أخرى بأسمائهم النبتية وحدها، بينما تهتم الآثار القائمة بذكر أسمائهم النسوبيتية أكثر من غيرها2. وتشتد هذه الصعوبة في عصر بداية الأسرات بالذات، نظرًا لقدمه البعيد وقلة الآثار المتبقية من أيامه، فضلًا عن إيجاز نصوصه.

واعتمد الإشراف الإداري خلال هذا العصر على بعض طوائف من كبار الموظفين تداخلت اختصاصاتهم بعضها مع بعض، واعتاد أفرادها على أن يجمعوا بين أكثر من لقب واحد من ألقابها، وكان منهم تبعًا لأهم ألقابهم التي سجلوها على بطاقاتهم الصغيرة وعلى أختامهم ومختومات مقابرهم: حملة الأختام ورجال بيت المال، وحكام الأقاليم، وكبار رجال البلاط، ورؤساء الكتاب3.

وعرف العصر بيتين للمال سمي أحدهما برحج بمعنى بيت الفضة أو البيت الأبيض أو بيت المال الأبيض "مع تقدير أن المال بمعنى النقود لم يكن معروفًا"، واختص بضرائب الصعيد ودخله وخرجه. وسمي الآخر بردشر أي البيت الأحمر، واختص بضرائب الوجه البحري ودخله وخرجه. ووجود بيتين للمال في ذلك العصر يمكن أن يفسر بأحد فروض ثلاثة وهي: الرغبة في تيسير الإشراف على موارد البلاد الواسعة بتوزيع مسئولية هذا الإشراف على إدارتين كبيرتين تختص إحداهما بموارد الصعيد وتختص الأخرى بموارد الوجه البحري، أو ما يحتمل من أن ملوك العصر الأوائل حرصوا على أن يحتفظوا للوجه البحري بشخصية اسمية ترضي أهله وتنسيهم أنهم ذابوا في وحدة البلاد الكبيرة، ولهذا أفردوا لهم بيت مال خاص نسبوه إلى اللون الأحمر "رمزًا فيما يحتمل إلى لون تاجهم القديم". أو أن البيتين كان لهما وجودهما المستقل فعلًا قبل توحيد البلاد في بداية عصر الأسرة الأولى، فأبقى الملوك عليهما مراعاة للتقاليد التي حتمت عليهم الاحتفاظ بالتاجين

1 See، A.Moret، Du Carcutért Religieux De La Royalité Pharaonique، Paris، 1912 ; A.H. Gardiner، Egyption Grammar، 71-76، H. Muller -Die Formale Entwicklung De، Titulatu، Der Aegyptischen Koenige، 1938.

2 See، K، Sethe، Zaes،. XXXV، 1 F.

3 See، Pctrie، Royal Tombs، I، Ii: R. Weill، Les Lle Et Liie Dynasties Egyptiennes، Paris، 1908; W. B. Emery، Great Tombs Of The First Dynasty، Cairo، 1949 F; With Zaki Saad، The Tomb Of Hemaks، Cairo، 1938; Hor –Aha، Cairo، 1939; And Paitly، J. Pitenbe، Historire Das Institutions Et Du Droit Privé De L'anc. Egypte، I، Bruxeller، 1932.

ص: 78

والانتساب إلى الربتين والشعارين. واعتمدت موارد بيتي المال على تحصيل الضرائب العينية من محاصيل الأرض وإنتاج المصانع وتاج الماشية وجلودها ومحصول المصايد، فضلًا عما كانت الحكومة تستثمره بواسطة رجالها من المحاجر ومناجم النحاس والذهب، وما تتولى أمره من المتاجر الخارجية أو تعود به جيوشها من الأسلاب والمغانم. ثم يتولى البيتان الإنفاق من هذه الموارد على مشروعات الدولة ومشروعات الفرعون ومرتبات الموظفين العينية بناء على توجيهات القصر الملكي لكبار موظفيه بطبيعة الحال.

وقام حكام الأقاليم بدورهم في تنفيذ سياسة حكومتهم المركزية ومشروعاتها، وحمل كل منهم لقب "عج مر" بما يعني معنى القائم على حفر الترع ليؤكد أن إشراف الحاكم على شئون الري والزراعة من أهم ما يتكفلون به ويسألون عنه من أعمال. ولم يكن الإشراف على شئون الري والزراعة من واجبات حكام الأقاليم وحدهم، وإنما حرص الملوك أنفسهم على أن يجعلوه من أولى مهام حكومتهم المركزية "وانظر ص73".

وأشرف رجال البلاط الملكي على إحصاء عام كانوا يجرونه كل عامين، ويخرجون في السفن حين إجرائه ويتنقلون في النيل من إقليم إلى إقليم في موكب عبرت الحوليات عنه باسم موكب حور أو موكب مراكب حور1. كان إحصاء لا زلنا على غير بينة من أمره، فقد يكون إحصاء لمساحات الأراضي المنزرعة وموارد المناجم كما يفهم من نصر في حوليات حجر بالرمو، أو إحصاء للسكان "وممتلكاتهم" كما يظن الأستاذ برستد، أو إحصاء للماشية لتقدير نصيب الدولة منها ومن جلودها، كما نصت على ذلك نصوص الدولة القديمة فيما بعد2.

وعنيت الحكومة المركزية برصد ارتفاع فيضان النيل عامًا فعامًا، حتى تتخذ الإجراءات المناسبة لمواجهة ارتفاعاته، وتنظيم الانتفاع بمياهه، وحتى تقدر الضرائب الزراعية العينينة على أساس مدى انتفاع الأراضي الزراعية به. ويحتمل أن عملية الرصد الرئيسية كانت تتم على أساس مقياس للنيل يجاور العاصمة منف "وربما في حي الروضة أو في حي مصر العتيقة حاليًا، أي حيث تعاقبت فيما بعد مقاييس النيل في العصور الإسلامية".

وعرف الكاتب المصري القديم بلقب "سش" وكان لقبًا يحمل في طياته معنى المثقف ومعنى من يحسن الكتابة فضلًا عن معنى الموظف، وكان للكتبة دورهم الرئيسي في بيوت المال بما تستدعيه أعمالها من جباية وتسجيل وحساب وتوزيع، وفي القصور الملكية لكتابة الأوامر والرسائل وتسجيل الدخل والخرج فيها، وفي المعابد الكبرى.

ولم يرد النشاط الداخلي إلى جهود الموظفين الإداريين وحدهم، وإنما كان للفنيين والمعماريين أثرهم

1 Palermo، Rt. Iv، 3، 5، 7، 9، 11، 13، 15، And See R. T. I، XVII، 26، 29; Unters.، III، 64، F.، 68.

2 Palermo، V، 4، 5; J. H. Breasted، Ancient Records، I، 6، 106; Gardiner –Peet، Sinal. Pl. VII، 13; Urk. I، 16، 55; Rec. Tr.، XXV، 73; Sethe، Unters، III. 79f.

ص: 79

في أعمال الإنشاء والتعمير. وقد اتخذ المعماريون ربة راعية سميت "سشات"، وكانت في الوقت نفسه راعية للكتاب والحاسبين، وقيل عنها إنها كانت "أول من خط وحسب". وتدل رعايتها للمعماريين والكتبة والحاسبين على حاجة المنشآت إلى مجهودات هذه الطوائف جميعها.

وتضمنت نصوص العصر ألقابًا مدنية كثيرة أخرى حملها نظار القصور الملكية والسكرتاريون أو المطلعون على الأسرار على حد التعبير المصري القديم، والمشرفون على المزارع والحدائق الحكومية. وذلك إلى جانب ألقاب ومراتب دينية كثيرة جعلت للكهنوت أهمية كبيرة تحت إشراف الدولة ورعاية الفرعون.

واستمتع كبار الموظفين في عصر بداية الأسرات بمكانة لا بأس بها إلى جانب فراعنتهم. وكان أكبر لقب ظهر لهم في نهاية هذا العصر هو لقب "نبي خرنيسو" أي الأول لدى الملك أو الأول بعد الملك. ونم عن ثرائهم ما تركوه من مقابر ضخمة لا زالت أطلاها باقية في سقارة وغيرها. فاحتوت مقبرة "حماكا" أمين أختام الوجه البحري في عهد "دن" رابع ملوك الأسرة الأولى، بسقارة، على اثنتين وأربعين حجرة فوق سطح الأرض وتحتها، وتضمنت من المحتويات ما دلت به على ثراء صاحبها ورفاهية أيامه1 "راجع ص92".

رأينا كيف تمتع ملوك عصر بداية الأسرات بقداسة نظرية واسعة وسلطان سياسي عريض، نمت عنهما ألقابهم وتمجيد كبار موظفيهم لهم. بيد أنه على الرغم من ذلك كله لم تخل عهودهم من خصومات خفية ومنازعات صريحة بين المستحقين للعرش والطامعين فيه، وربما لم تخل من اضطرابات حدودية أيضًا.

فقد شهدت أواخر أيام الأسرة الأولى خصومة أو أكثر من خصومة أسرية في عهود فراعنتها الثلاثة الأواخر: عنجاب وسمرخت وقاي عا. وكانت خصومة نم عنها أن رجال سمرخت أزالوا بإذنه أسماء سلفه عنجاب مما وصلت أيديهم إليه من آثاره وآثار أمه مريت نيت. ثم تعمد رجال قاي عا بدورهم أن يمحوا أسماء سلفه سمرخت من أغلب آثاره2. وليس من المستبعد أن الملوك الثالثة كانوا إخوة من أمهات مختلفات، أو كانوا ينتمون إلى فروع مختلفة من الأسرة الحاكمة ادعى كل فرع منها أحقيته في العرش دون غيره من الفروع.

ولم تهدأ المطامع على الحكم إلا ببداية عصر الأسرة الثانية التي تسمى أول فراعنتها باسم يؤكد عودة الاستقرار والهدوء في عهده، وهو "حوتب سخموي" الذي يعني "رضي القويان" أو "استقر القويان"، ويرمز إلى رضا الربين القويين حور وست بما انتهت إليه أحوال البلاد في عهد صاحبه.

وافترض الباحثون فيي وإدوارد ماير ونيوبري3 أن خصومة من نوع آخر حدثت في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية، وكانت فيما رأوا خصومة سياسية دينية تعصبية في آن واحد، شذ فيها الملك بر إبسن عن سنة أسلافه الذين اعتادوا على أن يصوروا الصقر رمز المعبود حور فوق أشكال واجهات القصور التي

1 W. Emery-Zaki Saad، The Temb Of Hemaka، Cairo، 1938.

2 W. F. Petrie. The Royal Tombs، I، P. Iv، 5; VI، 9-10.

3 R. Weill، Rec. Tr.، XXIX، 29 F.; Ed. Mayer، Geschichte، 213; Newberry، Anc. Egypt، 1922، 40 F.

ص: 80

تضمنت أسماءهم، وتخلى عن الانتساب إليه، وتعصب للإله ست رب الصعيد القديم، وسمح لرجاله بأن يصوروا ست هذا بتاج الصعيد وصولجانه وبيئة شبه بشرية على أختامه. ويصوروا رمزه فوق صورة قصره عوضًا عن رمز حور، وذلك مما يعني في اعتقاد أولئك الباحثين أنه أراد أن يؤكد للناس أنه وريث ست دون غيره وأنه لا يعترف بالفضل لمن سواه، وأنه تخلى عن الانتساب إلى حور نتيجة لخصومة عنيفة بينه وبين مناطق الدلتا التي تعصب أهلها لربهم القديم حور.

ولا تخلو هذه التخريجات من وجاهة، ولكن نضيف إلى جانبها أننا استشهدنا في كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، بآثار أخرى متفرقة يمكن إرجاعها إلى عهد بر إبسن نفسه قد توحي بأنه لم يكتف بأن ينتسب في صوره إلى المعبود ست وحده، وإنما انتسب كذلك في أحد أسمائه إلى المعبود حور، ولو لفترة ما من حكمه، ومجد إلى جانبهما إله الشمس أيضًا1 باعتباره أحد من تولوا رعاية عرش البلاد المقدس القديم، ولو أننا لا نستطيع أن نقف بقضية بر إبسن عند هذا الحد، فقد ظلت شبهاتها باقية بعد وفاته، وأرخ رجال خليفته "خع سخم" لأحد أعوام حكمه باسم عام الحرب وإخضاع الدلتا، وصوروا الربة نخابة حامية الصعيد تستقر بساقها اليسرى فوق دائرة تشبه الختم، وتقبض بمخلبها الأيمن على نباتي الصعيد والدلتا متعانقين، وتتقدم بهما إلى اسم الملك الذي حل في المنظر محل صورته ونقش داخل سرخ وقف فوقه صقر يرمز إلى المعبود حور متوجًا بتاج الصعيد؛ دلالة على سيطرته على الوجهين واجتماعهما تحت طاعته وطاعة ربته الحامية2. وصور أحد فناني هذا الملك على قاعدتي تمثالين صغيرين له أعدادًا من أسراه وقتلاه، وصور معهم نبات البردي الذي يرمز عادة إلى أراضي الدلتا.

وبالجمع بين أطراف هذه المشكلة في عهدي كل من بر إبسن وخع سخم ظهر رأي جديد3 يمكن أن نرتب من ناحيتنا الجوانب المقبولة منه بأنه حدث في عهد الملك في نثر السابق لعهد بر إبسن والذي حكم ما بين عشرين وثلاثين عامًا وكان مصلحًا، أن هاجمت بعض قبائل سكان الصحراء الغربية أرض الدلتا واحتلوها عنوة، وانفصلوا بها عن الصعيد. فلما أعقبه بر إبسن لم يحكم غير الصعيد، ولكنه اعتزم الكفاح وتسمى باسم "سخم إب" أي الجسور، وتلقب بلقب يعني معنى "الذي خرج للحق" أو معنى "انبعث النظام"، واستمسك في أغلب أحواله برب الصعيد ست باعتباره من أرباب الحرب "وربما استنصر معه من أرباب مصر الكبار الإلهين رع وحور"، واحتفظ لنفسه بلقب نيسو بيتي ولقب نبتي، أي ظل يحتفظ بانتسابه إلى شعار الدلتا وربتها إلى جانب شعار الصعيد وربته4. ولكنه لم ينته في كفاحه إلى شيء، فخلفه خع سخم واتخذ

1 Abydos، Iii، Pl. Ix، 3; Petrie، History Of Egypt، 10 Ed.، 32-33; Asae، Xxviii، Pl. Ii. 2، 3; Maspero، Revue Archeologique، 1898، 307، L. R. I، 24; G. Mueller، Die Formale Entiwicklung Der Titulatur Der Asgyptischen Koenige، 1938; M. B. Grdsloff، Asae، Xliv، 295; Spiegel، Das Werdender Alt-Aegyptischen Hoch-Kulur، 216.

2 Hierakompolis، I، Pls. Xxxviii، Xxxix-Xli.

3 See، J. Spiegel، Op. Cit.، 216.

4 Royal Tombs، I، Pls. Iv، 7; Xxii، 190: Xxxix، 97.

ص: 81