الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعض تمارين الجمباز الحالية في أوضاعها بل وفي ملابس لاعبيها1، ومن أطرافها ما يصور غلامًا يعتمد على ناصية رأسه ويحفظ توازنه في استقامة كاملة بغير أن يرتكز على يديه أو كفيه2. كما كان منها ما يصور أوضاعًا مختلفة للعب البنات بكرات اليد الصغيرة3. وصورت الرياضة العنيفة تمارين المصارعة وحمل الأثقال وما يشبه القفز الطويل. وكانت المصارعة هي الأكثر شيوعًا، بحيث صورت لها إحدى لوحات المقابر 219 وضعًا لا يكاد يتشابه وضع منها مع الآخر. وذلك مما يعني أنه كانت قد استقرت لها قواعد وأصول منذ ما قبل أوائل الألف الثاني ق. م، وأن المصورين والهواة كانوا يستمتعون بها ويدركون ما بين كل وضع من أوضاعها وبين بقية الأوضاع من اختلاف. ولم تكن مبارياتها تستهدف حب الغلبة دائمًا بقدر ما تستهدف إظهار الفن والمران والترفيه أحيانًا. ففي بدايتها يقف المتباريان في مواجهة بعضهما في سماحة، بحيث يتمهل أحدهما حتى يفرغ زميله من عقد حزامه حول خصره، ثم يأخذان معًا في مباراة مهذبة وإن تكن جادة مجهدة في الوقت نفسه4. وقد ظهر من مبادئ المصارعة في مناظر أخرى لاحقة من عصور الدولة الحديثة ما يفهم منه أن المباراة كانت تبدأ بأن يشد كل لاعب على يد منافسه بيسراه ويجذب عنقه بيمناه حتى يتبين قوة غريمه ويعجم عوده، وأنه كان من شروط الفوز إجبار المغلوب على لمس الأرض بثلاث نقط مثل اليدين والركبة، ويتساوى حينذاك إن كان قد انكفأ على بطنه أم ألقي على ظهره أم تمدد على جنبه. ومن أساليب حمل الأثقال التي صورتها رياضة الدولة الوسطى رفع غرارة مملوءة بالرمل حتى ثلاثة أرباعها بيد واحدة إلى أعلى مع محاولة اللاعب الاحتفاظ بها في وضع رأسي ما أمكن5. كما كان من أساليب القفز الطويل أن يقفز اللاعب عاليًا على امتداد ظهر ثور واقف، أي فيما بين مؤخرته وبين قرنيه، في حين يمسك زملاؤه بقرني الثور وأطرافه حتى لا يتحرك فيؤذيه6.
1 G. Wilkinson، A Popular Account Of The Ancient Egyptians، 1851، Vol. I، Fig. 203.
2 Newberry، Beni Hasan، Ii، Pl. XVI.
3 Ibid.، Pls. Iv، XIII.
4 Ibid. Pls.، V، XXXII.
5 Ibid.، Ii، Pl.، VII.
6 Ibid.، Pl. XXXI.
وراجع: عبد العزيز صالح: التربية والتعليم في مصر القديمة – القاهرة 1966، ص113 - 116.
في السياسة الخارجية:
قامت السياسة الخارجية لعصر الأسرة الثانية عشرة على أساس تغليب علاقات الود مع الدول المجاورة في الشام والعراق وجزر بحر إيجه، واتخاذ الصلات التجارية معها سبيلًا إلى التأثير الحضاري فيها. كما قامت على أساس توطيد النفوذ وتوسيع الإشراف والاستثمار على امتداد الحدود في الغرب والجنوب، أي في الصحراء الغربية والنوبة، مع إيثار السلام المسلح القائم على التحصين واليقظة في الناحيتين، وعدم الالتجاء إلى استخدام القوة فيهما إلا حين الضرورة.
وبدأ تنفيذ سياسة السلام المسلح منذ عهد أمنمحات الأول مؤسس الأسرة، فيذكر له من مشاريع عهده الدفاعية أنه شيدت في أيامه تحصينات طويلة امتدت على الحدود الشرقية والشمالية الشرقية وسميت في مجملها باسم "أسوار الوالي"1. كما كان من أثر تأمين سبل التجارة الجنوبية في عهده أن امتد التبادل الحضاري والإشراف السياسي المصري في بلاد النوبة حتى كورسكو "جنوبي دنقلة"2، وازدهر كذلك في "كرما" التي أطلقت النصوص على أسوارها اسم "أسوار أمنمحات المبجل"3.
وذادت مصر عن حدودها الجنوبية في عهد سنوسرت الأول بعدة حملات حربية، وبزيادة حصونها الجنوبية ضد هجرات زنجية دفعت أمامها جماعات سودانية "؟ " إلى منطقة النوبة فأشاعت الاضطرابات فيها4. وأطلقت النصوص المصرية اسم "كاش" منذ ذلك الحين على منطقة النوبة العليا، التي تمتد من الشلال الثاني ناحية الجنوب، وقد حرف هذا الاسم فيما بعد إلى "كوش"5. وذلك في مقابل الاستمرار على تسمية منطقة النوبة السفلى التي تمتد فيما بين الشلال الأول والشلال الثاني باسم "واوات". وتتابعت بعثات الاستثمار حينذاك إلى مناجم الذهب في القسمين.
وعين سنوسرت الأول حكامًا مصريين على المدن الكبرى ببلاد النوبة، وكانت أكبر هذه المدن هي مدينة "كرما" التي تقع خلف الشلال الثالث، وتعتبر الحد الشمالي للمناطق الزراعية في الجنوب، كما تعتبر سوقًا رئيسيًّا لتجارة القوافل التي تخرج منها غربًا إلى واحة سليمة ثم تتجه إلى درب الأربعين، أو تتجه منها شمالًا حتى الشلال الثاني6. واشتهر من ولاة سنوسرت على كرما الوالي "حعبي جفاي" وقد حظي بالسلطة والثراء في عصره فتلقب بلقب الرئيس الأعلى للجنوب، ورئيس زعماء الجنوب، ولم يتردد في أن يتغنى بمكانته ويفخر بنفسه في نصوصه، فذكر أن علماء الدنيا كانوا يقدرون سياسته، وأنه كان نجمًا هاديًا لأمثاله ومرشدًا لمن هم أكبر منه
…
ثابت الفؤاد
…
يخمن الأمور المستقبلة ويعرف ما في الصدور، فصيح اللسان لبق الكلام،
…
اهتدى بعقله إلى سبيل الحسنى، وعرف دائمًا كيف يقدر خطواته
…
7. وشاء حظ حعبى جفاي أن يتوفى في كرما، وألا يدفن في قبر فخم شاده لنفسه في أسيوط، فدفنه أهل كرما وفق تقاليدهم المحلية وقيل إنهم وسدوا في الممر المؤدي على حجرة دفنه ما بين مائتين وثلاثمائة من أتباعه وخدمه النوبيين "ولسنا ندري هل تم ذلك في وقت واحد أم على فترات أصبح فيها مكان المقبرة مكانًا مقدسًا"، وضحوا له بألف ثور وضعوا رءوسها حول مقبرته8.
1 Sinuhe، R 42 “Cf.، Jea، I، 105; Anthes. Zaes، Lxv “1936”، 108 F.
2 Breasted، Op Cit.، I، 472-473; Zaes، XX، 30.
3 جون ولسون: الحضارة المصرية – معرب بالقاهرة – ص235.
4 Junker، Jea، Vii، 121f ; G. Reisner، Excavations At Kerma; Harvard African Studies، Jv-V، 556; Gardiner، Op. Cit.، 134.
5 Ibid.، 134.
6 G. Reisner، Op. Cit.، 56; Zaes، Lii، 34 F.; Saeve Soderbergh، Aegypten Und Nubie، 103 F.
7 Sethe، Urkunden Des Mittleren Reiches، I، Nr. 212 F.
8 G. Reisnre، Bull. Of The Mus Of Fine Arts، Boston، XIII، 72 F.; And See، Jea، V، 79 F.; F. Li. Griffith، Ibid.. X، 340 F.; Dunham، Ibid.، 1958، 82 F.
وصورت جانبًا من علاقات مصر بمناطق الشام في عهدي أمنمحات الأول وسنوسرت الأول، قصة تسجيلية أدبية عرفت باسم قصة "سنوهي". وهي قصة رجل من بلاط أمنمحات ومن المتصلين بأجنحة بناته، صحب سنوسرت خلال ولايته للعهد في تجريده عسكرية إلى الصحراء الليبية الشمالية الغربية، وسمع خلال استعداده للعودة معه بنبإ وفاة أمنمحات، كما سمع لغطًا فهم منه وجود أخذ ورد بين الأمراء، واحتمل معه قيام مشاكل على ولاية العرش لا يدري كيف سيكون موقفه منها، فآثر البعد بنفسه، واعتزل الجيش خفية، وساقته قدماه إلى رحلة طويلة بلغ بها مشارف لبنان حيث طالت إقامته بجوارها سنوات طويلة، وأقدم فيها على مغامرات كثيرة، ثم حن إلى وطنه وعاد إليه شيخًا كبيرًا، وسجل قصته نثرًا شائقًا1، نستعرضه فيما بعد في فصل الأدب. ويكفي أن نستشهد من قصته هنا ببعض دلالاتها التاريخية، ومنها أن فكرة المصريين عن خشونة بدو الصحاري الشمالية الشرقية وشغبهم لم تمنع سنوهي من أن يعترف لبعضهم بالكرم والنجدة، ولم تمنع العواصم المصرية من أن تستقبل وفودًا منهم للتجارة أو للزيارة فيتعرفون فيها على شخصياتها البارزة التي يسمعون عنها. ويفهم من القصة كذلك أن اللغة المصرية، لغة سنوهي، كانت معروفة لبعض أهل الشام، وأن الرسل والتجار المصريين كانوا يترددون على نواحي لبنان حيث أقام، ويمرون بها إلى ما هو أبعد منها. وأن حكام الشام كانوا على اتصال بمجريات الأمور في مصر ويحبون أن يستزيدوا من أخبارها. وأن سنوهي اشترك بفرقة من أهل المنطقة التي نزلها في صد جماعات سمي رؤساءهم باسم "حقاو خاسوت" بمعنى حكام البراري، وهو نفس الاسم الذي أطلقه المصريون فيما بعد على زعماء الهكسوس، وذلك مما قد يعني أن بلاد الشام بدأت تتعرض منذ ذلك الحين لهجرات أجنبية عنها ليس من المستبعد أنها كانت تمثل أسلاف الهكسوس، وإن كانت هذه الهجرات لا تزال حينذاك قليلة ضعيفة.
وترتب على جهود أمنمحات الأول ورجاله وجهود سنوسرت الأول ورجاله أن غلب السلام والأمن والرخاء على أحوال مصر وعلى حدودها ومسالك تجارتها وعلاقاتها الخارجية في عهدي كل من الفرعونين أمنمحات الثاني "نوب كارع" وسنوسرت الثاني "خع خبررع""بين 1929 - 1877ق. م.". وأكدت الآثار المكتشفة عمق الصلات بين المصريين وبين أهل الشام في ذلك الحين، فعثر في نواحي فلسطين وسوريا وفينيقيا، في مثل مدن جزر ومجدو وجبيل ورأس الشمرا وقطنة وعطشانة وغيرها، على تماثيل وأوان وجعارين وأختام نقشت بأسماء أفراد مصريين ترددوا على بلاد الشام وتعاملوا مع أهلها، وكان منهم رسل من البلاط الفرعوني وحكام أقاليم وأفراد عاديون لعلهم من التجار عمل بعضهم لحسابه الخاص وعمل بعضهم الآخر لحساب دولته وملكه2.
1 A.M. Blackman، Middle Egyptian Stories، 1932، 1 F.; Gardiner، Notes On The Story Of Sinuhe، 1916; J.J. Clere، In Melanges Offerts A Rene Dussaud، 1939، Ii، 829 F.; H. Goedike، Jea، 1957، 77.; 1965، 29 F.
2 J. Wilson، “Egyptian Middle Kingdom At Megiddo”، Ajsl، 1941، 235f.; P. Moonter، Byblas Et L’egypte; Dunand، Fouilles De Byblas، 1939; Sidney Smith، Chronique D’egypte، 1940، 75 F.
وسوف نعرض لخصائصهم الجنسية وملابسهم القومية وما يحتمل أنهم كانوا يقومون به من أعمال، في بحثنا عن حضارات أهل الشام. ويعنينا أن نشير هنا إلى أنه يصعب أن نتصور أن جماعة إبشا قد هدفت حين خروجها من ديارها في فلسطين أو فيما ورائها، أن تقصد إلى إقليم الوعل بمصر الوسطى بالذات وهو البعيد عن موطنها، وإنما يغلب على الظن أن التجاءها إليه أتى عفوًا وكان مرحلة من مراحل تنقلاتها في سبيل العيش هنا وهناك. ويغلب على الظن أيضًا أن جماعات أخرى أمثالها كانت تعيش في مراكز متفرقة من شرق الدلتا وما يليه من مناطق الحواف وهي مناطق أقرب إلى مواطنها الأصيلة وأقرب إلى بيئتها الطبيعية. واحتفظت نصوص مصرية أخرى من عهود الدولة الوسطى بأسماء أمورية وكنعانية كثيرة عمل بعض أصحابها في مناطق المناجم والمحاجر المصرية في سيناء وعمل بعضهم الآخر أبتاعًا وإماء في المعابد والبيوت المصرية1.
ولم تقتصر اتصالات مصر الخارجية حينذاك على بلاد الشام بأجزائها والنوبة بقبائلها وبلاد بوينة وما هو قريب منها، وإنما امتدت واتسعت مع أقطار أخرى عرفها المصريون منذ عصور بعيدة. فقد عثر تحت أرضية معبد مصري في بلدة الطود جنوبي الأقصر على أربعة صناديق صغيرة تضمنت تمائم من اللازورد وأختامًا أسطوانية عراقية ذات أسلوب يرجع إلى عصر أسرة أور الثالثة السومرية، وتماثيل ذات طراز بابلي. ومصوغات ذات طراز إيجي2. وعثر في منطقة هوارة ومناطق مصرية أخرى متفرقة على أختام وأوان ذات زخارف تشبه زخارف الحضارة الكريتية المينوية الثانية3. كما عثر بالتالي على مصنوعات مصرية متنوعة وتماثيل بنقوش مصرية في عواصم جزيرية كريت4. وكانت الموانئ الفينيقية فيما يبدو من مراكز انطلاق الاقتصاد المصري إلى جزر إيجه وكريت، وربما تعاون مع المصريين في عمليات التسويق هنا وهناك تجار وملاحون من الفينيقيين5.
وهناك ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الصلات التجارية بين مصر وبين كريت وغيرها من جزر بحر إيجه لم تخل من أثر في الحياة الثقافية للجانبين، فقد أشار مصري مثقف من ذلك العصر إلى أنه كان يمسك "قلمي "الحاونبو"6، وربما بما يعني أنه كان يعرف خطي الحاونبو ويكتب بهما، وكان لفظ "الحاونبو" هو الاسم المصري لسكان جزر الحوض الشرقي من البحر المتوسط. وإذا صح هذا التفسير أمكن أن يدل على أحد أمرين: إما وجود جاليات إيجية تجارية في العواصم المصرية والموانئ المتصلة بها في الشام، واتصال
1 Archiv Orientalni، Vii، 1935، 384 F.; Lange-Schaeier، Grab Und Grabsteine، I، 196; Ii، 177-178; F.L. Griffith، Kahan
…
، 12، 10; W.C. Hayes، Apapyrus Of The Late Middle Kingdom In The Brookiyn Museum، 1955; G. Posener، Syria، 1957، 145-63.
2 J. Vandier، Syria، 1937، 174 F.، Pls. Xxviii-Xxix; Bisson De La Roque، Tod، 113 F.
3 Hall، Jea، Ih، 110 F.; Peet، Ann. Of The Brit. School Of Athens، Xvii، 250 F.; Glotz، La Civilisation Egeene. 1923، 47f.، 235f.
4 Ibid.; Porrer And Moss، Op. Cit.، Vii، 405; Gardiner، Op. Cit.، 137.
5 Ibid.، 132; Kees، Op. Cit.، 139.
6 دريوتون وفاندييه: مصر – ص287. Petrie، Kahum، 42f.; Lllahum، 9 F.
الموظفين المصريين بها ومعرفتهم بكتابة أهلها. أو وجود مترجمين مصريين في البلاط الفرعوني كانوا يقرءون الرسائل الإيجية التي ترد إلى مصر ويردون عليها بلغة أهلها. وتدعو عبارة قلمي الحاونبو إلى تذكر وجود مرحلتين للخطوط الإيجية " Linear A & Linear B" وإن كان يبدو أن ظهور المرحلة الثانية منهما كانت متأخرة عن عصور الدولة الوسطى في مصر.
وواجهت مصر في عهد سنوسرت الثالث "خع كاورع" تحركات مريبة قرب حدودها الشمالية والجنوبية فاضطر الرجل إلى الاستعانة في سياسته الخارجية بالقوة المسلحة في سبيل تأمين الحدود وتأمين سبل التجارة وبث الاحترام في نفوس الجيران. وترأس أغلب حملاته بنفسه، فقادها إلى أواسط فلسطين وكانت له معركة فيها قرب سكيم أوسشم الحالية1. وكانت عواقب سياسة السلام التي نهجتها مصر في عهدي سلفية أمنمحات الثاني وسنوسرت الثاني، أشد خطرًا في الجنوب عنها في الشمال، فقد ظلت هجرات الزنوج التي بدت بوادرها منذ عهد سنوسرت الأول تدفع أمامها قبائل سودانية "؟ " إلى أراضي النوبة، وقد حاولت هذه أن تسيطر على طرق القوافل بين النوبة وبين مصر، وربما نجحت في دفع الحدود المصرية ناحية الشمال إلى ما يقرب من الشلال الثاني، فحاربهم سنوسرت الثالث أربع مرات، ومهد لحروبه معهم بشق فتحة واسعة بين صخور الشلال الأول، بلغ عرضها 20 ذراعًا، وبلغ طولها 150 ذراعًا، وبلغ عمقها 15 ذراعًا، كما روت نصوصه2، لتيسر انتقال أسطوله وجيشه وتيسر وصول الإمدادات إليه. وأزاد رجاله الحصون فوق المرتفعات وعلى ضفتي النيل وفوق الجزر، من أسوان حتى وادي حلفا3. وتخلفت من هذه الحصون بقايا حصنين كبيرين في سمنة وقمة على جانبي النيل شمالي وادي حلفا. وقام كل حصن منهما فوق ربوة عالية، وبلغ ارتفاع جدرانه ما يتراوح بين عشرة أمتار وبين اثني عشر مترًا، وأحاطت به الأبراج، وتضمن في داخله مساكن الجند ومعبدًا صغيرًا يؤدون شعائرهم فيه لأربابهم المصريين وبعض أرباب النوبة4. وترك سنوسرت في معبد حصن سمنة نصبين من الجرانيت سجل كاتبه على أحدهما سياسته الحدودية، وسجل على الآخر تفاصيل حروبه وشجاعته فيها، فذكر في نصوص النصب الأول أنه أقامه في العام الثامن من حكمه ليعين به حدوده الجنوبية، وأمر ألا يتعداه زنجي قط عن طريق البر أو عن طريق النيل، إلا من ابتغى التجارة في سوق إيقن الكبير، أو أوفد في مهمة، فأولئك سوف يعاملون بالحسنى "مما يتفق مع قواعد المعاملة الدبلوماسية"، ولكن بغير أن تتعدى سفنهم شمالي سمنة5.
وحظي الرجل بنصيب كبير من تمجيد شعبه، ودبج الشعراء قصائدهم في مدحه، واحتفظت الأجيال بذكراه، فظلت بعض حصون النوبة تسمى باسمه، وذكره تحوتمس الثالث أعظم الفراعنة المصريين المحاربين
1 Breasted، Op Cit.، I، 676 F.; Gardiner، Op. Cit.، 132.
2 Berlin 14753: K. Sethe، Lesestucke، 85.
3 Saeve Soderbergh، Op. Cit. 89 F.
4 Clarke، Jea، Iii، 174 F.
5 Berlin 14753: Sethe، Op، Cit.، 83 F.
بالخير بعد نحو أربعة قرون من وفاته وشاد له نصبًا باسمه. وعندما وفد المؤرخون الإغريق والرومان إلى مصر سمعوا عنه حكايات شائقة وخلطوا بين أعماله وأعمال سنوسرت الأول وأعمال رمسيس الثاني، وضخموا فيها حتى نسبوا إليه باسم سيزوستريس فتوحات واسعة في آسيا الغربية وأوروبا الشرقية. وذكر المؤرخ المصري مانيتون السمنودي أنه اهتم بتسجيل أحوال الناس أينما ذهب، وأنه حدد جماعات النبلاء والنبيلات على النصب. ثم ذكر ديودور الصقلي أنه تحقق من أن سيزوستريس هذا أو سيزوسيس نشأ على طبيعة الحرب منذ صغره، وأنه تحبب إلى رعيته ليساندوه في مشاريعه، واتخذ بطانة من أترابه الأشداء، وفتح بلاد العرب والحبشة والهند وبلغ البحر الأسود ووصل تراقيا وجعلها حدود ملكه1. وليس في كل هذا بطبيعة الحال ما يلزمنا بالتسليم به؛ نظرًا لعدم العثور على أدلة مادية تزكيه، ولكن حسبنا منه أن أعمال المشاهير والشجعان من الرجال كانت تخلد وتتضخم أنباؤها مع الزمن حتى تشبه الأساطير وتصبح مثارًا لفخر خلفائهم.
غلب السلام على عهد أمنمحات الثالث "ني ماعت رع" في الخارج وفي الداخل، فاتسع نشاط الدولة في استغلال موارد الصحراء الطبيعية من معادن وأحجار على أيامه. واتسعت صلات مصر التجارية والثقافية بمناطق الشام، لا سيما دولتي الميناءين التجاريين جبيل وأوجاريت، وعثر في مقابر أمراء هاتين الدولتين وغيرهما من دويلات الشام على آثار مصرية وصلتهم على هيئة الهدايا من أمنمحات الثالث وخلفه أمنمحات الرابع2. وعثر لأمنمحات الثالث على تمثال على هيئة أبو الهول أقيم لدى مدخل معبد الإله بعل في أوجاريت وذلك مما يتفق مع ما أسلفناه من أن الصلات التجارية كانت تعقبها صلات حبية ودينية في أغلب الأحوال. وكان الحرص على استمرار العلاقات الطيبة بين مصر والشام، حرصًا مشتركًا بين الطرفين، ولم يكن يعتمد على دافع واحد، فمصر على سبيل المثال لم تبن علاقتها بجيرانها الشماليين على أساس الرغبة في فتح أسواق فيها لتصريف مصنوعاتها فحسب، ولا على أساس الرغبة في استيراد أخشابها وزيوتها فحسب، ولكن كان يعنيها كذلك أن تستورد ما كان يتجمع في موانيها من منتجات الحوض الشرقي للبحر المتوسط من فضة وزيوت ومعادن وأحجار كريمة، وأن تستورد ما كان يتجمع في أسواقها الداخلية من منتجات بلاد النهرين وإيران والأناضول وشبه الجزيرة العربية، ويعنيها أن تظل روابطها بفلسطين قوية باعتبارها العصب الرئيسي لتجارتها البرية مع ما يليها من بلاد الشام.
وعلى نحو ما حرصت مصر على بقاء شرايين اتصالاتها بجيرانها مفتوحة ومأمونة، وجدت المدن والدويلات الصغيرة في فلسطين وسوريا وفينيقيا في مصر خير عميل للتبادل التجاري الواسع معها، ومصدرًا رئيسيًّا للتبادل الحضاري بمعناه الواسع، وكان يعنيها على وجه الإجمال أن تظل علاقاتها بمصر القوية الغنية
1 Diodorus، I، 53 F.
2 J. Wilson، Ajsl، Viii، 1941، 235; Porter And Moss، Op. Cit.، Vii، 386.
طيبة، لولا مشاكل الحدود التي كانت تنشب بين الحاميات المصرية وبين بدو الصحاري الفلسطينية من حين إلى آخر. ولم تأب مصر من ناحيتها أنت تفتح مجالات العمل أمام الراغبين فيه من شيوخ جنوب الشام ورجالهم في عمليات استغلال الفيروز في شبه جزيرة سيناء، ولم تأب أن تفتح أمام الراغبين منهم في الاستقرار فيها باب الوظائف في عاصمتها ذاتها1.
أعقبت اسم أمنمحات الثالث ثلاثة أسماء ملكية من أسرته، لا زال النقاش قائمًا حول ترتيب أصحابها وعهودهم وطريقة حكمهم، وهي أسماء: أمنمحات الرابع "ماعت خرورع"، وحور آوت إب، وسوبك نفرو. وندع مناقشة أمر الاسمين الأولين إلى كتابنا المتخصص في حضارة مصر القديمة وآثارها، ونكتفي هنا بالاسم الأخير منها، وهو اسم ملكة كتب بمترادفات عدة مثل سوبك كارع، وسوبك نفروع2. ولعلها كانت الابنة الكبرى لأمنمحات الثالث واشتركت في الحكم معه ثم مع أخيها أمنمحات الرابع، ولما مات أبوها، ثم أخوها بعد فترة حكم قصيرة، انفردت بالعرش واعتمدت على مكانتها وشهرتها منذ عهد أبيها، وحاولت أن تهتدي بسياسته في السلام والتعمير، وعلى اعتبار أنها السياسة المناسبة لحكم الملكات، لولا أن حظها العاثر شاء أن يختل الأمن في عهدها، وألا يكون في سوابق حكم الملكات المصريات ما يشجع على الإخلاص لحكمها، وأن تظره بوادر هجرات شعوبية وقلاقل وراء الحدود الشمالية الشرقية، فمضت أيامها بغير آثار هامة تذكر لها، ولم يطل حكمها أكثر من ثلاثة أعوام وما بين الأربعة شهور والعشرة، وانتهى بنهاية عهدها عصر الأسرة الثانية عشرة في عام يتراوح بين 1786 وبين 1778ق. م.3.
1 Archiv Orientalni، Vii، 1935، 384 F.; Chronique D’egypte. 1950، 50 F.
2 Newberry، Jea، Xxix، 1943، 74-75; H. Gauthier، L.R.، I، 341.
3 Edgerton، Jnes، I، 307 F.; Saeve Soderbergh، Jea، Xxxvii، 1951، 53; And See Gardiner. Op. Cit.، 125 “1786 B C”.