الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وترتبت على بدايات معرفة الزراعة في الشرق الأدنى نتائج اجتماعية وعمرانية واقتصادية متعددة كانت أساسًا لبعض ما تلاها من مظاهر الحضارات التاريخية:
فقد ترتب على الاشتغال بالزراعة زيادة التماسك الأسري بين الأفراد نتيجة لإمكان انتفاع رب كل أسرة بمجهودات أولاده وبناته وزوجاته في عمليات الزراعة، ثم زيادة الاستقرار السكني بين الزارعين نتيجة لحرصهم على الإقامة بجوار مزروعاتهم لرعايتها وحمايتها ثم للانتفاع بها، وزيادة الاستقرار المعيشي بينهم نتيجة لإمكان تحكم الإنسان في محصول أرضه بقدر ما يبذله فيها من الجهد، وزيادة تعوده على الادخار للاستعانة بمحصوله المدخر على المعيشة في غير فصول الإنبات وفي مواسم الجفاف. مع زيادة التعاون بين الأقارب في استصلاح المزيد من الأرض واستغلالها. وازدياد الميل إلى التجمع بين الجيران في سبيل حماية المناطق المزروعة ودرء أخطار الفيضانات عنها. ثم التماس الفرد للأمن وسط الجماعة وفي حماية المجموع، مع زيادة إحساسه بفرديته وشخصيته نتيجة لما أصبح يمتلكه من الأرض الزراعية وما يستغله عليها من الحيوانات الأليفة، وإن وضحت الفوارق الاقتصادية في الوقت نفسه مع حياة الزراعة بين المالك وبين الأجير وبين الغني وبين الفقير.
تعدد الحرف وبدايات الفنون:
عرف أهل الشرق الأدنى، وأهل مصر وبلاد النهرين بخاصة، مع الزراعة نوعا من ضمان الرزق لم يعرفه أسلافهم من قبل. واتسعت مطالبهم الفردية والجماعية بعض الشيء. وبدأ تعدد الحرف بينهم في الوضوح. فظهرت لديهم إلى جانب حرف الزراعة والصيد واستئناس الحيوان ورعيه وصناعة الأدوات الحجرية، حرف الصناعة أدوات الزراعة من فئوس ومناجل، وأخرى لتضفير الحبال وعمل الزنابيل والسلال "من الخوص ونباتات الحلفا وألياف البردي" لخزن الحبوب وعمل الحصير، ونسج الكتان، وحرف غيرها لصناعة أواني الفخار والقليل من الأواني الحجرية1.
ولم يكن الإنسان ليستطيع أن يهتدي إلى صناعة من هذه الصناعات بسهولة وفي وقت قصير، وإنما لعبت عوامل المصادفة والملاحظة والصبر ثم رغبة الابتداع دورها في كل واحدة منها. ففي عوامل الاهتداء إلى صناعة الأواني الفخارية على سبيل المثال ليس من المستبعد أن يكون الإنسان القديم قد هيأ لنفسه منذ الدهر القديم الأعلى أوعية بدائية خشنة يسيرة يحتفظ فيها بقوت يومه ويأكل فيها حبوبه المجروشة ويشرب فيها الماء واللبن. وإذا صح هذا الظن، صح التساؤل معه، وكيف وفر هذا الإنسان الأول أوعيته هذه وكيف كانت هيئتها؟ هناك احتمالان للإجابة على هذا السؤال وهما: أن يكون الإنسان قد اتخذ أوعيته تلك من بيض النعام على نحو ما فعل أصحاب الحضارة القفصية في شمال إفريقيا. أو يكون قد صنع أواني الطعام من ألياف النخيل والدوم وما يشبهها، واتخذ أواني الشراب من جيوب الجلد التي تشبه السقاء، على نحو ما تفعل بعض الجماعات البدائية المتخلفة حتى الآن2.
1 انظر أيضًا: مصطفى عامر: في تاريخ الحضارة المصرية – المجلد الأول – القاهرة 1962 – ص51، عبد العزيز صالح: المرجع السابق – ص68 - 92.
2 Caton-Thompson، Ma، Xxxii “1932”، 131f،; H. Frankfort، Studies In The Early Pottery، 1924، 12; J. Meyrs، In Cambridge Ancient History، I. 79.
ومنذ استقر الإنسان على مدرجات وضفاف الأنهار استقراره الطويل، اهتدى إلى صلاحية الطمي لصناعة أوانية، ثم استعمالها بعد حرقها. ومرة أخرى يصح التساؤل عن المقدمات التي سمحت له بأن يتبين خواص الطمي وفوائد حرقة، وفي تخمين هذه المقدمات احتمالان أيضًا، وهما: أن يكون الإنسان قد لحظ صلابة الطمي واحمراره تحت مواقد النار التي كان يستعملها منذ دهوره القديمة، وأطال ملاحظته حتى أدرك أثر الحرارة في هذه الصلابة وذاك الاحمرار، ثم تعمد أن ينتفع بهذا الأثر في حياته العملية وجريه في صناعة أواني الفخار حتى أتقنها. أو أنه اعتاد على أن يغشي أوعيته الليفية القديمة بغشاء خفيف من الطمي يسد مسامها ثم لاحظ بعد مرات ومرات، أن أوعيته تلك إذا تعرضت لحرارة الشمس جف سطحها الخارجي وإذا تعرضت لحرارة النار احترقت أليافها واحمر طميها أو اسود وتماسك. فلما أطال الملاحظة في هاتين الظاهرتين أدرك أنه يستطيع أن يستغني عن استعمال الليف في صناعة أوانيه، ويستطيع أن يكتفي في صناعتها بالطمي المحروق وحده1.
وظل الصناع يصنعون أوانيهم الفخارية يدويًّا أمدًا طويلًا "دون معرفة عجلة الفخراني". وكان الصانع يبدأ بتنقية من الشوائب العالقة به، ويعجنه بالماء بقدميه، ويضيف إليه أحيانًا بعض التبن الدقيق الخفيف أو الروث المسحوق، ليقلل به لزوجته ويزيد من تماسكه. ثم يشكل آنيته ويسوي سطحها بيده المبللة حتى يقلل من سعة مسامها، ويجففها في حرارة الشمس قبل أن يحرقها حتى لا تؤثر النار المتوهجة على شكل عجينتها الطرية أو تعمل على تبخير مائها بسرعة فتتشقق جوانبها. وكانت هذه الخطوات تكفي لصناعة الأواني العادية قبل حرقها، فإذا شاء الصانع أن يزيد عنايته بها غشى سطوحها قبل أن تجف بغشاء خفيف من صلصال ناعم؛ ليسد مسامها ويقلل رشحها ويجعل سطوحها ملساء تصلح للرسم والزخرفة. وإذا شاء أن يصقلها، حكها قبل تمام حرقها بصدفة أو حصاة ناعمة، حتى يزيد تماسك مسامها ويقلل خشونة سطحها ويجعلها أكثر قابلية للتلون بعد حرقها في النار2.
وفي ظل الرزق المكفول مرة أخرى، وفي ظل أوقات الفراغ التي سمحت بها ظروف الدورة الزراعية الواحدة، مع نمو عادة الادخار وتنوع الحرف، وفي ظل الرخاء النسبي المترتب على ذلك كله، بدأت خيوط التحضر في الشرق تتزيد في الوضوح قليلا قليلا، وأخذت أذواق الرؤساء وأهل اليسار تتحسس سبل الاستمتاع بالجمال، ومضت صناعة أدوات الزينة وأساليب الزخرفة وراءها تتلمس لأصحابها الجزاء المقبول ورواج الصنعة. وبمعنى آخر كان من الطبيعي بعد أن نجح الإنسان القديم في تحسن حياته المادية أن يتجه إلى إشباع ذوقه وإرضاء تطلعاته المعنوية.
وبدأت طفولة الفن حينذاك بصناعة تماثيل صغيرة من الصلصال "والخشب والعظم والعاج"، قلد الصناع فيها
1 J. Meyers، Op، Cit.، 70.
2 الفرد لوكاس: المواد والصناعات عند قدماء المصريين – معرب بالقاهرة – ص597 - 601.
H. Frankfort، Op. Cit.، 6.