المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الآشوريين على الاستمرار في محاولة إخضاعهم كلما توفر لهم زعيم - الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الشرق الأدنى القديم

- ‌الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله

- ‌مدخل

- ‌في وادي النيل:

- ‌في بلاد النهرين:

- ‌في بلاد الشام:

- ‌في شبه الجزيرة العربية:

- ‌الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ

- ‌مدخل

- ‌في الدهر الحجري القديم الأسفل:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأوسط:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأعلى:

- ‌قرائن العمران:

- ‌من السلالات البشرية:

- ‌بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:

- ‌تعدد الحرف وبدايات الفنون:

- ‌وضوح التجمعات:

- ‌تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:

- ‌الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية

- ‌الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها

- ‌مدخل

- ‌في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة

- ‌مدخل

- ‌في مرمدة بني سلامة:

- ‌في الفيوم:

- ‌في دير تاسا:

- ‌في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية:

- ‌في البداري:

- ‌في حضارة نقادة الأولى:

- ‌في حضارة نقادة الثانية:

- ‌بين الصعيد وبين الدلتا:

- ‌التطور السياسي:

- ‌من تطورات الفنون وتعبيراتها:

- ‌سكين جبل العركى:

- ‌من آثار العقرب:

- ‌صلاية الفحل:

- ‌آثار نعرمر:

- ‌الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية

- ‌مدخل

- ‌الكتابة وتوابعها:

- ‌الحكام والإدارة

- ‌مدخل

- ‌أوضاع الحكم:

- ‌في العمران والفكر:

- ‌النشاط الحدودي والخارجي:

- ‌الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة

- ‌أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة

- ‌مدخل

- ‌إيمحوتب وشواهد العمارة والفن:

- ‌قصة المجاعة:

- ‌التقويم:

- ‌ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة

- ‌تجديدات عهد سنفرو

- ‌عهد خوفو:

- ‌تعبيرات الهرم الأكبر:

- ‌هزات مؤقتة في عهد جدف رع

- ‌آثار عهد خفرع:

- ‌أبو الهول:

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة

- ‌مدخل

- ‌خصائص معابد الشمس:

- ‌أهرام العصر ومعابدها:

- ‌الاتصالات الخارجية:

- ‌التطور السياسي والاجتماعي:

- ‌رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة

- ‌مدخل

- ‌نمو البيروقراطية:

- ‌أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:

- ‌العمارة والفن والمجتمع:

- ‌رحلات الكشف في الجنوب:

- ‌الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى

- ‌نهاية دورة

- ‌الثورة الطبقية:

- ‌الغموض:

- ‌انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:

- ‌ازدهار الفردية:

- ‌عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين

- ‌معالم الفن الإقليمي:

- ‌الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى

- ‌أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة

- ‌مدخل

- ‌استرجاع المركزية:

- ‌الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:

- ‌صور من المجتمع:

- ‌في العمارة الدينية والفن:

- ‌ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة

- ‌مدخل

- ‌في السياسة الداخلية:

- ‌في العمران:

- ‌في الأساليب الفنية:

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية

- ‌أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة

- ‌في نصفه الأول:

- ‌مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة:

- ‌ثانيًا: محنة الهكسوس

- ‌ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير

- ‌الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة

- ‌في السياسة الداخلية

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة

- ‌ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين

- ‌الدفعة الأولى

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين

- ‌خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة

- ‌الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة

- ‌أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات 22 - 24

- ‌ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين

- ‌ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين

- ‌رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين

- ‌خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات 28 - 30

- ‌مدخل

- ‌الوثائق الآرمية في أسوان:

- ‌الأسرتان الأخيرتان:

- ‌خاتمة المطاف القديم:

- ‌الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة

- ‌أولًا: عقائد التأليه

- ‌نشأتها:

- ‌خصائصها:

- ‌في سبيل الترابط:

- ‌في سبيل التوحيد:

- ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

- ‌الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم

- ‌أولا: في أدب الأسطورة والملحمة

- ‌أسطورة أوزير وتوابعها

- ‌الحق والبهتان

- ‌ثانيا: في أدب القصة

- ‌سنفرو والحكماء

- ‌قصة خوفو والحكيم جدي:

- ‌قصة العاشقين والتمساح:

- ‌قصة الأخوين:

- ‌من قصص المغامرات:

- ‌ثالثا: في أدب النصيحة

- ‌مدخل

- ‌بتاح حوتب:

- ‌آني:

- ‌أمنموبي:

- ‌نصائح المعلمين:

- ‌رابعا: في أدب النقد والتوجعات

- ‌إبوور والثور الطبقية

- ‌القروي الفصيح:

- ‌الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث

- ‌أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة

- ‌ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية

- ‌مدخل

- ‌حضارة العبيد:

- ‌ج- قبيل العصر الكتابي

- ‌حضارة الوركاء:

- ‌الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق

- ‌عصر بداية الأسرات السومرى

- ‌مدخل

- ‌الكتابة المسمارية:

- ‌العمارة الدينية "والزقورات

- ‌العقائد:

- ‌التطور السياسي:

- ‌الفنون:

- ‌المقابر:

- ‌الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى 2340 - 2180 "أو 2371 - 2230" ق. م

- ‌مدخل

- ‌الفنون:

- ‌نهاية دولة:

- ‌الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ 2125ق. م

- ‌في لجش:

- ‌في أوروك:

- ‌في دولة أور:

- ‌الفنون:

- ‌من الأدب السومري:

- ‌نهاية أور:

- ‌في عصر إسين - لارسا:

- ‌تشريع إشنونا:

- ‌تشريع إسين:

- ‌في لارسا:

- ‌في الفن:

- ‌الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم

- ‌بداية دولة بابل الأولي

- ‌حمورابي:

- ‌من الأدب البابلي:

- ‌الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "1580 - أواخر القرن 12 ق. م

- ‌الحياة الساسية

- ‌العلاقات الخارجية:

- ‌الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة:

- ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

- ‌الفصل التاسع عشر: آشور

- ‌أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم

- ‌ب- في العصر الأشورى الوسيط

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌ج- في العصر الأشورى الحديث

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولي:

- ‌مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث:

- ‌الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585

- ‌تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور

- ‌التطور السياسي:

- ‌العمران والفنون:

- ‌الأفول أمام نهضة الفرس:

- ‌خاتمة:

- ‌الخرائط واللوحات

- ‌قائمة بأهم المفردات:

- ‌الموضوعات:

الفصل: الآشوريين على الاستمرار في محاولة إخضاعهم كلما توفر لهم زعيم

الآشوريين على الاستمرار في محاولة إخضاعهم كلما توفر لهم زعيم يستثير همهم، وهكذا تتبعوهم عامًا فعامًا في عهد أداد نيراري في منطقة طور عابدين حيث توزعت إمارات خوريزانا وجيدرا ونصيبينا، وفي وادي الخابور.

وبعهد هذا الملك أداد نيراري، بدأ عصر جديد طويل عرف اصطلاحًا باسم العصر الآشوري الحديث، أو عصر الاتساع الآشوري الكبير، وقد استمر نحو ثلاثة قرون من 911 إلى 612ق. م، وشهد مرحلتين عظيمتين من مراحل القوة والازدهار والتوسع توسطتهما فترة ركود وساعد آشور على التوسع في المرحلتين أن أغلب شعوب الشرق القديمة مصر وبابل وإلام، كانت قد بلغت دور شيخوختها، وأن الجماعات المستحدثة في الشرق بقيت على تفرقها ولم تلم شملها، فانفسخ السبيل أمام آشور لتصول وتجول فيه حيث شاءت.

ص: 504

‌المرحلة الأولي:

وبدأ المرحلة الأولى أداد نيراري كما ذكرنا، ولم يتجه فيها إلى فتوح بعيدة، وإنما عمل على تثبيت قواعد حكمه واسترجاع الإشراف الفعلي لدولته على تخومها الغربية حول نهري الفرات والخابور، وإشعار أهل هذه التخوم، والآراميين منهم بخاصة، بسلطانه. ثم اتجه إلى تأمين حدوده الجنوبية، ولما تعارض سلطانه فيها مع سلطان بابل العجوز حاربها مرتين وغلبتها جيوشه في المرتين، وأتى نصره عليها بمعاهدة حدودية اعترفت بسيادته على أرض السواد من الخابور في الغرب إلى ما يجاور بغداد الحالية في الجنوب الشرقي.

وسار خلفه توكلتي نينورتا الثاني "890 - 884ق. م" الذي تميزت حوليات حروبه بما ذكرته من التفاصيل اليومية، على سياسته في إرهاب الآراميين، فكان من ضحاياهم في عهده قبيلة "بيت زماني" التي اتخذت أميدي حاضرة لها "وهي ديار بكر الحالية". وتتبعت جيوشه قبائلهم الجنوبية في وسط العراق وفيما بين دور كوريجالزو "عند أبواب بابل" حتى سيبار1، ثم اتجهت حروبه إلى الشمال بغية إرهاب الجماعات الجبلية والوصول إلى حدود يسهل احتلالها أو يسهل الدفاع عنها حسب مقتضيات الظروف.

ومنذ ذلك الحين اتجهت سياسة آشور إلى مثل ما سنه لها تيجلات بيليسر ابتداء من عصرها الوسيط من حيث توطيد سلطان الدولة على حدودها الغربية وإرهاب بابل من حين إلى آخر، وإخضاع القبائل الجبلية في الشمال الشرقي، ومحاولة السيطرة الكاملة على الطرق التجارية والحربية التي تتجه غربًا إلى الشام حيث المجد وحيث وفرة المنتجات وحيث المخارج البحرية. وشمالًا بغرب إلى جبال طوروس وآسيا الصغرى، مع محاولة إضعاف الفروع الآرامية الغربي التي استمرت في شرق سوريا وفي أوساطها وامتد نفوذها إلى موانيها البحرية.

وتميز من كبار القائمين على تنفيذ هذه السياسة في آشور ملكها آشور ناصربال الثاني "833 - 859ق. م" وكان من وجهة نظر المصالح الآشورية أعظم شخصية ضارية وضاربة في المرحلة الأولى من عصرها الحديث.

1 Op. Cit، 31

ص: 504

وقد ورث عن أسلافه الأقربين جيشًا محنكًا وسنة ثبتها هو وخلفاؤه، وهي: اضرب قبل أن تُضرب. وهاجم قبل أن تُهاجم، واجعل تنكيلك بأقرب خصومك عبرة يخشاها بقية أعداءك1. وبهذا استمر زحف الجيوش الآشورية، التي استمدت قوتها من تعاون المقاتلين على ظهور الخيل فيها مع الرماة والمشاة المدججين بالسلاح، واستخدام أدواته حصار ناجعة كانت منها الكباش أو الثيران التي تقوم مقام الدبابات وهي ذات ست عجلات ومقدمة مدببة يبدو أنها كانت تدفع بقوة من بعيد لتنقب الحصون وتدكها، وأخرى كانت تقوم مقام العربات المصفحة يستتر الجنود فيها وينقبون الحصون وهم في مأمن من سهام العدو، وأبراج متنقلة ليصعد الرماة في داخلها إلى مستوى أسوار العدو، وما يشبه الخراطيم لإطفاء النيران التي يصبها العدو على آلات الحصار. وكان إخضاع الجيوش الآشورية لكل منافس من منافسيها يوسع من حدود دولتها، فتنساق بهذا إلى أعداء ومنافسين جدد ما يتطلب منها تكرار الإجراء نفسه. ويبدو أن إحاطة آشور بالأعداء والمنافسين من كل جانب قد زكى فيها مر العصور على روح التحدي وإظهار العنف في المعاملة وقسوة الانتقام، والرغبة في إشاعة الرهبة حولها وتعويض قلة أعداد أهلها.

أكدت نصوص آشور ناصر بال أنه تلقى جزى الخاتيين، وبلغ جبال لبنان، وغمس أسلحته في بحر أمورو العميق "أي البحث المتوسط" وتلقى الجزى من المواني والجزر "الفينيقية" الكبيرة: صور وصيدا وجبيل، ومحلاتا، ومايزا، وأمورو، وأرواد التي في البحر، وأنه صعد جبال لبنان، وجلب "وجلب رجاله" أخشاب الأرز والصنوبر من جبال خامانا "أي أمانوس" لمعابد سين وشمش ربي النور، ولاستخدامها في قصره. وامتازت الروايات التي أثبتت على لسانه في حولياته بحيوية فياضة وتفاصيل ممتعة ظهرت بوادرها في حوليات أبيه كما أشرنا، ويقول فيها. أرسلت إلى كذا، وجعلت كذا على يساري، وعبرت نهر أورانتو مثلًا "أي نهر العاصي" وقضيت الليل على ضفافه واحتفلت بعيد كذا في قصر كذا .... 2، وغالبًا ما كان يفخر بعبوره نهر الفرات في قمة فيضانه مع جيشه الكبير على ناقلات، وأصبح مثل هذا الفخر عبارة تقليدية رددتها نصوص خلفائه. وسجلت مناظر عهده عبور الفرات هذا، فصورت نقل العربات على العابرات، وسباحة الجند بجانبها، واستعانتهم على تعويمها بقرب منفوخة من جلود الماعز، وصورت نقل الملك بعربته في قارب خاص، وسباحة الخيول طليقة أو النهر أو مع إمساك جنود القوارب بأعنتها3.

وصبغت نصوص هذا الفاتح الآشوري حروبه وانتصاراته بطابع القسوة الشديدة فتحدثت عن أن رجاله كانوا يسلخون جلود كبار الأعداء أحياء ويثبتوتها على آثارهم وأبواب عاصمتهم بالمسامير، وكانوا يعذبون بعضهم على الخوازيق ويقطعون أيديهم ويجمعون جماجمهم في أكوام، ثم يحرقون مئات الأسرى ولا يستثنون النساء، ويجدعون أنوف آخرين ويصلمون آذانهم ويبترون أصابعهم ويفقئون

1 انظر جون هامرتون: تاريخ العالم - معرب بالقاهرة - الجزء الثاني - الخبر الثالث.

2 D.Luckenbill، Ancient Records، I،476 F.

3 W. Budge، Assyrian Sculptures In The Britsh Musum. Pls. Xxi A-B، Xxii A.

ص: 505

أعينهم، وإن لم تمنع أمثال هذه المعاملة آشور ناصر بال من أن يشيد بفضل أربابه في تأييده، ويكرر اهتمامه بتقديم القرابين إليهم وحرصه على تخصيص أخشاب أرز جبال أمانوس لإبهاء احتفالات معابدهم.

ولسنا مضطرين بطبيعة الحال إلى التسليم بحرفية هذين الضدين من المعلومات، ففي كل منهما مبالغة، مبالغة في تصوير القسوة لتكون عبرة، ومبالغة في تصوير التقوى للتغطية على الأخطاء. وما ينطبق من حكمنا هذا على نصوص آشور ناصر بال ينطبق على نصوص غيره من الملوك القدماء.

ويفهم من حوليات هذا الملك أن عملية توطين الآشوريين في المدن المفتوحة ليصبحوا سادتها والمنتفعين بخيراتها وليخمدوا نشاط زعمائها ويكونوا عيونًا عليهم لدولتهم، قد سبقت عهده؛ إذ تحدث أحد نصوصه عن أن جماعة منهم توطئوا في منطقة جبلية شمالية قد أخذهم الغرور وابتغوا أن يتسعوا لحسابهم في المناطق القريبة منهم فعاملهم بقسوة لا تقل عن معاملته لأعدائه الأجانب1. وترك أخيرًا ملكًا موطدًا وترك معه قصرًا عظيمًا في كالح "نمرود" التي اهتم بها اهتمام شلما نصر الأول من قبله ويبدو أنها كانت تعتبر مصيفًا ملكيًّا2، ولا تزال بقايا قصره فيها من أروع المصادر لفن النقش في عهده مما سنعود فيما بعد إلى ذكره.

استفاد شلما نصر الثالث "شلمانواشاريدو""859 - 824ق. م" من جهود أبيه آشور ناصر بال وحمية دولته، واستطاع أن يسود غرب آسيا من الخليج العربي حتى جبال أرمينيا، ومن الحدود الميدية حتى سواحل البحر المتوسط3. ولم يكن أقل اعتزازًا بجبروته من أبيه، فوصفته نصوصه بأنه الأفعوان الكبير أوشوم جال4 وكان لقب الأفعوان الكبير يوصف به الأرباب وتلقب به حمورابي ثم انتحله الملوك الآشوريون، ولعل فيه بعض الشبه بالصل الملكي المصري، وأنه طحن أعداءه جميعًا كما لو كانوا من صلصال. وأنه المقتدر الذي لا يعرف الرحمة في الحروب

إلخ. وقد ساعدته الظروف فتدخل في مشكلات عرش بابل، ولم يكن ذلك بغير ثمن لصالحه وصالح دولته، فقد أصبحت له اليد العليا على صاحب عرشها بعد أن ناصره، وسمح له ذلك أن يتعداها بجيوشه إلى كلديا حتى الخليج العربي ويتلقى هدايا ملوكها "أو جزاهم على حد تعبير نصوصه" وقد روت قوله عنها:"هبطت إلى كلديا وقهرت مدنها وسرت حتى البحر الذي يسمونه البحر المالح "الخليج العربي"، وتلقيت في بابِل جزية أديني بن داكوري من الفضة والذهب وخشب أوشو العاج

" وصور فنانوه جزية بيت داكوري هذه يحملها أهلها بين صفوف النخيل ويشرف عليها حراسه وكتبته. وسجلوا صورها على أبواب قصره المكسوة بصفائح البرونز في يلاوات5.

1 ديلابورت: بلاد ما بين النهرين -ص418 - 419.

2 See، Iraq، 1950

3 See Luckenbill،M A. R. 475، 57 F. Ernest Michel. "Die Assur-Texte. Salmanassars Iii. Die Welt Des Orients، 1947، 57 F.

4 See، Anet، 276

5 L.W. King، Bronze Reliefs From The Gates Of Shalmaneser، London، 1915 Pl. 64

ص: 506

وروت نصوصه في اتجاهه بجيوشه ناحية الشمال، أنه اكتسح أرض"مات" خاتي كلها وجعلها تلالًا خربة كأنما اكتسحها فيضان. ولعلها أرادت بمات خاتي هذه أطراف العراق القريبة من آسيا الصغرى، أو المناطق التي انتشر بقايا الحيثيين القدماء فيها بعد أن شتتهم أعداؤهم حول قرقيش1، وكان أبوه قد ادعى قتالهم أيضًا. واعتز شلما نصر بزيارته منابع دجلة في الشمال، وقالت نصوصه على لسان: "وبلغت منبع دجلة بحيث ينبع الماء، وغمست سلاح آشور في مياهه

، وأقمت حفلًا سعيدًا، وأمرت "بنقش" نصب باسمي وصورتي". وصور الفنانون هذه الزيارة على أبواب قصره، وهي زيارة اعتبرها L.W.King لأحد روافد دجلة العليا المسمى بالكاليم سو2. وعلى مقربة من هذه النواحي، ذكرت نصوصه حملة له على أورارتو "أورارتي"، وهو اسم أطلقه الآشوريون فيما يحتمل على المنطقة التي سماها أهلها بياينياس شمال آشور وفيما يتركز حول بحيرة فان الحالية وجبال أرارات شرق آسيا الصغرى، وكانت النصوص الآشورية قد بدأت ذكرها منذ عهد شلما نصر الأول في القرن الثالث عشر ق. م، ولكنها زادت في عهد سميه شلما نصر الثالث فذكرت ملكًا من ملوكها، ثم عادت بعد فترة فذكرت اسم سيدوري قائد أورارتو، وهو اسم ذكرته أقدم نقوش الأورارتيين أنفسهم بلفظ "ساردوري"، ويبدو أن شلما نصر قد أحرز بجيوشه نصرًا هناك مما خلع عليه شيئًا من القداسة وسمح لفنانه بأن ينقش ما يصور تقديم القربان لصورته على سفح جبل قريب من بحيرة فان3.

وكانت لشلما نصر، أو لجيوشه بمعنى أصح، قصة طويلة مع سوريا، امتازت نصوصه عنها بتضمينها عدة أسماء لا تزال حية في أسماء مدتها ومواقعها مع تحريفات وتصحيفات يسيرة مثل أسماء: خالمان عن حلب، وأماة عن حماة، ودمشقي عن دمشق، وخاوراني عن حوران، وأرانتو عن نهر الأورنت "العاصي"، وخمري عن عمري، وقرقرة عن قرقر، وعمون

وما إليها. غير أن الأهم من ذلك هو تضمينها اسم أريبو أو عريبو بمعنى العرب، وأعراب البادية بخاصة، لأول مرة في النصوص القديمة المعروفة، واسم جنديبو تحريفًا لاسم أمير عربي يدعى جندب أو جندبة، واسم أخابو تحريفًا للاسم العبري أخأب أو أحأب.

وتجرأ شلما نصر على مهاجمة دمشق، أكبر الإمارات الأرامية العربية، بعد أن أرهب هو وأبوه الإمارات الأرامية الأخرى التي توزعت بين الفرات وبين قلب الشام ولكن دمشق لم تكن صيدًا سهلًا على الرغم من طول منافساتها مع جيرانها من الأراميين والعبرانيين، فعزمت على الوقوف في وجه جبروت الآشوريين، وجمع أميرها أداد إدري "هداد عذيري؟ " الأحلاف حوله من أهل الشام ومن العرب أو الأعراب ومن العبرانيين الذين تناسى معهم ضغائنهم القديمة في سبيل مواجهة عداء الغزو الآشوري العنيف، وخف بهم إلى قرقر حيث ضم إليه أميرها وجيشه.

1 Cf D. Luckenbill، Ancient Recodrs، I، 475; Ii، 616 F; Anet، 275

2 L. W. King، Op Cit، 13

3 B. Pritchard، The Ancient Near East In Pictures، Fig. 155

ص: 507

وعبرت نصوص شلما نصر عن لقائه "أو لقاء قواته" مع أولئك الأحلاف بتعبيرات مسرفة ولكنها طريفة ولا بأس من الاستشهاد ببعضها كنموذج لأمثالها. فقد روت على لسانه ما يقول: " .... حينما اقتربت من حلب خالمان خشي"أهلها" الحرب وارتموا على قدمي، فتلقيت جزاهم فضة وذهبًا وضحيت أمام أداد حلب، ورجعت من حلب وبلغت مدينتي إرهوليني الحموي، فهاجمتها وهاجمت عاصمته أرجانا واستولت على جزاه وممتلكاته وحرقت قصوره، ثم واصلت المسيرة إلى قرقرة فدمرتها ومزقتها وحرقتها وكان "أميرها" قد استنجد بألفين ومائتي عجلة حربية، وألف ومائتي فارس وعشرين ألفًا من مشاة أداد إدري الأموري "الإمريشو أو الإمريشي"، وسبعمائة عربة فارس وعشرة آلاف من مشاة إرهوليني الحموي، وألفي عربة وعشرة آلاف من مشاة أخاب وأرض إسرائيل "؟ " Akha-Ab-Bu Mat Siri-La-A-A وخمسمائة جندي من قوى، وألف جندي من مصرى،

وألف "راكب" جمل من جنديبو الأريبي "أي جندب أو جندبة العربي"، و .... ألف من بأسا بن روهوبي العموني

، "وكلهم" اثنا عشر ملكًا تأهبوا لملاقاتي في معركة حاسمة، فقاتلتهم بقوات آشور العظيمة التي هيأها لي مولاي آشور، وبالأسلحة التي قدمها لي مرشدي نرجال

، وأوقعت بهم الهزيمة بين مدينتي قرقرة وجيلزاو، وذبحت ألفًا وأربعمائة من جنودهم بالسيف، وانحططت عليهم انحطاط أداد حين يرسل عواصفه الممطرة مدرارًا، وبعثرت جثثهم "في كل مكان"، وملأت السهل كله بهم، وأجريت دماءهم

، وضاق السهل عن نزول أرواحهم "إلى العالم السفلي"

، وجعلت جثثهم معبًرا لي على نهر الأرانتو "الأورنت"

وهكذا أكد شلما نصر انتصاره على خصومه الأراميين وحلفائهم في موقعة قرقر حوالي عام 833ق. م ولكن كانت هذه من المرات النادر بمحض الصدفة التي سجل الأراميون فيها وجهة نظرهم في مواجهة آشور، وقد أكدوا فيما سجلوه عنها أنهم أحرزوا فيها نصرًا كبيرًا. ولن نملك إزاء تضارب المصدرين إلا أن نفترض أن موقعة قرقرة لم تكن حاسمة أي طرف من الطرفين، لا سيما وأن الكتبة الآشوريين قد أعادوا ذكر انتصار ملكهم وتغنوا به مرارًا وتكرارًا في نقوش قصوره وعلى العمد والنصب، وذلك مما يعني تكرار حروب الأراميين معه، أو هو يعني تقديرهم الكبير لقوة الأراميين وحلفائهم واعتبار النصر عليهم، أي نصر، كسبًا كبيرًا ومجدًا عظيمًا. ويبدو أن الحلف الذي استشهدنا بروايته عن شلما نصر، لم يكن الحلف الوحيد الذي نجح الأرميون في تكوينه على الرغم من انسلاخ أخأب الإسرائيلي وقومه عنهم، فقد تحدثت النصوص الآشورية عن تحالف أداد إدري مع أمير حماة واثني عشر ملكًا نسبتهم إلى ساحل البحر حينًا، وإلى ساحل البحر الأعلى والبحر الأسفل حينًا آخر، وضمت إليهم كل ملوك خاتي مرة ثالثة، ثم جعلتهم خمسة عشر ملكًا مرة رابعة. وتبارى الكتبة الآشوريون في تضخيم أعداد قتلى خصومهم الأراميين فيما بين العام السادس والعام الرابع عشر من حكم ملكهم، فتارة هم ألف وأربعمائة، وتارة خمسة وعشرون ألفًا، وتارة عشرون ألفًا وخمسمائة، وتارة عشرون ألفًا وتسعمائة

إلخ. وعلى أية حال فلم تهن عزيمة دمشق ومن بقي على الولاء لحلفها إلا بعد أن مزقتها الأطماع الداخلية، فاغتيل أداد إدري، وولي بعده حزائيل، وكان ذا كفاية حربية مثله، وإن كانت النصوص الآشورية قد ادعت أنه مجهول الأب.

ص: 508

وروى شلما نصر قصته مع هذا الأمير الجديد قائلًا: "وهلك أداد إدري، وأصبح حزائيل أميرًا على دمشق

وفي العام الثامن عشر من حكمي عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة وكان حزائيل الأموري "خزائيل الأمريشو" قد اطمأن إلى جيشه الكثيف وتحصن في جبل سنر "سا-ني-رو" المواجه للبنان فقاتلته وأنزلت به الهزيمة وقتلت 16000 من رجاله بالسيف، واستولت على 1211 عربة، و470 جوادًا، وسيطرت على معسكره ولكنه فر بنفسه فتتبعته إلى دمشق عاصمته وقطعت بساتينها

، وواصلت المسيرة حتى جبال حوران "شادي مات خاوراني" مدمرًا وممزقًا ومحرقًا مدنًا لا عد لها ومستوليًا على أسلاب لا حصر لها

، ووصلت حتى جبال بعلي رأسي بجانب البحر وأقمت هنا نصبًا بصورتي، وتلقيت حينذاك جزى أهل صور وصيدا وياهو بن"أو أمير" عمري.

ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة بين الآشوريين وبين حزائيل، وإنما تكرر لقاؤهما مرات وكانت إحدى هذه المرات في العام الحادي والعشرين من حكم شلما نصر. وترتب على إضعاف دمشق أخيرًا ما يسر للآشوريين بسط سلطانهم على الإقليم الواقع شماليها والممتد فيما بين الفرات وبين البحر المتوسط.

وروى ملكهم هذا الأمر بأسلوبه فقال في نصوصه: "اكتسحت مدن أرض أمورو العليا فكانت تلالًا في مهب الريح العاصمة وسرت منتصرًا على طول شاطئ البحر الكبير"1. ويبدو أن مواني فينيقيا آثرت السلامة حرصًا على أمنها التجاري، فراسلت شلما نصر بهدايها واحتراماتها، وإن كان فنانوه قد اعتبروا هذه الهدايا جزى وأسلابًا، فصوورا على أبواب قصره هيئة ميناء صور فوق جزيرة صخرية وسط البحر تنتقل منها قوارب الجزى حتى الشاطئ حيث يساعد على رسوها رجال يجرونها بحبال، ثم صوروا حمولتها تنقل تحت إشراف الحرس الآشوري إلى حيث يستقبلها الملك بنفسه2. وهناك نحت الآشوريون لملكهم نصبًا تاريخيًّا في سفح جبل يجاور نهر الكلب قرب بيروت، إلى جانب لوحة تاريخية ضخمة للفرعون المصري رمسيس الثاني3. ثم ضمن الفنانون أغلب أحداث عصرهم نقشًا وتصويرًا على عمود أسود ذي أربعة أوجه يقل قطره إلى أعلى على هيئة جسم المسلة، لولا أن قمته شكلت على هيئة ثلاث درجات صغراها هي أعلاها "على عكس المسلات المصرية المدببة الطرف"، وشغلوا وجوهها الأربعة بنقوش وصور قليلة البروز للغاية، ووزعوا مناظرهم عليها في أربع وعشرين لوحة ضمنوها صور الأسلاب والغنائم والجزى وخضوع الأعداء، وعندما أرادوا أن يعبروا عن خضوع إسرائيل لملكهم صوروا ملكها ياهو بن عمري "وهو في الواقع ليس من بيت عمري وإنما ولاه الكهنة بعد انهيار بيت عمري" ساجدًا بين يدي الملك ويشرف عليه من عل رمز المعبود آشور ورمز المعبود شمش، وكأن خضوعه لم يكن للملك وحده وإنما لأربابه أيضًا. وتضمنت مناظر الغنائم وحدات تقليدية من حملة الجزى وبيئات الصيد، ومن أطرافها تصوير جمال ذات سنامين "من بكتريا"، وفيلة من منطقة مصرى في سوريا، وقردة بوجوه بشرية مفتعلة4.

1 L.W. King، Op. Cit، 23

2 Ibid، Pl. 13

3B. Pritchard، Op. Cit، Fig. 103.

4 Ibid، Fig. 100

ص: 509

نهاية مرحلة:

ادعت نصوص شلما نصر الثالث فيما ادعته، أنه قاد اثنتين وثلاثين حملة خلال فترة حكمه التي امتدت خمسة وثلاثين عامًا ولكن نشبت في نهاية عهده فترة ضعف بدأت بخروج ولده عليه بسبب ما هضمه حقه في ولاية العهد وتخطيه إياه إلى أخيه الأصغر شمشي أداد الخامس، ثم حدوث حرب أهلية استمرت نحو ست سنوات. وظلت آشور نحو ثلاثة أرباع القرن من الزمان "824 - 745ق. م" تتلقى ضربات جيرانها الآراميين والبابليين والميديين والسوريين والفلسطنيين والعبرانيين حينًا، وتضربهم حينًا آخر، ولكن بغير نتائج حاسمة لها أو لجيرانها. وظل ملوكها يدعون أنهم تلقوا خضوع أمراء أركان الدنيا الأربعة من مشرق الشمس عند البحر الكبير إلى مغرب الشمس عند البحر الكبير، ولكن بغير دليل صحيح بل حدث على العكس من ذلك وفي عهد شمشي أداد الخامس بالذات أن تجرأ أهل أورارتو "أرارات وبحيرة فان" فاتجهوا جنوبًا بشرق حتى الحدود الآشورية وسجلوا هناك نصبًا بانتصارهم لكل من لغتهم الخاصة وباللغة الآشورية وفرضوا الجزية على ميليتيا أو ملاطية الحالية وما يجاورها.

واحتفظت روايات المؤرخين الإغريق فيما سمعوه عن هذه الفترة وقصة محورة لملكة أطلقوا عليها اسم "سميراميس" تحريفًا فيما يبدو للاسم الآشوري "سمورمات" أو "شميران" وكانت وصية على ولدها أداد نيراري الثالث من زوجها شمشي أداد الخامس رووا أنهم سمعوا أسطورة تقول بأن أمها كانت آلهة تعبد في عسقلان قرب البحر ويرمز لها بصورة نصفها سمكة ونصفها حمامة ولما ولدت ابنتها على هيئة بشرية سوية تركتها للحمام يرعاها، فلهذا سميت محبوبة "رمات" والحمام "سمو" ثم عثر عليها كبير رعاة ملك آشور ورباها وتزوجها حاكم نينوى "أونيس" ولكن ملك آشور العظيم "نينوس" طمع فيها وأجبر زوجها على التخلي عنها فانتحر، ولجأت هي إلى الحيلة تنتقم له ولنفسها، فمكرت بالملك الغاضب وطلبت منه أن يعهد إليها بالعرش والسلطان خمسة أيام فرضي واستغلت هي سلطانها المؤقت وأمرت بسجن الملك ثم قتلته واستأثرت بالعرش بعده أكثر من أربعين عامًا.

أما من حيث الواقع فقد استطاع أداد نيراري الثالث "810 - 783ق. م" بعد أن صلب عوده وانتهت وصاية أمه عليه أن يحافظ على القليل الباقي من إرث أجداده وساعده الحظ فهادته أو تمسحت بسلطانه الأسمى بعض إمارات فلسطين ومنها منطقة إيدوم، ويبدو أن غيرتها من جارته دمشق قد رمتها في أحضانه، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي أن زادت العزلة على دمشق وزادت وهنًا على وهن، وفي هذه الظروف روى كتبت الملك الآشوري أنه أخضع أرض أمورو وأرض عمري وإيدوم وفلسطين "بالاستو، بالاشتو"، وأن ملك دمشق اضطر إلى أن يعتبر نفسه تابعًا له وقدم له جزاه في قصره بدمشق. ويبدو أن مهادنة دمشق له كان لها ظل من الحقيقة فعلًا منذ عام 802ق. م1.

أما في الشرق والشمال فكان أهم ما تضمنته نصوص أداد نيراري الثالث هذا من أسماء الأقوام التي تلقى جزاها "أو وصلته متاجرها وهداياها بمعنى أصح" اسم أرض الماذيين وفارس "باراسو"، وسوف يكون لهؤلاء وهؤلاء على الترتيب أثر وأي أثر في مستقبل آشور البعيد ومستقبل بلاد النهرين كلها.

1 D. Luckenbill، A.R. 734 F.، 739 F. Anet. 281-282.

ص: 510