الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأفول أمام نهضة الفرس:
كانت انطلاقة بابل الكلدانية أشبه بصحوة الموت بالنسبة للعراق القديم، ولم يكن من المنتظر أن تستمر هذه الانطلاقة أمدًا طويلًا على الرغم من حدتها في عصر ماجت الهضاب الإيرانية المجاورة لها خلالة موجًا شديدًا بتحركات قبائل فتية عاتية أصرت على أن تفرض نفسها على عصرها فرضًا وأن تبدأ فيه من حيث انتهى غيرها. فقد أدى نجاح قبائل مانداهور في زعامة الدولة الماذية وتحطيم القوة الآشورية إلى نتيجتين متضادتين: نتيجة مباشرة، وهي تشجيع بقية الماذيين على مواصلة التوسع والدق العنيف على أبواب جيرانهم، ثم نتيجة لاحقة وهي تشجيع قبائل جبلية أخرى على أن تسلك سبيل الماذيين وتستفيد من تجاربهم بكل ما فيها من فشل ونجاح.
ورث الماذيون أملاك الآشوريين الشمالية والشرقية كما أسلفنا، وابتلعوا مناطق أورارتو شيئًا فشيئًا، وامتدوا شمالًا بغرب حتى بلغوا نهر هاليس في آسيا الصغرى، وهناك اصطدمت أطماعهم بدولة ليديا التي جمعت في سياستها وعلومها وحياة ملوكها بين تقاليد الشرق والغرب معًا واتخذت عاصمتها في مدينة سارديس "راجع أيضًا ص308". وتطور التنافس بين الماذيين وبين الليديين بعد فترة إلى صدام مسلح لزمت بابل فيه جانب حلفائها الماذيين، ولكن هذا الصدام توقف بصلح روى المؤرخون الإغريق من أسبابه المباشرة أنه حدث في أحد أيام العام السادس للحرب "وهو ما يوافق يوم 28 مايو عام 585ق. م" أن أظلمت السماء فجأة في واضحه النهار فأجفلت جيوش الفريقين واعتبراها نذيرًا من السماء، فتوقفا عن الحرب، وقيل إن ملكيهما اتفقا على توسيط ملكي بابل وكيليكيا بينهما، ثم انتهى الأمر إلى هدنة أيدها البيتان الحاكمان بالمصاهرة، واعتبرا نهر هاليس حدًّا فاصلًا بينهما. وأضاف الإغريق أن الفيلسوف ثاليس "طاليس" الميليتي أبا العلم الإغريقي كان قد تنبأ لقومه بكسوف الشمس في نفس العام1. وهي المرة الأولى التي تنبأ فيها عالم إغريقي بحدوث ظاهرة فلكية تنبأ صحيحًا.
ولكن لم يطل الأمد بالنهضة الماذية، وأحاط بها بعد وفاة ملكها هواخشير "كياكساريس"، ما أحاط بجيرانها أكثر من مرة. ترف مسرف ترتب على كثرة الأسلاب والمغانم، وطغيان سياسي ترتب على غرور الحكام الذين أسكرتهم نشوة انتصاراتهم المتكررة2، ثم طموح قبلي صدر عن جزء من الدولة للسيطرة على أجزائها الأخرى، وقد صدر في هذه المرة عن إقليم أنشان "في إلام القديمة". وهو إقليم كانت حياة أهله شاقة جافة ويمت حكامه بصلة القرابة أو المصاهرة للبيت المالك الماذي واستطاعوا أن يحتفظوا بمكانتهم إزاءه طوال ثلاث أجيال، ولكنهم ظلوا يعتقدون أنهم أعرق أصالة وأحق بالملك
1 See، J. E. Bury، History Of Greece، 222.
2 See، Anet، 316.
وروى المؤرخون الإغريق روايات شتى عن قسوة آخر الملوك الماذيين ستياجيس، فذكرو أنه غضب ذات مرة على أحد كبار رجال دولته فقتل ولده أمامه وأرغمة على أن يأكل أحشاءه.
وأقدر على تحقيق العدالة منه. وحقق حلمهم ذاك أميرهم "قورش""وذكر أحد الأخبار الإغريقية أن أمه هي ابنة ستياجيس آخر الملوك الماذيين"، فلم شمل الحاقدين على البيت المالك وقضى على عرش ماذي حوالي عام 555ق. م1، وبدأ أسرة حاكمة جديدة، أو دولة جديدة ذكرتها المصادر الفارسية الحديثة باسم الدولة الهخامنشية، وأطلقت المصادر اليونانية عليها اسم الدولة الأخمينية، واعتادت المؤلفات الحديثة على أن تذكرها باسم الدولة الفارسية "الأولى" وهو ما سنجري عليه فيما يلي "راجع كذلك ص311". وكان من تمجيد هذا الملك لنفسه قوله "أنا ابن كامبوزيا "قمبيز" الملك العظيم ملك أنشان حفيد قورش الملك العظيم ملك أنشان، سليل شيشبيش الملك العظيم ملك أنشان، من أسرة "مارست" الملكية دائمًا". وقال حفيده أخشويرش ما معناه: أنا ابن الملك دارا الهخامنشي، فارسي ابن فارسي، آري من نسل آري. ورثت الدولة ملك الماذيين، ولم تكن تقف بعزائمها الجديدة عندما وقفوا عنده، فتخوفت نهضتها كل من بابل وليديا ومصر، وكانت ليديا هي البادئة بعد أن بلغت أوج مجدها وثرائها في عهد ملكها كرويسوس Croesus "560-546 ق. م" وأخضعت المدن الإيونية والأيولية في آسيا الصغرى لنفوذها، حتى امتد سلطانها من نهر هاليس إلى بحر إيحه، وطمعت في أن تستغل البحر وتسيطر على جزره، وأصبحت شيئًا عظيمًا في نظر إغريق الشرق والغرب معًا. ثم أقلقتها نهضة فارس فأرادت أن تكون هي البادئة، وطلبت عون إغريق شبه جزيرة لاكيدايمونيا وزعيمتها إسبارطه، كما طلبت عون بابل ومصر. وتقدمت جيوشها ناحية الشرق، ولكنها ما لبثت حتى تحطمت أمام الطوفان الفارسي، فتراجعت فلولها إلى سارديس ولحق بها قورش وجنوده، فدمروا العاصمة وأسروا ملكها في عام 546ق. م. قبل أن يتمكن حلفاؤه من نجدته2،
…
أتت نهايته على غير ما توقع لنفسه وعلى غير ما توقع الإغريق له.
وفي بابل لم تستمر النهضة بعد نبوخذ نصر طويلًا، وتعاقب ثلاثة من أسرته على العرش في مدى سبع سنوات ملؤها التفسخ والقلق، ثم انتقل الحكم منهم إلى "نابونهيد"، وكان من أسرة كهنوتية، أو على الأقل من أسرة يؤيدها الكهنة، ولو أنه لم يعتبر نفسه في نصوصه غريبًا عن الدوحة الحاكمة، فادعى أن الرؤى والآيات تعاقبت لتبشيره بأنه سيكون خليفة نبوخذ نصر ومتبعًا لسنته، برضا مردوك وبقية الأرباب. وأراد الرجل بعد اعتلائه العرش في عام 555ق. م3. أن يحقق حسن ظنه بنفسه، فأسرف في إظهار تقواه إزاء المعبودات بتجديد معابدهم وزيادتها، ومن أشهر ما جدده منها زقورة أور التي اعتبر مشيدها القديم أورنمو من أسلافه، ومعبد الشمس في سيبار الذي اعتبر مشيده نرام سين الأكدي من أجداده، وأسرف في إظهار حب العلم والشغف بجمع اللوحات والآثار القديمة4، وشاركته هذه الهواية ابنته التي عينها كبرى كاهنات رب القمر وادعى أن الرب اختارها زوجة بنفسه بعد أن هدد الدنيا
1 Anet، 316.
2 Herodotus، I، 129، 177، Ete
…
3 See، Anet، 309 F..
4 انظر مجلة سومر 1961 - ص5.
باسوداد وجهه، أي بخسوفه. كما شاركته الدعوة إلى رعاية المعابد سيدة عجوز لعلها كانت أمه، تعدت المائة في عهده وكانت لا تزال ذات سلطان وقوة جسدية وعقلية كاملة1.
وجرب نابونهيد أن يكون سياسيًّا، فتظاهر بمناصرة قورش الفارسي ضد الماذيين حلفاء بابل بالأمس، وهدف من ذلك تخليص مدينة حران الآشورية من سلطانهم لحسابه، ونجح في استعادتها فعلًا وجدد معبدها2، فكانت من الحسنات القليلة التي أداها لدولته. ثم تمادى في الثقة بنفسه فغزا شمال سوريا حتى وصل حماة وجبال أمانوس، وغزا جنوبها حتى إدوم وغزة. ولأمر ما أناب عنه على عرش بابل ولده بال شار أوصر "بعل إحم الملك"، واتجه إلى واحة تيماء3، ربما ليحيي أهميتها التجارية على الطريق التجاري بين ساحل البحر المتوسط وشمال غرب شبة الجزيرة العربية وبين العراق، ثم ينتفع باقتصادياتها، أو على أمل أن يستعين بها وبوسطها البدوي على تطعيم جيشه بقوات فتية يحيي بها مجد دولته ويستعد بها لمعركة قريبة لا محيص عنها بينه وبين الفرس الطموحين، أو ليتخذها ملجأ أخيرًا له لو عجز أمام الفرس.
ولكن خاب أمل الرجل في هذا كله وخابت سياسته مع تيماء وجيرانها؛ إذ اشتد عليها وقتل ملكها، ثم سورها وأقام بها بضع سنوات في قصر جديد، على الرغم من سوء ظنه بأهلها وسوء ظنهم به، بينما أناب عنه ولي عهده في العاصمة بابل سرة الدولة التي وجب عليه أن يرعاها بنفسه. وعندما عاد إليها في عام 545ق. م. كان سوء الإدارة قد عمل عمله فيها، وانتشرت المجاعة حولها4. وفي هذه الظروف صحت عزيمة الملك الفارسي على ضمها إلى ملكه في بداية تنفيذ مشروعه لغزو الهلال الخصيب كله. وهنا حاول نابونهيد أن يجمع الأحلاف حوله، ولكنه لم ينجح في ذلك غير نجاح قليل، وخشي الآخرون من بطش الفرس العتاة. ويبدو أن كلف نابونهيد بآثار الماضي جعله يكثر من صور وتماثيل آلهة المدن الأخرى القديمة في عاصمته مما جلب عليه كره كهنته. فاستعاض عن ولائهم باستدعاء تماثيل المعبودات إلى بابل ليشتركوا مع إلهها مردوك في حمايتها، ولكنه بمعبوداته كان أقل من أن يقف أمام الطوفان الفارسي فانهزم. ودخل قورش بجيوشه إلى بابل وادعى في نصوصه أنها فتحت أبوابها له ورحبت به ملكًا رد عليها مقومات الحياة، وروى أن أهلها فرشوا طريقه فيها بالرياحين.
وزاد قورش، أو من كتب نصوص النصر على لسانه، فرمى نابونهيد بالكفر والسخافة وتعقيد طقوس الأرباب، بل وبفساد الذوق حتى في اختيار تمثال معبوده الذي بدا وجهه فيه قائمًا كهيئة القمر في المحاق، ووصلت جدائل شعره حتى عرقوبيه. واتهمه بأنه تسبب في قتل نبلائه وتعطيل طرق التجارة
1 Anet، 311، 560-62.
2 S. Smith. Babylonian Hisrtorical Texts. 1924. 27 F.
3.
See، J. Lewy، Huca، 1946، 434 F. ; R..P.Dougherty، Nabonidus And Belshazzar، New Haven. 1929 ; Mizraim. I ;1933;، 140 F.; W.F. Albright. Jras. 1925. 293 F.
4 R.P.Dougherty، Records From Erech.1920.No.154; "Nabonidus In Arabia. Jaos، Xlii. 395 F. ; Anet. 1968.562-63