المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌في حضارة نقادة الأولى: - الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الشرق الأدنى القديم

- ‌الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله

- ‌مدخل

- ‌في وادي النيل:

- ‌في بلاد النهرين:

- ‌في بلاد الشام:

- ‌في شبه الجزيرة العربية:

- ‌الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ

- ‌مدخل

- ‌في الدهر الحجري القديم الأسفل:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأوسط:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأعلى:

- ‌قرائن العمران:

- ‌من السلالات البشرية:

- ‌بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:

- ‌تعدد الحرف وبدايات الفنون:

- ‌وضوح التجمعات:

- ‌تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:

- ‌الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية

- ‌الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها

- ‌مدخل

- ‌في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة

- ‌مدخل

- ‌في مرمدة بني سلامة:

- ‌في الفيوم:

- ‌في دير تاسا:

- ‌في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية:

- ‌في البداري:

- ‌في حضارة نقادة الأولى:

- ‌في حضارة نقادة الثانية:

- ‌بين الصعيد وبين الدلتا:

- ‌التطور السياسي:

- ‌من تطورات الفنون وتعبيراتها:

- ‌سكين جبل العركى:

- ‌من آثار العقرب:

- ‌صلاية الفحل:

- ‌آثار نعرمر:

- ‌الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية

- ‌مدخل

- ‌الكتابة وتوابعها:

- ‌الحكام والإدارة

- ‌مدخل

- ‌أوضاع الحكم:

- ‌في العمران والفكر:

- ‌النشاط الحدودي والخارجي:

- ‌الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة

- ‌أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة

- ‌مدخل

- ‌إيمحوتب وشواهد العمارة والفن:

- ‌قصة المجاعة:

- ‌التقويم:

- ‌ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة

- ‌تجديدات عهد سنفرو

- ‌عهد خوفو:

- ‌تعبيرات الهرم الأكبر:

- ‌هزات مؤقتة في عهد جدف رع

- ‌آثار عهد خفرع:

- ‌أبو الهول:

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة

- ‌مدخل

- ‌خصائص معابد الشمس:

- ‌أهرام العصر ومعابدها:

- ‌الاتصالات الخارجية:

- ‌التطور السياسي والاجتماعي:

- ‌رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة

- ‌مدخل

- ‌نمو البيروقراطية:

- ‌أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:

- ‌العمارة والفن والمجتمع:

- ‌رحلات الكشف في الجنوب:

- ‌الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى

- ‌نهاية دورة

- ‌الثورة الطبقية:

- ‌الغموض:

- ‌انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:

- ‌ازدهار الفردية:

- ‌عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين

- ‌معالم الفن الإقليمي:

- ‌الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى

- ‌أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة

- ‌مدخل

- ‌استرجاع المركزية:

- ‌الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:

- ‌صور من المجتمع:

- ‌في العمارة الدينية والفن:

- ‌ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة

- ‌مدخل

- ‌في السياسة الداخلية:

- ‌في العمران:

- ‌في الأساليب الفنية:

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية

- ‌أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة

- ‌في نصفه الأول:

- ‌مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة:

- ‌ثانيًا: محنة الهكسوس

- ‌ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير

- ‌الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة

- ‌في السياسة الداخلية

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة

- ‌ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين

- ‌الدفعة الأولى

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين

- ‌خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة

- ‌الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة

- ‌أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات 22 - 24

- ‌ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين

- ‌ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين

- ‌رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين

- ‌خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات 28 - 30

- ‌مدخل

- ‌الوثائق الآرمية في أسوان:

- ‌الأسرتان الأخيرتان:

- ‌خاتمة المطاف القديم:

- ‌الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة

- ‌أولًا: عقائد التأليه

- ‌نشأتها:

- ‌خصائصها:

- ‌في سبيل الترابط:

- ‌في سبيل التوحيد:

- ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

- ‌الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم

- ‌أولا: في أدب الأسطورة والملحمة

- ‌أسطورة أوزير وتوابعها

- ‌الحق والبهتان

- ‌ثانيا: في أدب القصة

- ‌سنفرو والحكماء

- ‌قصة خوفو والحكيم جدي:

- ‌قصة العاشقين والتمساح:

- ‌قصة الأخوين:

- ‌من قصص المغامرات:

- ‌ثالثا: في أدب النصيحة

- ‌مدخل

- ‌بتاح حوتب:

- ‌آني:

- ‌أمنموبي:

- ‌نصائح المعلمين:

- ‌رابعا: في أدب النقد والتوجعات

- ‌إبوور والثور الطبقية

- ‌القروي الفصيح:

- ‌الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث

- ‌أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة

- ‌ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية

- ‌مدخل

- ‌حضارة العبيد:

- ‌ج- قبيل العصر الكتابي

- ‌حضارة الوركاء:

- ‌الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق

- ‌عصر بداية الأسرات السومرى

- ‌مدخل

- ‌الكتابة المسمارية:

- ‌العمارة الدينية "والزقورات

- ‌العقائد:

- ‌التطور السياسي:

- ‌الفنون:

- ‌المقابر:

- ‌الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى 2340 - 2180 "أو 2371 - 2230" ق. م

- ‌مدخل

- ‌الفنون:

- ‌نهاية دولة:

- ‌الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ 2125ق. م

- ‌في لجش:

- ‌في أوروك:

- ‌في دولة أور:

- ‌الفنون:

- ‌من الأدب السومري:

- ‌نهاية أور:

- ‌في عصر إسين - لارسا:

- ‌تشريع إشنونا:

- ‌تشريع إسين:

- ‌في لارسا:

- ‌في الفن:

- ‌الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم

- ‌بداية دولة بابل الأولي

- ‌حمورابي:

- ‌من الأدب البابلي:

- ‌الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "1580 - أواخر القرن 12 ق. م

- ‌الحياة الساسية

- ‌العلاقات الخارجية:

- ‌الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة:

- ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

- ‌الفصل التاسع عشر: آشور

- ‌أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم

- ‌ب- في العصر الأشورى الوسيط

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌ج- في العصر الأشورى الحديث

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولي:

- ‌مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث:

- ‌الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585

- ‌تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور

- ‌التطور السياسي:

- ‌العمران والفنون:

- ‌الأفول أمام نهضة الفرس:

- ‌خاتمة:

- ‌الخرائط واللوحات

- ‌قائمة بأهم المفردات:

- ‌الموضوعات:

الفصل: ‌في حضارة نقادة الأولى:

والمربع، وشكلوا مقابضها بأشكال حيوانية وحلزونية طريفة1، وكل ذلك على الرغم من أنهم عاشوا قبل عصرنا الحاضر بأكثر من ستة آلاف عام.

واتجهت أذواقهم إلى الفن التشكيلي، أي فن التماثيل، وتخلفت في مقابرهم سبعة تماثيل نسائية صغيرة: أربعة من الصلصال واثنان من الفخار، وسابع من العاج. وقد اختلفت صناعتها بين البداوة وبين الإتقان باختلاف مهارة صناعها واختلاف أغراضها واختلاف المواد التي صنعت منها. وأبرعها تمثال من الفخار الملون لفتاة عارية بلغ تناسق جسمها حدًّا واضحًا من الإبداع لولا بروز عجزها الذي يحتمل أنه قصد لذاته، ولولا عدم تشكيل كفيها2. وكان تمثالها فيما يغلب على الظن واحدًا من التماثيل التي اقتناها أصحاب الذوق السليم لوجه الفن وحده. وقد ضاع للأسف رأسه وجزء من ساقيه. وتمثال من العاج لفتاة عارية أيضًا كانت عيناه مرصعتين بمادة أخرى مثل المحار الأبيض أو قشر بيض النعام، وحاول صاحبه أن يظهر تفاصيله الدقيقة مثل فتحتي الأنف وإنسان العين وفارق الشعر من الخلف3. وقد نرى في صناعة البداريين لبعض تماثيلهم من العاج ما يدل على رخاء مجتمعهم رخاءً نسبيًّا، وما يتفق مع رقي أذواقهم الذي دل عليه ما تخلف لهم من الملاعق والأمشاط، لولا أن تمثالهم العاجي الباقي هذا، تنقصه سلامة النسب التي ظهرت في تمثال الفخار، وتعيبه ضخامة الرأس وكبر الأنف واتساع محجري العينين بالنسبة إلى بقية جسمه. وقد يرجع ذلك إلى حداثة اشتغال صاحبه بنحت العاج. وقلد البداريون تشكيل هيئة الحيوان كما قلدوا هيئة الإنسان واستغلوا العاج، ويحتمل أنه عاج فيلة كانت لا تزال تغشى أرضهم، في صناعة أواني صغيرة، بعضها أسطواني، وبعضها كري، وبعضها مستطيل، وبعضها مزخرف بصفين من الحبيبات البارزة الدقيقة. وكانت أمثالها على الرغم من بساطتها، تعتبر في عصرها من تحف الزينة وتخصص لحفظ المساحيق والعجائن الثمينة. ونسبت إليهم آنية صغيرة ممتعة من العاج شكلوها على هيئة فرس النهر وجعلوا فتحتها فوق ظهرها.

وعلى أية حال، فإن ما يمكن الخروج به من ذكر ما أسلفناه للتاسيين والبداريين في عادات الدفن وزخارف الفخار وحلي الزينة وتشكيل التماثيل، هو أن ما اشتهرت به العصور التاريخية المصرية من الإيمان بحياة أخرى، ومن المهارة الصناعية والذوق الفني المرهف وحب الزخرف، كل هذا نبتت بذوره في أرض مصر وبأيدي أهلها وامتدت جذوره إلى ما قبل عصورها التاريخية بقرون طويلة.

1 Bad. Civil.، Pl. Xxii; Mostagedda، Pl. Xxiv.

2 Bad. Civil، 28، Pl، Xxv، 6-7.

3 Ibid، 29، Pl. Xxv، 3-4.

ص: 45

‌في حضارة نقادة الأولى:

استمر التطور الحضاري في طريقه بعد عهد البداري، فزاد المصريون من استخدامهم للنحاس وارتقوا رقيًّا نسبيًّا بمساكنهم وبزخارف فخارهم، ومارسوا فن النقش، كما ارتقوا بصناعة الخناجر والأسلحة من

ص: 45

الظران. وتركزت أغلب الآثار التي تنم عن هذه التطورات في المنطقة المحيطة بنقادة بمحافظة قنا بالصعيد. وبدأت هذه المنطقة نشاطها الحضاري بطابع محلي خاص بها خلال عهد يسمى اصطلاحًا باسم عهد نقادة الأول، ثم اشتركت بهذا النشاط المحلي في نشاط حضاري آخر واسع شملها هي وأغلب مناطق الصعيد والدلتا في عهد يسمى اصطلاحًا باسم عهد نقادة الثاني. وقد تميز كل عهد منهما بخصائص وميزات نترك تفاصيلها لمجالات التخصص ويمكن الرجوع إليها في الجزء الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، وحسبنا أن نستشهد هنا على رقي الحضارة النقادية في عهديها المتتابعين، الأول والثاني، بعرض نماذج مختارة من تطور أهلها المناسب لعصرهم بفنون الرسم والنقش، والمساكن والمقابر.

كانت نقادة التي نسبت الحضارتان إليها مجرد جبانة لمدينة متحضرة ابتعدت عنها شمالًا بسبعة كيلومترات وهي مدينة نوبت "ربما بمعنى الذهبية لقربها من مصادر الذهب في الصحراء الشرقية" وقامت على أطلالها بلدة طوخ الحالية على الضفة اليسرى للنيل في محافظة قنا وفي مواجهة مدينة قفط. وليس من شيء مؤكد عن الأوضاع السياسية والدينية في هذه المدينة خلال عهد حضارتها الأولى، وكل ما يعرف عنها هو أن الأساطير القديمة احتفظت لمعبودها "ست" بذكرى واسعة واعتبرته ربًّا للصعيد كله، وذلك مما يحتمل معه أن أقاليم الصعيد أو أغلبها اعترفت بزعامة نوبت وسيادة معبودها في فترة من الفترات القديمة البعيدة.

وظهرت الأهمية الأثرية لهذه المنطقة في القرن الماضي منذ اتخذ الأستاذ فلندرز بترى من أعداد أواني الفخار الكثيرة التي وجدها في مقابرها سبيلًا إلى رسم التتابع الزمني1 " Sequence Of Date" لآثار المنطقة وما يماثلها من آثار القطر المعاصرة لها، بعد أن تبين أنه ما من مقبرة من مقابرها خلت من الفخار وأنه ما من صناعة من صناعتها يمكن أن تعبر عن التطور المستمر أفضل من الفخار. واستعان في ترتيب أواني هذا الفخار بملاحظة التطورات الدقيقة في ألوانها وأشكالها ورسومها السطحية والمحفورة. وعمل على تقسيم أنواعها إلى تسع مجموعات رئيسية تتضمن كل منها في داخلها تقسيمات أخرى فرعية، ثم انتهى إلى تقسيم مراحل التطور فيها إلى خمسين مرحلة بدأها بالرقم 30 وانتهى بها إلى رقم 79، وتعمد أن يترك ما قبل الرقم الثلاثين لما يمكن أن يستجد الكشف عنه من آثار حضارات أخرى سبقت حضارة نقادة، واعتبر الرقم 79 بداية للتطور الحضاري في أول العصور التاريخية خلال عصر الأسرة الفرعونية الأولى. وتعرضت تقسيماته هذه لتعديلات كثيرة، ولكن لا زالت فكرتها مقبولة في جملتها حتى الآن.

كانت رسوم الفخار في نقادة الأولى رسومًا تخطيطية في مجملها اعتمدت على الخطوط المستقيمة والمائلة وملئت فراغاتها بخطوط أخرى بيضاء متقاطعة، وذلك مما دعا إلى تسمية فخارها باسم White Cross-Lined Pottery وصنعت هذه الأواني ذات الرسوم على هيئات عدة، كانت أطرافها أواني وكئوس بشعبتين، وثلاث شعب، بعضها بأربعة قوائم، وبعضها بقاعدة مرتفعة على هيئة2 حرف" Y". واستأنف صناعها مراحل

1 راجع دراستنا التفصيلية لها في حضارة مصر القديمة وآثارها – ج1 – ص127 - 132.

2 W.F. Petrie، Prehistoric Egypt، Pls. X، 7، Xv، 51، 54-55; Corpus، Pls. Xx، 14، Xxiv، 81، Xxv، 91.

ص: 46

التطور في الرسوم التي سبقتهم، فاستخدموا الطريقة التخطيطية والخطوط اللينة في تصوير طائفة من حيوانات بيئتهم وطائفة من مجالات نشاطهم البشري، وطائفة من التكوينات الزخرفة اللطيفة، ونماذج من قواربهم، في أشكال مختصرة سريعة أخرجوها في حيوية مقبولة. وبقي من مجموعاتها الناجحة ما يصور أربعة من أفراس النهر تدور خلف بعضها حول دائرة في قاع إناء مرة، وما يصورها تدور خلف بعضها حول أربع أسماك في قاع إناء آخر، وتتعاقب بعد بعضها في إطار إناء ثالث1.

وصوروا بعض عاداتهم الاجتماعية تصويرًا بدائيًّا، فصوروا راقصين وراقصات يرقصون فرادى وجماعات ويؤدون حركات تمثيلية، ويزين رجالهم رءوسهم بريش طويل2. ولكن ظل نجاحهم في تقليد ملامح الإنسان أقل من نجاحهم في تصوير هيئة الحيوان، فكانوا يعبرون عن رأس الإنسان بنقطة بيضاء لا تتضمن شيئًا من التفاصيل غير تصوير الشعر القصير للرجل وتصوير الشعر المرسل للأنثى، وعبروا عن الجذع العلوي للرجل بما يشبه هيئة المثلث المقلوب، وعبروا عن ساقيه بخطين متجاورين، وكان عجزهم عن تصوير تفاصيل الجسم البشري تصويرًا سليمًا يشبه عجز أهل العصور البدائية في الحضارات القديمة كلها عن تصوير أنفسهم.

وصوروا صيد البر، ومن أطراف ما يستشهد به من مناظرهم، منظر صغير في قلب صفحة يصور صيادًا يحمل قوسه ويشد خلفه أربعة كلاب وينطلق في سبيله لصيد الظباء. وجمع الرسام في تنفيذ هذا المنظر الصغير بين الخطوط الحادة والخطوط اللينة، واتضحت له خلاله عدة محاولات لتوضيح مفردات رسمه، فرتب الكلاب في صف رأسي حتى يظهر كل كلب منها بصورته كاملة، عوضًا عن رسمها على حالها في الطبيعة يختلط بعضها ببعض ويخفى بعضها بعضًا، وعبر عن بيئة الصيد بوسائله البسيطة فصور في محيط منظره مثلثات صغيرة تعبر عن التلال، وصور في طريقه فروعًا نباتية صغيرة تعبر عن الأشجار، وحاول أن يظهر أكبر قسط من جسم الصياد، فصوره من زاويتين، بأن رسم صدره وكتفيه من الأمام، ورسم بقية جسمه من الجانب3. وجرت أغلب الرسوم الناقدية على المنوال نفسه، في تصوير الإنسان والحيوان، فظلت تصور مفردات رسمها مستقلة عن بعضها، الواحد منها فوق الآخر أو بجانب الآخر، دون أن يخفيه أو يقاطعه. واعتادت على أن تصور ذوات الأربع من الجانب فيما خلا القرنين إذا كانا مقوسين مثل قرون الثيران فقد اعتادت على تصويرهما من الأمام4. وعلى الرغم من بساطة هذه الوسائل، أصبح بعضها من مستلزمات الرسم المصري في أغلب عصوره، فظل الرجل يصور من أكثر من زاوية واحدة في آن واحد، وظل الرسامون يحرصون على إظهار مفردات رسمهم مستقلة بعضها عن بعض، عن طريق ترتيبها خلف بعضها أو تصويرها على مبعدة من بعضها. وسوف نرى أمثال هذه الوسائل لبقية فنون الأمم الشرقية الأخرى.

1 Prehistoric Egypt، Pl. Xviii، 71-72; Jea، Xv، Fig. 1، O. 261.

2 Prch. Eg.، Pl. Xviii، 74; Jea، Xiv، Pl. Xxviii; Baumgartel، The Cultures Of Prehistoric Egypt، 30، 64.

3 Zaes، Lxi، 21، Taf. Ii، 2.

4 Jea، Xiv، Pl. Xxviii; Corpus، Pl. XXV.

ص: 47

وبدأ النقاديون تصوير الدوائر المنتظمة في زخارفهم، وارتقوا برسم الإطارات حول صورهم1. وامتاز بعضهم بدقة الملاحظة وبراعة التسجيل في تصوير قواربهم، وبقيت من صور هذه القوارب صورة قارب رسمه الرسام بمجاديفه في وضع جانبي كامل، وصورة قارب آخر رسمه بمجاذيفه في مسقط أفقي كامل2، كما لو كان قد وقف فوق الشاطئ ورسم أجزاءه الظاهرة فوق الماء دون أجزائه المختفية تحته. ولم يكن تصوير هذه المساقط بالأمر الهين بالنسبة لعصره.

واستغل الفنانون سطوح الصلايات لممارسة فن النقش على الحجر، فنقشوا وخدشوا على بعض سطوحها هيئات الفيلة والتماسيح وغيرها، نقشًا غائرًا أوليًّا متواضعًا3. ثم واصلوا الخطى البسيطة البطيئة في سبيل النقش البارز والمجسم، فجسموا هيئات أفراس النهر والتماسيح والعظايا الكبيرة على جوانب بعض أوانيهم الفخارية وعلى أغطيتها، وعلى الأطراف العليا لبعض صلاياتهم4. وحملوا بعض هذه المجسمات عقائدهم الدينية، ومما يستشهد به منها آنية طويلة جسمت على جوانبها رأس وقرن بقرة وذراعان بشريتان تقدمان ثديين، رمزًا لربة الخصب أو ربة مدينة نوبت5.

واعتاد أهل نقادة على أن يميزوا بعض أوانيهم بعلامات مفردة مختصرة تمثل حيوانات ونباتات وخطوطًا مستقيمة ومتقاطعة. ورمزت أغلب هذه العلامات إلى أصحاب الأواني وصناعها، ورمز بعضها إلى معبودات أصحابه6. كما نم بعضها عن الأوضاع السياسية في عصره، فجسم أحدها هيئة تاج الوجه البحري على وجه آنية لأول مرة في الآثار المصرية7. وصور آخر صقرًا ينهض فوق إطار مستطيل أصبح يرمز في العصور التالية إلى واجهة قصر الملك الحاكم.

واستمرت صناعة التماثيل الصغيرة من الصلصال والفخار، وظل أغلبها لنساء، ربما لأن صناعها الرجال كانوا يؤثرون تمثيل الجنس الآخر شأنهم شأن كل فنان مبتدئ، أو لأن عقائد ما بعد الموت تطلبتها، كما تطلبتها منذ حضارة البداري، كي ترمز إلى الزوجات والجواري اللائي يتمنى المتوفى أن يكفلن له الذراري

1 Corpus، Pls. Xviii، 72، Xx، 10، 12، Xxi، 35، Xxii، 36، 41; Steindorff، Die Kunst، 256، A.

راجع عبد العزيز صالح: الفن المصري القديم "في تاريخ الحضارة المصرية" – القاهرة 1962 – ص274.

2 Prehistoric Egypt، Pls. Xxiii، 2، Xv، 49.

3 Op. Cit.، Pls. Xliii، 7 M; Xliv، 91 M; Capart، Les Debuts

، Figs. 58-59; Bad. Civil.، Pl. Lii، 4.

4 Jea، Xiv، Pl. Xxvii، 2، 4، Mahasna، Pl. Xi; Archaic Objects، Pl. 24 No. 11570; Zaes، Lxi، Taf. Xi، 1; Mostagedda، Pl. Xliii، 3-4; Preh. Eg.، Pls. Xliii 4، R، Xliv، 91t، U; Corpus، Pl. Lviii.

5 Baumgartel، Op. Cit.، 31، Pl. 3.

6 Petrie، Nagada، Pls. Li-Lvii; Preh. Eg.، 48; A. Scharfi، Ahertumer

، I، 102، 169; J. Capart، Les Debute

Fig.77; E. Massoulard، Prehistoire Et Protobistoire D’egypte، 1940، Pl. 38، 2.

7 Wainwright، Jea، Ix، 26 F.، Pl. Xx، 3.

ص: 48

في حياته الثانية، أو ترمز إلى الراقصات اللائي يتمناهن لمتعته في الآخرة، أو ترمز إلى الربات اللائي يتمنى أن يسبغن عليه الحماية حين يبعث ثانية. وصنع أهل نقادة تماثيل بدائية أخرى لرجال، مثلوا فيها أسرى قيدت سواعدهم خلف ظهورهم. واستغلوا ليونة الصلصال وسهولة عمل الفخار في تشكيل مجموعات صغيرة متواضعة تمثل ما يقوم به الخدم والأتباع1. وكانوا يضعونها مع المتوفى في قبره أملا في أن تحقق له بعض الفوائد في عالمه الآخر. ثم مارسوا فنهم التشكيلي بأسلوب آخر، فشكلوا بعض صلاياتهم على هيئة أفراس النهر والسلاحف والأسماك، واكتفوا في تشكيلها بتحديد الخطوط العامة للحيوان الذي تمثله2. ونحتوا من أنياب العاج تماثيل رجال ونساء تبدو ملامح وجوههم أكثر وضوحًا من أمثالها في تماثيل الصلصال. وتمتاز التماثيل النسوية منها باختلاف أوضاع أيديها، فقد تكون اليدان على الجانبين أو تحت الثديين أو تستران العورة في حياء لطيف3، غير أنها في مجملها تتصف بالنحافة والاستطالة، ربما بما يناسب قطع العاج المستطيلة التي صنعت منها. كما تتصف بالتصاق الساقين بحيث لا يفصلهما في أغلب أحوالهما غير حز طويل أو شق ضيق، رغبة فيما يبدو في تقليل تعرضهما للكسر. وطعم النقاديون عيون بعض تماثيلهم بخرزات ملونة من حجر الدهن وقطع المحار الأبيض وقشر بيض النعام4، وصوروا قلائدها على أجسامها بالألوان.

وهكذا تعددت مجالات الإنتاج أمام صناع الفخار المزخرف والنقوش وصناع التماثيل الأوائل في نقادة وإذا كان المعروف من إنتاجهم لا يصل على حج الإجادة، فإن ذلك قد يرجع إلى عامل الصدفة، وقد تؤدي الكشوف المستقبلة إلى معرفة المزيد من وجوه نشاطهم. والمرجح أن تعدد مجالات إنتاجهم في الكماليات كان يقابله نشاط مماثل في إنتاج الضروريات أيضًا. وصنع النقاديون في أواخر عهدهم خناجر لا تختلف عن خناجر العصور التاريخية في شيء كثير، سواء من حيث هيئتها المسلوبة، أم من حيث تثبيتها في مقابض تناسب قبضة اليد، أم حفظها في قراب من الجلد. وظل أصحابها يصنعون أغلب نصالها من الظران، ولكنها لم تعد كنصال الظران التي صنعها أسلافهم حتى عهد البداري، وإما أصبحت نصالًا ينتقي لها صناعها المحترفون أجود أنواع الظران عن قصد ويسوونها ويرققونها بعناية كبيرة. وصنعوا مع الخناجر سكاكين رقيقة جميلة على هيئة المعين خصصوها للاستعمال الخاص، وبدءوا يصنعون سكاكين أخرى ذات أطراف مقوسة تقويسًا قليلًا وسطوح مموجة على هيئة أوراق الشجر5.

وأمكن ترسم علاقات نقادة الأولى بجيرانها في مصر وخارجها، فدل تجسيم هيئة التاج الأحمر الشمالي

1 J. De Morgan، Recherches

، Fig. 372: Scharff، Altertumer، Ii، 43.

2 Petrie، Corpus، Pl. Lii، 8 A، 14 D، G; Pl. Liv.

3 Capart، Les Debus

، Figs. 116-117.

4 Petrie، Preh. Eg.، 9، Pl. Ii، 20، 22.

5 Ibid، P. 25; Mostagedda، 9; Bad. Civil.، Pl. Xxix، Baumgartel، Op. Cit.، 28; Huzayyin، The Place Of Egypt In Prehistory، 311، N. 3.

ص: 49