الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضله على هؤلاء وهؤلاء، وكأنهم اعتبروا زرقة السماء بحرًا وسيلة العبور فيه هي المراكب أهم وسائل الانتقال في دنياهم.
ومن خصائص معابد الشمس أنه لم تجر عادة المصريين على أن يضمنوها تماثيل لربها أو محاريب مغلقة يعبد فيها. واتجهوا بدعائهم إلى كوكبه في سمائه، وقدموا قرابينهم إلى الشرق من مسلته، ونزهوه عن أن يختفي في أرضهم داخل تمثال أو خلف جدران وأستار. واستمرت هذه المظاهر تميز معابد الشمس المصرية عن معابد بقية الأرباب في أغلب العصور القديمة. وحرص أتباع الشمس على أن يسجلوا في معابد ربهم مظاهر فضله على ملوكهم، فصوروهم يحتفلون بأعياد السد في ظله. ثم سجلوا فيها نعمته على عبادة بعامة، فزينوا بعض قاعاتها وممراتها الجانبية بمناظر ذات ألوان زاهية ورمزوا فيها إلى مظاهر الحيوية في الدنيا ووجوه النشاط التي تتعاقب خلال فصول السنة بفضل الشمس وربها، من حرث وبذر وجني وحصاد، وتناسل الحيوانات وتكاثرها، وحياة الطيور في الطبيعة الطلقة حين تغرد وحين تمرح وحين تفزع وحين يعتدي كبارها على صغارها، وحين تعطف الأم على أفراخها، ثم تعبئة عسل النحل وتخمير العنب
…
، وهلم جرًّا. وبلغ فنانو عصر الأسرة الخامسة في ذلك النجاح كله، من حيث حيوية التصوير ووضوح الألوان ودقة التفاصيل1.
1 Wresz، Atlas، Iii، 106; Von Bissing، Asae، 1955-1956، 319 F.
أهرام العصر ومعابدها:
اهتم فراعنة الأسرة الخامسة ببيوت خلودهم، أي أهرامهم ومعابدها، شأن أسلافهم وعلى نحو ما اهتموا بمعابد ربهم. وتوزعت أهرامهم في سقارة وأبو صير، ولكن ظلت الفوارق واضحة بين أهرامهم وبين أهرام الأسرة الرابعة في الجيزة، وأهم هذه الفوارق ثلاثة، وهي:
أولًا- أنها قلت كثيرًا عن أهرام الأسرة الرابعة من حيث الضخامة وأحجام الأحجار، وبالتالي من حيث مغالبة عوادي الزمن، كما قلت عنها في فخامة مظهرها. ويمكن أن ترد قلة الضخامة فيها إلى ذوق معماري خاص ساد عصرها، ولكن قلة المتانة فيها وبساطة البناء وقلة الفخامة الظاهرية أقرب إلى أن تعلل بأن سيطرة ملوك العصر على موارد البلاد أصبحت أقل نوعًا من سيطرة الأسرة الرابعة عليها، وأن نصيبًا من موارد الخزانة الحكومية تسرب على معابد رع وأنصاره، فضلًا عن معابد بقية الأرباب الأخر الذين احتفظ المصريون بالولاء لهم جنبًا إلى جنب مع معبودهم الأكبر رع.
ثانيًا- اهتم الأسلوب الفني للمعابد الملحقة بها، أي معابد الشعائر ومعابد الوادي فضلًا عن الطرق الواصلة بينها، بعنصر الزخرف أكثر مما اهتم به الأسلوب الفني لمعابد الأسرة الرابعة. ووضح هذا الاهتمام في تشكيل أساطينها على هيئة النخيل والبردي، أو على الأصح تشكيل تيجانها أي أجزائها العلوية على هيئة سعف النخيل وزهور البردي، ووضح كذلك في كثرة المناظر المنقوشة على جدرانها الداخلية، كثرة
جعلت بورخارت يقدر أن مساحات الجدران التي أعدت للنقش في مجموعة ساحورع ثاني ملوك الأسرة بلغت نحو عشرة آلاف متر مربع "لم يبق منها حتى الآن للأسف عبر مائة وخمسين مترًا مربعًا"، وصورت هذه المناظر انتصارات الفراعنة، علاقاتهم بأربابهم، وبعض أعيادهم الرئيسية، وصورت جوانب من حياتهم الخاصة، وجوانب من أعمال شعبهم، كما صورت السفن النيلية الكبيرة تفد من أسوان إلى منطقة المعابد محملة بالكتل الجرانيتية الضخمة، والسفن البحرية الكبيرة التي ترددت في عصرهم بين مصر وبين وفينيقيا تحمل الرسل والمتاجر والمصنوعات والحيوانات الغريبة كالدببة.
ولم تخل التفاصيل المعمارية الصغيرة في معابد الأسرة الخامسة من تجديدات. واهتمت بعض هذه التفاصيل بتنظيم وسائل تصريف المياه من سطوح المعابد وأرضياتها فضلًا عن أرضيات الطرق الواصلة بينها. وكانت وسائل تصريف المياه قد بدأت في مباني عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير، ولكنها بلغت درجة واضحة من الذوق المعماري في مباني عصر الأسرة الخامسة، فأصبحت مياه السطوح تنساب إلى ميازيب شكلت نهاياتها على هيئة رءوس أسود ضخمة تتناسب هيئاتها مع ضخامة المباني وفخامتها، ويمر المجرى عادة من تحت ذقن الأسد. أما مجاري الأرضية فكانت تنحت ضيقة في الأرضية الحجرية أحيانًا، وتجري في مواسير من النحاس أحيانًا أخرى، ثم تنتهي إلى حوض كبير من الحجر.
ثالثًا- متون الأهرام: حفلت جدران حجرة الدفن والقاعة المؤدية إليها في آخر أهرام ملوك الأسرة الخامسة زمنًا وهو هرم ونيس "وليس أوناس كما تذكره بعض المؤلفات عادة"، بمتون دينية وأسطورية كشف عنها في أواخر القرن الماضي. وقد نقشها الفنانون بالكتابة التصويرية الهيروغليفية، فخرجت معجزة في إتقان نقشها ورقة حروفها ودقة التفاصيل الصغيرة في صورها البشرية والحيوانية والطبيعية التي تداخلت في تكوين مقاطع جملها ومخصصاتها. ثم لونوها بألوان ممتعة لا زالت تحتفظ بجانب كبير من رونقها وبريقها وجمالها حتى اليوم على الرغم من مرور ما يقرب من أربعة وأربعين قرنًا عليها. وزخرفوا معها سقف حجرة الدفن بأشكال النجوم حتى بدا كأنه سماء تظل جثة الفرعون وتحتويها1.
نقشت متون الأهرام لأول مرة في هرم ونيس كما ذكرنا، في أواخر القرن الخامس والعشرين ق. م. على وجه التقريب. غير أن ذلك لا يعني أنها ألفت في عهده لأول مرة، أو أنها كانت من وضع فرد بعينه، أو أنها اقتصرت على عقائد عصر بعينه. وإنما هي على الأرجح من حصيلة عصور وقرون طويلة، وإنتاج كفايات فكرية متباينة، ومذاهب دينية متعددة، ظلت نصوصها وأفكارها متفرقة قبل عهد ونيس في صدور الكهان وعلى أفواه الرواة والمحدثين وعلى صفحات البردي ولخاف الفخار والأحجار عهودًا طويلة، حتى
1 كتب عن متون الأهرام باحثون كثيرون، ومن أوضحهم في كتابته عنها الأستاذ جيمس هنري برستد في كتابيه:
2 J.H Breasted، Development Cf Religion And Thought In Ancient In Ancient Egypt. London، 1912 ; And The Dawn Of Conscience، New Yourk، 1933.
See Also. S. Mercer، The Pyramid Texts; Lodon، 1970.