الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585
"
تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور
…
الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539ق. م"
تمهيد- عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور:
كان الكلدانيون "أو قبائل كالدو" فرعًا من الأراميين الذين مر بنا أنهم جعلوا ضفاف العراق قبلتهم منذ القرن الرابع عشر ق. م أو نحوه. وأحست بابل بخطورتهم على اقتصادياتها منذ القرن الثالث عشر ق. م، حين كتب كل من الملك البابلي كادشمان إيلليل والملك الحيثي خاتوسيل إلى زميله، بتعكيرهم صفو الأمن على الطرق التجارية الواصلة بين الدولتين1. وتسلل الأراميون إلى أرض بابل في أواخر عصرها الكاسي، وعند سقوطه، وشجعهم انتشار بني عمومتهم حول نهري الفرات والخابور، وظهور إماراتهم العديد فيما يجاور آشور وتضييقهم عليها في أواخر عصرها الوسيط. ثم تجدد نشاطهم في دولة بابل في أواخر عصر أسرتها الرابعة، وبلغوا غايتهم منها حين اغتصب زعيمهم أداد أبالدين عرشها في عام 1083ق. م. واحتفظ به زهاء عشرين عامًا، وهادن ملك آشور "آشور بعل كالا" وزوجه ابنته وأهداها بائنة كبيرة. ومن البدهي أنه الآراميين مكانتهم في الدولة، فزاد تدفق قبائلهم على أرضها، وسادوا "دور كوريجالزو" قرب بغداد، وانتشرت بعض قبائلهم القوية على الشواطئ الشرقية لدجلة، وكانت أقواها قبائل الحامبولو2. وأحدثت تحركاتهم هزات عنيفة في الدولة، بحيث تعاقبت على عرشها ثلاث أسر حاكمة في أقل من نصف قرن3.
واستمر الأراميون في توسعهم، فامتدت قبائل كالدو في جنوبي العراق حتى الخليج العربي وكانوا ست إمارات أكبرها "بيت داكوري" و"بيت ياكين"4. وسيطرت قبائل أخرى على ما بين بابل وبورسيبا، فخافهم أهل المدينتين على مواكبهم الدينية5. وظهرت آشور حينذاك في ميدان العلاقات
1 ديلابورت: المرجع السابق -ص59 Dupont Sommer، Op. Cit.،17.
2 وقامت إلى جانبها قبائل ليتلو وخندارو ليتاو وبوكودوا
…
إلخ. Ibid.، 23..
3 هي الأسرات الخامسة والسادسة والسابعة. ولم تدم السبعة غير ست سنوات حكم بابل فيها رجل إلامى الأصل "انظر ديلابورت: المرجع السابق -ص60 - 61".
4 وقامت إلى جانبها إمارات لاراك وبيت أموكاني وبيت شالي. Dupont Sommer، Op. Cit.، 24.
5 وكانت بورسيبا مركز عبادة نابو الذي كان له دوره بجانب مردوك في احتفالات رأس السنة في بابل.
بين الفريقين، وكانت قد بدأت عصرها الحديث في أواخر القرن العاشر فعملت فيها مر بنا آنفًا، على إضعاف جيرانها الأراميين الشماليين ثم تجرأت في عهد أداد نيراري الثاني وهاجمت البابليين وامتد تأثيرها على الأراميين المنتشرين بين بابل وبورسيبا1. وحاولت بابل بعد هدنة قصيرة أن تستخدم الأراميين لحسابها فحرضت بعض طوائف السوتيين على مهاجمة الأطراف الآشورية2، ولكن خاب مسعاها في عهد أوشكت آشور أن تبلغ فيه قمة من قمم مجدها، وهو عهد ملكها آشور ناصربال الثاني الذي اكتسح بجيشه عددًا كبيرًا من القبائل الأرامية الشمالية الضاربة على حدود العراق والشام وذكرت نصوصه أنه هجر 1500 من قبائل الأخلامو من بيت زماني التي قهرها أبوه قرب ديار بكر3.
ولم يكن الآراميون بغير أثر في المجتمع العراقي، على الرغم من تفرقهم واعتمادهم على حضارة البابليين والآشوريين. فقد ترتب على انتشارهم في أجزاء شتى من بلاد النهرين، وتدخلهم في المعاملات عن طريق التجارة، ووجود بعضهم خدمًا وأرقاء في بيوت الأثرياء وضياعهم، أن وجدت لهجاتهم سبيلها إلى السكان الأصليين وكتبها بعض المتعلمين بالخط المسماري، وبلغ من أمرها أن كتبت بها نصوص قصيرة على بعض آثار شلما نصر الثالث وسرجون وسينا خريب في كالح وخورسباد ونينوى ثم نقل بعض الأراميين الغربيين الذين أبعدوا إلى آشور الخط الأرامي الغربي من مواطنه في الشام إلى العراق، ونقلوا معه طريقة الكتابة على البردي التي تعلموها من المصريين والفينيقيين. ويحتمل من أحد مناظر عهد شلما نصر الثالث أن أحد كتبته الأراميين كان يكتب له على البردي، وإذا صح ذلك كان نموذجًا لكثيرين غيره. وعندما دعا صاحب وظيفة "الرابشاقه" ملك اليهود في أورشليم إلى التسليم خاطبه بالأرامية من خارج السور، وذلك مما يعني أن أمثاله من كبار الموظفين الآشوريين كانوا يعرفونها4.
وشهدت بابل حربًا أهلية بين ملكها وأخيه، واستعان ملكها "مردوك زاكير شوم" بالملك الآشوري شلما نصر الثالث فأعانه وأصبحت له اليد العليا على عرشه. وسمح ذلك للآشوري بأن يذهب بجيوشه أو بنفوذه حتى كلديا، وقال في نصوصه فيما استشهدنا به من قبل:"هبطت إلى كلديا وقهرت مدنها وسرت حتى البحر الذي يسمونه البحر المالح "الخليج العربي"؛ وتلقيت في بابل جزية أديني بن داكوري من الفضة والذهب وخشب أوشو والعاج
…
". وصور فنانوه على أبواب قصره المكسو بصفائح البرونز جزى بيت داكوري الكلدانية يحملها أهلها بين صفوف النخيل ويشرف عليها كتبة الملك وحراسة5.
1 Dupont Sommer، Op. Cit.، 31.
2 ديلابورت: المرجع السابق ص60.
3 Dupont Sommer Op. Cit.، 18، 22.
4 ومما عثر عليه فعلًا رسالة بالأرامية موجهة من موظف آشوري يدعى بيليتر إلى موظف آشوري آخر يدعى بير أور، من منتصف القرن السابع ق. م.
5 L. King، Bronz Reliefs From The Gates Of Shalmaneser، 1915، Pl. 63.