المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي: - الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الشرق الأدنى القديم

- ‌الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله

- ‌مدخل

- ‌في وادي النيل:

- ‌في بلاد النهرين:

- ‌في بلاد الشام:

- ‌في شبه الجزيرة العربية:

- ‌الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ

- ‌مدخل

- ‌في الدهر الحجري القديم الأسفل:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأوسط:

- ‌في الدهر الحجري القديم الأعلى:

- ‌قرائن العمران:

- ‌من السلالات البشرية:

- ‌بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:

- ‌تعدد الحرف وبدايات الفنون:

- ‌وضوح التجمعات:

- ‌تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:

- ‌الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية

- ‌الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها

- ‌مدخل

- ‌في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة

- ‌مدخل

- ‌في مرمدة بني سلامة:

- ‌في الفيوم:

- ‌في دير تاسا:

- ‌في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية:

- ‌في البداري:

- ‌في حضارة نقادة الأولى:

- ‌في حضارة نقادة الثانية:

- ‌بين الصعيد وبين الدلتا:

- ‌التطور السياسي:

- ‌من تطورات الفنون وتعبيراتها:

- ‌سكين جبل العركى:

- ‌من آثار العقرب:

- ‌صلاية الفحل:

- ‌آثار نعرمر:

- ‌الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية

- ‌مدخل

- ‌الكتابة وتوابعها:

- ‌الحكام والإدارة

- ‌مدخل

- ‌أوضاع الحكم:

- ‌في العمران والفكر:

- ‌النشاط الحدودي والخارجي:

- ‌الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة

- ‌أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة

- ‌مدخل

- ‌إيمحوتب وشواهد العمارة والفن:

- ‌قصة المجاعة:

- ‌التقويم:

- ‌ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة

- ‌تجديدات عهد سنفرو

- ‌عهد خوفو:

- ‌تعبيرات الهرم الأكبر:

- ‌هزات مؤقتة في عهد جدف رع

- ‌آثار عهد خفرع:

- ‌أبو الهول:

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة

- ‌مدخل

- ‌خصائص معابد الشمس:

- ‌أهرام العصر ومعابدها:

- ‌الاتصالات الخارجية:

- ‌التطور السياسي والاجتماعي:

- ‌رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة

- ‌مدخل

- ‌نمو البيروقراطية:

- ‌أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:

- ‌العمارة والفن والمجتمع:

- ‌رحلات الكشف في الجنوب:

- ‌الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى

- ‌نهاية دورة

- ‌الثورة الطبقية:

- ‌الغموض:

- ‌انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:

- ‌ازدهار الفردية:

- ‌عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين

- ‌معالم الفن الإقليمي:

- ‌الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى

- ‌أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة

- ‌مدخل

- ‌استرجاع المركزية:

- ‌الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:

- ‌صور من المجتمع:

- ‌في العمارة الدينية والفن:

- ‌ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة

- ‌مدخل

- ‌في السياسة الداخلية:

- ‌في العمران:

- ‌في الأساليب الفنية:

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية

- ‌أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة

- ‌في نصفه الأول:

- ‌مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة:

- ‌ثانيًا: محنة الهكسوس

- ‌ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير

- ‌الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة

- ‌في السياسة الداخلية

- ‌في السياسة الخارجية:

- ‌ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة

- ‌ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين

- ‌الدفعة الأولى

- ‌عواقب الإسراف:

- ‌رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين

- ‌خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة

- ‌الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة

- ‌أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات 22 - 24

- ‌ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين

- ‌ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين

- ‌رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين

- ‌خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات 28 - 30

- ‌مدخل

- ‌الوثائق الآرمية في أسوان:

- ‌الأسرتان الأخيرتان:

- ‌خاتمة المطاف القديم:

- ‌الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة

- ‌أولًا: عقائد التأليه

- ‌نشأتها:

- ‌خصائصها:

- ‌في سبيل الترابط:

- ‌في سبيل التوحيد:

- ‌ثانيا: عقائد البحث والخلود

- ‌الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم

- ‌أولا: في أدب الأسطورة والملحمة

- ‌أسطورة أوزير وتوابعها

- ‌الحق والبهتان

- ‌ثانيا: في أدب القصة

- ‌سنفرو والحكماء

- ‌قصة خوفو والحكيم جدي:

- ‌قصة العاشقين والتمساح:

- ‌قصة الأخوين:

- ‌من قصص المغامرات:

- ‌ثالثا: في أدب النصيحة

- ‌مدخل

- ‌بتاح حوتب:

- ‌آني:

- ‌أمنموبي:

- ‌نصائح المعلمين:

- ‌رابعا: في أدب النقد والتوجعات

- ‌إبوور والثور الطبقية

- ‌القروي الفصيح:

- ‌الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث

- ‌أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة

- ‌ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية

- ‌مدخل

- ‌حضارة العبيد:

- ‌ج- قبيل العصر الكتابي

- ‌حضارة الوركاء:

- ‌الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق

- ‌عصر بداية الأسرات السومرى

- ‌مدخل

- ‌الكتابة المسمارية:

- ‌العمارة الدينية "والزقورات

- ‌العقائد:

- ‌التطور السياسي:

- ‌الفنون:

- ‌المقابر:

- ‌الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى 2340 - 2180 "أو 2371 - 2230" ق. م

- ‌مدخل

- ‌الفنون:

- ‌نهاية دولة:

- ‌الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ 2125ق. م

- ‌في لجش:

- ‌في أوروك:

- ‌في دولة أور:

- ‌الفنون:

- ‌من الأدب السومري:

- ‌نهاية أور:

- ‌في عصر إسين - لارسا:

- ‌تشريع إشنونا:

- ‌تشريع إسين:

- ‌في لارسا:

- ‌في الفن:

- ‌الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم

- ‌بداية دولة بابل الأولي

- ‌حمورابي:

- ‌من الأدب البابلي:

- ‌الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "1580 - أواخر القرن 12 ق. م

- ‌الحياة الساسية

- ‌العلاقات الخارجية:

- ‌الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة:

- ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

- ‌الفصل التاسع عشر: آشور

- ‌أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم

- ‌ب- في العصر الأشورى الوسيط

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌ج- في العصر الأشورى الحديث

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولي:

- ‌مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث:

- ‌الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "626 - 539 _25 d9_2582._25d9_2585

- ‌تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور

- ‌التطور السياسي:

- ‌العمران والفنون:

- ‌الأفول أمام نهضة الفرس:

- ‌خاتمة:

- ‌الخرائط واللوحات

- ‌قائمة بأهم المفردات:

- ‌الموضوعات:

الفصل: ‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

نضج كيانها في المرحلة الثانية من عصرها الوسيط، وهزات أخرى أتتها من قبل الأراميين الذين فرضوا وجودهم على العراق فرضًا.

وشقت بابل طريقها على وهن، بالحرب تارة وبالمهادنة والمصاهرة والرضا بالأمر الواقع تارة أخرى، حتى بلغ عرشها أحد الأراميين في النصف الأول من القرن الحادي عشر ق. م، واستطاع أن يصاهر معاصره الملك الآشوري ويضمن مهادنته، ولكنه لم يستطع أن يكفل الأمن الداخلي في دولته. وأحدثت التحركات الأرامية القبلية الداخلية كثيرًا من الاضطراب حتى تعاقبت ثلاث أسر حاكمة "من الخامسة إلى السابعة" في نحو نصف قرن، وكانت الأسرة الثامنة التي تلتها أفضل حظًّا في طول أمد حكمها، ولكن كان عليها أن تنتظر مصيرها المحتوم على أيدي الآشوريين في عصرهم الحديث، مما سنعرض لذكره مرة أخرى في سياق الفصل التاسع عشر.

ص: 485

‌من الحياة الفكرية في العصر الكاسي:

اتضحت ظاهرة جديرة بالتسجيل بالنسبة لحضارة أهل العراق منذ أواسط الألف الثاني ق. م أو منذ ما قبلها بقليل، وهي انتشار خطهم المسماري وأساليبهم السامية وطريقتهم في الكتابة على ألواح الطين، انتشارًا واسعًا بفضل البابليين أولًا ثم الحوريين والميتانيين والكاسيين، في المراسلات الدبلوماسية لأغلب مناطق الشام ومناطق آسيا الصغرى، وذلك بحيث لم يتميز عن خطهم وأسلوبهم حينذاك غير خط مصر القديمة وأسلوبها. واستمر الحال كذلك، حتى بعد أن ضعف شأن البابليين والحوريين والميتانيين والكاسيين بفترة طويلة، وذلك مما يعني أن الكتابة بالخط المسماري والأسلوب البابلي أصبحت مجرد تقليد لا يرتبط بالضرورة بسمعة أصحابه الأصليين، وكان شأنها في ذلك يشبه ما أصبحت عليه اللغة الفرنسية حين غدت لغة الدبلوماسية الأوروبية إبان ازدهار ملكيتها وإمبراطوريتها ثم استمرت كذلك حتى الحرب العالمية الثانية بعد أن انكمشت سمعة فرنسا وزعامتها بزمن طويل.

والطريف أن الإلاميين على الرغم من سعيهم المتصل لتحطيم بابل ونجاحهم فيما هدفوا إليه من تحطيمها، قد ظهر التشبه بين كتابتهم وكتابتها منذ أواخر القرن الثاني عشر ق. م، أي منذ أن حطموها، وإن كانوا قد قللوا عدد الرموز المسمارية إلى ما يزيد قليلًا عن المائة، وظلت هذه الرموز حتى العهد الأخميني يتشابه نحو خمسها مع كتابة بابل، أي حتى اسخدمت فيها الحروف الهجائية1.

ونشأ بعض الظن بظهور اسم العراق في أواخر العصر الكاسي، عن طريق تقريبه من كلمة أريقا التي ظهرت في نصوصهم خلال القرن الثاني عشر ق. م، ولكن لا زال الجدل واسعًا بشأن هذا الاسم، وتميل بعض الآراء إلى اعتباره اسمًا سومريًّا دارجًا يعني الموطن، بينما تميل آراء أخرى إلى اعتباره اسمًا إيراني

1 راجع منس في الفصل 35 من موسوعة جون هامرتون: تاريخ العالم - معرب بالقاهرة.

ص: 485

الأصل قريب الصلة بكلمة إيراك "على وزن إيران" ويعني معنى السهل أو البلاد السفلى "في مقابل مرتفعات إيران"، أما العرب فقد قربوه إلى معنى الجرف أو السهل وبخاصة في مناطقه الجنوبية1.

ويذكر لصيغ التراسل الإدارية في عصر الكاسيين تعبير الرئيس فيها عن نفسه بلفظ الأب، وتعبير الزميل أو الصديق عن صديقه بلفظ الأخ2، ولو أن ذلك لم يمنع تزلف المرءوسين إلى رؤسائهم وتعبيرهم عن شد خضوعهم لهم في رسائلهم، ومن ذلك أن وصف حاكم إقليم نفسه في رسالة إلى ملكه بأنه التراب الذي يطؤه3.

ومما نشر من لوحات التعامل في عصرهم لوحة تشير إلى رجل سجنه حاكم بلده، فكلفه آخر وقبل الحاكم كفالته فأطلق سجينه، وتعهد الضامن بأن يسلم ثلاثة عشر شاقلا وثلث شاقل من الذهب إلى وسيط لينقلها إلى السجين وزوجته ويسلمانها إلى الحاكم. وأرخ كاتب اللوحة موضوعها باليوم التاسع من تموز، العام الثامن للملك شاجاراكي شورياش "وقد حكم في أواسط القرن الثالث عشر ق. م"4. ولوحة أخرى تضمنت حكمًا في قضية استعار فيها رجل ثورًا من آخر ليعمل به في نتح الماء، فكسر ساقه. وعندما طالبه صاحب الثور بتعويض عنه ماطله ولم يوفِ بوعده، فقضى الحكم بأن يعوضه عنه من محصول حقله. وأرخ كاتب الجلسة القضية بشهر سيوان، العام الأول للملك العظيم تازي ماروتاش "وقد حكم في أوائل القرن الثالث عشر ق. م".

أخرج كتبة العصر الكاسي قوائم بكلمات كاسية وما يقابلها من المفردات البابلية، أي بما يقوم مقام القواميس المقارنة "المتواضعة" ويجري مجرى قوائم المفردات السامية - السومرية القديمة. أما من حيث إنتاجهم الأدبي بمعناه الضريح، فقد ظل أدبًا مقلدًا غير مبتدع، اعتبروا الأصول البابلية فيه نماذج كلاسيكية تحتذى، وترتب على تقديرهم لهذا الأصول أن أدوا للتراث العراقي مأثرة جليلة، ألا وهي نشاط بعض المعلمين والمتأدبين منهم بنسخ لوحات الأدب القديمة، والبابلية منها بخاصة، سواء بأمر الحكام ولمصلحة مكتباتهم، أم لتلبية مطالب هواة الأدب القديم في عصرهم. وقد أصبح لهذا النشاط أثره فيما بعد عصرهم في تزويد المكتبات الآشورية الكبيرة بنماذج تحتذى للنسخ، كان الكتبة الآشوريون يحتفظون في عناوين نسخها الجديدة بأسماء ناسخيها الكاسيين القدامى، فيقولون مثلًا:"محاورة الثعلب" عن ابني مردوك بن لودومونونا، معلم

، و"محاور الصفصافة وفقًا "للوحة" أورنانا، معلم

"

وهلم جرًّا5.

1 راجع كذلك: طه باقر: مقدسة في تاريخ الحضارات القديمة - جـ1 ص76.

2 The Babylonian Expedition Of The University Of Pennsylvania، Cuneiform Texts، Xvii، 76.

3 Ibid.، 24.

4 Albert Clay، Op. Cit.، No. 135.

5 J. Of Cuneiform Studies، Ii، 1 F. And 112 F.; W.G. Lambert، Babylonian Wisdom Literature، 1960، 13، 164، 186.

ص: 486

وفي إنتاجه الخاص القليل، استخدم الأدب الكاسي أسلوبًا يختلف عن لغة الحديث في عصره، استعاره الأدباء من لغة العصر البابلي الأول، وضمنوه كلمات سامية ظهرت قبله أيضًا1.

لأمجدن رب الحكمة:

عبر الأدب الكاسي عن حياة القلق والمحن التي عاشها أهله في نهاية عصرهم وما تلاه، بتوجعات ومنظومات غلبت عليها نغمة الشك والحزن، وإن انتهت في أغلب أحوالها بالخضوع للواقع، والتسليم بحكمة الرب فيما يبتلى به عباده من سراء ومن ضراء. ولم يكن هذا الاتجاه جديدًا تمامًا على آداب بلاد النهرين، فقد خرجت بمثله عهود الأزمات حين انهيار دولة أور، وخلال عهود القلق التي انتهى بها عصر إسين - لارسا، ولكنه أصبح أظهر وأشد مررة في العصر الكاسي.

ومما يستشهد به في هذا السبيل، منظومة طويلة لسرى لاقى في حياته ما لاقاه أيوب في عصره، نعمة قصيرة وضراء طويلة، ثم أبل أخيرا بعد أن عز عليه الدواء. وأكد الرجل في توجعاته ما يعني أن المؤمن مصاب وأن القدر إذا انحط بكلكله على إنسان حطمه، أو على حد قوله عن ربه "ثقلت يده عليَّ فلم احتملها". ولم تحتفظ مقدمة منظومته بعنوانها، ولكن يفهم مما بقي منها أنها اشتهرت باسم "لود - لول بل - نميقي" وبما يعني "لأمجدن رب الحكمة"2.

وصور الرجل في بدايتها مكانته الأولى حين كان ذا لقب وجاه وأسرة. مزارع وأتباع، وتحدث عن تقواه إزاء الأرباب وإخلاصه لملكه، وحسن معاملته لقومه، ثم صور كيف انقلب ذلك كله إلى عكسه، فذهب الجاه وتمرد الأتباع وتنكر الأصدقاء ونضبت العافية وكلح وجه الدنيا وادلهم، فعاش عيشة السوائم، وهجره ربه ومكن الناس منه فحطموه وسحقوه دون ذنب يعرفه. وقال وهو يعترف بعجزه عن فهم حكمة الغيب وتصاريف القدر:"هديت بلدي إلى شعائر الرب، ودعوت قومي إلى تمجيد الربة، ومجت الملك كما مجدت الرب، ووجهت الناس إلى إجلال القصر، وظننت أن هذا يرضي الإله، ولكن يبدو أن ما يظنه المرء صوابًا قد يكون مسيئًا لربه، وما يتراءى للإنسان قبحه قد يكون حسنًا عند ربه. فمن ذا الذي يدرك إرادة أرباب السماء؟ ومن ذا الذي يدرك تدبير آلهة الأعماق؟ وأين عرف الناس سبيل الرب حقًّا؟ إن من عاش الأمس مات اليوم وفي برهة هلك وفجأة انسحق. يهلل الناس ويفرحون حينًا، وفجأة ينوحون كالنادبات. تتغير أحوالهم ما بين فتحة ساق وانطباقتها؛ يجوعون فيغدون كأنهم جثث هامدة، ويشبعون فيزاحمون أربابهم. في السراء يتطاولون إلى السماء، وفي الضراء يهوون إلى الجحيم. لقد عجزت "وأيم الحق" عن كنه هذه الأمور وما أدركت لها مغزى"3.

1 Op. Cit.، 14.

2 R.H. Pfeiffer، Anet، 434 F.; R.D. Biggs، Ibid.، 1969، 596-600; And See، Lambert، Op. Cit.، 21 F.

3 Tabiet Ii، 29-48.

وقارن هذا بتوجع رجل سومري قديم أمام ربه: Anet، 1969، 589-591.

ص: 487

واسترسل الرجل في توجعاته، ولكنه أنهى شكاواه بما جعله يمجد رب الحكمة، إذ تواردت الرؤى عليه، وتجلى له فيها رسل ربه الأكبر، فحملوا له أنباء عفوه، ثم تجلى له ربه مردوك بنفسه فباركه وشفى علته في النفس والبدن وجعله يوقن بحكمته في بلائه وبأن العقبى للأخيار مهما توارت عليهم المصائب.

بين يائس وواعظ:

هذه قصيدة أخرى ضمنها ناظمها وجهتي نظر في تصاريف القدر وحظوظ البشر، وأجرى أفكارها على لسان صديقين، صديق يبرح به وعانى ألوانًا من العذاب، وأخذ يتكلم باسم الواقع ويعبر عن مرارته، ويبحث عمن يسمع له ويتفهم غرضه من شكواه. وصديق آخر مجامل متفائل يتكلم باسم الدين ويدعو إلى الصبر وإلى الثقة بعدالة الرب. ناء أولهما بزمانه الذي يبجل الثري اللئيم، وليس فيه من يأخذ بيد المستقيم، وتساءل:"هل "ترى إلى" الأسد الفاتك الذي ينعم بأكل خير اللحوم يقدم قربانًا وبخورًا لربته ليهدئ غضبها "ويجعلها تناصره"؟ ". فيرد الآخر بقوله "إنه عدو القطيع، ذلك الأسد الذي نوهت به، وتذكر أنه من أجل زئير الأسد تحفر له الحفر، وذاك الذي تقول إنه اجتبى بالثروة وتكدست خيراته، قد يهلكه الحاكم ويجعله طعامًا للنار في وقته المعلوم، فهل تريد أن تسلك سبيلهم؟ أجمل بك أن تتوخى رضا الرب

". وهنا يقول الأول: "منذ طفولتي بحثت عن تدبير الرب، وفي خشوع وتقوى تلمست الربة، ومع ذلك حملت بأنواع السخرة دون فائدة، وأعطاني الرب حرمانًا عوضًا عن الغنى". فيجيب الآخر: "لقد أبيت الحق، وضللت عن تدبير الرب، ولا تحسبن أن إرادة الإله تسير وفق رغبة نفسك، فإنما الطهر الحقيقي للربة هو الذي أهملته،

وأمر الرب والربة لم يبلغ منك القلب"، إلخ1.

التابع الساخر:

قريب من الضياع السابق الذي تاه الناس فيه بين الخطإ وبين الصواب، ورأى الإنسان الشر فيه في موضع الإحسان، والإحسان فيه في موضع الإساءة، حوار ساخر أجوف بين سيد وعبده، صور الشك في القيم الاجتماعية السائدة، وجعل العبد صوت سيده، والسيد أسير تملق خادمه. وصور لكل شيء وجهين، كلاهما مقنع ولكنه مغرض. ويبدأ الحوار بقول السيد في تعاظم:"عبدي، أصغ إلي". فبرد العبد مطيعًا: "لبيك مولاي، لبيك". ويقول السيد متحمسًا: "أعد لي العربية فورًا فلسوف أنطلق إلى القصر". ويجيب التابع محبذًا "انطلق مولاي انطلق، فلسوف يتحقق لك كل ما ترجوه، وسوف يكون الملك حفيًّا بك". فلا يلبث السيد أن

1 R.H. Pefeiffer، Op. Cit.، 429 F.; Recueil Edward Dhorme، Paris، 1951، 685 F.; R. Biggs، Anet، 1969، 602-604.

ص: 488

ينكص قائلًا: "كلا عبدي، لن أذهب إطلاقًا"

فيطاوعه التابع قائلًا في تخابث "لا تركب، مولاي، لا تركب، فقد يرغمك "الملك" على سلوك طريق لا تعرفه، ويريك صنوفًا من الشقاء بالليل والنهار".

ويسترسل السيد والتابع في اقتراحات أخرى، لا يلبث كل منهما حتى ينقضها بنفس الإيمان الذي قبلها به. ومنها أن يقول السيد:"لسوف أقدم معروفًا لبلدي" فيجيب التابع: افعل سيدي افعل، فمن فعل معروفًا لبلده وضعت أعماله في دائرة مردوك". وهنا ينكص السيد قائلًا:"كلا يا عبدي لن أفعل معروفًا لبلدي". فيجد الخادم الرد جاهزًا ويقول: "لا تفعل سيدي لا تفعل، وانطلق إلى الخرائب وجس خلالها، وانظرإلى جماجم الأعالي والأسافل، فلن تفرق فيها بين خير وآثم". ويقول السيد: "لسوف أحب امرأة"، فيجيب التابع على عادته "نعم أحب مولاي، أحب، فمن أحب نسي السقم والهم". ولكن الرجل لا تفارقه رح التردد فيقول: "كلا، عبدي، لن أحب امرأة"، ولا تفارق العبد الحجة لتبرير تردد سيده فيقول:"لا تحب مولاي، لا تحب، فالمرأة بئر "عميق"، خنجر حاد النصل يحز في عنق الرجل".

وبعد أن يدور الرجل وظله في حلقه مفرغة لا يعرفان معها ما يحسن فعله وما لا ينبغي عمله، يسأل السيد:"وأين إذن الصواب يا عبدي؟ " فيجيب العبد: "هو أن تدق عنقي وعنقك، ثم يلقيا معًا في النهر". وهنا تملكت روح الجبن والأثرة السيد فقال: "كلا عبدي، لسوف أقتلك أنت وأرسلك أولًا"، فأجابه العبد وهو مطمئن إلى عجز سيده عن البقاء بدونه عجزه عن التفكير وعن التنفيذ بمفرده:"وهل يستطيع مولاي أن يعيش أيامًا ثلاثة بدوني؟ "1.

1 E.A. Speiser، “The Case Of The Obliging Servant”، Jcs، Viii “1954”، No. 3; W.G. Lambert، Op. Cit.، 139 F.; R.D. Biggs، Anet، 1969، 600-601.

ص: 489