الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
147 - بابُ التَّشَهُّدِ فِي الأُولى
(باب التَّشهُّد في الأُولى)
والفَرْق بين هذه التَّرجمة والتي قبلَها: أنَّ الأُولى في عدم الوجوب، والثَّانية أنها مشروعةٌ.
830 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.
(جلوس)؛ أي: للتشهد الأوَّل.
* * *
148 - بابُ التشهدِ في الآخِرَةِ
(باب التَّشهُّد في الآخِرة)
أي: في الجلْسة الأخيرة، وسُمِّي تشهُّد لاشتماله على كلمتَي الشَّهادة.
831 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ
سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
(جبريل) فيه سبع لغاتٍ بوزن فعليل، وبحذف الياء، وبحذف الهمزة، وبوزن قِنْديل، وبهمز ولام مشدَّدة، وبوزن جِبْراعِيْل، وجِبْراعِل، ومُنع صرفه للتَّعريف والعلمية.
(وميكائيل) وفيه خمسٌ لغاتٍ: بوزْن قِنْطار، ومِيْكاعيل، ومِيكَعِل، ومِيْكَعيل.
(إن الله هو السَّلام) هو ردٌّ عليهم فيما جاء في الرواية الآتية في (باب: ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد) أنهم كانوا يقولون: السَّلام على الله، فردَّ عليهم بأنَّ كلَّ سلامةٍ ورحمةٍ له ومنه، وهو مالكُها ومعطيها.
قال (خ): ومعناه أنَّه ذو السَّلام فمنه بدَأَ وإليه يعود؛ لأنَّه المُبرَّأ من كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وسالم منه، أو أنَّ حظَّ العبد فيما يطلبه من السَّلامة من الآفات هو من الله.
وقال (ن): إنَّ السَّلام من أسمائه تعالى، أي: السَّالم من النَّقائص، وقيل: بمعنى المسلِّم لأوليائه، وقيل: المسلِّم عليهم.
(فليقل)، قال (ن): أمر إيجاب، فقال الشَّافعي: في الآخِر، وأما الأوَّل فسنة، وقال أبو حنيفة، ومالك: سنةٌ فيهما، وأحمد: واجبٌ فيهما، وفي رواية عنه: واجب في الأول، فرضٌ في الثاني، ومَن لم يوجب الأخيرَ وافَق على وجوب القعود بقَدْره.
قال التَّيْمِي: ليس كل للوجوب، فقد أمر بالتسبيح في الركوع والسُّجود حين نزل:{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]، وقال:"اجعلوها في ركوعكم"، وحين نزلت:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1]، قال:"اجعلوها في سجودكم"، والجلسةُ الأخيرة وإنْ وجبتْ فإنَّما هي للسَّلام لا للذِّكر.
قال (ك): الأمر للوجوب، فإنْ دلَّ على خلافه دليلٌ عُمل به ليُقام الإجماع على عدم وجوب التسبيح، ودعوى أن القعود للسلام ممنوعةٌ بدليل فرضيَّته بقدر التَّشهُّد، وإلا لاكتُفي بلحظة.
قال صاحب "الهداية": القَعدة بقَدْره فرضٌ، والتَّشهدُ فيه، والقعدةُ الأولى واجبتان.
وقال في موضع آخر: الكل واجبٌ.
(التحيات) جمع تحيَّة، قال (ن): وهي المُلْك، وقيل: البقاء، وقيل: العظَمة، وقيل: الحياة، وجُمع لأنَ المُلوك كان كلُّ واحدٍ منهم
يُحييه أصحابُه بتحيةٍ مخصوصة، فقيل: جميعُها لله، وهو المستحِقُّ لها حقيقةً.
قال (خ): كانت العرَب تُحيي بكلمات مخصوصةٍ نحو: أَبَيْتَ اللَّعْنَ (1)، أنْعِمْ صَباحًا، وكانت العجَم تقول: بَشوِي هَزَار سال، أي: عِشْ ألفَ سنة، وهذه لا يصلح شيءٌ منها للثَّناء على الله بها، فتُركت أعيانها، واستُعمل معنى التَّعظيم، فقيل: قولوا: التَّحيَّات، أي: أنواع التعظيم لله.
(والصَّلوات)، قال (ن): أي: الخمس المعروفة وغيرها، وقيل: الدَّعَوات، وقيل: الرَّحمة، أي: يتفضَّل بها الله.
(والطيبات)؛ أي: الكلمات الطيِّبات التي يصلُح أنْ يثنى على الله بها، وقيل: الأعمال الزَّاكية.
(لله)؛ أي: فهذه لا تصلُح حقيقتها لغيره.
قال (ن): حذف الواو في الصَّلوات في حديث ابن عبَّاسٍ اختصارًا، والتقدير: والصلوات والطيِّبات كما هو حديث ابن مَسعود، وحذْفُها جائزٌ معروفٌ في اللغة.
قال البَيْضَاوي: يحتمل أنَّ الواو في: (والصَّلوات والطَّيِّبات)، لعطفه على التحيَّات، أو أنَّه مبتدأٌ حُذِف خبره، فيكون من عطْف الجُمَل.
(1) جاء على هامش الأصل: "أبيت اللعن: أي: أبيت أن تأتي من الأمور ما يلعن عليه".
قال: واختار الشَّافعي حديث ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه أفقَه.
قال (ن): والاتفاق على صحة الصَّلاة بكلِّ من الحديثَين، وإنَّما الخلاف في الأفضل، ففضل الشَّافعيُّ روايةَ ابن عبَّاس؛ لزيادة لفظ:(المباركات) فيها موافقةً لقوله تعالى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، وفضَّل أبو حنيفة وأحمد تَشهُّدَ ابن مسعود؛ لأنه أصحُّ، وإن كان الكل صحيحًا، وقال مالك: تشهُّد عُمر الموقوف عليه أفضل؛ لأنه علَّمه للنَّاس على المِنْبَر، ولم يُنازعه أحد، وهو:(التَّحيَّات لله، الزَّاكيات لله، الطَّيِّبات لله، الصَّلوات لله).
(السَّلام عليك)، قيل: معناه التعوُّذ بالله؛ فإنَّ السَّلام اسمٌ من أسمائه تعالى تقديره: الله عليك؛ أي: حفيظٌ، وكما يُقال: الله معك، أي: بالحفْظ، وقيل: السَّلام بمعنى السَّلامة، كاللَّداد واللَّدادة، أي: السَّلام والنَّجاة لك.
قال (ن): وحذْف الألف واللام جائزٌ، ولكن المعرَّف أفضل، وأما سلام التَّحيات، فقيل: يجوز الأمران، والجمهور على وجوبه معرَّفًا، لأنَّه لم يُنقَل إلا معرَّفًا، ولأنَّه عائدٌ إلى ما تقدَّم ذكْره في التَّشهُّد، فينبغي أن يعرَّف.
وقال الطِّيْبي: تعريفه للعهد التَّقديري، أي: ذلك السَّلام الذي وجِّه إلى الأنبياء المتقدِّمة موجهٌ إليك أيُّها النبي، والسَّلام الذي وجِّه إلى الأمم السَّالفة والصُّلَحاء علينا وعلى إخواننا، وإمَّا للجنس؛ أي: حقيقة السَّلام الذي يَعرفه كلُّ أحد أنَّه ما هو؟، وعمَّن يصدُر، وعلى من يقول عليك
وعلينا، وإما للعهد الخارجي إلى قول الله تعالى:{وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59]، وإنما قال: عليكَ، ومُقتضى الظَّاهر عليه؛ لأنَّه اتباعٌ للفظ الرسول بعينه حين علَّم الحاضرين من أصحابه.
(الصالحين)؛ أي: القائمين بحقوق الله، وحقوق العباد، وهو عمومٌ بعد خصوصٍ.
(قلتموها)؛ أي: هذه الكلمة، وفيه أنَّ الجمع المحلَّى باللام للاستغراق، والتَّفرقة في مدلول جمع القلَّة والكثْرة إنما هي عند تنكرهما (1).
(محمدًا) هو مَنْ كثُرت خصاله الحميدة، فسمي بذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم؛ لعلم الله بكثرة ذلك فيه.
(ورسوله) فيه ردٌّ على مَن زَعم أنَّه لا يكفي إلا أن يقول: رسول الله، كما وَهِمَ فيه صاحب "تَعليْقَة الحَاوي". قال (ك): وهو سهوٌ منه؛ إذْ لا خلاف في تأَدِّي الفرْض بذلك من تشهُّد ابن عبَّاس، وابن مَسعود.
قلتُ: هو السَّاهي، فإن مُرجَّح الرَّافعي، والنَّوَوِي اعتبارُ الإضافة للظَّاهر، وأنَّ رسوله لا يَكفي، نعَمْ، وقَع في "الرَّوضة" ما يُوهم أنَّ ذلك ترجيح الرَّافعي، وليس كذلك، لكن المُختار أنَّه يجوز:
(1) جاء على هامش الأصل: "جمع القلة والكثرة إنما يعتبران في النكرات لا في المعارف".