الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَبحث الأوَّل: استناد الطَّاعنين في أحاديث «الصَّحيحين» على سابق عمل المُحدِّثين في نقدهما
لا يتحرَّجُ فئام من المُعاصرين مِن إنكارِ خبرٍ مُودَع في «الصَّحيحين» إذا ضاقت أعطانهم عن تقبُّل متنِه، بدعوى أنَّ باب النَّقد للكتابين مفتوح، لِما رأوه مِن تتابع نُقَّاد أهلِ الحديث ودُقَّاق النَّظرِ من الفقهاء على نقدِهما إلى يومنا هذا، من غير تحرُّج يُبدونه في ذلك.
فبهذا المُستندِ التَّاريخيِّ سوَّغ (جمال البَنَّا) في مقدِّمة كتابه إسقاط ثُلثَيْ أحاديثِ «الصَّحِيحين» !
(1)
وبمثله تذرَّع (سعيد القنوبي)
(2)
، و (إسماعيل الكرديُّ)
(3)
، و (محمد الأدهمي)
(4)
لإلحاق ما تلقَّاه المحدِّثون بالقَبول فيهما برُكام الموضوعات، وذلك كلُّه باسم تنقية التُّراث الإسلاميِّ وتجديده.
والواحد مِن هؤلاءِ يَتصوَّر أنَّه بهذا الاعتذارِ المَشروخ لا يخرج عن جادةِ العلماء في النَّقدِ للأخبار، وأنَّ منهجَه الثَّوْرِيَّ على الصِّحَاحِ سائرٌ فيه على نفسِ المَهْيَعِ الَّذي سَلكوه؛ لا يرى نفسَه إلَّا مُتطوِّعًا لإكمالِ ما بَدأوه! على ما قد يلقاه
(1)
«تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» (ص/16 - 31).
(2)
في كتابه «السَّيف الحادِّ في الردِّ على مَن أخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد» (ص/83).
(3)
في كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/47).
(4)
في كتابه «قراءة في منهج البخاري ومسلم» (ص/13).
المسكين جرَّاءها من مشقَّة نفسيَّة لتشنيعِ العامَّة عليه، فلا يجد ما يشفي به غيضَه إلَّا أنْ يعذل أهل الحديث أنْ كانوا السَّبب في صدِّ العامَّة عن سبيل «الصَّحيحين» وغربلتهما من جديد.
يقول أحد هؤلاء الَّذين أُشربت قلوبهم بُغضَ حُرَّاس الشَّريعة: «علماء الحديث المُعاصرون كُسَالى عن التَّنقيبِ والبحثِ، ومَرعوبون مِن فكرةِ تنقيحِ أحاديثِ البخاريِّ! برغم أنَّه قد رَفَض مَن قبلَهم أئمَّةٌ ورجال دينٍ مُستنيرون بعضَ أحاديث البخاريِّ، لتَعارُضها مع العقل»
(1)
.
وقبله (أبو ريَّة) في عجيبةٍ من مُستهجنات كتابه المتكاثرة، يتوسَّل باتِّفاقِ العلماءِ على مشروعيَّةِ نقدِ الأخبارِ على وجه العموم، لردِّ ما اتَّفقوا على قَبولِه من أخبار على وجه الخصوص! تجده يُغالط القُرَّاء بهذا التَّناقض قائلًا:«لا يَتوَهمنَّ أحَدٌ أنِّي بِدْعٌ في ذلك، فإنَّ علماءَ الأمَّة لم يأخذوا بكلِّ حديثٍ نَقَلته إليهم كُتب السُّنة، فليَسَعْنِي ما وَسِعَهم!»
(2)
.
دعْ عنك عَريضَ الوِسادِ هذا؛ وانظُرْ إلى قامةٍ جليلةٍ مِن قاماتِ الدَّعوة والأدب الإسلاميِّ؛ إلى (محمَّد الغزالي السَّقا) في كتاباتِه النَّقديِّة للمرويَّات؛ كيف تَلمَّحُ منها حرصَه على إفهامِ قارِئِيه بأنَّ إنكارِه لِما أنَكر من صِحاحِ الآثار، ما هو فيه إلَّا مُتَّصِلَ الإسناد بنقداتِ مَن مَضى مِن أهل العلمِ، غير شاردٍ عن منهجِهم في نقد ما يستوجب النَّقد.
(3)
.
فهذه المسوِّغات التَّي يقدِّمها هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين للطَّعنِ في الصِّحاح -وإن كانت من بعضهم عن حسن قصدٍ، لا على سبيل التَّحيُّل- لم تكُن وَليدَة النَّكبة الفكريَّة المعاصرِة قطُّ، بل قديمة قِدَم الفِرَق المُجافية للسُّنة والجماعة؛ الَّذين إذا راعَهَم أمرُ حديثٍ نَبويٍّ لمخالفتِه لشيءٍ ممَّا يقولون به -وإن كان مَبنيًّا على مجرَّد الظَّن- بادروا لتكذيبِه، والحكمِ بوَضعِه، أو نفيِ صحَّةِ رَفعِه، وإن كان إسنادُه خاليَّا عن كلِّ علَّةٍ؛ وإن ساعَدَهم الحالُ على تأويلِه على وجهٍ لا يُخالف أهواءَهم بادروا إلى ذلك، وهو خير أحوالهم.
فهذا نهج الاعتزال ومَن حَذا حذوَه في التَّمعقُل على النُّصوص، وإلي أربابِه نسبةُ مَن «نَسَبوا رُواة ما أنكروه مِن الأحاديثِ إلى الاختلاقِ والوَضعِ، مع الجهلِ بمَقاصد الشَّرع، والمُجامِلون منهم اكتَفوا بأنْ نَسَبوا إلى الرُّواةِ الوهمَ والغَلطَ والنِّسيان، وهو ممَّا لا يخلو عنه إنسان، وقالوا: إنَّ المُحدِّثين أنفسُهم قد رَدُّوا كثيرًا مِن أحاديثِ الثِّقاتِ بناءً على ذلك»
(1)
.
ولِمن يَعترضُ على أحاديثِ «الصَّحيحين» بسَبقِ الأئمَّةِ إلى ذلك مَآربُ أخرى غير مسألة استحلال نقد الصِّحاح في نظر العامَّة، من أبرزها:
إقناعُ النَّاس بأنَّ في ما يذكرونه من نَقداتِ العلماء المتقدِّمين للصَّحيحين خرْمًا لِما يَدَّعيه أهل السُّنة مِن إجماعٍ على صِحَّة ما في الكتابين! وإكذابًا لدعوى تَلقِّي الأمَّة لهما بالقَبول.
بل نجد مِن الطَّوائف البدعيَّة مَن يستكثر النَّقلَ عن نُقَّاد أهل السُّنة في تعليلهم لأحاديث «الصَّحيحين» ، قِيامًا بالحُجَّةِ على أهلِ السُّنةِ -بزعمهم- بكلام علماء السُّنة أنفسِهم!
وباستحضار هذا المَقصد، تفهمُ سببَ اقتصار (سعيد القَنوبيِّ) العُمانيُّ على سَرْدِ نقداتِ أهل السُّنةِ لما فيِ «الصَّحيحين» ، دون أن يجلب كلام طائفته في هذا المقام من الرَّد، مُعلِّلًا ذلك لمُريدِيه الإباضيَّةِ بقوله: «أرَاني مُضطَرًّا لذكرِ كلامِ
(1)
«توجيه النَّظر» لطاهر الجزائري (ص/193) بتصرف يسير.
طائفةٍ مِن العلماءِ مِن أصحابِ المَذاهبِ الأربعةِ، أو مِمَّن يَعترفُ الحَشْويَّة
(1)
بآرائِهم، ويُكثِرون مِن نقلِ كلامِهم، حول وجودِ بعضِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ في الصَّحِيحَين أو أحدهِما»
(2)
.
وعلى نفس هذا الأسلوبِ مشى (إسماعيل الكرديِّ) في مقدَّمة كتابه، تمهيدًا لتقبُّل نفوس قارئيه لعبثه في الكتابين، فلذلك قال:«أَتَيتُ بهذا الكتابِ، الَّذي كانت مُعظم اقتباساتِه ونقودِه الَّتي تَنقد البخاريَّ ومسلم مُوجَّهةً مِن الأئمَّةِ الأربعة ومِن تلاميذهم، ومِمَّن هم مَرجعٌ وثِقةٌ لهم بالذَّاتِ، أي لتلك الفئةِ المُتشبِّثةِ بالماضي .. »
(3)
.
وكان مِن دَهاءِ بعض هؤلاءِ، أنْ أمعنوا في الاستشهاد بعلماءَ مُعاصِرين مُشتغِلين بالحديثِ وتخريجِه خاصَّة، لهم رأيٌ في بعضِ أحاديثِ «الصَّحِيحين»؛ أبرزُهم حسب تتبُّعي لكتاباتهم في هذا الشَّأن خمسة: محمَّد رشيد رضا، ومحمَّد زاهد الكوثري، وأحمد وأخوه عبد الله الغُماريَّان، وناصر الدِّين الألباني
(4)
؛ فقد كانوا أحرصَ على نقلِ كلامِ هؤلاء مع من مَضى من المتقدِّمين، لغايةِ إقناع الجماهيرِ بأنَّ بابَ النَّقدِ للكتابينِ لم يُغلَق بعدُ ولن يُغلَق، وأنْ لا مَزيَّة لهؤلاءِ المُعاصرين عليهم، فكلُّهم باحثون على الحقيقة أبناءُ عَصرٍ واحدٍ!
فهذا أوان الشُّروع في تزييف هذه الدَّعاوي المُسوِّغات لمِا نراه من عبثٍ بدواوين أهل السُّنة، وذلك منِّي ببيانِ طبيعةِ تعليلاتِ المُتقدِّمين لما في
(1)
الحشوية: مصطلح قديم تنبز به المعتزلة ومن تأثَّر بهم أهلَ السُّنة، لأنَّهم يجُرون آيات الله تعالى على ظاهرها ويعتقدون أنَّها مرادة، و «لكثرة روايتهم للأخبار، وقبولها ما وَرد عليها من غير إِنكار» ، انظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/136)، و «شمس العلوم» لنشوان الحميري (3/ 1452).
(2)
«الطوفان الجارف» لسعيد القنوبي (3/ 1/59)، وانظر أيضًا كتابه «السَّيف الحاد» (ص/83).
(3)
«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي (ص/8).
(4)
انظر أمثلة الاستشهاد بهؤلاء المعاصرين في «تجريد البخاري ومسلم» (ص/25 - 29) لجمال البنا، و «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي، وكذا في عدد من الصُّحف المصريَّة ذوات التَّوجه اللِّبرالي، كصحيفة «المصري اليوم» ، في مقالها الذي نشرته بتاريخ 6 أبريل 2015 م، بعنوان:«أشهر اثني عشر عالما إسلاميًّا انتقدوا البخاري!» .
«الصَّحيحين» ، وأنَّها بمنأى عن طريقة خبطِ الطَّاعنين في السُّنَن؛ وببيانِ غلطِ الاعتماد على الخمسةِ العلماءِ المُحْدَثين الَّذين ذكرتهم قريبًا في تعليلاتهم لأحاديث الكتابين -سوى رشيد رضا الَّذي سبق الكلام عنه-، كيْ لا يُتَّخَذَ ذلك وليجةً للاعتضادِ.
ذلك أنَّ بيانَ مَآخذِ أهلِ العلم، ونَفيَ مَوارد الظُّنون عنهم، مِن أشرفِ ما تتغيَّاه هذه الأطروحة؛ مع الإعلانِ بخطأِ مَن أخطأ من العلماء في نقده وحكمه، قطعًا لعَلائقِ المُتأوِّلين المُتعلِّقين بأذيالِ أهلِ العلم بباطل؛ فضلًا عن كونِ ذلك مِن لوازمِ الدِّيانة؛ فأقول مستعينًا بربِّي تبارك وتعالى: