الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لحديث الجارية
تمهيد:
لا يَزال حديث الجارية مُشكلًا على كثيرٍ مِن المُحصِّلين حقيقةُ ما أريد به، قد تَشعَّبت بهم صِيَغ القول فيه؛ حتَّى أفضى بفريقٍ إلى ادِّعاء ما لا يُعرَف له في تأويلِ الحديث أصل
(1)
، فهؤلاء لا نتشاغل بنقدِ مَقالتِهم تلك ما داموا يُقرِّون لنا بثبوتِه؛ وإنَّما وِجهة النَّقد صَوْبَ فريقٍ انتهى إلى النَّكير والطَّعن في الحديث على عمياء! فلم يعُد إليهم مِن ذلك إلَّا إفكٌ صَريح، إذْ قابلوا الصِّدقَ بالكذب، وعارضوا اليَقين بالشَّك.
فكان أشهر مَن تولَّى منهم كِبرَ ذلك في زمانِنا هذا رجُلان، أحدهما في المشرقِ والآخر في المغرب؛ فأمَّا المَشرقيُّ: فمحمَّد زاهد الكوثريُّ، وأمَّا المَغربيُّ: فعبد الله بن الصِّديق الغُماري؛ ثمَّ رَدَّد مزاعمَهما واغتَّر بشُبهاتهما مَن لا تحقيقَ له في فنِّ الرِّوايةِ، ولا فهمَ له في علم الدِّراية، ألصقُهم بهذين الوصفينِ تلميذٌ أردنيٌّ للغُماريِّ يُدعَى (حسن السَّقاف).
(1) انظر بعضًا من هذه التَّأويلات لحديث الجارية في: «مشكل الحديث» لابن فورك (ص/158)، و «المواقف» للآمدي (3/ 37)، و «كشف المشكل من حديث الصحيحين» لابن الجوزي (4/ 235)، و «شرح النووي على مسلم» (5/ 24).
وليس يشكُّ حَديثيٌّ أنَّ القولَ بضعفِ حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه تَنكُّب عن جماعةِ المُحدِّثين، ونَقضٌ لمِا توارَدت عليه أجيالُ الأمَّة مِن تَلقِّيه بالقَبول؛ فأهل الصَّنعةِ مُسلِّمون بثبوتِه، منهم: البَيهقيُّ
(1)
، وابن عبد البرِّ
(2)
، والبَغويُّ
(3)
، والجورقاني
(4)
، وابن قدامة المقدسيُّ
(5)
، والذَّهبي
(6)
، وابن حجر العسقلانيُّ
(7)
، وابن الوزير اليَماني
(8)
، وغيرهم كثير.
لكن بعض مَن أسلفتُ ذكرَ أسَاميهم مِن مُنكري الحديث لم يرفعوا بكلامِ هؤلاءِ الأعلامِ رأسًا، بل طافوا حولَ الحديث تهويشًا بكلِّ شُبهةٍ وقذفًا بكلِّ مَظِنَّة، قصد الانفكاك عن مُقتضى ما في السُّؤالِ عن الله بأين مِن إثباتِ العُلوِّ له سبحانه.
والسَّبيل فيما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتلقَّى بالقَبول، والإذعان لخبرِه على مُرادِه، فقد كان صلى الله عليه وسلم أعرفَ الخلق بالله -بأبي هو وأمِّي-، وأعلمهم بطريق الهداية إليه؛ فليس لأحدٍ مِن خلقِ الله أن يشمئزَّ عن قَالةٍ قالها، أو يتنكَّب عن مَحجَّة سَلكها، فما يأتي منه صلى الله عليه وسلم إلَّا ما طابَ وكرُم، وما له مِنَّا فيما بلَغنا عنه إلَّا السَّمع والطَّاعة، والرِّضا والتَّسليم.
هذا؛ وإنَّ المُتنفِّر عن مثلِ هذا الحديث، المُجِدَّ في الهربِ عنه، لو أنعمَ النَّظر فيه، مع ما يُتلى عليه مِن الآياتِ والذِّكر الحكيم، ويُروى له مِن السُّنَن بالنَّقل القويم: لن يُعدَم له نظائر في القَبِيلَيْن.
(1)
«الأسماء والصفات» (2/ 325).
(2)
«الاستيعاب» (3/ 1415).
(3)
«شرح السُّنة» (3/ 239).
(4)
«الأباطيل والمناكير» (2/ 391).
(5)
«إثبات صفة العلو» (ص/69).
(6)
«العلو» (ص/14).
(7)
«فتح الباري» (13/ 359).
(8)
«العواصم والقواصم» (1/ 380).
تأمَّل لوائحَ هذا في قولِ أبي الحسن الأشعريِّ (ت 324 هـ):
«قال تعالى حاكيًا عن فرعون -لعنه الله-: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} [غافر: 36 - 37]؛ كذَّب موسى عليه السلام في قوله: إنَّ الله سبحانه فوق السَّماوات.
وقال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} [المُلك: 16]: فالسَّماوات فوقها العرش، فلمَّا كان العرش فوق السَّماوات قال:{أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} ، لأنَّه مُستَوٍ على العرش»
(1)
.
ونَظير ذلك في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «اِرحموا مَن في الأرض، يرحمكم مَن في السَّماء»
(2)
؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألَا تأمنوني وأنا أمين مَن في السَّماء؟! .. »
(3)
.
فما جاء من جوابِ الجاريةِ في الحديث واقعٌ بمثلِ ما نَطق به التَّنزيل الكريم، وأبانت عنه سُنة الهادي الأمين، وتوارثه النَّاس عن الصَّحابة والتَّابعين، وهؤلاء «لا يقولون شيئًا مِن ذلك إلَّا وقد أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنَّهم لا مساغَ لهم في الاجتهاد في ذلك، ولا أن يقولوه بآرائِهم»
(4)
.
فلأجلِ ذلك نرى الأشعريَّ يُدرج حديثَ الجارية هذا في ما توارثه السَّلف من أدلَّةٍ في إثباتِ العلوِّ لله تعالى، معلِّقًا عليه بقوله:«هذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى على عرشه، فوق السَّماء .. »
(5)
.
(1)
«الإبانة عن أصول الديانة» (ص/106).
(2)
خرَّجه الترمذي في «الجامع» (ك: البر والصلة، باب: ما جاء في رحمة المسلمين، رقم: 1924)، وقال:«هذا حديث حسن صحيح» .
(3)
أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم: 4351)، ومسلم في (ك: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم: 1064).
(4)
«العرش» للذهبي (2/ 159).
(5)
«الإبانة» (ص/119).
وابن كُلَّاب (ت 245 هـ)
(1)
نفسُه قد بَيَّن أنَّ إنكارَ ما في هذا الخبرِ مِن سؤال النَّبي صلى الله عليه وسلم للجاريةِ عن الأيْنيَّة وجوابِها له، مِن قبائحِ ما تقحَّمته الجهميَّة دون سائرِ الأمَّة، فقال:«رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صَفوة الله من خلقِه، وخيرته مِن بريَّتِه، وأعلمهم جميعًا به، يجِيزُ قولَ الأَين، ويقوله، ويستصوب قولَ القائل: إنَّه في السَّماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهمُ بن صفوان وأصحابه لا يُجِيزون الَّذي زَعموا، ويُحيلون القولَ به» .
ثمَّ قال: « .. ولو كان خطأً، كان رسول الله أحقَّ بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهِمين أنَّه عز وجل مَحدود، وأنَّه في مكانٍ دون مكانٍ؛ ولكن قولي: إنَّه في كلِّ مكان، لأنَّه هو الصَّواب دون ما قلتِ.
كلَّا! لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع علمِه بما فيه، وأنَّه أصوب الأقاويل، والأمر الَّذي يجلِب الإيمان لقائلِه، ومِن أجلِه شهدَ لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحقُّ في خلاف ذلك والكتاب ناطقٌ به وشاهد له؟!».
يقول أبو بكر ابن فورك (ت 406 هـ) بعد نقلِه لنصِّ كلامِ ابن كُلَّاب: «قد حَقَّق رحمه الله في هذا الفصل شيئًا مِن مَذاهِبه:
أحدها: إجازة القول بـ «أين الله» في السُّؤال عنه.
والثَّاني: صحَّة الجواب عنه بأن يُقال: في السَّماء.
والثَّالث: أنَّ ذلك يَرجِعُ فيه إلى الإجماعِ مِن الخاصَّة والعامَّة»
(2)
.
ومع هذه البصائر البيِّنات كلِّها، لم يقنَعوا مَن عَنينا قبلُ مِن المُتأخِّرينَ بهذه الدَّلائل ولا تبصَّروا بكلامِ مَن مَرَّ مِن الأوائل، ومع إعلانِهم التَّقليدَ في العقائد، وتبجُّحهم باقتفاءِ تأصيلِهم للقواعد، فقد أجْلَبوا على الحديثِ بما قَدِروا مِن بِدع المعارضات، مُجمَلةٌ فيما تَعلَّق منها بالمتنِ في الآتي:
(1)
عبد الله بن سعيد ابن كُلَّاب، أبو محمد القطان: من رؤوس المتكلمين، يقال له ابن كُلَّاب: لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه كما مجتذب الكلاب الشئ! له كتب، منها:«الصفات» ، و «خلق الأفعال» ، و «الرد على المعتزلة» ، انظر «الأعلام» (4/ 90).
(2)
نقله ابن تيمية عن كتاب «الصِّفات» لابن فورك في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 89 - 91).
المعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ مُضطرب المتن، إذ أنَّ لفظ معاوية بن الحَكم فيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية:«أين الله؟» ، بينما غيره مِن الصَّحابة وقع في حديثِهم أنَّ سؤاله للجاريةِ كان بلفظ:«مَن ربُّك؟» ، أو «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله؟» ، فلا يُدرى عندهم أيُّ الألفاظِ هو لفظ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقالوا بعدُ: إنَّ البيهقيَّ قد أشار إلى هذا الاضطراب، حيث قال بعد روايتِه له:« .. وقد ذكرتُ في كتاب الظِّهار مِن السُّنن مخالفةَ مَن خالفَ معاويةَ بنَ الحكم في لفظِ الحديث»
(1)
.
ولعلَّ ما أبردَ يقينَهم بهذا الاضطراب، أن رأوا بعض الرُّواةِ عن معاوية بن الحكم يقول بأنَّ الجارية كانت خرساء، وأنَّها أشارت إشارة، وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مَدَّ يدَه إليها، وأشار مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ فجاء الرَّاوي الَّذي في «صحيح مسلم» فسَبَك ما فهِمه مِن الإشارةِ في لفظٍ اختاره، فرواه بحسب المعنى الَّذي فهمه
(2)
!
المعارضة الثَّانية: أنَّ المعهود مِن حالِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، والمتواتر عنه في تلقين الإيمان واختبار إسلام الإنسان، إنَّما كان منه بكلمةِ التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة؛ فما وَقع في بعضِ الرِّوايات لهذا الحديث بلفظ:«أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله» ، هو اللَّفظ الوحيد الَّذي ينبغي أن يكون جاريًا على الجادَّة، وأجدر أن يكون هو اللَّفظ النَّبوي
(3)
.
المعارضة الثَّالثة: أنَّ البخاريَّ لم يروِ هذا الحديث في «صحيحه» ، بل أخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكرِ ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء، ولم يُشِر هو إلى أنَّه اختصَرَ الحديث، مِمَّا يدلُّ على تعليلِه لهذه الجُمَل منه
(4)
.
(1)
«الأسماء والصفات» للبيهقي (2/ 327).
(2)
انظر تعليق الكوثري على «الأسماء والصفات - بتحقيقه» (ص/391)، وتعليقه على «السَّيف الصقيل» للسبكي (ص/82)، وتعليق عبد الله الغُماري على «التمهيد» لابن عبد البر (7/ 135)، وتعليق السَّقاف على «دفع شُبه التَّشبيه» لابن الجوزي (ص/108).
(3)
انظر تعليق الغُماري على «التمهيد» (7/ 135)، وتعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/83).
(4)
انظر تعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/82).
المعارضة الرَّابعة: أنَّ مسلمًا أخرجَ هذا الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروِه في (كتابِ الإيمان)، فدلَّ صنيعُه على كونِه مُتعلِّقًا متنُه ببابِ الأعمال، ولا دخلَ له في باب الاعتقاد
(1)
.
المعارضة الخامسة: أنَّ في الحديث إثباتًا لعلوِّ الذَّات الإلهيَّة وفوقيَّته على خلقِه، و «الإشكال الكبير في هذا السِّياق هو أنَّ جمهور أهل الإسلام مُتَّفقون على أنَّ الله تعالى لا يحدُّه مكان ولا زمان، ولا يُقال عنه أين ولا كيف، ورسول الله أعلم الخلقِ بالله، فلا يمكن أن يَسأل مثلَ هذا السُّؤال عن الله تعالى»
(2)
.
المعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقادَ عُلوِّ الله تعالى على خلقِه في السَّماء عقيدة العرب المشركين في الجاهليَّة! شاهد ذلك قصَّة إسلام حُصين والدِ عمران، حيث سأله النَّبي صلى الله عليه وسلم:«كم إلهًا تعبد؟ فقال: ستَّة في الأرض، وواحد في السَّماء .. » الحديث
(3)
، فكيف يكون هذا الاعتقاد دليلًا على الإيمان وهو اعتقاد الجاهليَّة؟!
(4)
(1)
انظر تعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/82).
(2)
«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/218 - 219).
(3)
أخرجه الترمذي في «الجامع» (ك: الدعوات، باب، رقم: 3483)، وقال:«هذا حديث غريب، وقد رُوي هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه» .
(4)
انظر «فتح المعين بنقد الأربعين» للغُماري (ص/28)، وتعليقه على «التمهيد» (7/ 135).