الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثاني سَوْق خِلافِ العلماءِ في صحَّةِ حديثِ خَلْقِ التُّربة يومَ السَّبت
قد اختلف أهل العلمِ في هذا الحديث قديمًا وحديثًا على طائفتين:
الأولى: رَأت الحديثَ مُنكرَ المتنِ، واختلفت في أصل هذه النَّكارة من السَّنَد.
فمِن أشهر هؤلاءِ المُعلِّين للحديث: ابنُ المَديني
(1)
، والبخاريُّ
(2)
، وابن عطيَّة الأندلسي
(3)
، وأبو العبَّاس القرطبي
(4)
، وتلميذه المُفسِّر أبو عبد الله القرطبيُّ
(5)
، وابن تيميَّة
(6)
، وابن القيِّم
(7)
، وابن كثير الدِّمشقي
(8)
، ومحمَّد بن نصر القُرَشي
(9)
، وعبد الرَّؤوف المُناوي
(10)
، وشهاب الدِّين الآلوسيُّ
(11)
.
(1)
انظر «الأسماء والصفات» للبيهقي (2/ 250).
(2)
«التاريخ الكبير» (1/ 413).
(3)
«المحرر الوجيز» (3/ 152).
(4)
«المفهم» (24/ 11).
(5)
«الجامع لأحكام القرآن» (6/ 384).
(6)
انظر «الجواب الصحيح» (2/ 443)، و «مجموع الفتاوى» (1/ 256)(18/ 18).
(7)
انظر «المنار المنيف» (ص/84)، و «بدائع الفوائد» (1/ 85).
(8)
«البداية والنهاية» (1/ 32 - 33).
(9)
في كتابه «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (4/ 568).
(10)
«فيض القدير» (3/ 447).
(11)
«روح المعاني» (4/ 373).
ومِن المعاصرين: جمال الدِّين القاسمي
(1)
، ومحمَّد رشيد رضا
(2)
، وعبد الحفيظ الفاسي
(3)
، وأحمد الغُماري
(4)
، ومحمَّد الأمين الشَّنقيطي
(5)
، ومحمَّد أبو شهبة
(6)
، وشعيب الأرنؤوط
(7)
.
والطَّائفة الثَّانية: لم تَرَ في الحديثِ ما يُستنكر، فصَحَّحته لظاهرِ إسناده.
وعلى رأس هؤلاء: مسلم بن الحجَّاج، وقبله محمَّد ابن إسحاق صاحب «السِّيرة»
(8)
، ثمَّ ابنُ حبَّان
(9)
، وابنُ الجوزي
(10)
، والسُّهَيْلي
(11)
.
ومِن أهل اللُّغةِ: ابن الأنباري
(12)
، وتبِعَه أبو منصور الأزهريُّ
(13)
.
ومِن المعاصرين: أحمد شاكر
(14)
، وانتصَرَ لصحَّتِه: عبد الرَّحمن المُعلِّمي
(15)
، وناصر الدِّين الألباني
(16)
.
(1)
«محاسن التأويل» (5/ 68).
(2)
«تفسير المنار» (8/ 399).
(3)
«الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات» (ص/216).
(4)
«المُداوي لعلل المناوي» (3/ 484).
(5)
«العَذب النَّمير من مجالس الشَّنقيطي في التَّفسير» (3/ 345).
(6)
«دفاع عن السُّنة ودفع شبه المستشرقين» (ص/132 - 134).
(7)
وكان صحَّح إسنادَه في تخريجه لـ «صحيح ابن حبان» (رقم: 6161)، ثمَّ أبان عن علَّة الحديث في تخريجه لـ «مسند أحمد» (14/ 82، رقم: 8341).
(8)
انظر «تاريخ الطبري» (1/ 44 - 45).
(9)
حيث أخرجه في «صحيحه» (ك: بدء الخلق، باب: ذكر اليوم الذي خلق الله جل وعلا آدم صلى الله عليه وسلم فيه، رقم: 6161).
(10)
«المنتظم» (1/ 124)، و «زاد المسير» (7/ 243).
(11)
«الرَّوض الأُنف» (2/ 197).
(12)
«الزَّاهر في معاني كلمات النَّاس» لابن الأنباري (2/ 138).
وابن الأنباري: هو الشَّيخ المُعمِّر أبو بكر محمد بن جعفر بن الهيثم، مسند بغداد ومُحدِّثها، من علماء اللغة، توفي (360 هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» (8/ 152).
(13)
«تهذيب اللغة» (12/ 269).
(14)
انظر تعليقه على «مسند الإمام أحمد» (16/ 146).
(15)
«الأنوار الكاشفة» (ص/189 - 190).
(16)
انظر «مختصر العُلو» (ص/112)، و «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (1833).
فأمَّا الفريق الأوَّل: فقد أعَلُّوا الحديث متنًا مِن عدَّة وجوهٍ من المعارضاتٍ
(1)
:
المُعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ جَعَل استيعابَ الخلقِ في سبعةِ أيَّام، وهذا خلافُ القرآن، الَّذي أخبر أنَّ الله تعالى في عدَّة آياتٍ من كتابه أنَّه {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [السجدة: 4].
المعارضة الثَّانية: أنَّه خَلَا مِن ذِكْرِ خَلقِ السَّموات.
المعارضة الثَّالثة: أنَّه جَعَل خلْقَ الأرض وما فيها في سِتَّة أيَّام، والقرآنُ يُخبر أنَّ الأرضَ خُلِقَت في أربعةِ أيَّام، ثمَّ خُلِقَت السَّماءُ في يَومين، كما في قوله تعالى:
المعارضة الرَّابعة: مخالفتُه للآثارِ المُصرِّحة بأنَّ أوَّل أيَّام الخَلْقِ السِّتة هو يوم الأحد
(2)
؛ وعلى ذلك نقَلَ ابن جرير الطَّبري إجماعَ السَّلف
(3)
، ودَلَّت عليه أسماءُ أيَّامِ الأسبوع: الأحد إلى الخميس.
وفي تقرير هذه المعارضاتِ للحديث، يقول ابن تيميَّة:
«ثَبَت بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ أنَّ الله تعالى خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ في ستَّة أيام، وأنَّ آخرَ ما خَلَقَه هو آدم، وكان خَلْقُه يومَ الجمعة، وهذا الحديث
(1)
ذكرها المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (ص/188 - 189).
(2)
انظر الآثار في ذلك عن ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ومجاهد، والضحاك، والسُّدي، وغيرهم، في:«جامع البيان» للطبري (1/ 464)(12/ 329)(20/ 382)، وأبو الشيخ في «العظمة» (4/ 1361 - 1365)، وانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (17/ 236)، و «البداية والنهاية» لابن كثير (1/ 33).
(3)
انظر «تاريخ الرسل والملوك» (1/ 45).
المُختلَف فيه يقتضي أنَّه خَلَق ذلك في الأيَّامِ السَّبعة؛ وقد رُوِي إسنادٌ أصحُّ مِن هذا أنَّ أوَّلَ الخلقِ كان يومَ الأحد»
(1)
.
وقال أيضًا: «لمَّا ثَبَت بهذه الأحاديث الَّتي في الصِّحاح والسُّنَن والمسانيد وغيرها، أنَّ آدمَ خُلِق يوم الجمعة، وثَبَت أنَّه آخرُ المَخلوقاتِ بلا نزاعٍ: عُلِم أنَّ ابتداءَ الخلْقِ كان يومَ الأحد، لأنَّ القرآنَ قد أخبرَ أنَّ الخلْقَ كان في سِتَّة أيَّام، وبهذا النَّقلِ المُتواترِ، مع شهادةِ ما عند أهلِ الكتابِ على ذلك، ومُوافقةِ الأسماء، وغير ذلك: عُلِم ضعفُ الحديث المُعارض لذلك.
مع أنَّه في نفسِه مُتَعارِض! فهذا الحديث قد بَيَّن ما يُوافق سائرَ الأحاديث مِن أنَّ آدم خُلِق يوم الجمعة، وأنَّه خُلِق آخرَ الخلقِ، ومَعلومٌ بنصوصِ القرآنِ أنَّ الخَلق كان في ستَّةِ أيَّام، وذلك يَدلُّ على ما وَقع فيه مِن الوَهم بذكرِ الخلقِ يومَ السَّبت»
(2)
.
وقال ابن القيِّم عن يوم السَّبت: «لم يَكُن يومًا مِن أيَّامِ تخليقِ العالَم، بل ابتداءُ أيَّام التَّخليقِ الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصَحُّ القولين، وعليه يَدلُّ القرآن، وإجماعُ الأمَّة على أنَّ أيَّامِ تخليقِ العالَم ستَّة، فلو كان أوَّلُها السَّبت، لكان سبعة؛ وأمَّا حديث أبي هريرة الَّذي رواه مسلم في صحيحه: «خَلقَ الله التُّربة يوم السَّبت .. » .. فيَتَضمَّنُ أنَّ أيَّام التَّخليق سبعةٌ، والقرآن يردُّه»
(3)
.
وقال ابن كثير في الحديث: «في مَتنِه غَرابةٌ شديدةٌ! فمِن ذلك: أنَّه ليس فيه ذكرُ خلقِ السَّماواتِ، وفيه ذكرُ خلقِ الأرض وما فيها في سبعة أيَّام، وهذا خلاف القرآن؛ لأنَّ الأرض خُلِقت في أربعة أيَّام، ثمَّ خُلِقت السَّماوات في يومين مِن دخان»
(4)
.
(1)
«قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية (ص/188).
(2)
«بغية المرتاد» لابن تيمية (ص/305).
(3)
«بدائع الفوائد» (1/ 85).
(4)
«البداية والنهاية» (1/ 33).
وأمَّا الفريق الثَّاني مِمَّنْ تابَعَ مُسلمًا في تصحيحِ الحديث:
فكانت أغلبُ أجوبتِهم عن المُعارضاتِ السَّابقةِ مُنحصرةً في الإجابة عن العِلَّة الأساسةِ الأولى، أعني بها:«مخالفةَ الحديثِ لعَددِ أيَّام الخَلْقِ السِّتة المَذكورة في القرآن» ، وهي إجابةٌ منهم تمثِّل في ذاتها توجيهًا لمَفهومِ الحديث، يخلُص النَّاظرُ فيها إلى أنَّهم: يجعلون بَدْءَ الخلقِ يومَ السَّبت، وخَتْمَه يومَ الخميس، فهذه سِتَّة أيَّامٍ كما في القرآن، أمَّا خَلْقُ آدم عليه السلام، فيجعلونه خارجًا عن هذه الأيَّامِ السِّتةِ للخَلْقِ؛ وبهذا يَندفعُ الإشكال مِن وجهةِ نَظرهِم.
مع اختلافِهم في وَجهِ هذا الخروجِ لآدم عليه السلام عن خلقِ الأيَّام السِّتة، على وَجْهينِ:
الأوَّل: فيذهبُ فيه بعضهم إلى أنَّ خَلْقَ آدم عليه السلام مُستَقلٌّ عن خَلْقِ الأرض، فليس هو مِنها، فلا يكون يومُه مَعدودًا في الأيَّامِ السِّتة أصلًا.
وفي تقريرِ هذا الوجه، يقول ابن هُبيرة (ت 560 هـ):«لمَّا كمُلَت هذه الأشياء في سِتَّة أيَّام كما قال عز وجل، واستَتَبَّ أمرُ الدَّار، مُستدعيةً بلسانِ حالِها قدومَ السَّاكنِ حين تهيئةِ الأسبابِ، والفراغِ مِن الرِّزق والمَركب والرِّياش، وتبيِين ما يُكرَه وما يُطلب: كان خَلقُ ساكنِ الدَّارِ أبي البَشر في يومِ الجمعةِ عند آخرِ النَّهار»
(1)
.
أمَّا ابن الجوزيِّ، فرأيُه أنَّ أصولَ الأشياءِ هي الَّتي خُلِقَت في الأيَّام السِّتة، وليس مُطلَق الأشياء، وآدم ليس أصلًا، وإنَّما هو كالفَرْعِ مِن بعضِها، وكأنَّ قولَه هذا شارحٌ لِما سَبَق مِن كلامِ ابنِ هُبيرة.
(2)
.
(1)
«الإفصاح» لابن هبيرة (8/ 149).
(2)
«كشف المشكل» لابن الجوزي (3/ 580).
ولِما بين هذين القَولين مِن تَشاكل، جَمَع بينهما المُعلِّمي في جوابٍ له على وجه خروج آدم عليه السلام، وزاد عليهما: أنَّ خَالقيَّة الله تعالى لمْ تَتَوقَّف بعد الأيَّام السِّتة أصلًا حتَّى يُحصَرَ خَلقُ آدم فيها، فالله ما زال ولا يزال يخلُق، فخَلْقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآنِ أنَّ خلْقَه كان في الأيَّامِ السِّتة فقط، حتَّى يُقال إنَّها صارت بهذا الحديث سبعة.
(1)
.
وأمَّا الوجه الثَّاني لخروجِ خلقِ آدم عن الأيَّام السِّتة: فقد جعل بعضهم الأيَّام المَذكورة في الحديثِ أيَّامًا أخرى غير الأيَّام السِّتة لبدء الخلق، وإنَّما هي بعدها! وهذا ما ارتآه الألبانيُّ بقولِه:
(2)
.
قلت: حديث الأخضر الَّذي عناه الألبانيُّ بالاستدلال:
ما رواه الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي قال: «يا أبا هريرة، إنَّ الله خَلَق
(1)
«الأنوار الكاشفة» (ص/190).
(2)
«مختصر العلو» (ص/112).
السَّموات والأَرَضين وما بينهما في ستَّة أيَّام، ثمَّ استوى على العرشِ يوم السَّابع، وخَلَق التُّربة يوم السَّبت، والجبال يوم الأحد، والشَّجر يوم الاثنين، والتَّقن
(1)
يوم الثُّلاثاء، والنُّور يوم الأربعاء، والدَّواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعةٍ مِن النَّهار بعد العصر، وخلَق أديمَ الأرض أحمرَها وأسودها، وطيِّبَها وخبيثها، مِن أجل ذلك جعل الله عز وجل مِن آدم الطَّيب والخبيث»
(2)
.
فهذه أَوجُه جوابِ مَن صَحَّح الحديث، وهي تَنحصر -كما ترى- في الإجابةِ عن العِلَّةِ الأولى الرَّئيسةِ مِن عِلَل المتن، وحاصلُها: خروجُ يوم الجمعةِ الَّذي خُلِق فيه آدم عليه السلام مِن الأيَّامِ السِّتة لخلقِ السَّموات والأرض.
وأمَّا عن المعارضة الثَّانية، وهي خُلوُّ الحديثِ مِن ذِكرٍ لخلقِ السَّموات:
فقد أجاب عنها المُعلِّمي بقولِه: «الحديث وإنْ لم يَنُصَّ على خلقِ السَّماء، فقد أشار إليه بذكرِه في اليومِ الخامس: النُّور، وفي السَّادسِ: الدَّواب، وحياةُ الدَّواب محتاجةٌ إلى الحرارةِ، والنُّورُ والحرارة مصدرهُما الأجرامُ السَّماويَّة»
(3)
.
وأمَّا المعارضة الثَّالثة؛ في أنَّ خلْقَ الأرضِ في الحديثِ كان في ستَّةِ أيَّام، بينما صريحُ القرآنِ يَدلُّ على أنَّها خُلِقت في أربعةِ أيَّام:
(4)
.
(1)
التَّقن: ما يقوم به المعاش ويصلح به التَّدبير، كالحديد وغيره من جواهر ا لأرض والخشاش، وهي حشرات الأرض وهوامها، وكل شيء يحصل به صلاح: فهو تقن، ومنه: إتقان الشيء أي إحكامه، انظر «المفهم» للقرطبي (24/ 10).
(2)
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (ك: التفسير، باب: سورة السجدة، رقم: 11328).
(3)
«الأنوار الكاشفة» (ص/190).
(4)
«الأنوار الكاشفة» (ص/190).
وأمَّا عن المعارضة الرَّابعة؛ أعني مخالفةَ الحديثِ للآثارِ الدَّالة على أنَّ بدءَ الخلقِ كان الأحد:
فقد أجاب عنها المُعلِّمي بأن قال: «الآثار القائلة أنَّ ابتداء الخلق يومَ الأحد: ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف مِن هذا الحديث بكثيرٍ، وأمَّا غير المرفوع، فعامَّتُه مِن قول عبد الله بن سلام، وكعب، ووَهب، ومَن يأخذ عن الإسرائيليَّات»
(1)
.
وأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة مِن كونِ دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق: فقد استعانَ المُعلِّمي في الجوابِ عنها بقولِ السُّهَيلي (ت 581 هـ):
«ليس في تسميةِ هذه الأيَّام
(2)
والاثنين إلى الخميس ما يشدُّ قولَ مَن قال إنَّ أوَّل الأسبوع الأحد، وسابعها السَّبت، كما قال أهل الكتاب، لأنَّها تسميةٌ طارئةٌ، وإنَّما كانت أسماؤُها في اللُّغةِ القديمة: شيار، وأول، وأهون، وجبار، ودبار، ومؤنس، والعروبة، وأسماؤها بالسِّريانية قبل هذا: أبو جاد، هوز، حطي، إلى آخرها.
ولو كان الله تعالى ذكَرَها في القرآنِ بهذه الأسماء المُشتَقَّة مِن العَددِ لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العَدد!
ولم يسمِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحَدِ والاثنين إلى سائِرها إلَّا حاكيًا للُغةِ قومِه، لا مُبتدئًا لتسميتها، ولعلَّ قومَه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء مِن أهل الكتاب المُجاوِرين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتِّباعًا لهم»
(3)
.
وذهب المُعلِّمي إلى هذا الاحتمال الأخير في كلام السُّهَيليِّ، فقال: «تسميةُ الأيَّام كانت قبل الإسلامِ تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلامُ وقد اشتهرت
(1)
«الأنوار الكاشفة» (ص/191).
(2)
كذا في المطبوع، واو العطف هنا تقتضي سبق كلمة ساقطة في هذا الموضع، والسياق يدل على أنها (الأحد).
(3)
«الرَّوض الأنف» للسُهيلي (4/ 59).
وانتشرت، فلم يُرَ ضرورةٌ إلى تغييِرها، لأنَّ إقرارَ الأسماء الَّتي قد عُرِفت واشتهرت وانتشرت لا يُعَدُّ اعترافًا لمناسبتِها لِما أُخذت منه أو بُنيَت عليه، إذْ قد أصبحت لا تدلُّ على ذلك، وإنَّما تدلُّ على مُسمَّياتها فحسب، ولأنَّ القضيَّة ليست ممَّا يجب اعتقادُه، أو يَتعلَّق به نفسُه حكمٌ شرعيٌّ، فلم تَستحِقَّ أن يُحتاطَ لها بتغييرِ ما اشتُهرَ وانتشَر مِن تسميةِ الأيَّام»
(1)
.
وبعد؛
فقد لاحَتْ أوجُه مُعارضاتِ الفريق الأوَّل للحديث بأدِلَّتهم، وأعقبناها بأجوبةِ الفريقِ الثَّاني بتأويلاتِهم، فآنَ أوان الشُّروعِ في نقدِ كلِّ مُعارضةٍ والجوابِ عنها كلٍّ على حِدةٍ، ليَتَبيَّن وجهُ الصَّواب في الحديث على قدر المُستطاعِ، فأقول مُستعينًا بالله تعالى:
(1)
«الأنوار الكاشفة» (ص/191).