المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثالثدفع المعارضات الفكرية المعاصرةعن الحديث الدال على سحر النبي صلى الله عليه وسلم - المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - جـ ٢

[محمد بن فريد زريوح]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسبقِ نقدِ العلماء لأحاديث الصَّحيحين في القديم والحديث

- ‌المَبحث الأوَّل: استناد الطَّاعنين في أحاديث «الصَّحيحين» على سابق عمل المُحدِّثين في نقدهما

- ‌المَبحث الثَّانينبذةٌ عن أشهرِ مَن نقد «الصَّحيحين» مِن المُتقدِّمين

- ‌المَبحث الثَّالثطبيعة تعليلِ النُّقاد المُتقدِّمين لأخبار «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الأوَّلأقسام الأحاديث المُعلَّة في «الصَّحيحين» من قِبَل المُتقدِّمين

- ‌المَطلب الثَّانيتصدير الأمَّة للصَّحيحين فرعٌ عن نقد مُحقِّقيها لهما

- ‌المَطلب الثَّالثكلام المتقدِّمين في «الصَّحِيحَين»أغلبُه في رسوم الأسانيدِ دون رَدٍّ للمتون

- ‌المَبحث الرابعالتَّفاوت الفسيح بين منهجِ المُتقدِّمين وطُرق المُعاصرينمن غير ذوي الأهليَّة في تعليلِ «الصَّحيحين»

- ‌المَبحث الخامسنقد احتجاجِ المُعاصرين على طعنِهم في أحاديث «الصَّحيحين» بالأئمَّة الأربعة

- ‌المَطلب الأوَّلدراسة ما أعلَّه أبو حنيفة النُّعمان (ت 150 هـ)وهو في «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الثَّانيدراسة ما أعلَّه مالك بن أنس (ت 179 هـ) وهو في «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الثَّالثدراسة ما أعلَّه الشَّافعي (ت 204 هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الرابعدراسة ما أعلَّه أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»

- ‌المَبحث السَّادسالاحتجاج بتَضعيفِ المُحدِّثين المعاصرين لبعضِ أحاديثِ «الصَّحِيحَين»

- ‌المَطلب الأوَّلالمعايير المُصحِّحة لأيِّ نقدٍ مُعاصرٍ لأحاديث «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الثَّانيموقف محمَّد زاهد الكَوْثَريُّ(1)(ت 1371 هـ) من «الصَّحيحين» ونقد عمله في إعلال بعض أخبارهما

- ‌المَطلب الرَّابعموقف أحمد بن الصِّدِّيق الغُماري(1)(ت 1380 هـ) من «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب الخامسموقف عبد الله بن الصِّديق الغُماري(1)(ت 1413 هـ) من «الصَّحيحين» ودراسة بعضِ ما أعلَّه فيهما

- ‌‌‌المَطلب السَّادسموقف الألبانيِّ(1)(ت 1420 هـ) مِن «الصَّحيحين»

- ‌المَطلب السَّادس

- ‌الباب [الثالث] [*]نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريةِ المُعاصرةِ لأحاديث «الصحيحين»

- ‌الفصل الأولنقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات

- ‌المبحث الأوَّلنقد دعاوي المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الجارية

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق حديث الجارية

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لحديث الجارية

- ‌المَطلب الثَّالثدفعُ دعوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِعن حديثِ الجاريةِ

- ‌المَبحث الثَّانينقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث «احتَّج آدمُ وموسَى»

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق حديث «احتجَّ آدمُ وموسى»

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق دَعوى المُعارَضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ «احتَّج آدمُ وموسَى»

- ‌المَطلب الثَّالثدَفع دعوى المعارضِات الفكريَّةِ المعاصرةِعن حديثِ «احتجَّ آدمُ وموسَى»

- ‌المَبحث الثَّالثنقد دعاوى المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث رؤية الله في الجنَّة

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْقُ أحاديثِ رُؤيةِ الله تعالى في الَجنَّة

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِلأحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِعن أحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة

- ‌الفصل الثاني نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير

- ‌المَبحث الأوَّل نقد المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق أحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب

- ‌المطلب الثاني سَوق دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب

- ‌المَطلب الثَّالث دفع دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطَّاب

- ‌المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

- ‌المَطلب الأوَّل: سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

- ‌المَبحث الثَّاني:سَوق المعارضات المعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

- ‌المَطلب الثَّالث:دفعُ المعارضاتِ المعاصرةِ للتَّفسيرِ النَّبويِّ لقوله تعالى:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

- ‌المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للتَّفسيرِ الأثَريِّ لآية: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} بقتال الملائكة في بدر

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق التَّفسيرِ الأثَريِّ لقولِه تعالى:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} بقتال الملائكة في بدر

- ‌المَطلب الثانيسَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة للتَّفسير الأثريِّ لآية:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} بقتال الملائكة

- ‌المطلب الثالثدفع المعارضات الفكريَّة المعاصرةعن أحاديث تفسيرِ آية: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} بقتالِ الملائكة

- ‌المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}

- ‌المطلب الأوَّلسوق التَّفسير النَّبوي لآية:{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}

- ‌المَطلب الثَّانيسَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرةلتفسيرِ آيةِ: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}

- ‌المَطلب الثَّالثدفع المعارضات الفكريَّة المعاصرةللتَّفسير النَّبوي لآية: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}

- ‌المَبحث الخامس نقد المعارضات الفكريَّة المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ}

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ}

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِللتَّفسير النَّبوي لآية: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ}

- ‌المَطلب الثَّالث دَفع المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث: «مفاتح الغيب خَمسٌ»

- ‌المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ}

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لقولِه تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ}

- ‌المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للتَّفسير النَّبوي لآيةِ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}

- ‌المَطلب الثالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن التَّفسير النَّبويِّ لآيةِ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ}

- ‌الفصل الثالث نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات

- ‌المَبحث الأوَّل نقد دعاوى المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث «مفاتيحُ الغيبِ خمسة»

- ‌المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «مفاتيحُ الغيبِ خمسة»

- ‌المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديث «مفاتح الغيب خمسة»

- ‌المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ «مفاتح الغيب خمس»

- ‌المَبحث الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث نخسِ الشَّيطان للمَولود

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود

- ‌المَطلب الثاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ على حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود

- ‌المَطلب الثَّالث دفعُ دَعوى المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث نخسِ الشَّيطان للمَولودِ

- ‌المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»

- ‌المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»

- ‌المَطلب الثَّاني سَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة»

- ‌المَطلب الثَّالث دفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»

- ‌المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»

- ‌المَطلب الأول سَوْق حديثِ: «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»

- ‌المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديثِ «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»

- ‌المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديث «إذا هَلك كِسْرى فلا كِسْرى بعده»

- ‌المَبحث الخامس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة

- ‌المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة

- ‌المَطلب الثَّاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد مائة سنة

- ‌المَطلب الثَّالث دَفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد المائة

- ‌المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث «خلق التُّربة يوم السَّبت»

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق حديث خلق التُّربة يوم السَّبت

- ‌المَطلب الثاني سَوْق خِلافِ العلماءِ في صحَّةِ حديثِ خَلْقِ التُّربة يومَ السَّبت

- ‌المَطلب الثَّالث بيان رُجحان قول المُنكرين لحديثِ خلقِ التُّربةِ يومَ السَّبتِ

- ‌المَبحث السَّابع نقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الجسَّاسة

- ‌المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الجسَّاسة

- ‌المَطلب الثاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة لحديث الجسَّاسةِ

- ‌المَطلب الثَّالث دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ الجسَّاسة

- ‌المَبحث الثَّامن نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ المسيح الدَّجال

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق الأحاديث المُتعلِّقة بالمسيح الدَّجال

- ‌المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للأحاديث المتعلِّقة بالدَّجال

- ‌المَطلب الثالث دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديثِ المتعلِّقة بالدَّجالِ

- ‌المَبحث التَّاسع نقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم عليه السلام

- ‌المَطلب الأوَّل سَوق أحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم عليه السلام

- ‌المَطلب الثَّاني سَوْق الُمعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم عليه السلام

- ‌المَطلب الثالثدفعُ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِلأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم عليه السلام

- ‌المَبحث العاشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ سُجودِ الشَّمس تحت العَرشِ

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق حديث سُجودِ الشَّمس تحت العَرشِ

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةلحديث سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ

- ‌المَطلب الثَّالثدفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِعن حديثِ سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ

- ‌المَبحث الحادي عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم

- ‌المَطلب الأوَّلسوق الأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِعلى الأَحاديثِ الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم

- ‌المَطلب الثَّالثدفع دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِعن الأَحاديث الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم

- ‌المَبحث الثَّاني عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث عذاب القبرِ ونَعيمِه

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق أحاديث عذابِ القبرِ ونعيمِه

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِلأحاديث عذابِ القبرِ ونعيمه

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِعن أحاديث عذاب القبرِ ونعيمه

- ‌المَبحث الثَّالث عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِلأحاديث عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه

- ‌المَبحث الرَّابع عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الشفاعةِ الكبرى

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق حديثِ الشَّفاعةِ الكبرى

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِلحديث شفاعة النَبي صلى الله عليه وسلم الكبرى

- ‌المَطلب الثَّالثدفع دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن حديث شفاعة النَبي صلى الله عليه وسلم الكبرى

- ‌المبحث الخامس عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب يوم القيامة

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق أحاديث شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلملعمِّه أبي طالب يوم القيامة

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِلأحاديث شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالبٍ يوم القيامة

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديثِ شفاعةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب

- ‌المَبحث السادس عشرنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق حديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ

- ‌المطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِلحديث ذبِح المَوت بين الجنَّة والنَّار

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن حديث ذبح الموت بين الجنَّة والنَّار

- ‌الفصل الرابعنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَبحث الأوَّلنقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للحديثِ الدَّالِ على سِحْرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق الحديث الدَّال على سِحر النَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِلحديثِ سحرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَطلب الثَّالثدفع المعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن الحديث الدَّالِ على سحرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَبحث الثَّانينقد دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَطلب الأوَّلسَوق دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِلأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَطلب الثَّانيدَفعُ دعاوي المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديث الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المَبحث الثَّالثنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ انشقاقِ القَمرِ

- ‌المَطلب الأولسَوق أحاديث انشقاقِ القمر

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْقُ دعاوي المُعارِضات الفكريَّةِ المُعاصرةِعلى أحاديثِ انشقاقِ القَمر

- ‌المَطلب الثَّالثدفع المُعارِضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديثِ انشقاقِ القَمَر

- ‌المَبحث الرَّابعنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ الإسراءِ والمِعراجِ

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق أحاديثِ الإسراءِ والمِعراجِ

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق الُمعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِلأحاديثِ الإسراءِ والمعراجِ

- ‌المَطلب الثَّالثدَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديثِ الإسراءِ والمعراج

- ‌المَبحث الخامسنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث شَقِّ صدر النَّبي صلى الله عليه وسلم، وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان

- ‌المَطلب الأوَّلسَوْق حديث شَقِّ صدر النَّبي صلى الله عليه وسلموحفظِه مِن وسواس الشَّيطان

- ‌المَطلب الثَّانيسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِلأحاديث شَقِّ صدرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان

- ‌المَطلب الثَّالثدفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِعن أحاديثِ شقِّ صدر النَّبي صلى الله عليه وسلم، وحفظه مِن وسواس الشَّيطان

الفصل: ‌المطلب الثالثدفع المعارضات الفكرية المعاصرةعن الحديث الدال على سحر النبي صلى الله عليه وسلم

‌المَطلب الثَّالث

دفع المعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ

عن الحديث الدَّالِ على سحرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم

أمَّا دعوى المُعارضِ الأوَّل: من أنَّ السِّحر ليس له حقيقة، وإنَّما هو تمويه وتخيِيل وإيهام بكونِ الشَّيء على غير ما هو به، فيُمهَّد لجوابه بما يلي:

قد اتَّفق أهل السُّنة على أنَّ للسِّحر تحقُّقًّا وُجوديًّا، وأنَّ منه ما يُمرِضُ، ومنه ما يَقتلُ، ومنه ما يُفرِّق بين المرءِ وزوجه، إلى غير ذلك مِن الآثارِ الَّتي يُحدثها بإذن الله تعالى، ودليلُهم في ثبوته وأَنَّ له حقيقة؛ هو مَجموع عِلمين ضَروريَّين:

الأوَّل: العلم النَّاتج عن الأدلَّة الشَّرعيَّة.

الثَّاني: العلم المُستنِد إلى الضَّرورةِ الحِسِّية

(1)

.

فأمَّا الأوَّل: فقد انعقدَ الإِجماع على ذلك، ولم يُعرَف له مُخالف مِمَّن يُعتَدُّ بقوله، إلَاّ شيءٌ يُحكى عن أَبي حنيفة.

فمِمَّن نَقَل الإجماعَ على ذلك:

الوزير ابن هُبيرة، حيث قال:«أجمعوا على أنَّ السِّحر له حقيقة، إلَاّ أبا حنيفة، فإنَّه قال: لا حقيقة له عنده»

(2)

.

(1)

انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/239).

(2)

نقله عنه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 371).

ص: 1211

وابن القطَّان الفاسيُّ، حيث جاء في «إقناعه»:«أَجمعوا على الإيمان أَنَّ السِّحر واقع، وعلى أَنَّ السَّحَرة لا يضرُّون به أَحدًا إلَاّ بإذن الله»

(1)

.

وقال أبو عبد الله القرطبي: «هو مَقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على وجودِه ووقوعِه، وعلى هذا أَهل الحلِّ والعقد، الَّذين يَنعقد بهم الإجماع، ولا عِبرةَ مع اتِّفاقِهم بحُثالةِ المعتزلةِ، ومخالفةِ أهل الحقِّ»

(2)

.

وقال ابن القيِّم بعد أن ذَكَر نفيَ المعتزلة أن يكون للسِّحر حقيقة: « .. وهذا خلاف ما تَواترت به الآثارُ عن الصَّحابة والسَّلف، واتَّفق عليه الفقهاء، وأَهل التَّفسير، والحديث، وأَرباب القلوب من أَهل التّصوُّف، وما يعرفه عامَّةُ العقلاء»

(3)

.

ومستندُ هذا الإجماع النُّصوص الورادة مِن الكتاب والسُّنَّة المُثبتةِ أنَّ للسِّحر حقيقةً وأَثرًا، فمِن تلك النُّصوص:

قول الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102].

فقد استدلَّ أَهلُ العلمِ بهذه الآية على أنَّ للسِّحر حقيقةً مِن عدَّة أَوجه، منها:

الوجه الأوَّل: أنَّ الله عز وجل نفى السِّحر عن سليمان عليه السلام، وأضافه إلى الشَّياطين

(4)

، إذ كانوا ينسبون ما يجري على يديه عليه السلام من ضبطِ الإنسِ والجنِّ والمعجزات إلى سحرٍ اختصَّ به، فكذَّبهم الله تعالى في ذلك

(5)

.

(1)

«الإقناع في مسائل الإجماع» (1/ 58)، وقد وقع في الأصل:«وأجمعوا على أن الإيمان واقع .. » ، فاستظهر فاروق حمادة محقق طبعة دار القلم (ص/93): سقوط لفظة «السحر» ، وأنَّ الصواب ما أثبته.

(2)

«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (2/ 46).

(3)

«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (2/ 227).

(4)

«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (9/ 442).

(5)

انظر «فتح الباري» لابن حجر (10/ 223).

ص: 1212

الوجه الثَّاني: أنَّ الله أخبرَ أنَّ المَلَكين قد علَّما السِّحرَ، فلو لم يكن له حقيقة لمَا أَمكن تَعلُّمه ولا تعليمه

(1)

.

الوجه الثَّالث: في ذِكْرِه سبحانه تفريقَ السَّحَرة بين المرءِ وزوجِه: دلالةٌ بيِّنة على أنَّ للسِّحرِ أَثرًا وحقيقةً يَقَع به التَّفريقُ بين المرأة وزوجها، «قد عبَّر الله عنه بـ (ما) الموصولة، وهي تَدلُّ على أَنَّه شيءٌ له وجودٌ حقيقيٌ»

(2)

.

فليس هو مجرَّد طُرقٍ خبيثةٍ دقيقةٍ تصرف المرءَ عن زوجِه -كما ادَّعاه (محمَّد عبده) - اعتمادًا منه على أصل الوضعِ اللُّغويِ للفظِ السِّحر، بل رتَّب الله على فعلِه التَّكفير لفاعلِه! ولا يُرتَّب الكفرُ على مُجرَّدِ التَّخبيب بين الأزواج.

ومن الأدلَّة القرآنيَّة الأخرى الَّتي احتجُّوا بها:

قول الله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4].

ووَجه الشَّاهد منها: أَمرُ الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم الاستعاذةَ به مِن شرِّ النَّفَّاثات، سواء كان المُراد بالنِّفاثات: السَّواحرَ اللَّاتي يَعْقِدن في سِحْرِهن وينفُثن

(3)

، أَو كان المُراد الأنفسَ الخبيثة

(4)

؛ فلولا أنَّ للسِّحْرِ حقيقةً، لما أَمَرَ الله نبيَّه بالاستعاذةِ مِن خطرِه؛ مع ما ذَكَره كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّفسير أنَّ سَبَب نزول سورة «الفلق»: ما كان مِن سِحر لَبيدِ بن الأعصم للنَّبي صلى الله عليه وسلم

(5)

.

يقول ابن قيِّم الجوزيَّة فيها: «هي دَليلٌ على أَنَّ هذا النَّفث يَضرُّ المَسحورَ في حال غَيْبته عنه، ولو كان الضَّرَر لا يحصُلُ إِلَّا بمباشرةِ البَدَن ظَاهرًا -كما يقوله هؤلاء- لم يكن للنَّفثِ، ولا للنِّفاثات شَرٌّ يُستَعاذ منه!»

(6)

.

(1)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (2/ 46).

(2)

«أضواء البيان» (4/ 546).

(3)

انظر «جامع البيان» للطبري (24/ 749).

(4)

كما هو استظهار الإمام ابن القيِّم في «بدائع الفوائد» (2/ 221).

(5)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (2/ 46)، و «معاني القرآن» للفرَّاء (3/ 301)، و «أَسباب نزول القرآن» للواحدي (ص/473).

(6)

«بدائع الفوائد» (2/ 227).

ص: 1213

أمَّا ما توهَّمه المُعترضون من أنَّ دليلَ حَصرِ تأثيرِ السِّحرِ في مجرَّدِ التَّخييل آية تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]: فليس في ما أناطوا به شُبهَتهم ما يفيدهم في مَقَام الحِجاج على أهل السُّنةِ؛ ذلك لأنَّ أهل السُّنة لا يُنكرون أنَّ سِحرَ التَّخييلِ ضَربٌ مِن ضروبِ السِّحر، لكن مع وجود ما هو حقيقة لا خيال فيه؛ فالضَّرب الأوَّل تُثبته الآية، والثَّاني لم تُنكره! وذكرُ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يستلزم التَّخصيصِ! فهم لأجل ذلك ينكرون حصر السِّحر في التَّخيِيل.

وفي تقريرِ هذا التَّفصيل، يقول ابن حَجَر:«الآيةُ عمدةُ مَن زَعَم أنَّ السِّحرَ إنمَّا هو تَخيِيل، ولا حُجَّة له بها، لأنَّ هذه وَرَدت في قصَّةِ سَحَرَة فرعون، وكان سِحْرُهم كذلك، ولا يَلزم منه أنَّ جميعَ أنواعِ السِّحر تَخيِيل»

(1)

.

وأمَّا دَعوى المعترض أنَّ إثباتَ هذا الحديثِ لازمٌ لبُطلانِ النُّبَوَّةِ؛ فيُقال له:

أمَّا في عَقدِ أهلِ السُّنَّة فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الفرقَ عندهم أجْلَى مِن الشَّمسِ بين آياتِ الأَنبياءِ، وِسحْرِ السَّحَرَة والكُّهان، حَدًّا وحقيقةً، والشُّبهة إنَّما تقبعُ في أذهانِ مَن سوَّى بين مُعجزات الأنبياءِ، وبين ما تَأتي به السَّحَرة والكُّهان، فلم يُثبِت فرقًا يعود إلى جنسِ كلٍّ منهما، ولا فرقًا يعود إلى قصدِ الخالِق، ولا قدرتِه، ولا حكمتِه

(2)

.

فما ادَّعاه المعتزلة ومَن وافقهم -كأبي بكر الجَصَّاص- مِن أنَّ حديث عائشة رضي الله عنها هذا وغيره مِمَّا يدلُّ على تَحَقُّقِ السِّحر فيه إبطالٌ لمُعجزاتِ الأنبياء، بحيث يَستوي ما يَأتون به وما يَأتي به السَّحرة: هي دعوى باطلة؛ إذْ الفرق بين آياتِ الأَنبياء -الَّتي هي خارجةٌ عن مَقدور الإنسِ والجنِّ، الخارقةِ لسُنَن الله الكونيَّة الَّتي اختصَّ الله بالقُدرةِ عليها- وبين سِحر السَّحَرة -الَّذي لا يخرجُ عن كونِه مِن العجائبِ، لخروجه عن نظائره وعمَّا اعتاده النَّاس-: الفرق بينهما واضحٌ جَليٌّ لِمن تدبَّر الوجوه التَّالية:

(1)

«فتح الباري» (10/ 225).

(2)

«دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/249).

ص: 1214

الوجه الأوَّل: أَنَّ السِّحرَ والكهانةَ ونحوهما أَمورٌ مُعتادة مَعْروفةٌ لأَصحابِها، ليْست خارقةً لعادَتِهم، بل كُلُّ ضَرْبٍ منها مُعتادٌ لطائفةٍ غير الأَنبياء؛ تُكتسَب بنَوعِ تعلُّمٍ وممارسةٍ، وتَسخيرٍ للشَّياطين؛ أمَّا آياتُ الأنبياء، فليست مُعتادة لغيرِ مَن صَدَّقهم الله بنُبوَّته، فلا تكون إلَاّ لهم ولِمن تَبِعَهم، فلا ينالها أَحَدٌ باكتسابِه.

الثَّاني: أنَّ ما يَأتي به السَّحَرة والكُهَّان يُمكن أَن يُعارَض بمثلِه، وآياتُ الأنبياءِ لا يمكن لأحدٍ أن يُعارضها بمثلِها.

الثَّالث: أنَّ السِّحرَ -البَصَريَّ منه بخاصَّة- يحتاجُ إلى بقاءِ تَوجُّه نفسِ السَّاحِر والتفاتِه إليه، وتَعلُّق عزيمتِه به، فإذا غَفَل عنه، بَطُل أثرُه؛ بخلافِ المعجزة، فإنَّها غنيَّةٌ عن مثل ذلك لكونِها مِن الله عز وجل.

الرَّابع: أَنَّ النَّبيَّ لا يأمرُ إلَاّ بمصالح العِبادِ في المَعاش والمَعاد، فيأمر بالمَعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتَّوحيد، والإخلاص، والصِّدق، وينهى عن الشِّرك، والكذب، والظُّلم؛ فالعقول والفِطَرُ توافقه؛ وتُؤالِف بين ما جاء به وما جاء به الأَنبياء قبلَه؛ فيصدِّقه صريحُ المعقول، وصحيح المَنقول الخارج عمَّا جاء به، أمَّا مُخالفوهم يَأمرون بالشِّرك، والظُّلم، ويُعظِّمون الدُّنيا، وفي أَعمالهم الإِثمُ والعدوان، ويعتري أغراضَهم الخذلان.

الخامس: أنَّ النبيَّ قد تَقَدَّمه أَنبياء؛ فهو لا يَأمر إلَاّ بجِنسِ ما أَمَرت به الرُّسل قبله، فله نُظَراء يَعتَبِر بهم، ويُعتَبر هو بهم؛ وكذلك السَّاحر له نُظراء يُعتبر بهم!

إلى غير ذلك مِن الفوارق الَّتي بيَّنها أهل العلمِ بين كِلا الفريقين

(1)

.

وأمَّا الكشف عن مَدى مُخالفةِ مَن أنكر حقيقةَ السِّحرِ للضَّرورة الحسِّية، فيُقال في جوابه:

الأُمَم بشَتَّى دياناتِهم وأَعراقِهم واختلافِ دِيارهم: يُثْبِتون أنَّ للسِّحر حقيقةً، لمِا يُشاهدونه مِن آثارِه في الواقعِ، مِن عَوارض تَلحَق بالمَسحور أَلمًا يجده في

(1)

انظر «إكمال المعلم» (7/ 89)، و «النبوات» لابن تيمية (1/ 558 - 5560) بتصرُّف، وانظر أيضًا ذات المصدر (2/ 1074 - 1090)، و «فيض الباري» للكشميري (6/ 141).

ص: 1215

نفْسِه، أَو تُصيبه في عقلِه أو بَدَنِه، أَو تُفرِّق بينه وبين أَهله، أَو تقتله، أو تصرف عنه دُنيًا، أو تجلِب له مَحبَّةَ شخصٍ أو كُرهَه، أو يحبِس امرأة عن جِماع زوجِها، وهو المعروف بـ «سِحر التَّصفيح» ؛ فإذا عُثِر عليه مَدفونًا فأُبطِل ببعض الرُّقى، أو مَأكولًا فاستُفرِغ: رَجَعَت المرأة إلى طبيعتِها مع زوجِها، وإن لم تعلم هي بفكِّ السِّحر! وقد شاهدتُ أنا من هذا عددًا!

فالحقُّ أنَّ لبعضِ أصنافِ السِّحرِ تأثيرًا حقيقيًّا في القلوب، كالحبِّ، والبُغض، وإلقاء الخير والشَّر، وفي الأبدانِ بالألمِ والسُّقم، فترى السَّاحرَ يَعمل أعمالًا لا مُباشرةَ لها بذاتِ مَن يُراد سِحْرِه، ويكون غائبًا عن السَّاحر، وشرط ذلك استعمال أثَرٍ لمن يُراد سحره، فيدَّعون بواسطتِه تأثيرَه فيه، أو تسليطِ الشَّياطين عليه.

وأكثر ذلك يَقع بمثلِ رسمِ أشكالٍ يُعبَّر عنها بالطَّلاسم، أو عقد خيوطٍ والنَّفثِ عليها برُقيات مُعيَّنة تَتضمَّن الاستنجادَ بالكواكبِ لاستجلابِ الجِّن، أو الدُّعاء بأسماء الشَّياطين وآلهةِ الأقدمين، وكذا كتابة اسم المَسحورِ في أشكال، أو وضعِ صورتِه أو بعضِ ثيابِه وعلائقِه، وتوجيه كلام إليها، للتَّأثيرِ في ذات المَسحور بإذن الله، أو يَستعملون إشاراتٍ خاصَّةٍ نحو جهتِه، أو نحو بلده، وهو ما يُسمونَّه بالأرصاد

(1)

.

إنَّما الخارجُ عن مَقدورِ السَّحَرة قلْبُ المَوادِّ وتحويلُها، كما يقول فيه ابن حجر:« .. إنَّما المَنكور أنَّ الجمادَ يَنقلِبُ حيوانًا، أو عكسَه بسحرِ السَّاحر، ونحو ذلك، فهذا ممَّا لا يقدر عليه السَّاحر»

(2)

ولأجل أنَّ هذه الأعمال السِّحريَّة متحقِّقةٌ حِسًّا، متواترةٌ خَبرًا، ترى الفقهاء يَعقدون لها في مُصنَّفاتهم مَسائل

(3)

، يَبحثون في حُكمِ الآثارِ المُترتِّبة عليها،

(1)

انظر «التحرير والتنوير» لابن عاشور (1/ 633 - 634).

(2)

«فتح الباري» لابن حجر (10/ 223).

(3)

انظر على سبيل المثال: «البيان والتحصيل» لابن رشد الجد (16/ 444)، و «المغني» لابن قدامة (9/ 28)، و «روضة الطالبين» للنووي (9/ 347)، و «البحر الرائق» لابن نجيم الحنفي (5/ 139 - 139).

ص: 1216

فيبحثون -مثلًا- في التَّكييف الفقهيِّ لمِن قَتَلَ بسحرِه، وفي حكمِ السَّاحر مِن جهةِ ارتدادِه وكفرِه؛ فلو لم يكن للسِّحرِ حقيقة إلَّا مجرَّد التَّمويه على العَيْنِ، ما خُصَّ بهذه الفروعِ كلِّها.

فالمُشاحةُ بعدُ في وجود السِّحر وإنكارُه، أعدُّه مخالفةً لمقتضى الضَّرورة الحِسيَّة، مِمَّأ لا يُماري فيه في بلدِي المغرب بخاصَّة إلَّا مُتحَجِّر الرَّأسِ بَليد القلبِ! لكثرةِ ما يُعانيه النَّاس مِن حثالةِ السَّحَرةِ والمشعوذين وآثارِهم القبيحةِ في بيُوتاتهم؛ طهَّر الله بلدَنا وسائر بلاد المسلمين من رجسِهم، وأراحَ العبادَ مِن شَرِّهم.

يقول أَبو العبَّاس القرطبي: «هو أَمرٌ مَقطوعٌ به بإخبار الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم عن وجوده ووقوعه؛ فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ

(1)

، مُكِّذبٌ لله ولرسوله، منكرٌ لما عُلِمَ مُشاهدةً»

(2)

.

وقد تعجَّب قديمًا ابنِ قُتيبة (ت 276 هـ) مِن قالةِ مَن يَنفِي حقيقة السِّحر فكان يقول: «إنَّ الَّذي يَذهب إلى هذا مُخالفٌ للمسلمين، واليهود، والنَّصارى، وجميع أَهل الكتاب، ومخالفٌ للأمم كلِّها: الهندِ -وهي أَشدُّها إِيمانًا بالرُّقى- والرُّوم، والعَرب في الجاهليَّة والإِسلام .. »

(3)

.

فلأجل ما تأكَّد من دلائل تحقُّق السِّحر، وحملًا لكلامِ أئمَّة الإسلام على أحسن المَحامل: يرجح عندي أنَّ ما حُكِي عن أبي حنيفة مِن إنكارِ حقيقة السِّحرِ قصدُه منه: إنكار أن يكون للسِّحر حقيقة مِن جِهة تغيير الأعيانِ واستحالتِها! كأنْ يحوِّل السَّاحرُ العِصِيَّ أفاعيَ حَقيقةً تأكل وتشرب، بل لا يفعل هذا إلَّا تخيِيلًا؛ فإنَّ أبا حنيفة لم يثبت عنه نفي مُطلقِ الحقيقةِ والتَّأثيرِ الحِسِّي للسِّحر؛ والله أعلم.

(1)

إلَّا أن يمنع الحكم فيهم أحد موانع التَّكفير، كالتَّأويل الَّذي هو حال جملةِ المعتزلة ومن تأثر بهم في مقولتهم.

(2)

«المفهم» (4/ 569).

(3)

«تأويل مختلف الحديث» (ص/261).

ص: 1217

ومِمَّا يعضد هذا القول عن أبي حنيفة: أنَّه مع ما نُقِل عنه من حكاية نَفيه لحقيقٍ السِّحر، فقد نُقِل عنه إثباتُ حقيقةٍ للسِّحر أيضًا

(1)

! بل جَعَل أئمَّةٌ من الأحنافِ هذا النَّقل الثَّاني مَذهبَ أصحابِهم

(2)

؛ ومن أهلِ التَّحريرِ مِن مَذهبهم مَن سبق إلى تخريج كلامِ أبي حنيفة على ما رجَّحناه؛ إذ كان أَوْلى مِن نسبةِ إمامٍ جَليلٍ مثلِ أبي حنيفةَ إلى مُناقضةِ الأدلَّة الشَّرعيَّة، وخرمِ الإجماعِ، ومُكابَرةِ الحِسِّ.

ترى شاهد هذا التَّوجيه في مثل قول أنور شاه الحَنفيُّ (ت 1353 هـ): «إنَّ السِّحرَ له تأثير في التَّقليب مِن الصِّحة إلى المرض، وبالعكس، أمَّا في قلب الماهيَّة فلا، وما يتراءى فيه مِن قلب الماهيَّة لا يكون فيه إلَّا التَّخييل الصِّرف، قال تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]؛ فلم تنقلب الحِبال إلى حَيَّات، ولكن خُيِّل إليه أنَّها انقلَبَت، وهذا ما نُسِب إلى أبي الحنيفة أنَّ في السِّحر تخييلًا فقط، ولا يريد به نفيَ التَّأثير مطلقًا، فإنَّه مَعلوم مَشهود، بل يريد به نفيَ التَّأثير في حقِّ قلبِ المَاهيَّات»

(3)

.

وهذا الَّذي اطمأنت إليه نفسُ الماورديِّ (ت 450 هـ)

(4)

أن ينسبه إلى أبي حنيفةَ، حيث قال:«قد اختلفَ النَّاسُ فيها -يَعني في حقيقةِ السِّحر-، فالَّذي عليه الفقهاء، والشَّافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وكثير مِن المتكلِّمين أنَّه له حقيقةً وتأثيرًا .. »

(5)

.

(1)

انظر «التوضيح» لابن الملقن (27/ 536).

(2)

انظر «النهر الفائق» (3/ 254)، و «الدُّر المختار» (1/ 44).

(3)

«فيض الباري» (4/ 293).

(4)

علي بن محمد حبيب، أبو الحسن الماوردي: ولد في البصرة، وانتقل إلى بغداد، قد ولي القضاء في بلدان كثيرة، ثم جُعل رئيس القضاة في أيام القائم بأمر الله العباسي، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال! نسبته إلى بيع ماء الورد، ووفاته ببغداد؛ من أشهر كتبه:(أدب الدنيا والدين)، و (الأحكام السلطانية)، انظر «الأعلام» للزركلي (4/ 327).

(5)

«الحاوي الكبير» (13/ 93).

ص: 1218

وقد حرصتُ على هذا النَّقل مِن الماورديَّ لأنَّه مُعتَزليُّ المَشرب

(1)

! مُنكرٌ للسِّحر أن يكون حقيقةً، فلو كان لهذا الإمام الجليل قولٌ يَعضُد به مذهبَه ما أفلتَه!

وأمَّا دعوى المُعارضِ الثَّاني أنَّ في التَّصديق بهذا الحديث زعزعةً للثِّقة فيما يبلِّغه الرَّسول صلى الله عليه وسلم وعصمتِه في ذلك

(2)

؛ فيقال في جوابه:

ليس في إثبات سحر النِّبي صلى الله عليه وسلم ما يؤدِّي إلى القول بتجويز ذلك، فإنَّ عصمته صلى الله عليه وسلم في التَّبليغ قد انتصبت البراهين القطعيَّة على تحقُّقِها، فلن يكون ثبوتُ الاعتقادِ بذلك متوقِّفًا على نفيِ لحوقِ السِّحر به! إذ العصمة ثابتةٌ في ذاتها بدلائلِها، متحقِّقةٌ ببراهينها في جميع الحالات، ومنها هذه الحالةُ الَّتي هي مَحلُّ المدافعة.

وفي تقرير هذا يقول المازَريُّ: «قد أنكر بعض المبتدعةِ هذا الحديث مِن طريقٍ ثابتةٍ، وزعموا أنَّه يحطُّ منصب النُّبوءة ويشكِّكُ فيها، وكلُّ ما أَدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أنَّ تجويز هذا يُعدم الثِّقة بما شرعوه مِن الشَّرائع، ولعلَّه يتخيَّل إليه جبريل عليه السلام، وليس ثمَّ ما يراه، أو أنَّه أُوحي إليه، وما أُوحي إليه؛ وهذا الَّذي قالوه باطل، وذلك أنَّ الدَّليلَ قد قام على صرفهِ فيما يبلِّغه عن الله سبحانه وعلى عصمتِه»

(3)

.

وعليه نقول لهؤلاء النُّفاة: إنْ كان لديكم براهين ودلائل على عصمةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم مِن الخطأِ في التَّبليغ، فليس هناك ما يَحمِل على الطَّعنِ في الحديثِ الَّذي يُثبِت سحرَه؛ إذ ثبوتُ عصمته صلى الله عليه وسلم -كما تقدَّم- ليس مُتوقِّفًا على نفيِكُم لهذا الحديث.

(1)

يقول عنه الذهبي في «ميزان الاعتدال» (3/ 155): «علي بن محمد، أقضى القضاة، أبو الحسن الماوردى، صدوق في نفسه، لكنه معتزلي» ، توفي سنة (450 هـ).

(2)

انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/255).

(3)

«المُعْلِم» للمازري (3/ 159).

ص: 1219

ثمَّ نقول: إنَّ السِّحرَ قد يَعمل في أبدانِ الأنبياء، لأنَّهُم بَشَر، يجوز عليهم مِن العِلَل والأمراضِ ما يجوز على غيرِهم، وليسَ تأثيرُ السِّحر في أبدانِهم بأكثرَ مِن القتلِ

(1)

؛ فما لحِقَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم مِن أذى ذلك لا يعدو أَن يكون عَرَضًا مِن الأَعراض الَّتي تَعْتري البَشَر، ومَرضًا مِن الأمراض الَّتي لم يَتَعدَّ أثرُها الجوارحَ، فهو الَّذي «قالَ لمَّا حُلَّ السِّحر:«إنَّ الله شَفاني .. » ، والشِّفاء إنَّما يكون برفعِ العِلَّةِ وزوال المَرضِ» كما قاله ابن القصَّار المالكيُّ (ت 397 هـ)

(2)

.

وسواء قيل: إنَّ ذلك التَّأثير في نفسِه صلى الله عليه وسلم وإدراكِه؛ فذاك أخوه موسى عليه السلام قد سُحر بَصرُه وإدراكهُ! حتَّى خُيِّل إليه أنَّ الحِبال والعِصيَّ تسعى، وأثرَّ ذلك في نفسِه الشَّريفةِ، كما قال تعالى:{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} [طه: 67]؛ ولم يُعَدَّ هذا خارمًا لجنابِ العِصمةِ فيه؛ أو قيل: إنَّ غاية ما بَلغ إليه تأثير السِّحر هو إصابته صلى الله عليه وسلم في جسمِه فقط؛ فهذا القول يَتَماشى مع مذهب مَن فَسَّر قولَ عائشة رضي الله عنها «إنَّه ليُخَيَّل إليه .. » : على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان «يظهر له مِن نَشاطِه أنَّه قادرٌ على إتيانِ النِّساء، فإذا دَنا منهنَّ أخذَتَه أخذةُ السِّحر، فلم يَتَمكَّن من ذلك»

(3)

.

فليس في تَثبيتِ أحدِ هذين الأمرين ما يكون خارِمًا لجنابِ العِصمة بحالٍ.

وكذا الحال فيما لو قيل: إنَّ ما أصابَه صلى الله عليه وسلم مِن السِّحر قد سَرى أثرُه في نفسِه الشَّريفة، بعد أن أصاب شيئًا مِن مُخيِّلتِه أو بصرِه، فإنَّ هذا أثَرٌ نَفسِيٌّ عَارضٌ لا يُوهِن العصمة، وهو كحالِ لحوقِ الحُزنِ والهمِّ به، والنِّسيان والسَّهوِ.

وحصيلة الرِّوايات لِمن سَبَرها لا تخرُج في دلائلِها عن أن يكون ما عَرَض له صلى الله عليه وسلم: إمَّا مجرَّدُ تخييلٍ عارضٍ، أَو خَاطرٍ طَارئ يهجُم عليه، بأنَّه قد أتَى عائشةَ رضي الله عنها وهو عَالمٌ أنَّه لم يَأتِها، وأنَّ هذا الخاطر يُعاوِده على خلافِ عادَتِه

(4)

، أو يَرْقى هذا الخاطرُ إلى الظنِّ، والظَّنُّ في حَقِّه غير مُمتنِع

(5)

.

(1)

«مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (9/ 3795).

(2)

«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (9/ 442).

(3)

«الكاشف عن حقائق السنن» للطيبي (12/ 3772).

(4)

«الأنوار الكاشفة» للمُعلِّمي (ص/249).

(5)

انظر «إكمال المعلم» (7/ 87)، و «فتح الباري» لابن حجر (10/ 227).

ص: 1220

ثمَّ إنَّ هذا الظَّن ليس مُطَّردًا، إِنَّما كان في أَمرٍ خاصٍّ مِن أُمُور الدُّنيا -وهو أمر النِّساء- لم يَتَعدَّاه إلى غيره؛ بيانه فيما قالته عائشة رضي الله عنها من رواية ابن عُيينة:« .. كان يَرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يَأتيهنَّ» ، وفي رِوايةِ الحُميدِيِّ:« .. أنَّهُ يأتِي أهلَه، ولا يأتِيهِم» .

فأمَّا قولها في الرِّواية الأخرى: «أنَّه يفعَلُ الشَّيء ولا يفعله» : هو مِن بابِ الكِنايةِ، مُكتفيةً بتلمُّحِ السَّامع لقصدِ الجماع، وقد جاء التَّصريح في غيرها مِن الرِّواياتِ -كما قد علمتَ- تبيِينًا للمُجمَل مِن تلك، لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ التَّخيُّل الَّذي كان يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عامٌّ في كلِّ أفعالِه؛ فما يُتوَهَّم فيه العمومُ مِن بعضِ ألفاظِ الرُّواة مَحمول على هذا التَّخصيص.

وأمَّا ما استدلَّ به المُعترض لتدعيم دعواه من قولِه تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، مِن جهةِ أنَّ الواردَ في الحديثِ لا يَقوى على مُعارضة الآية

(1)

:

فإنَّا لا نجد في نصِّ الآية عصمةَ النَّبي صلى الله عليه وسلم مِن السِّحر؛ إنَّما المَعصوم منه فيها مُجمَلٌ، لا يتَّضح بيانه إلَاّ بتقديرِ محَذوفٍ دَلَّ عليه السِّياق مَعروفٍ عند الأُصوليِّين بدلالةِ «الاقتضاءِ»

(2)

.

هذا المُقَدَّر لا يخلو:

إمَّا أن يكون هو (القَتْلُ): وهو ما اختاره الشَّافعيُّ وبعضُ أَئمَّةِ التَّفسير

(3)

، وبهذا التَّقديرِ تَنتقضُ مُعارضتَهم للحديثِ بالآية

(4)

.

وإمَّا أن يكون المُقدَّر هو (أَذى النَّاس): وهذا غير صَحيحٌ تَقديرُه؛ لأنَّ كلَّ مَن له أَدنى اطلاعٍ على سيرتِه صلى الله عليه وسلم، يَعلمُ أنَّه قد نالَه مِن الأَذى ما نَالَه، كالشَّتم،

(1)

انظر «محاسن التأويل» للقاسمي (9/ 577)، و «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/160).

(2)

انظر «البحر المحيط» للزركشي (4/ 219).

(3)

انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (9/ 14، تحت حديث رقم: 17730)، و «معالم التنزيل» للبغوي (3/ 79).

(4)

انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/259).

ص: 1221

وإدماءِ عَقِبه، وكسرِ رُباعيتِه، وتأثُّرهِ بسُمِّ اليهوديَّة، وغير ذلك مِن صنوفِ الابتلاءِ الَّتي أراد الله له بها رِفعةَ المنزلة، وجعلَه قدوةَ السَّائرين إليه.

فإذا ثَبَت عدمُ عِصمتِه مِن الأَذى، فإنَّ السِّحرَ داخلٌ في مُسَمَّاه بلا شكٍّ!

ثمَّ على تقديرِ كون المَحذوفِ: (أَذى النَّاس)، فلا بدَّ من حمله على أَذى مَشروط، وهو الأَذى المانعِ مِن التَّبليغ، لا مُطلَق الأَذى؛ وهذا ما اختارَه عددٌ من المحقِّقِين مِن أهل التَّفسير

(1)

، وليس في ما أصابَ النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث السِّحر ما أعقاه عن تبليغ رسالتِه كما حَقَّقناه سابقًا.

وأمَّا دعواه في المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم تَكذيبًا لنَفيِ القرآن عنه ذلك، في قوله:{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} :

فيكفي في دحضِ هذا الفهمِ، ما أحسنَ المُعَلِميُّ سبكَ جوابه حيث قال:

«كان المشركون يَعْلَمون أنَّه لا مَساغ لِأنْ يَزعُموا أنَّه صلى الله عليه وسلم يَفتري الكذبَ على الله عز وجل فيما يُخبِر به عنه، ولا لِأَن يَكذب في ذلك مع كثرته غير عامدٍ، فلجَأوا إلى مُحاولةِ تقريبِ هذا الثَّاني، بزعمِ أنَّ له اتِّصالًا بالجِنِّ، وأنَّ الجِنَّ يُلقون إليه ما يُلقون، فيُصَدِّقهم، ويُخبرُ النَّاسَ بما ألقوه إليه.

هذا مَدار شُبهتِهم، وهو مُرادهم بقولهِم: به جِنَّة، مَجنون، كاهنٌ، ساحرٌ، مَسحور، شاعرٌ، .. كانوا يَزعمون أنَّ للشُّعراء قُرَناء مِن الجنِّ تُلقي إليهم الشِّعر، فزَعَموا أنَّه شاعرٌ، أي أنَّ الجِنَّ تُلقِي إليه كما تُلقي إلى الشُّعراء، ولم يقصدوا أنَّه يقول الشِّعر، أو أنَّ القرآن شِعرٌ.

إذا عُرِف هذا؛ فالمشركون أرادوا بقولهم: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} : أنَّ أمر النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويأمرونَه، ويُفهمونه، فيصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما

(1)

انظر «جامع البيان» للطبري (8/ 567)، و «أنوار التنزيل» للبيضاوي (2/ 136)، و «تفسير القرآن العظيم «لابن كثير (3/ 151 - 152).

ص: 1222

يَتَلقَّى من الله وملائكتِه؛ ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له صلى الله عليه وسلم لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمها المشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة»

(1)

.

وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ الحال الَّتي عَرَضت للنَّبي صلى الله عليه وسلم لم تَلْبَث طويلًا حتَّى كشَفَها الله تعالى عنه، فلم يَشتهر أنَّ مرَضَه هذا قد طَال به، ولو طال به صلى الله عليه وسلم لنُقِل ذلك مُتواترًا، لتوفُّرِ الدَّواعي لنقلِه، لمزيدِ اعتناءِ أصحابِه بشأنِه صلى الله عليه وسلم، لكنَّه لم يَتَعدَّ حالَ مَن عُقِد عن النِّساء مُدَّةً يَسيرةً

(2)

.

ولذا وَقَع في روايةِ أبي ضِمرة عند الإسماعيليِّ: «فأقامَ أربعينَ ليلةً»

(3)

.

أمَّا ما جاء في روايِة وُهيب عن هشام بن عروة: «ستَّة أشهر»

(4)

: فالجمَعُ بينها وبين المُدَّة السَّابقة: «بأنْ تكون السِّتة أشهرٍ مِن ابتداءِ تغيُّر مَزاجِه، والأربعين يومًا مِن استحكامِه»

(5)

.

وأمَّا الجواب عن دعواهم أنَّ السِّحر مِن عَمَلِ الشيطان، وأَثَرٌ من آثارِ النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمُحال أن يؤثِّر ذلك على جسدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .. إلخ؛ فيُقال فيه:

إنْ كان جائزًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يَعرِضَ له أذَى شيطانِ الإنسِ -مع كونِ هذا خسيسًا في نفسِه، هزيلًا في قِواه إزاءَ قوَّة النَّبي- فأيُّ مانعٍ مِن أن يَعْرِض له ذلك مِن شيطان الجِنِّ؟! ثمَّ يكشف الله عنه أذى الكُلِّ ومَكرَهما؛ ليس في العقلِ ولا النَّقل ما يمنعُ ذلك.

فذاك أخوه أَيُّوب عليه السلام، قد تَسلَّط الشَّيطان على جسدِه حتَّى أمرضَه، قد أنزلَ الله تعالى فيه:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41].

(1)

«الأنوار الكاشفة» (ص/252).

(2)

انظر «زاد المسلم» لمحمد حبيب الشنقيطي (2/ 224).

(3)

أشار إليها ابن حجر في «الفتح» (10/ 237).

(4)

أخرجها أحمد في «المسند» (40/ 405، رقم: 24347)، وصحَّحها ابن حجر في «الفتح» (10/ 237).

(5)

«الفتح» (10/ 237).

ص: 1223

يقول محمَّد الأمين الشَّنقيطي: «هذا لا يُنافي أنَّ الشَّيطانَ لا سُلطانَ له على مثلِ أيُّوب عليه السلام؛ لأنَّ التَّسليطَ على الأهلِ، والمالِ، والجَسدِ، مِن جِنْسِ الأَسبابِ الَّتي تَنشأ عنها الأعراضُ البَشريَّة: كالمرضِ، وذلك يقعُ للأنبياء، فإنَّهم يُصيبهم المَرض، وموت الأهل، وهلاك المال؛ لأسبابٍ مُتنوِّعة، ولا مانعَ مِن أن يكون جملة تلك الأسباب: تسليطُ الشَّيطان على ذلك للابتلاءِ

»

(1)

.

فإذا جاز تسلُّطه على نبيِّ الله أَيُّوب عليه السلام؛ فما المانع من إمكانِ تسلُّطِه على النَّبي صلى الله عليه وسلم؟!

يقول المهلَّب بن أبي صفرة (ت 435 هـ): «صَوْنُ النَّبي صلى الله عليه وسلم مِن الشَّياطين لا يَمنع إرادَتهم كيدَه، فقد مضَى في «الصَّحيح» أنَّ شيطانًا أرادَ أن يُفسِد عليه صلاتَه، فأمكنه الله مِنه، فكذلك السِّحر، ما نالَه مِن ضررِه ما يُدخل نقصًا على ما يتعلَّق بالتَّبليغ، بل هو مِن جنسِ ما كان يناله مِن ضَرر سائرِ الأمراض، مِن ضعفٍ عن الكلام، أو عجزٍ عن بعضِ الفعل، أو حدوثِ تخيُّل لا يستمر بل يزول، ويُبطلُ الله كيدَ الشَّياطين»

(2)

.

قلت: ودعواهم بأنَّ نَفْسَ محمَّد صلى الله عليه وسلم زكيَّة عَليَّة، فحاشاها أن تَمسَّها النُّفوسُ الخَبيثةِ الدَّنية بسوءٍ: فإنَّه وإن كان وصفُهم لنفسِ النَّبي صلى الله عليه وسلم صادقًا في ذاتِه، فإنَّ تأليفَ الكلامِ في مجملِه مُجرَّد عاطفة عَريَّة عن مَحجَّة، لا يصمدُ أمامَ ما تَقَدَّم مِن الحُججِ النَّقليَّة والعقليَّة.

وهل كان مَن تَسلَّط عليه في أُحُدٍ، فأدْمَوا رِجلَه الشَّريفة، وكسروا رُباعيتَه، وكادوا يقتلونه؛ إلَّا أصحابُ نفوسٍ خَبيثةٍ دنيَّةٍ؟!

ثمَّ مَن قال أنَّ السِّحر الَّذي مَسَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان بواسطةِ أرواحٍ شَيطانيَّة تمكَّنت من جسَدِه؟! فليس كلُّ سِحْرٍ يكون معه عارِض شيطانيٌّ أو خادم سحر؛ بل الظَّاهر مِن الحديث أنَّه مِن نوعِ السِّحر الَّذي تُستعمَل فيه بعض المَوادِّ لطبائعَ

(1)

«أضواء البيان» (4/ 852).

(2)

«فتح الباري» لابن حجر (10/ 227).

ص: 1224

فيها خاصَّة، كالبرودةِ الَّتي في ماء البِئر، وظُلمتِه إذْ كان في قَعْرِه، ورَمزيَّة الماءِ إلى مَاءِ الرَّجل، ليكون أمكنَ في حبسِه عن نسائِه، .. وهكذا.

فهذه المَواد تُؤثِّر في أعضاءِ الجسَدِ المُرادِ سِحرُه عن طريقِ أثَرٍ مِن هذا الجَسد، وهذا المَعروف في علمِ السِّحر بـ «قانون الاتِّصال» ، مُنْبَنٍ على أنَّ كُلَّ شيءٍ مُنفصلٍ من الجَسد لا يزال مُرتبطًا به عبرَ الأثِير؛ هذا الأثَر في الحديث شَعراتٌ مِن مُشطِ النَّبي صلى الله عليه وسلم! جعلهنَّ السَّاحرُ صِلةَ وَصْلٍ بين طَبائعِ تلك المَوادِّ وجَسِدِ المَسحور، بواسطة طلاسِم مُعيَّنة يعرفونها، وربطِ عُقَدٍ مُوثَّقة، لتُأثِّر في الجسدِ وِفقَ طبائعِ ما استعمَلَه مِن مَوادَّ في سِحره، كما أسلفنا الإشارة إليه.

فهذا السِّحر هو عَينُ ما استعمله لَبيدٌ، وهو مِن أخطرِ وأقوى أنواع السِّحر، والله تعالى أعلم، وهذا لا مانع عقلًا أن يصيب جسد النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا شاءه الله لحكمة؛ وإلَّا، فما فائدة أمرِه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بالتَّعوُّذِ مِن شرِّ النَّفاثاتِ في العُقد -وهنَّ ممَّا يَنشأ عنهنَّ السِّحر- إذا امتنع أن يؤثِّر فيه السِّحر من الأساس كما يقول أولئك النُّفاة؟!

هذا؛ وإنَّ في إثباتِ ما تَضَمَّنه الحديث مِن مُصاب النَّبي صلى الله عليه وسلم بالسِّحرِ مِن الفرائدِ واللَّطائفِ والعِبَر ما لا يَتَسنَّى إيرادُه في هذا المَقام، وليس في ذلك غَضٌّ مِن مَنصب النُّبوة، بل الدَّلائل الشَّرعية تدلُّ عليه، إمَّا نَصًّا أَو ظاهرًا.

وقد تلقَّاه أئمَّة الحديث بالقبول

(1)

.

(1)

ولا يفرَحْ عَجِلٌ بتكذيبِ الحديث بما يلقاه عند الحاكم في «مدخله إلى الإكليل» (ص/39) مِن قوله في هذا الحديث: «هو مخرَّجٌ في الصَّحيح، وهو شاذ بمرَّة» .

وذلك أنَّ للحاكم اصطلاحًا خاصًّا للشَّاذ، قد أوضحه في «معرفة علوم الحديث» (ص/119) أنَّه «ما انفرد به الثِّقة، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثِّقة في المتن أو الإسناد» . اهـ فليس الشُّذوذ وصفًا مناقضًا عنده للصِّحة مطلقًا، بدليل تمثيلِه له بثلاثة أحاديث، منها ما نَفى عنه العِّلة! بل فيها ما صرَّح بتصحيحه في «المستدرك» !

ثمَّ إنَّ في كتابِه «المدخل إلى الإكليل» عينِه ما يُبين عن مُراده من هذا اللَّفظ، فإنَّه أورد فيه هذا الحديث في سحر النبَّي صلى الله عليه وسلم مثالًا للقسم الرابع من أقسام الحديث الصَّحيح (المتَّفق عليه!)، وهو قسم قد ذكر أنَّه خاصٌّ بالأحاديث الأفراد والغرائب الَّتي يرويها الثِّقات العدول، تفرَّد بها ثقة من الثِّقات، وليس لها طرق مخرَّجة في الكتب .. إلخ.

فظاهر بهذا موافقته على أنَّ حديث عائشة هذا صحيح حجَّة، وأنَّ وصفَه له بالشُّذوذ إنَّما كان باعتبار التَّفرد لا غير؛ بغضِّ النَّظر عن قبوله أو تعليلِه؛ والله تعالى أعلم.

وانظر لمزيد تفصيل «الشاذ والمنكر وزيادة الثقة» لعبد القادر المحمدي (ص/86 - 94).

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: 91)

ويظهر بجلاء منهج الحاكم في عد تفرد الثقة شذوذًا، إذ عد حديث أنس: «كان منزلة قيس بن سعد

»، شاذًا وهو مخرج في صحيح البخاري (2)، قال الحافظ ابن حجر:«والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في الاصطلاح» .

أقول: ويؤيد ما استنتجه منه علماء المصطلح من أنه أراد به تفرد الثقة مطلقًا؛ صنيعه في أمكنة أخرى، منها ما ذكره في كتابه المدخل إلى الإكليل، والأمثلة التي مثل بها، وكذلك بعض الأحاديث التي أعلها في المستدرك.

ففي كتابه المدخل إلى الإكليل ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وفي (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) قال: «هذه الأحاديث الأفراد والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب

ثم ضرب لهذا القسم أمثلة منها: حديث اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث عائشة رضي الله عنها في سحر النبي صلى الله عليه وسلم فالحاكم هنا موافق على أنه صحيح حجة لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط.

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: 93)

وهكذا لا يبقى شك في أن الشذوذ عند الحاكم ليس وصفًا مناقضًا للصحة، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصل لا متابع له فيه بغض النظر عن قبوله أو رده

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: 86)

قال الحافظ ابن حجر: «والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ،

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: 88)

أقول: إن أبا عبد الله الحاكم أول من تكلم من كتّاب المصطلح في الشاذ وكلامه في كتابه «معرفة علوم الحديث» واضح بين، وهو أن الشاذ ما انفرد به الثقة وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة في المتن أو الإسناد، وقد مثل بثلاثة أمثلة، منها نفى عنها العلة، بل منها ما صرح بتصحيحه في كتابه المستدرك!

ص: 1225

والله المُستعَاذُ مِن كلِّ ذي شَرٍّ.

ص: 1226