الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ «مفاتح الغيب خمس»
تمهيد:
لم يُمهِّد بعضُ الباحثين مِن مُعَظِّمي السُّنَن دراستَه لهذا الحديث بجمعِ النُّصوص الواردة في بابِه أوَّلًا قبل الخوضِ في إشكالاته سبيلًا لإزاحةِ شبهةِ التَّعارض بين ما ثَبت مِن الحقائق العلميَّة في علمِ الأجنَّة الحديث، والتَّفسيرِ الشَّائعِ لعلمِ ما في الأرحام؛ فلم يلبثوا أن أقحموا عِلمَ نوعِ الجنين وصفاتِه الخِلقيَّة في علم الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله حقيقةً! وكذا جَعلوا ذاتَ القدرةِ على إنزال المَطر مِن السَّحاب ممَّا اختصَّ به الله وحده؛ قد جعلوا هذا هو المُراد من قول الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} [لقمان: 34].
ومن ثمَّ قالوا بنفيِ التَّعارض بين علم البَشر وعلمِ الله لمِا في الأرحام من جهة أنَّ عِلم البَشر علم جزئيٌّ ظنيٌّ، وأنَّ عِلم الله محيطًا شاملًا للذُّكورةِ، والأنوثةِ، والآجال، والأرزاق، والشقاوة، والسَّعادة، ونحو ذلك؛ وكذا جعلوا قدرةَ الله في إنزالِ المطرِ والعلمِ به كاملةً متحقِّقة، مقابل قدرةِ البشر النَّاقصةِ المُتوهَّمة.
هكذا ارتآ بعض المعاصرين التَّوفيق بين الآية وما فهموه مِن الحديث، فأوقعهم هذا التَّفسير الخاطِئ في الخلطِ بين الغَيب المطلقِ المَقصور علمُه على الله تعالى وحدَه -المتمثِّل في مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الحديث- وبين علمِ الله المحيط بعالم الشَّهادة مِن المَوجودات، والَّتي يُدرك بعضَه علمُ البَشر، بما يعلمونه مِن سننِ الكون والحياة! مع أنَّ الله تعالى قد فصل بين القضِيَّتين بجلاءٍ في قوله تعالى:{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59].
فقد دَلَّت هذه الآية على أنَّ مفاتح الغيبِ لا يعلمُها أحدٌ سِواه، وكذلك جملة ما في البرِّ والبَحر لا يعلمُ جميعَه أحدٌ سِواه، لكن لأنَّه مِن علمِ الشَّهادةِ، فقد يحصُل العلمُ ببعضِه لبعضِ خلقِه، مِمَّن توفَّرت لهم أسباب معرفته.
والنَّبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنَّ مفاتحَ الغيب المقصور علمُها على الله في هذه الآية هي الخمس الواردة في آية سورة لقمان، بتحديدٍ ظاهرٍ لا لبسَ فيه.
فعلى هذا يكون العلمُ الأوَّل في الآية {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} : مِن الغيبِ المطلق المتعلِّق بالله سبحانه دون من سواه.
والعلم الثَّاني فيها {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
…
} إلى آخرها: مِن الغَيبِ النِّسبيِّ الَّذي يمكن للمخلوقِ معرفتُه دون إحاطةٍ تامَّة، فهو علم شهادةٍ لِمن علِمه، وغيبًا لمِن فَقَدَ أسبابَ معرفتِه
(1)
.
إذا تبيَّن هذا الفرق بين هذين العِلْمَين، فهل يُمكِن أن يعلمَ البَشر شيئًا مِن مَفاتحِ الغيب؟ والجواب أن يُقال:
إنَّ كلمةَ العلماء مُجمعة على أنَّ مفاتح الغيب الخمسة لا يَعلمها إلَّا الله سبحانه، فلا يخضع أيٌّ منها في كُليَّاتِها وجُزئيَّاتها للسُّنَنِ الكونيَّة المطَّردة في عالم الشَّهادة، ولا يمكن لمخلوقٍ أن يَعلم أيَّ شيءٍ منها اعتمادًا على قوانين الاستكشافِ لهذا الكون المَنظور.
(1)
انظر «علم الغيب في الشريعة الإسلامية» لـ د. أحمد الغنيمان (ص/35 - 36).
يقول الطَّبري في تفسير قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} : «وعِند الله علم ما غابَ عنكم أيَّها النَّاس مِمَّا لا تعلمونه، ولن تعلموه، ممَّا استأثر بعلمِه نفسه، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمُه جميعُكم»
(1)
.
(2)
.
فنستخلص مِن هذا: أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ العلمَ بنوعِ الجنينِ، هو المقصود بالآية مِن علمِ ما في الأرحام، وأنَّه مِن الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: فقد أخطأَ الفهمَ عن الله ورسوله، بل هو مِن عالم الشهادة الخاضعِ لسُننِ المعرفةِ الَّتي بثَّها الله تعالى في خلقِه، والعلماء منذ القديمِ يقرُّون بإمكانِ معرفةِ جنسِ الجنينِ، لم يعدُّوا ذلك مَحظورًا معرفتُه على الخَلقِ.
يقول العِراقيِّ: «قد يحصل لغير الأولياء مَعرفةُ ذكورةِ الحَملِ وأنوثتِه بطولِ التَّجارب، وقد يُخطِئ الظَّنُّ، وتَنخرم العادة»
(3)
.
والَّذي أوقع بعض المُعاصرين في تلك المَزلَّةِ في الفهم: أخذه بمعنى العمومِ المستفادِ مِن الاسم المَوصول (ما)، في قولِه تعالى:{وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} ، لتشملَ عنده معنى جنسِ الجَنين، مع ما يَتبادر في عُرفِ النَّاسِ إذا سألتهم عَمَّا في رَحمِ امرأةٍ حامل، دون تمعُّنٍ منه في ألفاظِ الحديث المفسِّر للآية الكريمة.
شُبهة العِلمِ بوقتِ نزولِ المَطر:
وأمَّا كون الإنسانِ قادرًا على معرفةِ أوقاتِ نزولِ الأمطارِ، كما يظهر في نَشراتِ الأخبار الجَويَّة: فإنَّ الَّذي نَطق به الحديث هو العلم بوقتِ نزولِ الغيث، وليس الظنَّ، أمَّا ما يَصل إليه المُختَصُّون في الأحوالِ الجَويَّة فقُصَاراه أن يكون
(1)
«جامع البيان» للطبري (9/ 283).
(2)
«فتح الباري» لابن حجر (8/ 514).
(3)
«طرح التثريب» للعراقي (8/ 255).
ظَنًّا غالبًا باعترافِهم هم، وكلُّنا يَعلم كثرةَ الأخطاءِ في تنبُّؤاتهم، مع ما تَوافر لديهم مِن آلاتٍ دقيقة، وبُدوٍّ لأسباب ما تَنبَّأوا به.
ذلك لأنَّ الجبهات الهوائيَّة، أو المنخفضات الجويَّة، قد تتلاشى، أو تتعمَّق، أو يتغيَّر اتِّجاهها وسرعتها بين لحظةٍ وأخرى فجأةً، دون سابق سَببٍ ظاهر، ولذا تراهم يُؤثِرون تسميةَ ما يتَكلَّمون به في هذا البابِ بـ (التَّوقُّعات)، فلا يجزمون فيه بشيءٍ.
ولو افترضنا جَدلًا أنَّ نسبةَ الخطأ في توقُّعاتهم مُنعدِم في ما يخصُّ نزولَ المطَر، فإنَّ هذه النِّسبة المنعدمةَ لن تكون إلَّا بعد حدوثِ الأسبابِ المباشرةِ الآنيَّةِ لنزولِ الأمطارِ؛ وهذا لم يَقع به التَّحَدِّي في الحديث، لأنَّ ذلك يظهر للعاميِّ أيضًا!
فإنَّك ترى الفلَّاحَ يرى سَحابًا يُمطر أرضًا بعيدةً في الأُفق، وهو يجد الرِّياح وقتها تهبُّ بشدَّة جِهةَ أرضهِ أو بستانِه، فيعلم أنَّ ذلك السَّحابَ مُدركٌ أرضَه بالإمطارِ بإجراءِ الله تعالى العادة بذلك؛ فإذا قال هذا: ستُمطرُ على أرضي بعد قليل إن شاء الله، لم يُعدُّ بذلك مُعتديًا على ما اختصَّ الله بعلمِه.
إنَّ العلم الكامل الحقَّ في هذا أن يُجزمَ بتشكُّلِ منخفضٍ جويٍّ في وقتِ كذا، ومكان كذا، بسرعة كذا، فينجم عنه سقوط أمطارٍ بقدرِ كذا، في ساعة كذا، بل في شهر كذا مِن عام كذا، ثمَّ يصدق قوله في كلِّ مرَّة! هذا الَّذي لا يستطيعه بَشرٌ.
ولو أنَّ مُذيعًا أخبرَ النَّظَّارة، بأنَّ يوم كذا، بعد عامينِ، يكون مَطيرًا، أو ملتهبًا بالشَّمس، لمَا شكَّ سامعوه أنَّها مَزحةٌ للتَّرويحِ عن نفوسِهم!
وأمَّا عن استمطارِ السَّحاب المسمَّى بالمطر الصِّناعي:
فحقيقته: أنَّه عبارة عن إنزالٍ لبخار الماء الموجود في الغيوم، بقذفها ببِلَّورات ثلجيَّة أو أبخرة مستخرجة من الفضَّة، مع شروطٍ أخرى متعلِّقة باتِّجاه الرِّياح، وحرارة الجوِّ، وقابليَّة السُّحب نفسها للإمطار، يساعد ذلك على تشكُّل
النُّويَّات وتكاثف البخار حولها، ثمَّ تحوُّلها إلى قطرات ماء تسقط بعد ذلك، دون قدرة على التحكُّم في كمِّه أو مكانه أو زمانه
(1)
.
وقد أشار الله تعالى إلى الأسباب المخلوقة الَّتي تتمُّ بها عمليَّة الإمطار في بضعِ آياتٍ من كتابه العزيز، منها قوله سبحانه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ} [النور: 43].
فهل يستطيع بَشَرٌ تحقيقَ هذه الأسباب، مِن تبخير تلك الكميَّات الضَّخمة من مياه البحار، ثمَّ تكثيفها في درجة برودة معيَّنة يُتحكَّم بها في جوِّ السَّماء، ثمَّ النَّفخ في الهواء لتوليدِ رياحٍ تنقل تلك السُّحب نحو الحقول والمزارع والسُّدودِ، ثمَّ التَّحكُّم في كميَّات المياه المنزلةِ الَّتي يحتاجونها من تلك السُّحب؟!
غاية ما يفعله المُستمطِرون، أن يأتوا إلى السَّبب الأخير مِن تلك العمليَّة المرَكَّبة كلِّها، فيزوِّدوا الغيومَ المتشكِّلة ببعضِ المواد، تحفيزًا لها على إنزال ما تحمله مِن بخار ماء.
فمَثَل ذلك منهم: كمَثل الفلَّاح مع زرعِه يُوفِّر له الظُّروف الملائمة للنُّمو، ويزيد فيه بعض الموادِ لتسريع نبْتِه، أو تكثير غلَّتِه، وليس في هذا ما ينفي أن يكون الزَّرع ممَّا اختصَّ به الله سبحانه على وجه الحقيقة:{أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63 - 64].
لأجل ذلك، اِرتأى بعضُ علماءِ الأرصادِ الغَربيِّين تخطِئةَ تسميَّةِ هذه العمليَّة بالمطر الصِّناعي، لأنَّها عمليَّة في حقيقتِها لا تصنع مطرًا، واختاروا تسميتها بـ (التَّمطير الصِّناعي)، لأنَّها إنزال شيءٍ هو مَوجود أصلًا
(2)
.
ومع هذا كلِّه؛ فإنَّ نتائج الاستمطار الصِّناعي لا تزال ضعيفةً إلى الآن، ولا يُمكن الجزم بنتائجِها، الَّتي لا تَتناسب أصلًا مع ضخامةِ الأموالِ الَّتي تُنفَق
(1)
«الأرصاد الجويَّة» لمحمد الفندي (ص/156 - 157).
(2)
«الأرصاد الجويَّة» لمحمد الفندي (ص/174).
عليها، وهو ما حالَ دون تعميمِها في البلدانِ الَّتي تحتاج إلى الأمطار، حتَّى تجد دُوَلًا متقدِّمةً كأستراليا، تلفحها سنينٌ عِجافٌ من الجفافِ، لا تلجأ إلى هذا الاستمطارِ الصِّناعيِّ، لمعرفتها بقلَّة جدواه أو عدمه.
هذا مِنَّا كلُّه من بابِ مجاراة المعترضِ في مجادلتِه؛ وإلَّا فإنَّ قضيَّة الاستمطار خارجة عن محلِّ النِّزاع مِن الأساسِ! لأنَّ المقصور فعلُه على الله تعالى في حديث ابن عمر رضي الله عنه هو: العلم بوقتِ نزول المطر، لا القدرة على إنزال المطرِ في ذاته!
يتبيَّن هذا بصورةٍ أوضح في المقصود بالعلم الإلهيِّ المتعلِّق بما في الأرحام:
حيث جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدِّ مفاتح الغَيبِ بصيغتين اثنتين:
الصِّيغة الأولى: تُشير إلى الغيوبِ الخمسة بذكرِ آيةِ سورةِ لقمان، وهي رواية عند البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
…
} [لقمان: 34]»
(1)
.
وهي أيضًا في «صحيح مسلم» من رواية ابن عمر في حديث جبريل الطَّويل
(2)
.
وأمَّا الصِّيغة الثَّانية مِن الخبر: فقد جاء فيها تفصيل الغيوب الخمس من لفظ النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه، في قوله:«مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى (إن اله عنده علم الساعة)، برقم: 4778).
(2)
أخرجه مسلم (ك: الإيمان، باب: الإيمان ما هو وبيان خصاله، رقم: 9).
(3)
أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب: قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا)، رقم: 7379).
وفي رواية عند البخاري: « .. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام»
(1)
.
فنلحظ أنَّ الصِّيغتين قد اتَّفقتا في لفظ ثلاث مِن تلك الغيوب: في علمِ السَّاعة، وعدم درايةِ الأنفسِ لكسبِها، ومكان موتِها.
وهذه الثَّلاثة غَيب مطلقٌ لا يعلمه إلَّا الله باتِّفاق، واختلفت الصِّيغتين في اثنتين الباقيتين: في إنزال المطر، وما في الأرحام.
فالصِّيغة الأولى: أشارت إلى أن اللَّفظ العامَّ في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} هو مفتاح للغيبِ مِن غير تفصيل.
أمَّا الصِّيغة الثَّانية: فقد عَدَلت عن عمومِ المعنى إلى قصدِ التَّخصيص، وذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد حَدَّد معنى هذا المُجملِ مِن ذاك العمومِ في الآيةِ بقوله:« .. ولا يَعلم ما تغيضُ الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله .. » .
وإعمالًا للقواعد الأصوليَّة في مثل هذا المقام يكون الجمع بين النَّصين بحملِ العامِّ على الخاصِّ، أي بجعلِ (غَيض الأرحام) و (زمن الإمطارِ) هما الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله في الآية، فهما فقط مِفتاحا الغيبِ، لا مُطلقَ ما في الأرحام: مِن ذكورة، وأنوثة، وعلم بصفات الجنين، ولا مطلقَ إنزال الغيث الوارد في عموم الآية الكريمة؛ مع أنَّ في سورة الرَّعد إشارة إلى هذا المعنى المُخصَّص أيضًا، في قوله تعالى:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
فعِلمُ الله تعالى لمِا تحمِل كلُّ أنثى في هذه الآية، كعلمِ الله لما في الأرحام في آية لقمان، مِن حيث دلالة (ما) الموصولة في كِلتيهما على شمولِ علمِه سبحانه لعالمِ الغيبِ والشَّهادةِ في الحمل، هذا المعنى العام المجمَل فُصِّل في قوله بعدها:{وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} .
(1)
أخرجه البخاري في (ك: الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله وقال أبو هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس لا يعلمهن إلا الله»، رقم: 1039).
وعلى هذا نقول: إنَّ علم ما تغيض الأرحام هو مِن الغيب المقصور علمُه على الله تعالى -كما دَلَّ عليه الحديث- أمَّا العِلم المتعلقُّ بازديادِ الأرحام بالأجنَّة، فهو مِن عالم الشَّهادة؛ وعلمُ الله فيه علمُ إحاطةٍ وشمول.
الَّذي يؤكِّد لنا هذا المعنى الآيةُ الَّتي تتلوها مباشرةً، أعني قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9].
ففيها إشارة إلى أنَّ الآية السَّابقة تَضَمَّنت جزءً مِن عالمِ الغيبِ: وهو غيضُ الأرحام، وجزء متعلِّق بعالم الشَّهادة: وهو علم الله المحيط الشَّامل لأحوالِ وصفاتِ حملِ كلِّ أنثى، وما تزداد به أرحامهنَّ.
فما المقصود إذن بغَيْضِ الأرحام؟
يدور لفظ (الغَيْض) في لغةِ العَربِ على معنى: النَّقصِ، والغَور، والذَّهابِ، والنُّضوبِ، يُقال: غاضَ الماء غَيضًا ومَغاضًا: إذا قَلَّ ونَقص، أو غار فَذَهب، أو قلَّ ونَضَب، أو نَزَل في الأرض وغاب فيها، وغاضت الدرَّة: احتبس لبنُها ونقص
(1)
.
وعلى هذه المعاني دارَ تفسير أهل العلم لغَيْضِ الأرحام في الآية، فجعلوه على معنيين:
الأوَّل: أنَّه الدَّم النَّازل على المرأة الحامل.
والثَّاني -وهو لازم للأوَّل-: أنَّه السَّقط النَّاقص للأجِنَّة قبل تمام خلقها
(2)
.
يقول الرَّاغب الأصفهاني: «وما تَغيض الأرحام: أي تفسِدُه الأرحام، فتجعله كالماءِ الَّذي تبتلعُه الأرض»
(3)
.
يتبيَّن بهذا أنَّ السَّقط المفسِّر للغَيْضِ المرادِ في كلام علماء اللُّغة والتَّفسير هو: الجنين السَّاقط مِن بطنِ أمِّه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الَّذي يهلك في
(1)
انظر «لسان العرب» (7/ 201)، و «المعجم الوسيط» (2/ 668).
(2)
وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والحسن البصري وغيرهم، انظر «جامع البيان» للطبري (13/ 445)، و «الدر ا لمنثور» للسيوطي (4/ 608).
(3)
«المفردات في غريب القرآن» للأصفهاني (ص/619).
الرَّحم؛ فيتحلَّل ويغور وتختفي آثاره منها، ويصدق عليه أنَّ الرَّحم تبتلعه كما تبتلع الأرض الماء.
وعلم الأجنة الحديث يجلِّي هذه الحقيقة: حيث يقرِّر أهل التَّخصُّص بالأجِنَّة، أنَّ الأجِنَّة عندما تهلك في الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن عمرها؛ إمَّا أن تسقط خارجَ الرَّحم، أو تتحلَّل ثمَّ تختفي من داخله، فيتغيَّر فيه حجم الرَّحم، ليأخذ في الصِّغر والجمود، نظرًا لامتصاص السَّائل (الأمنيوسي) الَّذي يعيش فيه الجنين، بسبب تهتُّك هذا الأخير، ويسمُّون هذا الهلاك بصورَتيه:«الإسقاطَ التلقائي المبكِّر» ، وهو يكثر حدوثه خلال الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن الحمل، فأمره شائع في الحوامل، تصل نسبة حدوثه عندهنَّ إلى ما يقرب من (60%)!
(1)
فهذا أقرب ما يكون إلى ما قرَّرناه في معنى غيضِ الأرحام.
ولله درُّ عبد الرَّحمن السَّعدي (ت 1376 هـ)، كيف اهتدى إلى تفسيرِ الغَيْضِ في الآية بكِلتا صورَتي السَّقطِ السَّابقتين كما قرَّرناه؟! وكأنَّه طالع أحوال الأجِنَّة الهالكةِ في أحدث المراجع العلميَّة قبل أن يسطِّر تفسيرَه! فتراه يقول:«ما تغيض الأرحام: أي تنقص ممَّا فيها، إمَّا أن يهلك الحمل، أو يَتَضاءل، أو يضمَحِلَّ»
(2)
.
فقوله «إمَّا أن يهلِك الحمل» : هو السَّقط الَّذي يلفظه الرَّحم.
وقوله «أو يتضاءل» : هو الإجهاض المخفيُّ، حيث ينكمش حجم الجنين ويتصاغر.
وقوله: «أو يضمحلَّ» : هو الأجِنَّة الَّتي تَتلاشى في الرَّحم.
فيتبيَّن مِن هذا التَّفصيل السَّالف، أنَّ المقصودَ بعلمِ ما تغيض الأرحام: هو العلم السَّابق بحدوث الإسقاط التِّلقائي المبكِّر بصورتيه قبل تمامِ تخليقِ الجنين، مع توفُّر مقدِّمات الخلق الضروريَّة ومادَّته الأولى، وتهيُّؤ أسباب ذلك وانتفاء
(1)
انظر مقال لـ د. عبد الجواد الصاوي بعنوان «مفاتيح الغيب وعلم ما في الأرحام» ، منشور في مجلة «الإعجاز العلمي» العدد 28، ص/8.
(2)
«تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ص/414).
الموانع لحدوثه، فيتخلَّص الرَّحم من تلك المواد الأوليَّة بإسقاطها، أو بغورِها واندثارِها.
وعليه، فإنَّ علمَ غَيْض الأرحام الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: هو العلم بمستقبل هلاكِ الأجنَّة المبكرَّة أو حياتها، أو بمعنى آخر: العلم بإرادة الله تعالى في إتمامِ تخليقِ إنسان من عدمه، فهذا العلم هو المقصور على الله وحده، ويستحيل على الخلق جميعًا معرفته.
استحالةُ علمِ أهلِ التَّخصُّص الطبِّي بحدوثِ الإسقاط التِّلقائي المبكِّر:
إنَّ المراجع الطبيَّة لا تزال تعجَز عن الإجابة عن سبب سقوطِ بعض الأجنَّة بعد موتِها دون بعضها الآخر، ذلك «لأنَّ الجنين في بطنِ أمِّه يمرُّ خلال مرحلة تخليقه بتحوُّلات مُعقَّدة إلى الغاية، لا تزال جوانب كثيرة منها تمثِّل لغزًا محيِّرًا للأطبَّاء أنفسِهم، وقد تحدث خلال هذه المدَّة الحرِجة تغيُّرات مفاجئة، ينجم عنها خلل في الصِّبغيَّات أو الجينات، فتؤدِّي إلى هلاك الجنين المبكِّر بنسبٍ عالية.
هذه التَّغيرات المفاجئة المُميتة لا تزال خارجَ نطاقِ العلم القَطعيِّ بحدوثها، وذلك أنَّ معظم أسبابها مَجهولة، يستحيل الكشفُ عنها مُسبقًا، أو توقُّع حدوثها، لأنَّ الخلل في الصِّبغيات يحدث بطريقةٍ عشوائيَّة ومتفرِّقة، ولا يمكن العلمُ بحدوثه قبل أن يحدث.
وكذا الاضطرابات في العوامل الجِينيَّة العديدة المسئولة عن تمايز الخلايا ونموِّها، وما يمكن أن يتعرَّض له الجنين من العوامل الماسخة، مِن الإشعاع والفيروسات والمواد الكيميائيَّة، وما يمكن أن تتعرَّض له الأمُّ من الصَّدمات النَّفسيَّة أو العصبيَّة، أو الأمراض المختلفة في المستقبل، كلُّ ذلك غَيْب، لا يستطيع أحدٌ مِن البَشر أن يجزم بحدوثِه أو عدم حدوثِه، وبالتَّالي فما يُبنى عليها مِن حدوثِ الإسقاط التلقائيِّ يظلُّ غَيْبًا لا يعلمه إلَّا الله»
(1)
.
(1)
مقال لـ د. عبد الجواد الصاوي بعنوان «مفاتيح الغيب وعلم ما في الأرحام» ، منشور في مجلة «الإعجاز العلمي» العدد 28، ص/9.
وعلى هذا يتحرَّر الغيب الحقيقيُّ في (الغَيض) بكونه: علمًا بمستقبل حياة الأجنَّة وهلاكها، أو علمًا بسقط الجنين قبل أن يتمَّ خلقه، أو بالعلم بمستقبل تطوُّر مراحل خلق الجنين الأولى، من النُّطفة، إلى العلقة، إلى المضغة، إلى إنشاء الخلق الإنسانيِّ بعد نفخ الرُّوح فيه، إذ يستحيل على العلماء حاضرًا أو في المستقبل معرفة مصير أيِّ طَوْرٍ من أطوار الجنين قبل اكتمال تخليقِه ونفخ الرُّوح فيه، هل سيتخلَّق إلى الطَّور الَّذي يليه، أم يهلك وتغيض به الأرحام، لأنَّ هذه المعرفة لا تخضع لسنن في الخلق مطَّردة، بل علم ذلك عند الله الخالق وحده.
وسؤال الملَك الموكَّل بالرَّحم ربَّه عز وجل عن مصير كلِّ طورٍ من أطوار الجنين الأوَّلي هل ستتخلَّق أم لا: لَخيرُ دليلٍ على هذا التَّقرير! فعن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكَّل الله بالرَّحم ملَكًا، فيقول: أي ربِّ نطفة؟ أي ربِّ عَلقة؟ أي ربِّ مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي ربِّ أذكر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرِّزق، فما الأجل، فيُكتب كذلك في بطن أمِّه»
(1)
.
مفاتح الغيب الخمس أمورٌ تَتعلَّق بالمستقبل:
فهذا المعنى الَّذي قرَّرناه من علمِ غَيْضِ الأرحام، والعلمِ بوقت نزول المطر: هو الَّذي يَتناسب مع باقي مَفاتح الغيب، حيث إنَّها تَتَعلَّق في أصلِها بأمورٍ مستقبليَّة، لا بماضيةٍ أو حاضرة من أمور عالم الشَّهادة.
ذلك أنَّ العلم بالمُستقبل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأوَّل: العلم بمستقبلِ الأشياءِ الموجودةِ في عالم الشَّهادة، والخاضعة كليًّا للسُّنَن الكونيَّة: فهذه يُمكن العلمُ بمستقبلِ زمانِها مِن قِبَل العارفين بسُنَنِها، كمعرفة وقتِ طلوع الشَّمس وغروبها، ووقت الكسوف والخسوف وغير ذلك.
(1)
أخرجه البخاري (ك: القدر، باب: في القدر، رقم: 6595)، ومسلم (ك: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم: 2646).
فهذا القسم خارجٌ عن نطاق الغيب المطلق الَّذي لا يعلمه إلَّا الله، بل معرفة المستقبل فيه متاحة للخلقِ.
الثَّاني: العلم بمستقبلِ الأشياءِ المَعدومةِ الَّتي لم تُوجد بعدُ في عالم الشَّهادة، هل ستوجد أم لا؟ فهذا القسم غَيْبٌ مُطلق، لا خلاف عند العقلاء أنَّ علمه عند الله تعالى وحده، فيستحيل على الخلقِ أن يعلموا منه شيئًا، لأنَّ أصلَه ومستقبلَه غير خاضعٍ لأيِّ سُنَّة كونيَّة معهودة، لانعدام وجوده من الأصلِ.
الثَّالث: العلم بمستقبلِ أشياءٍ هي موجودة في عالم الشَّهادة، تخضع في وجودها لسُنَن الكون، لكن لا يخضعُ مستقبلُها لسُننٍ مَشهودة: فهذا هو القسم الَّذي يَتَجلَّى في مفاتح الغيب الخمس!
وبيانُ هذه من الحديث: أنَّ هذه الدُّنيا المشهودة، لا يقدر أحدٌ أن يعلمَ زمنَ انتهائِها وزوالها، مع وجود علاماتٍ تدلُّ على قُربها بدلالةِ الشَّرعِ، فهو مُستقبل محظورٌ على الخلقِ معرفتُه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقولِه:«ولا يَعلمُ متى تقوم السَّاعة إلَّا الله .. » .
وهذه السُّحب الَّتي تغطِّي غلافَ الأرضِ، تُخلَق وفقَ سُنن الله تعالى الَّتي أودعها في الأرضِ والسَّماء على آناء اللَّيل والَّنهار، لا يقدِر مخلوقٌ أن يعلمَ يقينًا مُستقبلَ حركتِها، وأحجامها، ووقت نِتاجها مِن قبل أن يكتملَ تكوُّنها، وتنعقدَ أسباب إمطارها، لأنَّها لا تخضع لسُنَنٍ مشاهدةٍ مُطَّردة ثابتة، فهو بهذا في علمِ الله تعالى وحدَه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقول النَّبي صلى الله عليه وسلم:«ولا يعلم متى يأتي المطرُ أحد إلَّا الله .. » .
ثمَّ هذه الأنفس الَّتي تملأ الأرض ضَجيجًا وسعيًا في رزقِها وهنائِها، لا تعلم يقينًا كسبَها من خيرٍ أو شرٍّ، وما سيجري لها مِن حوادث، مع كدِّها وحرصِها على ذلك، فمستقبلُ كسبِها محجوبٌ عنها، ولو في الزَّمن القريب، إذ لا يخضع لسُنَنٍ مَعلومة محدَّدة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعالى الوارد في الحديث:{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} .
وهذه الأنفس عينُها، الخاضعة لنواميس الحياة، لا تعلم أيضًا مَوعدَ رحيلِها من دُنياها، ونهاية وجودها بالموتِ مكانًا وزمانًا، لأنَّها أمور لا تخضع أيضًا لسُننٍ كونيَّةٍ مَعهودة ثابتة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعا لى الوارد في الحديث:{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} .
ثمَّ هذه الأمشاج الَّتي يُخلق بها الإنسان، تنتقلُ في أرحامِ النِّساءِ مِن طَورٍ إلى طَور، في ظلمات ثلاث، بعد أن أصبحت مَرئيَّة مَشهودة، بهيئاتها الكُليَّة، وتفاصيلها الجزئيَّة، يبقى مصيرُها وتمامُ تخليقِها خلالَ هذه الأطوار مَجهولًا:
أيتِمُّ تخليقُ هذا الإنسان، فيُنفخ بالرُّوح، ويصرخ خارجًا من بطنِ أمِّه بزغاريد الحياة؟ أم يسقط، وتَتلاشى أطوارُه في أغوارِ الرَّحم؟!
إنَّ العِلمَ بمستقبلِ الأجنَّة المبكِّرة في أطوارِها الصَّحيحةِ أو شبهِ الصَّحيحة، هل هي هالكة أم مخلَّقة؟ هل يَغيض الرَّحم بها، أم ينشأ منها إنسان جديد تُنفخ فيه الرُّوح، ويزداد به الرَّحم؟ .. كلُّ هذا ممَّا اختصَّ به الخالق سبحانه.
والمَعنى أنَّ ما سيحدث في عالم الحيوان مِن التَّكوين في المستقبل هو مِن خزائن الغيب الَّتي لا يحيط بما فيها إلَّا هو، وهو الغيب المستقبليُّ المحجوب عن عِلمِ البشر، الَّذي لا يخضع لسُنَن مشهودة مُطَّردة، بل علمه خاضعٌ لسُنَن غيبيَّة لا يعلمها إلَّا الله تعالى، فهذا المَعنيُّ بقول النَّبي صلى الله عليه وسلم:«ولا يَعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله .. » ، كما أسلفنا تقريره.
والحاصل: أنَّه مادام أنَّ مُستقبل هذه الأشياء الخمسة ومَصيرَها لا يخضع لسُنَن الشَّهادة ونواميس الحياة، فإنَّه يَستحيل على البَشَرِ العلمُ بتفاصيلِها عِلمًا يُدرك بيقين، لا بظنٍّ أو تخمين.
ولقد تحدَّى الله النَّاس بها في كتابه وعلى لسانِ نبيِّه، في زمنٍ سادت فيه الكَهانة، والعرافة، والتَّنجيم، والسِّحر، ومع ذلك عجزوا، ولا يزال هذا التَّحدي ساريًا عبر القرون، حتَّى اكتشف الإنسان في هذا العصر -بما أذن الله به- بعضًا من سُنَنِه في الكونِ، ممَّا كان يجهله في حياته الدُّنيا؛ وهو مع هذا العلم عاجزٌ أن يدرك بيقينٍ هذه المغيَّبات الخمس، مع توفُّر مقدِّمات لها مِن جنسِها.
(1)
.
فقد قسَّم ابن كثير هذين الغَيبَين الأخيرين إلى قسمين:
قِسم يتعلَّق بالحَدَث قبل إيجادِه، أي قبل تكوُّنِ الغيثِ واكتمالِ كلِّ أسباب الإمطار منه، وقبل تكوُّن ما في الأرحام وبروزه لعالم الشَّهادة: فهذا القدر هو الَّذي يدخل فيما اختصَّ الله وحده بعلمه، وهو المقصود ابتداءً من الآية، بنصِّ الحديث الَّذي حدَّدها بأنَّها مفاتح للغيب خمسة.
وأمَّا القسم الثَّاني: فبعد بروزهما لعالمِ الشَّهادة، وخضوعهما لسُنَن التَّسخيرِ والخلق، فهذا الَّذي يُمكن لبعضِ الخلقِ العلم به بتعليمِ الله إيَّاه، «وهو لا يُنافي الاختصاصَ والاستئثارَ بعلمِ المَذكورات، لأنَّ المُراد بالعلمِ الَّذي استأثر به سبحانه: العلمُ الكامل بأحوال كلٍّ على التَّفصيل، وما يعلم به الملَك، ويطَّلع عليه بعض الخواصِّ دون ذلك العلم الكامل»
(2)
.
ولذا فإنِّي على يقين أنَّ الإنسان سيظلُّ عاجزًا عن إدراكِ سِرِّ إنشائِه في بطنِ أمِّه، وعن معرفةِ كمالِ تخليقِه في أطوارِه مِن نقصانِه.
كذلك سيظلُّ هذا الإنسان عاجزًا عن معرفةٍ قطعيَّةٍ بوقتِ نزولِ المطر قبل تكوُّن السُّحب الممطرة، أو أثناء تكوُّن أطوارها الأولى، ولن يزال الظَّن والاحتمال ديدنَ علماء الأرصاد في حديثهم عن وقتِ نزول الأمطار، ولو بعد بروز السُّحب الممطرة لعالم الشَّهادة وخضوعها لسُنَنِه!
(1)
«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (6/ 352).
(2)
«كوثر المعاني الدراري» لمحمد الخضر الشنقيطي (2/ 365).
كأن الله سبحانه يُعلِمنا بهذا: أنَّه وإن أَذِن في علمِنا ببعضِ ما أودعه في كونِه من سُنَن، فإنَّه لن يأذنَ لأحدٍ بفتحِ هذه الأبواب الخمسة حتَّى يعرفَ سُنَنَها ويخبَرَ عمَّا فيها بيقين، أمَّا غيرها مِن أبواب عالم الشَّهادة، فهي مَفتوحة لنا، وسُنَنُها مَبثوثة بين أيدينا، فسِيروا في الأرض، وانظروا في ملكوتِ السَّماوات، وتفكَّروا في آيات الأنفسِ، فكلُّ ذلك منه مسخَّر لكم.
أليس الحديث إذن عَلَمٌ على نُبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم؟
ثمَّ يأتي مِن يُشكَّك في هذا الحديث أن يكون من خبرِه صِدقًا وعدلًا، فـ {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .