الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الرَّابع
موقف أحمد بن الصِّدِّيق الغُماري
(1)
(ت 1380 هـ) من «الصَّحيحين»
الفرع الأوَّل: تَميُّزُ الغُماري في علوم الحديث وسِعة اطِّلاعه على مُصنَّفاتها.
تَبوَّأ الغُماريُّ مكانةً في معرفة الحديثِ لا تكاد تُسامَى في عصرِه ومِصره، لم يُنازِع مُنصفٌ لقِيَه في قُوَّة حفظِه لمتونِ الأحاديث، وسِعَة معرفتِه بدَواوينِها، وغزارةِ تصنيفِه في علومِها
(2)
؛ فلستُ أبالغ إن نَفَيْتُ له مُسَاويًا في ذلك ببلاد المغرب كلِّها، في زمنِه ولا قبله!
(3)
(1)
أحمد بن محمد بن الصِّدِّيق بن أحمد أبو الفيض الغماري الحسني: محدِّث مغربي طُلَعة، ميَّال إلى فقه الظاهرية، من نزلاء طنجة؛ تعلَّم في الأزهر، وكانت بينه وبين السُّلطة في المغرب جفوة، واستقبله جمال عبد الناصر ووَعده بأن يبني له دار حديث بمصر، وأخلفه! ثمَّ توفي بالقاهرة كمدًا حين سمع بخبر اعتقال أخيه عبد الله بالمغرب.
من تآليفه: «توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار» ، و «التصور والتصديق» في سيرة والده محمد، و «المعجم الوجيز للمستجيز» رسالة في شيوخه ولمحة من تراجمهم، و «المداوي لعلل المناوي» وغيرها كثير، انظر «الأعلام» للزركلي (1/ 253).
(2)
يتبيَّن هذا لمن طالع كتابه «ليس كذلك» في الاستدراك على الحفَّاظ كثيرًا من الطُّرق وما يتعلَّق بالرُّواة بما أدَّاه إليه اجتهاده، فأصاب في كثير، وأخطأ في بعض.
هذه المصنفات فيها المطبوع والمخطوط، وقد ذكر أحمد الغماري قائمةً بجلِّها في كتابيه «البحر العميق في مرويات ابن الصِّديق» وترجمته لنفسه «سبحة العقيق» ، وفي آخر كتابه «توجيه الأنظار إلى توحيد المسلمين في الصوم والإفطار» (ص/151 - 158) جدول بأسماء مصنَّفاته.
(3)
اعتنى سعيد ممدوح المصري بسرد أسماء مصنفات الغُماري الحديثية، وتمييز المطبوع منها من المخطوط، في كتابه «الاتجاهات الحديثية في القرن الرابع عشر» (ص/386)، فبلغت (93) مصنَّفًا، ما بين رسالةٍ صغيرةٍ إلى عدَّة مجلَّدات، بل جاوزت المائة على عدِّ محمد بن عبد الله التليدي في كتابه «تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه» ، وبنظرةٍ إلى سردِ الأخير لمصنَّفات الحديث وعلومه في بلاد الأندلس والمغرب الأقصى منذ الإسلام، نجد عدَّها (1211) مصنَّفًا مع فوتِ الكثير عليه، لتكون نسبة مصنَّفاتِ الغُماري منها لوحدِها قرابة (9%)!
(1)
.
وحقًّا وجدته في عامَّة تحقيقاته كما قال؛ يحشُر الطُّرق والأسانيد حشرًا دون نقدٍ ولا تمييز، وكثيرًا ما يبني على مُجرَّد ذلك أحكامًا لا تصحُّ، وهذا شيءٌ يعرِفُه مَن طالَع مُؤلَّفاتِه بتَجرُّدِ النَّاقد، خاصَّةً منها «المُداوي لعِلَل المُناوي» ، و «فتح الملِك العليِّ بصحَّة حديث باب مدينة العلم عليّ» .
وعلى ما هو عليه مِن سِعَة اطِّلاع وفهمٍ لهذا الفنِّ، ودُربة في مُمارسته، هو وأَخَوَاه عبد الله وعبد العزيز؛ فإنَّ ذلك لم يعصِمه من الوقوعِ في هناتٍ قبيحةٍ في مَسائل منه، خالفَ بها المُحدِّثين في منهجَ التَّعليل والجرح والتَّعديل؛ ممَّا يُعطي النَّاظر في كثيرٍ من مُصنَّفاته هو والآخرَين انطباعًا باستحكامِ الهَوى في أحكامِهم؛ فلقد وقعوا فيما أنكروه على الكوثريِّ مِن التَّعصُّبِ للرَّأي والشُّذوذ فيه!
الفرع الثَّاني: نقد كلامٍ للغُماري يُحتَجُّ به لفتح باب الطَّعن لأخبار «الصَّحيحين» .
تَهَاوى بعض المُعاصرين المَهْوُوسين بفكرة تنقية التُّراث الإسلاميِّ على تردادِ بعض مُقرَّرات الغُماريِّ، أشهرها فقرةٌ مِن كلامه طاروا بها كلَّ مَطارٍ، يذكر فيها بعض مَعايير معرفةِ الحديثِ المَوضوع
(2)
، يقول فيها:
(1)
«جراب الأديب السَّائح» لبوخبزة الحَسني (1/ 113 مخطوط).
(2)
كما تراه في كتاب «السَّيف الحاد» (ص/102 - 103) لسعيد القنوبي محدِّث الإباضية، و «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» لجمال البنا (ص/28).
«كمْ مِن حديثٍ صَحَّحه الحُفَّاظ وهو باطلٌ! بالنَّظر إلى مَعناه ومُعارضتِه للقرآن، أو السُّنةِ الصَّحيحةِ، أو مخالفةِ الواقعِ والتَّاريخِ؛ وذلك لدخولِ الوَهم والغلَطِ فيه على المَعروف بالعدالةِ، بل قد يَتَعمَّد الكذب! فإنَّ الشُّهرةَ بالعدالةِ لا تُفيد القَّطعَ في الواقع.
ومنها أحاديث «الصَّحِيحين» ، فإنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه! فلا تَغتَرَّ بذلك، ولا تَتَهيَّب الحُكمَ عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صِحَّة ما فيهما، فإنَّها دعوى فارغةٌ! لا تثبُت عند البحثِ والتَّمحيصِ، فإنَّ الإجماعَ على صِحَّةِ جميعِ أحاديثِ الصَّحيحين غير مَعقولٍ ولا واقعٍ»
(1)
.
فعامَّة هذا الكلام محضُ غلط، والغُماريُّ يُشنِّع على الكوثريِّ تناقُضاتِه وهو واقعٌ بها! فها هو ذا يفتحُ بابَ التَّكذيب لمِا في «الصَّحيحين» بدعوى أنْ لا إجماع على ما فيهما؛ مع أنَّه هو نفسُه مَن أنكرَ على الكوثريِّ طعنًا له في حديثٍ أخرَجه الشَّيخان، محتجًّا عليه بأنَّه «طَعْنٌ في أحاديثِ الصَّحِيحين المُجمَعِ على صِحَّتها»
(2)
!
وهو نفسُه مَن دافع على أحدِ الرُّواة مِمَّن تُكلِّم فيه بقوله: «يُعتَبر توثيقُ مسلم له ومَن وافقه على توثيقه، فيكون الحديث صحيحًا، لاسيما بعد دخوله في الكتاب المُجمَع مِن الأمَّة على صِحَّتِه»
(3)
!
ولقد حَوت فقرَتُه السَّابقة جملةً مِن المغالطاتٍ، لنا في كشفِها ثلاثُ وَقفات:
الوقفة الأولى: قول الغُمارِيِّ أنَّ كثيرًا مِمَّا صَحَّحه الحُفَّاظ باطلٌ بالنَّظر إلى متنِه:
فهذا مثال لمِا ذكرناه عنه آنفًا مِن تسرُّعه في أحكامه المبالغِة! وهو كلام عمومه مُشكلٌ يُستفصَل عنه:
(1)
«المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير» (ص/137 - 138).
(2)
«بيان تلبيس المفتري» (ص/125).
(3)
«المُداوي لعلل المُناوي» (2/ 548).
فإن كان قصدُه ما اتَّفقَ الحُفَّاظُ على تصحيحِه من الأخبار، وتلقَّوها بالقَبول -كحال أصولِ المَرفوعات في «الصَّحيحين» -: فكلامه ردٌّ؛ فإنَّ جريان عملهم على تصحيحِها والاحتجاجِ بها مُستَلزِمٌ لاستقامةِ مُتونِها ضرورةً، فلن يَغيب عن جميعِهم نَكارةُ متنِها إن وُجِدَت؛ وسبق الكلام حول هذه المسألة.
وإن كان يريدُ بإطلاقِه بعضَ الحُفَّاظِ، وأنَّ آخرين يُخالفونهم: فهذا يقع كثيرًا؛ يَتنازع النُّقاد في ترجيحِ صِحَّة حديثٍ من عدمه، فما يُصحِّحه جماعةُ ويقبلون متنه، قد يراه آخرون مَعلولًا ويُبطلون مَدلولَه! فلا حَرَج مِن اختيارِ أحَدِ القولينِ بدليلِه.
والظَّاهر من كلامِ الغُماريِّ نزوعه إلى المقصد الأوَّل لا الثَّاني! فإنَّ مِن كبائرِ الغُماريِّ وأصل بلِيَّتِه: استحقارُه لإجماعاتِ المُحدِّثين! فلا يكاد يُبالي بأقوالِ سَاداتِهم إذا خالَفَت رأيَه.
تَرى شاهدَ هذا صارخًا من قبيح قوله: «في المُحدِّثين عادةٌ قبيحةٌ! هي تَقليد السِّابقِ منهم، والاعتماد على ما يقول مِن غير تأمُّلٍ ولا رويَّةٍ، ومع صرفِ النَّظر عن التَّحقيق والاستدلال والبحث فيما يُؤيِّد قولَ ذلك السَّابق أو يُبطله ويَردُّه، لأنَّهم ليسوا أهل نظرٍ واستدلال، وإنَّما أهل رواية وإسناد.
فإذا قال واحدٌ منهم، مثل أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، في حديثٍ أو رجلٍ قولًا، فكلُّ مَن جاء بعدهم سيعتَمِد ذلك القول، ويردُّ به الأحاديث المتعدِّدة ويضعِّفها، لا لدليل ولا برهان ..
فلا يهولنك اجتماعُهم على أمرٍ واتِّفاقُهم على شيءٍ! ولا تعتمد عليه، حتَّى تعلم صحَّتَه أو بُطلانه مِن جهة الدَّليل، فإنَّ أهل التَّحقيق والنَّظر لو سَلَكوا طريقتَهم هذه، لأبطلوا ثُلث الشَّريعة! وردُّوا أكثر الأحاديث الصَّحيحة، لولا أنَّ الله أيَّدهم بنورِه، وأمدَّهم بتوفيقِه، فضربوا بأقوالهم عرضَ الحائط، وداسوا اتِّفاقاتهم بالأقدام، وتطلَّعوا بنظرهم الصَّائِب إلى الحقائق ..
فإذا بحثت في الأمر وحقَّقت المسألة، وجدتهم يتِّفقون في وقت الضُّحى على إنكارِ وجودِ الشَّمس في السَّماء، لأنَّ أوَّلهم الأعمى أنكرها فتابعوه على ذلك! ثقةً منهم بقولِه، وتقديمًا لتقليدِه على يقينِ حسِّهم، وهكذا تجدُ اتِّفاقهم على تضعيفِ عبد السَّلام بن صالح الهروي
(1)
، وعلى إبطالِ حديث:«الطَّير» ، وحديث:«أنا مدينة العلم»
(2)
، وغير هذا ممَّا يطول ذكره، ويصعب تتبُّعه»
(3)
.
الوقفة الثَّانية: قوله أنَّ سببَ بطلانِ المتنِ راجعٌ إلى دخولِ الوهم على العَدلِ:
نَعم؛ مُسلَّم به أنَّ الثِّقاتِ مهما بَلغوا في قوَّة ضبطِهم، فلا بدَّ لهم مِن هناتٍ في كثير ما يَروُونَه، والمَعصوم مَن عصَمَه الله؛ لكنَّ الغماريَّ أتبعَ كلامَه بما كانَ الواجبَ تَركُه، ادَّعى فيه على مَشهورِ العدالةِ إمكانَ تعمُّدِ الكذِبَ في الحديث!
وهذا لغوٌ لا طائل منه؛ فإنَّ النُّقادَ لم يُنزلوا العَدْلَ مكانتَه إلَّا بعد تَتبُّعٍ لسيرَتِه ونَخلِ مَرويَّاتِه، فإذا اجتمعوا على تعديلِ راوٍ، فهم شُهداء الله في الأرض، والأصل الثَّابت عند العلماءِ لا يُشَغَّب عليه بمثلِ هذه الاحتمالات.
ولا يُستغرب الشَّيء مِن مَعدِنه! فإنَّ الغُماريَّ هو مَن فاه بـ «أنَّ الجرحَ والتَّعديلَ غيرُ مُحقَّقِ النِّسبةِ إلى جميعِ المُوثَّقين والمَجروحِين، فكم مِن ثقةٍ جَرَّحوه! وكم مِن مَجروحٍ وَثَّقوه!»
(4)
.
وهذا -لا شكَّ- مِن بَقايا تأثُّرِه بالزَّيدية ومُحدِّثِهم محمَّد بنِ عَقيل الحضرَميِّ
(5)
؛ فَلَكَم أثنى على كتابِه «العَتَب الجميل» في الطَّعنِ على أهلِ الجرحِ
(1)
قال ابن حجر في «التَّقريب» : «صدوق له مناكير، وكان يتشيَّع، وأفرَط العُقيلى فقال: كذَّاب» .
(2)
قد سبق الكلام تفصيلًا على هذين الحديثين، في مبحث «موقف الإمامية من الصَّحيحين» .
(3)
«المُداوي» للغُماري (5/ 363 - 364).
(4)
من كلام الغماري في الجزء الأول من كتابه «جُؤنة العطَّار» (ص/16).
(5)
محمد بن عقيل بن عبد الله (ت 1350 هـ): مِن آل يحيى، العلويُّ الحَسيني: رحَّالة تاجر، مِن بيت علم زَيديٍّ بحضرموت، كان شديد التَّشيع؛ له كُتب منها:«النَّصائح الكافية» ، تحامَل فيه على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ونالَ منه، و «العَتب الجميل على علماء الجرح والتَّعديل» ، انظر «الأعلام» للزركلي (6/ 269).
والتَّعديل؛ فلقد «أفسدَ هذا الرَّجلُ وقَبِيلُه مِن آلِ السَّقاف الزَّيْدِيِّين بدَسائِسِهم الشَّيخَ أبا الفَيض الغُماري، وقَلبوه زَيْديًّا أكثرَ منهم! كما تراه جَلِيًّا في كتابه «فتح المَلِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: باب مدينة العلمِ عَليّ (1» )، حتَّى جعلَ المحدِّثين أغلبَهم زَيديَّة!
(2)
ولا عَتَب على نُقَّادِ الرِّجال وهم مَن قام بأعباءِ ما حُمِّلوا مِن أمانةِ نَبيِّهم فتَحمَّلوها، فكَشفوا عن أحوالِ الرُّواةِ عَوارَهم، ومَحوا عن السُّنةِ عارَههم، فمُحالٌ أن يَتوافقوا على عدالةِ رَاوٍ هو خِلافُ ما حَسِبوه، ثمَّ تتبعَهم الأمَّة في التَّديُّنِ بأخبارِه، ولا يَنصب الله لهم عَلامةً على سوء حالِه، وبراءةِ وَحْيِه مِن مُفترَياتِه! و «الله ما سَتَر أحَدًا يكذِبُ في الحديث» ، كما قال سفيان بن عُيينة (ت 198 هـ)
(3)
.
(4)
.
الوقفة الثَّالثة: قول الغُماريِّ عن أحاديثِ «الصَّحيحين» أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه .. إلخ:
قد سَبق الكلام عن أقسامِ ما انتَقَده الحُفَّاظ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين» ، وأنَّ منها أحاديث مَردودة معدودة على أصابع اليَدين لا تَصمد أمامَ النَّقد، منها ما أخرجَه الشَّيخان وهُما يَعلمانِ علَّته.
(1)
«رونق القرطاس» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/172 مخطوط) بتصرف يسير.
(2)
في كتابه «جؤنة العطَّار» (1/ 150).
(3)
«الضُّعفاء» للعقيلي (1/ 146).
(4)
«رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه» (19/ 154 - آثار المعلِّمي).
لكن ما يَشين عبارةَ الغُماريِّ إطلاقُه للفظِ (الوَضع) على حديث في «الصَّحيحين» ! بل ودعوته غيرَه إلى عَدمِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ عليها بذلك إن بَدا له! مُتذرِّعًا بانتفاءِ الإجماعِ عليها؛ ولا ريبَ أنَّه تَهوُّرٌ يفتحِ ذرائعَ لإنكارِ كلِّ مُتَطفِّل جَهولٍ ما لا يَرُوقه مِن الكِتابين؛ فلم يُبقِ الرَّجل بذا للصَّحيحين حُرمةٌ!
فمَن يدلُّني على ناقدٍ مُعتبَرٍ رمَى راويًا في «الصَّحيحين» بالكَذبِ والوَضعِ قبل الغُماريِّ لمُجرَّدِ نكارةٍ رآها في مَتنٍ رواه؟! وأيُّ ناقدٍ مُعتَبرٍ حَكَم على حديث في «الصَّحيحين» بأنَّه موضوعٌ؟!
(1)
اللَّهم إلَّا ابنَ حزم (ت 456 هـ)! وما أشبَهَ الغُماريَّ به في حِدَّتِه! فقد تابَعَه في تكذيبِ قصَّةِ عَرضِ أبي سفيان لابنتِه حبيبة على النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي في «صحيح مسلم»
(2)
، ووافقه في اتِّهام عكرمةَ بنِ عمَّار رَاوِيه بوَضعِه
(3)
!
وفي الشَّهادة على هذا التَّأثُّر الغُماريِّ بابن حزم، يقول بوخبزة الحَسنيُّ:«شيخنا أحمد ابن الصِّدِّيق الغُماري الطَّنجي .. كان لهِجًا بابن حزمٍ، داعِيًا إلى كُتُبِه، حتَّى إنَّه أوْلَم لمَّا خَتم المرَّة الأولى مِن «المُحَلَّى» عن طبعتِه الأولى! وخَرَج منها -وهو شابٌ يَتوقَّد ذكاءً وطُموحًا- نِقمَةً على الفقهاء، ولعنةً على المُتَعصِّبة!
(1)
وأمَّا ما نُسب إلى «صحيح البخاريِّ» من حديث: «كيف بك يا ابنَ عمر إذا بقيتَ في قومٍ يُخبِّئون رزقَ سَنتهم، ويضعفُ اليقين» ، وهو قطعةٌ من حديث موضوع، تفرَّد بروايته الجرَّاح بن منهال، وهو متروك مُتَّهم: فهذا الحديث لا تصحُّ نسبتُه إلى «صحيح البخاريِّ» في أيِّ روايةٍ من رواياتِ «الصَّحيح» ، وما اشتهر في بعض كُتب المُصطلح وبعض كُتب المَوضوعات من أنَّ ابن الجوزيَّ ذكر هذا الحديث في كتابه «الموضوعات» ونَسَبه إلى البخاريِّ: هو محضُ وَهمٍ على ابن الجوزيِّ، وابنُ الجوزيِّ إنَّما عنَى حديثًا آخر؛ وقد وَقَع في هذا الوَهم العراقي وبعده السُّيوطي، مع أنَّ البخاريَّ بريءٌ من هذا الحديث، وانظر تحرير هذه المسألة في جزءٍ بعنوان «بطلان نسبة الحديث الموضوع:(كيف بك يا ابن عمر إذا بقيت .. ) إلى صحيح البخاريِّ» لأستاذنا عبد الباري الأنصاري.
(2)
أخرجه مسلم (ك: الفضائل، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب، رقم: 2501).
(3)
«جؤنة العطَّار» (1/ 16)، وتبعه على هذا الحكم بالوضعِ أخوه عبد الله بن الصِّديق في تعليقه على «أخلاق النبي» لأبي الشيخ (ص/54) فقال:«هذا الحديث موضوع، لمخالفته للواقع» .
فكان يُجرِعهم الحنْظلَ، ويُلقمهم الجنْدَلَ؛ حتَّى إنِّي استفظَعتُ نعتَه لأبي حنيفةَ بـ (أبي جِيفة)! .. في حين أنَّه يَصفُ كثيرًا مِن جَهلةِ المُتصوِّفة بالخُصوصِيَّة والولايةِ الكُبرى، وهم لا يُؤهَّلون لحملِ نِعالِ أبي حنيفة»
(1)
.
إنَّ الأصلَ في حكم النُّقاد على الرَّاوي الثِّقة، إذا خَلَّط في ذكر حديثٍ فوَهِم في نسبتِه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنْ يُدرجوا حديثَه هذا في حَدِّ النَّكارةِ أو البُطلانِ -على أشدِّ تقديرٍ-؛ أمَّا أن يصِموه بالموضوع -كما فعَلَ الغُماريُّ بحديث مسلمٍ- فما أبعدهم عن هذا الغلُوِّ! فإنَّ الموضوع في عامَّة استعمالهم -كما استخلصه الذَّهبيُّ من رحيق كلامهم- «ما كان متنُه مخالفًا للقواعد، وراويه كذَّابًا»
(2)
؛ وقد سلَّم الله عكرمةَ بن عمَّار أن يكون كذلك.
وسيأتي مزيد بسط في نقضِ شديد كلامِ ابن حزم والغُماريِّ في حقِّ حديث عَرْض أبي سفيان لابنته على النَّبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» ، وذلك في مبحثه الخاصِّ من القسم الثَّاني للبحث.
وللغُماريِّ مِن مثل هذا الشَّطَط في أحكامه على المُحدِّثين ودواوينِهم الشَّيء الكثير؛ فهو الَّذي شَنَّ الغارَة على التِّرمذي وأئمَّة الحديثِ بتُهمةِ جمودِهم على ظاهرِ السَّند، وزَعم أنَّ هذا الجمودَ هو العِلَّةُ في إخراجِ البخاريِّ ومسلم للأباطيلِ في صحيحيهما
(3)
، ثمَّ لم يَرْعَوِ عن غَيِّه حتَّى بهَتَ البُخاريَّ بنصبِ العَداوةِ لأهلِ البيت!
(4)
نسأل الله السَّلامة.
إنَّ آفةَ الغُماريِّ في نظري -فضلًا عمَّا أمضيناه مِن بوائقه- تَسرُّع نفسِه المضطربةِ إلى إصدارِ الأحكامِ المُنفعلة! لا أكاد أراه في كثيرٍ من الأحاديثِ الَّتي يدرسها يُكلِّف نفسَه التَّفتيش في أسانيدها بنَفَسِ المُقمِّش، ولا استقراءَ كلامِ الأئمَّة عنها بنَفسِ المُوازِن؛ ولكن يُطلق لقلمِه العَنان بما أملاه بادئُ رأيِه.
(1)
«جراب الأديب السَّائح» لبوخبزة (11/ 238 مخطوط).
(2)
«الموقظة» (ص/36)
(3)
انظر «جؤنة العطَّار» (1/ 16).
(4)
«رونق القرطاس» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/120 مخطوط).
وسترى أمثلَة هذا مِلْءَ العَينِ إن طالعت رسالتَه المَوسومةِ بـ «المُغِير على الأحاديثِ المَوضوعةِ في الجامعِ الصَّغيرِ» ؛ حيث السَّرْدُ المُمِلُّ والتَّعقيب بالطَّعنِ المُجَرَّدِ سِمتانِ بارزتان له؛ والدِّيانة تَستوجِب الوَرع في دراسةِ الوَحي، والتَّحري يَفرض التَّريُّثَ واستفراغَ الجُهد في إثباتِ شيءٍ فيها أو نفيِه؛ والله من وراء القصد.