الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّاني
تصدير الأمَّة للصَّحيحين فرعٌ عن نقد مُحقِّقيها لهما
الحالُ أنَّ مَزيَّة «الصَّحيحين» وجَلالَتهما ثابتةٌ ثُبوتَ الجِبال الرَّواسي، «لا يُهوِّن مِن أمرِهِما إلَّا مُبتدِعٌ مُتَّبعٌ غيرَ سَبيلِ المؤمنين»
(1)
؛ وهذا الإجماعُ من علمائهم إنَّما هو على جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين» ، لا على كلِّ حرفٍ فيهما على حِدَة، هو في ذاته فضيلةٌ لم يبلغها غير الشَّيخان.
والعاقل من النَّاس يعلم أنَّ مَن نَقدَ سبعةَ آلاف درهمٍ مُتنوِّعةٍ، أتَتَه مِن بلادٍ مُختلفة، فلم يَرُج عليه منها إلَاّ دراهمُ مَعدودة، «وهي مع هذا مُغيَّرةٌ ليست مَغشوشةً مَحضةً: فهذا إمامٌ في صَنعتِه!
فالكِتابان سَبعة آلافِ حديثٍ وكَسر»
(2)
، واشتمالُهما على أحرُف يَسيرةٍ خُولِفا فيها مِن حُذَّاقِ الفَنِّ لا يَعيبُهما في شيءٍ، بل مَحمدةٌ استحقَّا عليها التَّنويه من النُّقاد العارفين بوُعورة ما اشترطاه في كتابيهما، والتَّسليم للشَّيخين بالحِذقِ في هذا الفنِّ، ونُفوذ بَصيرتِهما في انتقاءِ المتونِ، وشِدَّة احتياطِهما في تَصحيحِ الأسانيد.
هذا لنفهمَ مُستندَ ما انْبَنى عليه قَبول الأُمَّةِ للكِتابين؛ لم يكُن أبدًا أمرًا اعتباطيًا أو ناشئًا عن تعصُّب، بل الإجماع المَذكور مَردُّه إلى اختبارِ المُتَخصِّصينَ وتَوافقهم في الحكمِ العامِّ عليهما؛ على خلاف ما ادَّعاه (جُولدْزيهر) من «أنَّ مِن الخطأ اعتقادُ أنَّ مَكانةَ هذين الكِتابين مَردُّها إلى عَدمِ التَّشكيكِ في أحاديثهما، أو نتيجةً لتحقيقٍ عِلميٍّ، فسُلطانُ هذين الكِتابين يَرجع لأساسٍ شَعبيٍّ لا صِلةَ له بالتَّدقيقِ الحُرِّ للنُّصوص، هذا الأساس هو إجماعُ الأمَّة»
(1)
.
ولم يكُن للمُتأخِّرون مِن حَمَلة الشَّرعِ أن يخفوا هذه النَّقدات «للصَّحيحين» ويطمسوها عن العامَّة -كما يفتريه بعض من يُلقي الكلام على عواهنه- بل على العكسِ من ذلك! نَراهم يُلقِّنونَنها صغارَ الطَّلَبةِ في حلقات التَّدريس لمتونِ المُصطلَح؛ لعلمهم بأنَّ ما أكْسَبَ «الصَّحِيحين» هذا القَبول العارم، ورَفَعَهما على سائرِ مُصَنَّفاتِ السُّنة، هو تَظافر المُحقِّقينَ على مُناقشتِهما، وفرز ما فيهما مِن عِلَل، وبلوغهم في تَقيِيمهما النِّسبةَ العاليةَ من حيث إصابةِ غرَضِ مُصنِّفيْهما.
نعم؛ قد يَحجُب الرَّبَّانيُّون مِن العلماءِ على عَوامِّ النَّاسِ ذكرَ تفاصيل الخلافِ في أحاديثِ «الصَّحِيحَين» ، ومَبعثَ كلِّ ناقدٍ في تعليلِه وطبيعتَه، فإنَّ أعْطانَ العَامَّة تَضيق عن استيعابِ ذلك في الغالِب! بل قد يَؤول إلى مَفسدةِ التَّشكُّك في هذا العلمِ وانتقاص أئمَّتِه!
وهذا من البصائر الَّتي ضمَّنها أبو داود (ت 275 هـ) رسالتَه لأهل مكَّة حين أوصاهم بقوله: « .. ضَررٌ على العامَّةِ أن يُكشَف لهم كلُّ ما كان مِن هذا الباب فيما مَضى مِن عيوبِ الحديثِ، لأنَّ عِلمَ العامَّة يَقصُر عن مثلِ هذا»
(2)
.
وأجمل منه، ما أعقبَ به ابن رَجبٍ (ت 795 هـ) هذه الوصيَّة حين قال: «هذا كما قال أبو داود، فإنَّ العامَّة تقصُر أفهامهم عن مثلِ ذلك، وربَّما ساَء
ظنُّهم بالحديثِ جملةً إذا سمعوا ذلك، وقد تسلَّط كثيرٌ مِمَّن يطعَنُ في أهلِ الحديثِ عليهم بذكرِ شيءٍ مِن هذه العِلَل، وكان مَقصوده بذلك الطَّعن في الحديثِ جملةً والتَّشكيك فيه»
(1)
!
(1)
«شرح علل التِّرمذي» (1/ 357).