الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّالث
دفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ
الإبانة عن فسادِ ما ادَّعاه هؤلاء المعاصرون مِن مناقضة الحديث لضرورة العلمِ الحديث والحسِّ يتأتَّى في مقامين: مجملٍ، ومفصَّل.
فأمَّا المُجمل: فدعوى مناقضة الحديث للضَّرورة الحسيَّة والعلميَّة لا تُسلَّم إلَّا عند التَّحقُّق من تضمُّن الحديث النَّبوي لخبرٍ مُفصَّلٍ عن واقعٍ مَحسوسٍ يناقض المستقِرَّ المشاهد أو المكتشف العلميَّ القطعيَّ ضرورةً، بحيث ينتفي الجانب الغَيبيُّ في هذا الخبر، أمَّا إذا لم ينتفِ هذا الجانب عن الخبر، فالمناقضة مُنتفِية، لكون الحسِّ لم يشهده، والعلم لم يقطع فيه كي تصحَّ دعوى مخالفة الضَّرورة
(1)
.
وأمَّا المقام المفصَّل: فبيانه أنَّ الحديث تَضمَّن إخبارَ النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذهاب الشَّمس وسجودها تحت العرش، وهذا خبر عن ثلاثِ حقائق مُغيَّبة، ليس للعقل يقين بإدراك كُنهِها، فضلًا عن نفيِها؛ هذه الحقائق هي: حقيقة العرش، وحقيقة حركة الشَّمس، وحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش
(2)
.
فالعرش له حقيقة لا يعلمها إلا الله خالقه سبحانه، والعقل لا يملك إلا تعقُّل صفاته المخبَر عنها في الدَّلائل النَّقليَّة، مِن ذلك: أنَّه عظيم الخلقِ والوزن، ذو قوائم
(1)
، وهو على عظمتِه كالقُبَّة على العالم
(2)
.
والمقصود: أنَّ هذه الحقيقة مع إبانة الوحي عن بعضِ أوصافها يَستحيل على العقل إدراك كُنهها كما أسلفنا، وكذلك يُقال في ما يَتعلَّق بحقيقة حركة الشَّمس؛ فإنَّ العقل البشريَّ إلى يومنا هذا يَعجز عن الإحاطةِ بهذه الحركة بصورةٍ يقينيَّة، لأنَّ هذا يَتطلَّب الانْبِتاتَ عن هذه المجموعة الشَّمسيَّة، والتَّمركزَ خارجَها للوقوفِ على هذه الحركة، وأنَّى للإنسان ذلك؟!
(3)
وبناءً على جهلنا بهاتين الحقيقتين، يكون محصَّل ذلك: الجهلُ بحقيقة سُجودِ الشَّمس تحت العرش، وانتفاء هذا اليقين عن الإحاطة بتلك الحقائق لا يَنفي وجودها، فإنَّ ما كان ثابتًا في نفسِه لا يَنفيه جهلُ الجاهلين به، وعليه فطعنُ الطَّاعن في الخبر بكونِ الشَّمسِ لا تغرب عن مكان إلَاّ وتشرق على آخر، فلا تغيب عن الأرض .. إلخ: لا يُغيِّر مِن تلك الحقائق شيئًا، لأنَّ صاحبَه أسَّسَه ابتداءً على غلطٍ في إدراك مَرامي النَّص؛ حيث توهَّم أنَّ معنى الغروب المذكور في الحديث هو الغياب المطلق على أهل الأرض جميعًا، ليتِمَّ السُّجود المنصوص عليه في الحديث!
وهذا غلطٌ في الفهم، يكشف عن غلطه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه فسَّر هذا الغروب بالذَّهاب، فقال:«أتدري أين تذهب؟ .. » ، والمقصود بالذَّهاب هنا: حَرَكتُها، بحيث تَغيب عن رَأْيِ العَيْن، فهو بذا غِياب نِسبيٌّ لا مُطلق.
(1)
انظر ما ورد فيه من أحاديث صحيحة وغيرها في «العرش وما رُوي فيه» لأبي جعفر ابن أبي شيبة (ت 297 هـ) بتحقيق د. محمد خليفة التميمي.
(2)
كما ورَد الخبر في ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الطَّويل: « .. إنَّ عرشه على سماواته لهكَذا» وقال بأصابعه مثل القُبَّة، أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: السنة، باب: في الجهمية، رقم: 4726)، وقد انتصر ابن تيمية لتصحيح هذا الحديث في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (3/ 254 - 255).
(3)
«رفع اللَّبس» (ص/6).
وفي تقرير هذا المعنى للحديث يقول ابن تيميَّة: «إذا كان النَّبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرَ أنَّها تسجد كلَّ ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها باللَّيل والنَّهار، مع كون سَيرها في فلكِها من جنسٍ واحدٍ، وأنَّ كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنَّما ذلك اختلاف بالنِّسبة والإضافة: عُلم أنَّ تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه لا مختلف»
(1)
.
ويزيد المعلِّمي توضيحًا لذلك فيقول: «لم يَلزم مِمَّا في الرِّواية الثَّالثة مِن الزِّيادة -يعني روايةَ إبراهيم التَّيمي: «حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش فتخرَّ ساجدةً) - غَيبوبة الشَّمسِ عن الأرضِ كلِّها، ولا استقرارها عن الحركة كلَّ يومٍ بذاك المَوضع الَّذي كُتِب عليها أن تستقرَّ فيه متى شاء ربُّها سبحانه»
(2)
.
فغروب الشَّمس المذكور في الحديث إذن هو: سَيرُها وجريانُها الَّذي أخبرَ عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإلَّا فليس للشَّمس مَغرب حقيقيٌّ ثابت، كما قال ابن عاشور:«المراد بمغرب الشَّمس: مكانُ مَغربِ الشَّمس مِن حيث يَلوح الغروب مِن جهات المَعمور .. إذْ ليسَ للشَّمسِ مَغرب حَقيقيٌّ إلَّا فيما يلوح للتَّخيل»
(3)
.
فإن قيل: إذا كان العرشُ كالقُبَّة على هذا العالم؛ فإنَّ لازم ذلك أن تكون الشَّمس في جميع أَحوالها ساجدة، فيبطل بذلك مَدلول «حتَّى» المفيدة للغاية! فجوابه:
أنَّ الشَّمسِ كونها تحت العرش في جميعِ أحوالها لا يلزم منه حصول السُّجود المذكورِ في الحديث في كلِّ وقتٍ؛ وإنمَّا يَتحقَّق السُّجود عند مُسامَتَتِها لجزءٍ مُعيَّنٍ من العرشِ لا نَعلمه.
ثمَّ هذا السُّجود والاستئذان الشَّمسي واقع في جُزءٍ من الوقت لا يعلمه إلَّا الله؛ لا يلزم منه حصول توقُّفٍ في سَيْرِها؛ دَلَّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ثمَّ
تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا»، فليس في حصولِ السُّجودِ منها ما يُعيق دورانَها وحركتَها.
(1)
.
وعلى هذا؛ فلا تناقض بين ما قُرِّر في الآثارِ مِن أنَّ العرش كالقُّبة على هذا العالم، وبين الثَّابت في هذا الحديث.
وأمَّا الشُّبهة الثَّانية: وهي دعوى المُعترِض انتفاء العقلِ والإدراكِ عن الشَّمس، فكيف تسجدُ سجودَ العاقل .. إلخ.
فالجواب عن ذلك أن يُقال:
ليس هناك ما يَمنع -لا نقلًا ولا عقلًا- أن يكون للشَّمسِ إدراكٌ يناسب حالها، ليتحصَّل به السُّجود والاستئذان، فالسُّجود والاستئذان الواقع من الشَّمس هو سجود حقيقيٌّ كما هو ظاهر الحديث، وليس سجودًا مَجازيًا بمعنى الانقياد كما ذهب إليه البعض
(2)
؛ فإنَّ القول بالمَجاز خلافُ الأصلِ الظَّاهر، ولا يَصحُّ المصير إليه مع إمكانِ الحقيقة.
فسجود الشَّمس حَقيقةً واستئذانُها ممَّا يدخُل في مقدورِه تعالى بلا ريْبَ، وإذا اعتبرتَ الدَّلائل القرآنيَّة، تبيَّن لك أنَّ لهذه الجمادات وسائر الحيوانات -سوى العقلاء- إدراكًا يناسبُ حالهَا؛ فإنَّ الله سبحانه حين ذَكر أصناف الحجارة قال:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، ولمَّا ذَكَر الطَّيرَ قال:{وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41].
يقول البَغوي: «مَذهب أهل السُّنة أنَّ لله عِلمًا في الجمادات وسائرِ الحيوانات سِوى العقلاء لا يَقف عليه غيره، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ؛ كما قال جلَّ ذكره:{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]
…
فيجِب على المرءِ الإيمان به، ويَكِلُ علمَه إلى الله تعالى»
(1)
.
وما يُقال في مثل التَّسبيحِ والخَشْيةِ يُقال في السُّجود أيضًا؛ في مثل قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} [الحج: 18].
فقد نَصَّت هذه الآية على نسبةِ السُّجود إلى هذه المخلوقات، ومنها الشَّمس، ومَن فسَّره بأنَّه سجود مَجازيٌّ يُراد به الافتقارُ الدَّائم للرَّب تبارك وتعالى، ونفوذُ مشيئته فيها، وقَصَر تفسيرَه على هذا المعنى: فإنَّ هذا التَّفسير منه باطل؛ فإنَّ هذا الوَصفَ لا تَنفكُّ عنه هذه الكائنات، بل هي في جميعِ حالاتِها ملازمةٌ للافتقار، منفعلةٌ لمشيئةِ الرَّبِ وقدرتِه
(2)
.
والدَّلائلُ السَّابِقَةُ تدلُّ على أَنَّ السجود فِعلٌ لهذه المخلوقات -بما فيها الشَّمس- لا أنَّه اتِّصال؛ وإلَّا لمَا قسَّم السُّجود إلى طَوع وكَره، فلو كانت لا فعلَ لها، لمَا وُصِفت بطوعٍ منها ولا كُرهٍ
(3)
.
وهذا السُّجود من الشَّمس وغيرها مِن الجماداتِ، لا يَلزم منه أن يكون على هيئة سجود البَشر، بل هو خضوع منها للربِّ يُناسِب حالَها
(4)
، وهو فِعْلٌ لها يقع منها في بعضِ الأحوال، مع دوامِ افتقارِها وخضوعها للربِّ تبارك وتعالى، لنفوذ مشيئته فيها.
وكذا سجود هذه الشَّمس تحت العرش هو سجود مَخصوصٌ يُناسبها، وهذا السُّجود لا يَلزم منه سَلْب الخضوعِ والافتقارِ الدَّائم الَّذي تشترك فيه مع بقيَّة
(1)
«معالم التنزيل» للبغوي (ص/39).
(2)
انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/809).
(3)
انظر «رسالة في قنوت الأشياء كلها لله» لابن تيمية (1/ 34 - 44 ضمن جامع الرسائل).
(4)
«رسالة في قنوت الأشياء كلها لله» (1/ 45).
الخلق؛ فلكلِّ شيءٍ سجود يَختصُّ به يفارق غيرَه مِن المخلوقات، وسجودٌ يَشترك فيه مع غيره
(1)
.
وأمَّا الشُّبهة الثالثة من دعوى (الكُرديِّ) أنَّ مِن البَدهيَّات المستقرَّة والمشاهدة: أنَّ الشَّمس مستقرَّة في مكانها، لا تذهب لعرش ولا مكانٍ آخر:
فيُطالَب ابتداءً بتصحيحِ مُقدِّمَتيه الَّتي بَنَى عليهما بطلان الحديث؛ وذلك بالكَشْف عن وجهِ البَداهة المستقرَّة في كون الشَّمس ثابتةً لا متحرِّكة؛ كون ذلك ممَّا يشهده الحِسُّ، ودعواه أنَّ الشُّروق والغروب مِن حركة الأرض حول الشَّمس، وليس هو من فعلِ الشَّمس، واستنكر نسبةَ ذلك في الحديث إلى فعلِها في قوله صلى الله عليه وسلم:« .. يقال لها: اِرجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها» .
فأمَّا المقدِّمة الأولى: فحَسْبُ المؤمنِ يَقينًا بالوَحيِ ما ذكره خالقُ الكونِ في كتابه وعلى لسانِ رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ العَليم جل جلاله قد أسندَ في كتابِه إلى الشَّمسِ ما هو أبلغ من الحركة، كالجَرْيِ والسَّبْح؛ فقال تبارك وتعالى:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} [يس: 38]، وقال سبحانه:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33].
وقد أثبتَ العِلمُ الحديث -الَّذي يتبجَّح به المعترض في تعالُمِه ذاك- هذه الحقيقة الشَّرعيَّة، فقد نَسبَ علماء الفَلك المعاصرون للشَّمسِ ثلاثَ حَركات في عدَّة مَسارات:
1 -
دورانُها حول نفسِها كما تفعلُ الأرض بنفسِ اتِّجاهِ دَورانها
(2)
.
2 -
وجريانُها حول مركز مَجرَّة (درب التَّبانة)، كما تفعل باقي النُّجوم الَّتي بداخل هذه المجرَّة
(3)
.
(1)
«دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/810).
(2)
ذكرت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) أن الأرض تدور بنفس اتجاه دروان الأرض، وهو المسمى بـ (دوران كارنغتون)، نسبةً إلى العالم الفلطي (ريتشارد كارنغتون)، الذي كان أول من لاحظ دوران البقع الشمسية مرةً كل 27 أو 28 يومًا، انظر «موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة» ليوسف الحاج (ص/368).
(3)
المصدر السابق (ص/368).
3 -
وجريانُ المجرَّة نفسِها في الفضاء الكونيِّ، فتسوق معها الشَّمسَ وأسرتَها من الكواكب الَّتي تدور حولها، والَّتي مِن ضمنِها الأرض
(1)
.
فإذا أذِن الله تعالى بانتكاسِ هذا النِّظام الكونيِّ، أدَّى انعكاسُ جريانِ الشَّمس -وهو الَّذي يشير إليه حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه باللُّزومِ إلى انعكاسِ دَوران الأرضِ حول مِحورِها
(2)
؛ هذا الانعكاسُ لحركةِ الأرض سيؤدِّي بدورِه إلى طلوعِ الشَّمس مِن جِهة المغرب فيما يشهده النَّاس!
وعليه؛ فإنَّ نسبةَ الشُّروق مِن المغربِ إلى حركةِ الشَّمس هو باعتبارِ التَّأثير والسَّببيَّة، لا باعتبارِ أنَّها هي نفسُها مَن تدور حولَ الأرضِ حقيقةً كما توهَّمه المعترض مِن هذا الحديث.
ليَستبين بهذا للنَّاظر مُراغمة الطَّاعنين للضَّرورتين: النَّقليَّة، والعلميَّة الفلكيَّة، ويبطُل به تَبعًا ما أورده (رشيد رضا) مِن احتمالِ تصَرُّف الرَّاوي في ألفاظ الحديث، مع كونِه خلافَ الأصلِ في الحفَّاظ المُتقِنين، والحمد لله ربِّ العالمين.
(1)
انظر «الموسوعة الفلكية» لـ د. زينب منصور (ص/59 - 60).
(2)
وذلك أنَّ الطَّاقة الَّتي تنفذ من الشَّمس هي القوَّة المحرِّكة، حيث تولِّد مجالًا مغناطيسيًّا يدفع الأرض للدَّوران حول محورها، هذه الحركة من الأرض تتناسب سرعةً وبطئًا مع كثافة تلك الطَّاقة الشَّمسية، وعلى هذا الأساس يعتمد الفلكيُّون في وضعِ واتِّجاه القطب الشَّمالي المغناطيسي، انظر لمزيد تفصيل «موسوعة الأفلاك والأوقات» لخليل الكيرنوري (ص/67).