الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في العمرة في أشهر الحج
روى عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وكانوا يسمون المحرم صفر وكانوا يقولون: إذا برأ الدبر وعفى الأثر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة وهم ملبون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فيه أن أمره صلى الله عليه وسلم الناس بترك الحج بعد إحرامهم به وإقامة العمرة مكانه لنقض ما كانت العرب عليه من تحريم العمرة في أشهر الحج وما روى عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الجاهلية فإن هذا الحي من قريش ومن دان بدينهم كانوا يقولون إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم فهو مستحيل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أمر الناس أن يفتتحوا لإحرامهم1 بالحج ويحرموا مكانه بعمرة وفيهم عائشة روى عنها قالت: خرجنا مع رسول اله صلى الله عليه وسلم ولا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: "ما يبكيك؟ "، فقلت له: لوددت إني لم أحج العام أو لم أخرج العام، قال:"لعلك نفست" فقلت: نعم قال: "هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن تطوفي بالبيت"، قالت: فلما جئنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "اجعلوها عمرة" فحل الناس إلا من كان معه هدي فكان الهدي معه ومع أبي بكر وعمر وذي اليسارة ثم أهلوا بالحج فلما كان يوم النحر طهرت فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت فأتى بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر حتى إذا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني خلفه فأنا لا أذكر أني كنت أنعس
1 كذا ولعله "أن يفسخوا إحرامهم".
فيضرب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا التنعيم فأهللت بعمرة حذاء عمرة الناس التي اعتمروها.
ففي هذا الحديث أن عائشة كانت أحرمت بالحج كما أحرم الناس ثم عاد إحرامها إلى العمرة كعود إحرام الناس إلى مثلها فأمروا أن يجعلوها عمرة ثم أدركها الحيض فيها فأمرت برفضها والاحرام بالحج مكانها.
وقد روى عن عائشة ما دل على ما قلنا من أنها كانت أحرمت بالحج ثم عادت إلى العمرة بسبب الحيض إلى الحج1 وروى عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نهل بالحج ومن شاء فليهل بالعمرة قالت: فكنت ممن أهل بعمرة فحضت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أنقض رأسي وأمتشطه وأدع عمرتي فبينت في هذا الحديث أنها إنما خرجت من عمرتها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بنقض راسها وامتشاطها وتركها إياها ففي هذا كله ما قد دل على أن نقض النبي صلى الله عليه وسلم لما كان عليه المشركون مما ذكرنا إنما كان بفسخهم الحج واحرامهم بالعمرة لا بعمرة عائشة التي كانت ليلة الحصبة لأنها كانت قضاء لعمرتها التي كانت فيها كسائر الناس فخرجت عنها بالحيض الطارئ قبل طوافها لعمرتها ومما يدل على ما ذكرناه ما روى أن سراقة بن جعثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه أن يحلوا من الحج ويجعلوها عمرة: يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه في الأخرى فقال: "دخلت العمرة هكذا في الحج" وقوله في حديث ابن عباس الثاني "أنهم كانوا يحرمون بالعمرة في المحرم" والمحرم ليس من شهور الحج وهم من رواية لأن المستفيض عند الناس من تحريم العرب العمرة إنما كان في شهور الحج لا فيما سواها وكذلك نص عليه في حديث ابن عباس الأول لأنه قال فيه أنهم كانوا يسمون المحرم صفرا فدل أنهم كانوا يريدون بقولهم ودخل صفر أي دخل محرم الذي كانوا يسمونه صفرا وقد روى هذا
1 هكذا ولعله – ثم عادت إلي الحج – ح.
الحديث عن طاووس من أوقفه عليه ولم يرفعه إلى ابن عباس فقال فيه: قدموا بالحج خالصا لا يخالطه شيء يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وكان يعجبهم من أمر الإسلام ما كان في الجاهلية وكانوا يقولون إذا برأ الدبر وعفا الوبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر وهو أيضا وهم وإنما هو ودخل صفر يريدون به المحرم الذي كانوا يسمونه صفرا إذ ليس المحرم ولا صفر من أشهر الحج وروايته من روى عن جابر بن عبد الله قال لما قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع سأل الناس بماذا أحرمتم قال: أناس أهللنا بالحج وقال آخرون: قدمنا متمتعين وقال آخرون: أهللنا بإهلالك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان قدم ولم يسق هديا فليحلل فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم اسق الهي حتى أكون حلالا" فقال سراقة بن مالك بن جعثم: يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: "لا بل لأبد الأبد" مستبعدة لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج فكيف يتمتعون التمتع الذي لا يكون إلا بعمرة وهو وهم من رواية ورواية من ذكر أنهم كانوا أحرموا بالحج هي الصواب والله أعلم وكذلك ما روى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة فلما قدمنا مكة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج.
مما يبعد كانوا لا يعرفون العمرة وكانوا يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور وكيف يجوز أن يؤمروا بالاحلال من الاحرام الذي كانوا فيه وفيه عمرة إلى عمرة وقد كان ابن عمر انكر على أنس بن مالك وأخبر أن احرامهم إنما كان بالحج لا عمرة معه وما روى عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بالعمرة فليهل" هو عندنا والله أعلم على قول كان منه لهم بعد أن فسخوا الحج الذي كانوا احرموا به وقدموا مكة عليه فقال لهم: من شاء فليهل بالعمرة حتى يكون بها
متمتعا ومن شاء أن يهل بالحج بلا عمرة معه لأنه قد قامت الحجة بإحلالهم من الحج قبل ذلك فعقل عنهم أن ذلك لم يكن إلا بسبب أن يريد إباحة الإحرام لهم حينئذ لأنها كانت محرمة عليهم ولأنه لا يصلح إدخال العمرة على الحج ويصلح إدخال الحج على العمرة فأمرهم بالخروج من الحج لذلك ليتسع لهم الإحرام بالعمرة لمن شاء أن يحرم بها واستئناف حجة لمن شاء أن يحرم بها بلا عمرة معها.
فيرجع بحجة ولا عمرة معها روى عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا رجعت إلى مكة فإن طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك" وقد روى عن عائشة هذا الحديث بخلاف هذه الألفاظ من ذلك ما روى عنها من رواية عطاء أيضا أنها قالت: قلت: يا رسول الله أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري قال: "انفري فإنه يكفيك" قال حجاج في حديثه عن عطاء فألظت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تخرج إلى التنعيم فتهل منه بعمرة وبعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلت منه بعمرة ثم قدمت وطافت وسعت وذبح عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله عن عطاء بقرة.
ومنه ما روى عن جابر بن عبد الله أن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت فلما طهرت وأفاضت قالت: يا رسول الله أينطلقون بحجة وعمرة وانطلق بالحج؟ فأمر عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة ففي الحديث الأول ما يدل على أنها قد كانت بقيت في حرمة العمرة التي كانت أحرمت بها حتى حلت منها ومن الحجة التي كانت أحرمت بها في وقت واحد بطواف واحد كما يكون الطواف القارن في حجته وعمرته لهما غير أن قوله فيه: "طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك" يبعد في القلوب أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن الطواف إن كان للحج فهو له دون العمرة وإن كان الطواف لهما جميعا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر وقولها في الحديث أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري
يدل أنها لم تكن حينئذ في عمرة وإنما كانت في حجة لا عمرة معها إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من قولها غذ لو كانت في عمرة وحج لكانت هي وغيرها سواء وما فضلوها بشيء ولتا احتاجت إلى عمرة بعد الحج وبعد العمرة اللذين كانا منها فاستحال أن يكون الطواف الذي كان منهال يجزئها لعمرة لم تكن فيها وحديث جابر عن عائشة يدل على ذلك أيضا ويخالف الحديث الأول وقد روى عن جابر أيضا ما شد الحديث الأول أن خروجها كان من حجها وعمرتها معا وهو ما روى أبو الزبير عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن، قال:"فإن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال:"ما دمت بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة.
قال الطحاوي ولما اختلفت الرواة عن عطاء وجابر في حديث عائشة هذا الاختلاف نظرنا إلى رواية غيرهم عنها فوجدنا الأسود بن يزيد قد روى عنها قالت خرجنا ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة طاف بالبيت ولم يحل وكان معه الهدي فحاضت هي قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر قالت: يا رسول الله أيرجع أصحابك كلهم بحجة وعمرة وأرجع بالحج؟ قال: "أما كنت تطوفين 1 بالبيت ليالي قدمنا" قالت: لا، قال:"فانطلقي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا" قال: ففي سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عائشة طوافها دليل على أنها لو كانت طافت ليالي قدموا لكانت العمرة قد تمت لها فلما لم تطف لم تتم عمرتها وأمرها بالاعتمار من التنعيم ليكون لها عمرة مع الحجة
1 هكذا وفي النسائي في رواية السود – أم كنت طفت.
التي صارت لها ويدل على أنها قد كانت خرجت من العمرة قبل ذلك أنه لا يجوز عند أهل العلم جميعا أن يدخل عمرة على عمرة ويختلفون فيما على من فعل ذلك فمنهم من يقول لا تلزمه وهو في حكم من لم يحرم بها وهو قول محمد بن الحسن والشافعي وروى ذلك عن عطاء ومنهم من يقول قد لزمته فإذا عمل في الأول صار رافضا لهذه التي أحرم بها وكان عليه لرفضها دم عمرة مكانها وهو قول أبي حنيفة ومنهم من يقول لما أحرم بها لزمته وكان حينئذ رافضا لها وعليه دم لرفضها وعمرة مكانها وهو قول ابي يوسف وروى مثله عن محمد بن الحسن أيضا فلما كان إدخال العمرة على العمرة غير محمود عند جميع العلماء استحال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة بذلك ودل على أنه لم يأمرها بالعمرة وإلا وقد كانت خرجت من عمرتها التي لم تطف لها ليالي قدموا إما بتوجهها إلى عرفة مريدة للحج كما تقول طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة في أحد قوليه أن من أحرم بعمرة وهو في حجة أو كان في عمرة وحجة فتوجه إلى عرفة ولم يطف لعمرته أنه بذلك رافض لعمرته وعليه لرفضها دم وعمرة مكانها وأما بوقوفها بعرفة لحجها كما تقول طائفة أنه لا يكون رافضا حتى يقف بعرفة بعد الزوال فيكون حينئذ رافضا لها ويكون عليه دم لرفضها وعمرة مكانها وهو قول أبي حنيفة الآخر والله أعلم بأي ذلك كان واستحال بذلك أن تكون قارنة وثبت أنها كانت مفردة بحجة لا عمرة إذ كانت قد خرجت من عمرتها قبل ذلك بما خرجت به منها.
ولا حجة لمن استدل على أنها كانت قارنة بما في حديث جابر من أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر عنها بقرة لأنه يحتمل أن يكون نحر عنها لرفضها للعمرة وخروجها منها قبل تمامها كما يقول من ذكرنا عنه من أهل العلم ووجدنا عروة بن الزبير قد روى عنها ما يوجب أيضا خروجها من عمرتها تلك قبل توجهها إلى عرفة وقبل إحرامها بالحج وذلك رواية عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا" قالت: فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة" ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن فاعتمرت فقال: "هذه مكان عمرتك" قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا.
ووجدنا القاسم بن محمد قد روى عنها ما يوجب ذلك غير أنه خالف الأسود وعروة في شيء من حديثه إذا وقف عليه تبين معناه ثم وافقهما في بقية التي يوجب ما ذكرناه وذلك حديثه عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: "ما يبكيك؟ " فقلت لوددت أني لم أحج العام قال: "لعلك نفست؟ " قلت: نعم قال: "فإن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " فلما جئنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "اجعلوها عمرة" فحل الناس إلا من كان معه الهدي فكان معه ومع أبي بكر وعمر وذي اليسارة ثم أهلوا بالحج فلما كان يوم النحر طهرت فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت حتى إذا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني خلفه حتى جئنا التنعيم فأهللت بعمرة جزاء عمرة الناس التي اعتمروها ففي هذا الأثر أيضا ما قد حمل1 على خروجها من العمرة الأولى التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في حجتهم التي كانوا فيها وهي منهم أن يجعلوها عمرة فلم تكن في وقت طوافها في عمرة مع الحجة ووافقهم على روايتهم عنها ابن أبي مليكة فيما ذكرناه ما يدفع حديث عطاء الذي ذكرناه أولا لأن النبي
1 كذا ولعله "دل".
صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تنقض شعرها وهي في حرمة عمرة لأن في ذلك ما يسقط به شعرها ولا يأمرها أن تمتشط والأغلب في الامتشاط أنه يكون بالطيب أو بما يمنع منه الإحرام سواه وفيه ما هو أدل من هذا وهو قوله هذه مكان عمرتك أو هذه قضاء من عمرتك إذ لا يكون الشيء مكان الشيء ولا قضاء منه إلا وذلك الشيء مفقود قبله.
قال الطحاوي: ثم رجعنا إلى طلب الحكم في ذلك من غير حديث عائشة أو في غير قصتها التي ذكرنا فوجدنا ما روى عن نافع أن عبد الله بن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف أن يصدوك فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما شان العمرة والحج إلا واحد إني أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي، وأهدي هديا اشتراه بقديد فانطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يقصر ولم يحل من شيء حرم عليه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد في حديث آخر قال: وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على اتصاله لأن قوله في الحديث الأول: وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون من كلام نافع.
فإن قيل: ففيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طاف لعمرته وحجه طوافا واحدا قلنا: أن سالما قد روى عن ابن عمر ما يخبر به أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجته تلك متمتعا لا قارنا روى عنه أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فهذا يخبر أن
طواف العمرة قد كان قبل طواف الحجة لأن المتمتع هكذا يفعل ولأن إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجة إنما كان بعد ما طاف للحجة التي تحولت عمره كما في حديث جابر بن عبد الله روى جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر فسأله عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم اذن في الناس بالعاشرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجنا حتى إذا أتينا ذي الحليفة أهل بالتوحيد وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ولم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: "إني لو أستقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة فمن كان ليس معه الهدي فليحلل وليجعلها عمرة" فحل الناس وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان أهدى.
قال الطحاوي: ففيه ما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد طاف لها حينئذ وعقلنا بذلك أن الطواف الذي طافه بعد أن رجع إلى منى كان طوافا لحجته لا لعمرته لأن المتمتع يطوف لعمرته قبل خروجه إلى منى أو لعمرته ولحجته على ما يختلف في ذلك لا طواف لعمرته غير ذلك الطواف ثم يكون الطواف الذي يطوفه بعد أن يرجع من منى إلى مكة إنما هو لحجته لا لعمرته فاستحال أن يكون ابن عمر يريد بقوله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طاف طوافا واحدا لعمرته ولحجته لأن ذلك الطواف الذي كان منه إنما كان منه لحجته لأن عمرته قد طاف لها مرة وإنما للعمرة طواف واحد والحج له طوافان طواف عند القدوم إلى مكة وطواف بعد الرجوع من منى فإن قيل فقد روى عن عائشة في الحديث المتقدم بطوله إلى قوله: "وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا" فهذه عائشة تخبر في هذا الحديث أن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا – قلنا
قد روى عن عائشة من رواية عروة عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع في حجة الوداع وتمتع الناس معه وإذا كان فيها متمتعا كان طوافه لعمرته إنما يكون عند قدومه وطوافه الذي يكون منه بعد أن يرجع من منى إنما يكون لحجته دون عمرته واحتمل بذلك أن يكون قول عائشة: فإنما طافوا لهما طوافا واحدا أي طوافا واحدا للإحرام الذي كانوا فيه فكان ذلك الطواف للحج لا للعمرة ومما حقق أن الطواف للقارن طوافان أن علي بن أبي طالب قد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذهبه في طواف القارن أنه طوافان وروى عن أبي نصر قال: أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة قال لا لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج ضممته قال قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك قال تصب عليك أداوة من ماء ثم تحرم بهما جميعا وتطوف لكل واحدة منهما طوافا قال منصور بن إبراهيم راوي الحديث عن أبي نصر فذكرت ذلك لمجاهد فقال ما كنت أفتي الناس إلا بطواف واحد فأما الآن فلا.
قال الطحاوي: فاستحال أن يكون علي رضي الله عنه يأمره بخلاف ما فعلوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى ذلك أيضا عن ابن مسعود أنه قال القارن يطوف طوافان ويسعى سعيين وهو ممن قد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجته وإذا كان لا طواف للعمرة إلا طواف القدوم وطواف القدوم للحجة ليس يغني عن الطواف لها بعد الرجوع من منى لأن الطواف لها بعد الرجوع من منى هو الفرض والطواف للعمرة الذي هو الفرض فيها هو الطوف عند القدوم فكان موضعهما مختلفا عقلنا بذلك أن أن من جمع الحج والعمرة فقد جمع إحرامين الطواف لكل واحد منهما في وقت غير الوقت الذي يكون فيه الطواف الاخر منهما فعقلنا بذلك أنهما طوافان لا طواف واحد وروى عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمن مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يكن معه هدي فليحل" قلنا: أي الحل؟ قال: "الحل كله" فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة هذا مشكل لأن السعي بين الصفا والمروة.
مما لا بد منه في الحج في قول أهل العلم جميعا فلا يجزي فيه الطواف بينهما قبل الدخول في الحج الذي كان منهم قبل أن يتحول ما كانوا فيه إلى العمرة وقد خالف ذلك ما في حديث عائشة الذي ذكرناه فيما تقدم من قولها فيه فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم هو على طواف كالطواف الأول الذي كانوا طافوه للعمرة وفيه الطواف بين الصفا والمروة وهو أولى من حديث جابر لما قد بيناه قبل هذا من وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة وروى عنه أيضا خرجنا مع رسول الله صلى اله عليه وسلم في حجة الوداع لسنا ننوي إلا الحج حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان ليس معه هدي فليحلل إنما افترق من ساق الهدي ممن لم يسقه في الاحلال بعد تمام العمرة التي رجعوا إليها بعد أن كان إحرامهم بالحج من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يسق الهدي أنه يحل بعد فراغه من عمرته كما يحل المعتمر الذي لا يريد التمتع وأنه ذا ساق هديا لتمتعه لم يحل بين عمرته وحجته حتى يكون إحلاله منهما معا على ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من رواية حفصة قالت: قلت يا رسول الله ما شان الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج" وعلى ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس أنه قال: "هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج".
ومن رواية عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري
ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا من العمرة"، وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابه والثوري يقولون في المتمتع بالعمرة إلى الحج أنه لا يحل بينهما إذا ساق الهدي حتى يحل منهما جميعا والحجازيون يخالفونهم في ذلك ولا يجعلون لسياقة الهدي في هذا المعنى ويقولون أن المتمتع بعد فراغه من عمرته يحل منهما سواء كان ساق هديا أو لم يسقه وليس لأحد أن يخرج عما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل بغير خصوصية في ذلك لأحد دون أحد وروى عنه أيضا أن عليا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن ومعه هدي فقال له: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: "فلا تحلل فإن معي هديا" وفيما روى عن أبي موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: "بما أهللت؟ " قلت: إهلالا كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قد أحسنت طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل" إنما افترق أمرهما في الإحلال مع استوائهما في الإهلال لأن عليا كان معه هدي ولم يكن مع أبي موسى هدي والإهلال لا يوجب اللبث بين العمرة والحج حتى يكون الإحلال منهما معا إنما الذي يوجب ذلك الهدي الذي ساق لهما لا ما سواه وفي إهلال كل واحد منهما بمثل إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أحرم ولا بما به أحرم دليل على أن من أحرم كإحرام فلان دون أن يدري ما هو أنه يكون محرما كإحرامه ولا يضره جهله بذلك وأن من دخل في شيء قبل علمه بدخول وقته أو قبل علمه أن ما كان دخل فيه له قد كان أنه يرد إلى حقيقة ذلك الشيء فيجعل من دخل فيه على جهله كمن دخل فيه على علمه من ذلك من دخل في صلاة الظهر ولا يعلم أن الشمس قد زالت ثم علم أنها قد كانت زالت أن صلاته تجزئه كما تجزئه لو كان دخل فيها بعد علمه بدخول وقتها ومثل ذلك من دخل في صوم يوم على أنه يصومه من رمضان ولم يعلم أن الهلال قد رئى قبل ذلك أن الصوم يجزئه من رمضان كما كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون في ذلك وبخلاف ما كان يقول مخالفهم فيه من أنه لا يجزئه حتى يعلم وجوب فرضه عليه قبل دخوله فيها وبالله التوفيق.