الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يكافئ ذلك ويحتمل الخفاء عليه ولو وقف على ما وقف عليه أبو أيوب لردتا وتأويلها إليه وقد روى عن جعفر بن أبي طالب حين زاحمه القتال يوم موته اقتحم عن فرس شقراء له ثم عرقبها وقاتل حتى قتل فكان أول عاقر في سبيل الله.
وكان ذلك بمحضر من أكابر الصحابة مثل عبد الله بن رواحة وخالد وغيرهما فلم ينكر وه عليه وبلغ أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه ولم ينه عن مثله فدل على أنه من أجل الأفعال وأعظمها في الثواب وأن تأويلها ما روينا عن أبي أيوب لا غيره مما يخالفه.
في قتل الكافر بعد قول لا إله إلا الله
روى أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت أن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" يعني يعود بإسلامه مثلك مسلما وتصير أنت من أهل النار كما كان هو قبل أن يسلم من أهلها ومنه ما روى عن أسامة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش إلى الحرقات من جهينة فلما هز مناهم ابتدرت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم بالسيف فقال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وظننت أنه يقوله تعوذا من القتل فقتلته فرجع الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث فقال صلى الله عليه وسلم: "يا أسامة قتلت رجلا بعد أن قال لا إله إلا الله فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
إنما بقيت أحوال أسامة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما وجد منه ما وجد على ما كانت لأنه اجتهد في إسلام الكافر بعد أن حاق به القتل جزاء على كفره فأدى اجتهاده إلى عدم صحته كإيمان فرعون لما أدركه الغرق وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية وبين النبي صلى الله عليه وسلم
خطاءه في اجتهاده بالفرق بين مجئ الباس من الله ومجيئه من قبل عباده وعذره على ذلك قال عليه الصلاة والسلام في القاضي: "إذا اجتهد فأخطأ أن له أجرا".
ثم فيما كان من أسامة دليل على جواز استعمال الرأي عند نزول الحوادث وردها إلى مثلها من الأحكام وإن وقع خطأ فمجتهده غير ملوم ومنه ما روى عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد إلى بني حذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا وجعل يقتل ويأسر ودفع إلى كل واحد منا أسيره حتى إذا كان ذات يوم أمر خالد كل رجل منا أن يقتل أسيره فقلت: لا والله لا أتقل أسيري ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا صنيع خالد فرفع يديه ثم قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين.
إنما لم يؤاخذ صلى الله عليه وسلم خالدا بما وجب لهم عليه بسبب قتله إياهم بعد إسلامهم لأن قولهم: صبأنا ما كان صريحا في إسلامهم لأنه قد يكون على الدخول في دين الصابئين لأنه زوال عن شيء إلى شيء وتعنيفه إذ لم يستثبت في أمرهم حتى يقف على قصدهم بقولهم: صبأنا ولذاتيبر إلى الله من عجلته ولم يأخذه لهم بما لم يعلم يقينا وجوبه عليه ومنه ما روى خالد قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وعمارا في سرية فأضفنا أهل بيت قد كانوا وحدوا فقال عمار: إن هؤلاء قد احتجزوا منا بتوحيدهم فسفهته ولم أحفل بقوله فلما رجعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكاني إليه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتصر له مني أدبر وعيناه تدمعان فقال صلى الله عليه وسلم: "يا خالد لا تسب عمارا فإنه من يسب عمارا يسبه الله عز وجل ومن تسفه عمارا تسفهه الله تعالى" قال: قلت: والله يا رسول الله ما من ذنوبي شيء أخوف على منهن فاستغفر لي قال: فاستغفر لي النبي صلى الله عليه وسلم.
فعل خالد في أهل ذلك البيت كفعل أسامة في قتيله بعد توحيده
فأصاب عمار حقيقة حكم الله فثيهم وأخطأه خالد فحمد في اجتهاده كأسامة ولكن عمارا أصاب الحق الحقيقي ومنه ما روى عن خالد أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ناس من خثعم فاسعصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي صلى الله عليه وسلم بنصف الدية ثم قال: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك لا ترا" أي نارما السجود في احتماله الإسلام وغيره كقولهم: صبأنا وكان على خالد التثبت في أمرهم فقصر في ذلك ولأجله وداهم النبي صلى الله عليه وسلم بما وداهم به تطوعا منه وتفضلا وأما قوله: "لا ترا" أي نارا هما يعني لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين فيكون معهم بقدر ما يرى كل واحد منهما نار صاحبه قال الكسائي العرب تقول داري تنظر إلى دار فلان ودورنا تتناظر وقيل المراد بذلك نار الحرب {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} وعلى هذا نارا هما مختلفان هذه تدعوا إلى الله وهذه تدعوا إلى الشيطان فكيف يتفق أهلهما في بلاد واحدة.
ومنه ما روى عن عمر أن بن حصين قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فحمل رجل من ورائي على رجل من المشركين فلما غشيه بالرمح قال: إني مسلم فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت فاستغفر لي قال: "وما ذاك؟ "، فقال قصته وقال: ظننت أنه متعوذ فقتلته قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى يستبين لك" وقال: ليتبين لي قال: "قد قال لك بلسانه فلم تصدقه على ما في قلبه" فلم يلبث الرجل إن مات فدفن فأصبح على وجه الأرض فقلنا: عد ونبشه فأمرنا عبيدنا وموالينا فحرسوه فأصبح على وجه الأرض فقلنا: فلعلهم غفلوا فحرسنا فأصبح على وجه الأرض فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أحب أن يخبركم بعظم الذنب" ثم قال: انهوا به إلى سفح هذا الجبل فاقصدوا عليه من الحجارة ففعلنا.
فيه أن القاتل وهو الخزاعي علم حرمة قتل من قتله ولهذا قال: أذنبت فاستغفر لي وقوله: ظننت أنه متعوذ زيادة منه في الاعتذار في قتله لأن قتل المتعوذ أيسر من قتل من قاله صادقا من قلبه فلم يكن ظنه ذلك دافعا عنه عقوبة ذنبه فعاقبه الله تعالى من أجل ذلك بما عاقبه والله أعلم بحقيقة الأمر.