الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الوصية بالقبط
روى أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها فإن لهم ذمة ورحما فإذا رأيتم رجلان يقتتلان في موضع لبنة فأخرج منها" قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل ابن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها ليس المراد قيراط الدرهم والمثقال المعروف في كلام الناس ولا الذي ورد في الحديث في أجر المصلي على الجنازة المشيع لها وفي وزر مقتنى الكلاب وإنما المراد به السب من قولهم أعطيت فلانا قرارا يطه إذا سمع منه ما يكره وأجابه بما يكرهه ويحذر بعضهم بعضا فيقول اذهب عني لا أعطيك قرار يطك يعني سبابك وأسماعك المكروه ولا يعرف هذا أهل مدينة سوى أهل مصر فكان الإخبار بهذا علما من أعلام النبوة والمراد بأهلها القبط يوضحه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن فتحتم مصرفا ستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما" لأن هاجر أم اسمعيل كانت منهم فهذه الرحم وأما الذمة مع أنها كانوا أهل حرب وليس لهم ذمة فإن المراد بذلك الحق الذي لهم برحمهم فكان ذلك ذماما لهم يجب رعايته كقوله تعالى: {إِلّاً وَلا ذِمَّةً} فإنها هي التذمم.
في فتح مكة وقتل من أمر بقتله
روى مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم الفتح فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فأما عبد الله بن خطل فأتى وهو متعلق باستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشد الرجلين فقتله.
وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا ههنا وقال عكرمة والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم أن لك علي عهدا أن أنجيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا اضع يدي في يده فلأجد له عفوا كريما فنجا فأسلم وأما عبد الله بن أبي سرح فإنه اختبى عند عثمان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث مرات ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل يقوم إلى هذا حين رآني قد كففت يدي عن مبايعته فيقتله" فقالوا: ما درينا يا رسول الله فهلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين" فيه أنه صلى الله عليه وسلم أمر في الأربعة بقتلهم مطلقا ثم خرج من ذلك عكرمة وعبد الله بإسلامهما فحقن دمهما وقتل الآخران بالكفر الذي ثبتا عليه وخروجهما بطريق الاستثناء الشرعي دون اللساني فكذلك تكون أمور الأئمة بالعقوبات مستثنى منها بما يدفع العقوبات بالشريعة وإن لم يستثنوا ذلك بألسنتهم.
ومنه ما روى مطيع بن الأسود وكان اسمه العاصي فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكه يقول: "لا تغزي مكة بعد هذا العام أبدا ولا يقتل رجل من قريش صبرا بعد اليوم" لم يذكر الراوي لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم معربا وذلك مما يقع فيه الأشكال لأنه إن كان لا يقتل بالجزم كان ذلك على الأمر وفيه خلاف حكم الله لان حكم الله أن القرشي يقتل قودا ويرجم إذا زنى محصنا وحاشا أن يكون لفظ رسول الله صلى الله عيه وسلم مخرجا له عن هذه الأحكام فتأويله والله أعلم لا يقتل مرفوعا على الخبرية كقوله: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وسيأتي بيانه.