الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان
وفيه فصول:
الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه
اعلم أن «رمضان» مشتق من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمى الربيعان لموافقتهما زمن الربيع. أو لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع. ورمضان أفضل الشهور، كما حكاه الأسنوى عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
قال النووى: وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. انتهى. وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور- وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفى وجه- وهو قول الحنفية- أول ما فرض يوم عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتى أدلة الفريقين فى الكلام على صوم عاشوراء- إن شاء الله تعالى-. وقد كان فرض رمضان فى السنة الثانية من الهجرة- كما تقدم- فتوفى سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات.
ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع الجود والبركات لأن نعم الله فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات، من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف ويخص به من العبادات ما لا يخص به غيره من
الشهور، وكان جوده- صلى الله عليه وسلم يتضاعف فى شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضا، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة.
وفى حديث ابن عباس عند الشيخين، قال:(كان النبى- صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله- صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)«1» .
فبمجموع ما ذكر فى هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهى مدارسة القرآن، حصل له- صلى الله عليه وسلم المزيد فى الجود.
والمرسلة: المطلقة، يعنى أنه فى الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده- صلى الله عليه وسلم، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. ووقع عند الإمام أحمد فى آخر هذا الحديث (لا يسأل شيئا إلا أعطاه) . وتقدم فى ذكر سخائه- صلى الله عليه وسلم مزيد لذلك.
وقد كان ابتداء نزول القرآن فى شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، فكان جبريل- عليه الصلاة والسلام يتعاهده- صلى الله عليه وسلم فى كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذى توفى فيه- صلى الله عليه وسلم عارضه به مرتين «2» ، كما ثبت فى الصحيح عن فاطمة- رضى الله عنها-. قال فى فتح البارى: وفى معارضة جبريل النبى- صلى الله عليه وسلم بالقرآن فى شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والآخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما.
(1) صحيح: أخرجه البخارى (6) فى بدء الوحى، باب: بدء الوحى، ومسلم (2308) فى الفضائل، باب: كان النبى أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2450) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبى. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
وفى المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبى- صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان «1» . وقد دل الحديث على استحباب مدارسة القرآن فى رمضان، والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه.
وفى حديث ابن عباس أن المدارسة بينه- صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كانت ليلا، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن فى رمضان ليلا، لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.
وقد كان- صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائى عن أبى هريرة ولفظه قال: كان النبى- صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير الكثير «2» . قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل فى تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان.
وروى أنه- صلى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال:«اللهم بارك لنا فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان» «3» . رواه الطبرانى وغيره من حديث أنس. وكان- صلى الله عليه وسلم إذا رأى هلال رمضان قال:
«هلال رشد وخير، هلال رشد وخير هلال رشد وخير، آمنت بالذى خلقك» «4» ، رواه النسائى من حديث أنس.
(1) أخرجه أحمد (4/ 107) من حديث واثلة بن الأسقع- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: أخرجه النسائى (4/ 129) فى الصيام، باب: ذكر الاختلاف على معمر فيه. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(3)
ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 165) عن أنس وقال: رواه البزار وفيه زائدة بن أبى الرقاد، قال البخارى: منكر الحديث وجهله جماعة، وكرره فى (3/ 140) وقال: رواه البزار والطبرانى فى الأوسط، وفيه زائدة بن أبى الرقاد، وفيه كلام وقد وثق!.
(4)
أخرجه أبو داود (5092) فى الأدب، باب: ما يقول إذا رأى الهلال، بسند رجاله ثقات، إلا أنه مرسل عن قتادة.