الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعضها إلى بعض أفاد قوة، بل قال العراقى فى أماليه: لحديث أبى هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ. وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق سليمان بن أبى عبد الله، وقال: سليمان مجهول. وسليمان ذكره ابن حبان فى الثقات، فالحديث حسن على رأيه. قال: وله طرق عن جابر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر فى «الاستذكار» من رواية أبى الزبير عنه، وهى أصح طرقه. ورواه هو والدار قطنى فى «الأفراد» بسند جيد عن عمر موقوفا عليه، والبيهقى فى «الشعب» من جهة محمد بن المنتشر، قال: كان يقال.. وذكره.
الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان
عن عائشة- رضى الله عنها-: ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان «1» . رواه البخارى ومسلم، وفى أخرى لهما: لم يكن يصوم شهرا أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله «2» . وفى رواية الترمذى: كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله «3» . وفى رواية أبى داود: كان أحب الشهور إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان «4» . وللنسائى: كان يصوم شعبان، أو عامة شعبان «5» . وفى أخرى له: كان يصوم شعبان إلا قليلا «6» .
(1) صحيح: أخرجه مسلم (1156) فى الصيام، باب: صيام النبى من غير رمضان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(2)
تقدم فى الذى قبله.
(3)
صحيح: أخرجه الترمذى (736) فى الصوم، باب: ما جاء فى وصال شعبان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(4)
صحيح: أخرجه أبو داود (2430) فى الصوم، باب: فى صوم شعبان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(5)
حسن صحيح: أخرجه النسائى (1/ 659) فى الصيام، باب: الاختلاف على محمد بن إبراهيم من حديث عائشة- رضى الله عنها-، وقال الألبانى فى صحيح النسائى: حسن صحيح.
(6)
صحيح: أخرجه مسلم (1156) وتقدم.
وفى أخرى له أيضا: كان يصوم شعبان كله «1» . قال الحافظ ابن حجر: أى يصوم معظمه.
ونقل الترمذى عن ابن المبارك أنه قال: جائز فى كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله. ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذى: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله: أن الرواية الأولى مفسرة للثانية ومخصصة لها، وأن المراد ب «الكل» الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال.
واستبعده الطيبى وقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقال ابن المنير:
إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثانى متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتهى. ولا يخفى تكلفه، والأول لمحمول على المبالغة هو الصواب.
واختلف فى الحكمة فى إكثاره- صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها فى شعبان. أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط من طريق ابن أبى ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان. وابن أبى ليلى ضعيف، وقيل كان يضع الحديث.
وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أخرجه الترمذى من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: سئل النبى- صلى الله عليه وسلم: أى الصوم أفضل بعد رمضان قال: «شعبان لتعظيم رمضان» قال الترمذى: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذلك القوى.
(1) تقدم فى الذى قبله.
لكن يعارضه ما رواه مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: «أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم» «1» . والأولى فى ذلك ما جاء فى حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائى وأبو داود، وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال:«ذاك شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم» «2» .
فبين- صلى الله عليه وسلم وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: «إنه شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان» يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولا عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك.
وفى إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، ولا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بنى الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم.
وقد روى فى صيامه- صلى الله عليه وسلم شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال، فروى- بإسناد فيه ضعيف- عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبى- صلى الله عليه وسلم فى شعبان فقلت: يا رسول الله، أرى أكثر صيامك فى شعبان؟ قال:
«إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم» وقد روى مرسلا، وقيل إنه أصح.
وقد قيل فى صوم شعبان معنى آخر: وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، فلا يدخل فى صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن
(1) صحيح: أخرجه مسلم (1161) فى الصيام، باب: فضل صوم المحرم، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، بلفظ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم الحديث.
(2)
أخرجه أحمد (5/ 201) من حديث أسامة بن زيد- رضى الله عنهما-.
على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل فى صيام رمضان بقوة ونشاط. واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء فى النهى عن صوم نصف شعبان الثانى، فإن الجمع بينهما ظاهر، بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام فى صيام اعتاده.
وأجاب النووى عن كونه- صلى الله عليه وسلم لم يكثر الصوم فى المحرم، مع قوله:
«إن أفضل الصيام ما يقع فيه» ، بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا فى آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم فى المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم فيه.
وأما شهر رجب بخصوصه- وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل من سائر الشهور، وضعفه النووى وغيره- فلم يعلم أنه صح أنه- صلى الله عليه وسلم صامه، بل روى عنه من حديث ابن عباس، مما صح وقفه، أنه نهى عن صيامه، ذكره ابن ماجه لكن فى سنن أبى داود: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها. وفى حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه- صلى الله عليه وسلم قال له:«صم من الحرم واترك» ، قالها ثلاثا «1» .
وفى رواية مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصارى قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب- ونحن يومئذ فى رجب- فقال: سمعت ابن عباس يقول:
كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم «2» . والظاهر: أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهى عنه ولا ندب فيه بعينه، بل له حكم باقى الشهور.
(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (2428) فى الصوم، باب: فى صوم أشهر الحرم. من حديث عجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (1141) فى الجمعة، باب: قيام النبى بالليل من نومه وما نسخ من قيام الليل، ومسلم (1158) فى الصيام، باب: صيام النبى فى غير رمضان. من حديث أنس- رضى الله عنه-.