المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٣

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

- ‌الفصل الأول فى طبه صلى الله عليه وسلم لذوى الأمراض والعاهات

- ‌النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية

- ‌رقية الذى يصاب بالعين:

- ‌عقوبة العائن:

- ‌ذكر رقية النبى ص التى كان يرقى بها

- ‌ذكر طبه ص من الفزع والأرق المانع من النوم:

- ‌ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:

- ‌ذكر طبه ص من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب:

- ‌ذكر طبه ص من داء الفقر:

- ‌ذكر طبه ص من داء الحريق:

- ‌ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:

- ‌ذكر دوائه ص من داء السحر:

- ‌ذكر رقية لكل شكوى:

- ‌رقيته ص من الصداع:

- ‌رقيته ص من وجع الضرس:

- ‌رقية لعسر البول:

- ‌رقية الحمى:

- ‌ذكر ما يقى من كل بلاء:

- ‌ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:

- ‌ذكر دواء داء الطعام:

- ‌ذكر دواء أم الصبيان:

- ‌النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية

- ‌ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة:

- ‌ذكر طبه ص للرمد:

- ‌ذكر طبه ص من العذرة:

- ‌ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن

- ‌ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه:

- ‌ذكر طبه ص للمفؤود:

- ‌ذكر طبه ص لذات الجنب:

- ‌ذكر طبه ص لداء الاستسقاء:

- ‌ذكر طبه ص من داء عرق النسا:

- ‌ذكر طبه ص من الأورام والخراجات:

- ‌ذكر طبه ص بقطع العروق والكى:

- ‌ذكر طبه ص من الطاعون:

- ‌ذكر طبه ص من السلعة

- ‌ذكر طبه ص من الحمى:

- ‌ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل:

- ‌ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذى أصابه بخيبر:

- ‌النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية

- ‌ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى:

- ‌ذكر طبه- ص من لدغة العقرب:

- ‌ذكر الطب من النملة:

- ‌ذكر طبه ص من البثرة:

- ‌ذكر طبه ص من حرق النار:

- ‌ذكر طبه ص بالحمية:

- ‌ذكر حمية المريض من الماء:

- ‌ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص:

- ‌ذكر الحمية من طعام البخلاء:

- ‌ذكر الحمية من داء الكسل:

- ‌ذكر الحمية من داء البواسير:

- ‌ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى:

- ‌ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته:

- ‌ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى:

- ‌الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا

- ‌الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:

- ‌الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات

- ‌المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته

- ‌النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: فى ذكر وضوئه ص وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به

- ‌الفصل الثانى فى وضوئه ص مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا

- ‌الفصل الثالث فى صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى مسحه ص على الخفين

- ‌الفصل الخامس فى تيممه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل السادس فى غسله صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الثانى فى ذكر صلاته ص

- ‌[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب

- ‌الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول فى فرضها

- ‌الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته ص وفيه فروع:

- ‌الفروع الأول: فى صفة افتتاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة

- ‌الفرع الثالث: فى ذكر قراءته ص الفاتحة وقوله آمين بعدها

- ‌الفرع الرابع: فى ذكر قراءته ص بعد الفاتحة فى صلاة الغداة

- ‌الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- صلى الله عليه وسلم فى صلاتى الظهر والعصر

- ‌الفرع السادس: فى ذكر قراءته ص فى صلاة المغرب

- ‌الفرع السابع: فى ذكر ما كان ص يقرأ فى صلاة العشاء

- ‌الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع العاشر: فى ذكر ما كان ص يقوله فى الركوع والرفع منه

- ‌الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده ص وما يقول فيه

- ‌الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه ص للتشهد

- ‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الرابع عشر: فى ذكر تسليمه ص من الصلاة

- ‌الفرع الخامس عشر: فى ذكر قنوته صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى سجوده ص للسهو فى الصلاة

- ‌الفصل الخامس فيما كان ص يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها

- ‌الباب الثانى فى ذكر صلاته ص الجمعة

- ‌الباب الثالث فى ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه

- ‌ذكر سياق صلاته ص بالليل

- ‌الباب الرابع فى صلاته ص الوتر

- ‌الباب الخامس فى ذكر صلاته ص الضحى

- ‌القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان:

- ‌الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان:

- ‌الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة

- ‌الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة

- ‌الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر

- ‌الفرع الثالث: فى راتبة الظهر

- ‌الفرع الرابع فى سنة العصر

- ‌الفرع الخامس فى راتبة المغرب

- ‌الفرع السادس فى راتبة العشاء

- ‌الفرع السابع فى راتبة الجمعة

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص العيدين

- ‌الفرع الأول فى عدد الركعات

- ‌الفرع الثانى فى عدد التكبير

- ‌الفرع الثالث فى الوقت والمكان

- ‌الفرع الرابع فى الأذان والإقامة

- ‌الفرع الخامس فى قراءته ص فى صلاة العيدين

- ‌الفرع السادس فى خطبته ص وتقديمه صلاة العيدين عليها

- ‌الفرع السابع فى أكله ص يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة

- ‌الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌الفصل الأول فى صلاته ص الكسوف

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص صلاة الاستسقاء

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌القسم الثالث فى ذكر صلاته ص فى السفر

- ‌الفصل الأول فى قصره ص الصلاة فيه وأحكامه

- ‌الفرع الأول فى كم كان ص يقصر الصلاة

- ‌الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة

- ‌الفصل الثانى فى الجمع

- ‌الفرع الأول فى جمعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى ذكر صلاته ص النوافل فى السفر

- ‌الفصل الرابع فى صلاته ص التطوع فى السفر على الدابة

- ‌القسم الرابع فى ذكر صلاته ص صلاة الخوف

- ‌القسم الخامس فى ذكر صلاته ص على الجنازة

- ‌الفرع الأول فى عدد التكبيرات

- ‌الفرع الثانى فى القراءة والدعاء

- ‌الفرع الثالث فى صلاته ص على القبر

- ‌الفرع الرابع فى صلاته ص على الغائب

- ‌النوع الثالث فى ذكر سيرته ص فى الزكاة

- ‌النوع الرابع فى ذكر صيامه صلى الله عليه وسلم

- ‌القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان

- ‌الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه

- ‌الفصل الثانى فى صيامه ص برؤية الهلال

- ‌الفصل الثالث فى صومه ص بشهادة العدل الواحد

- ‌الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم

- ‌الفصل الخامس فى وقت إفطاره ص

- ‌الفصل السادس فيما كان ص يفطر عليه

- ‌الفصل السابع فيما كان يقوله ص عند الإفطار

- ‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع فى سحوره صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل العاشر فى إفطاره ص فى رمضان فى السفر وصومه

- ‌القسم الثانى فى صومه ص غير شهر رمضان وفيه فصول

- ‌الفصل الأول فى سرده ص صوم أيام من الشهر وفطره أياما

- ‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

- ‌الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان

- ‌الفصل الرابع فى صومه ص عشر ذى الحجة

- ‌الفصل الخامس فى صومه ص أيام الأسبوع

- ‌الفصل السادس فى صومه ص الأيام البيض

- ‌النوع الخامس فى ذكر اعتكافه ص واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر

- ‌النوع السادس فى ذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

- ‌المقصد العاشر

- ‌الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص

- ‌الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف

- ‌الفصل الثالث

- ‌خاتمة

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

ففى هذا: أنه- صلى الله عليه وسلم لم يصم الدهر كله، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة، وإن كان قد أعطى من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام.

‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

وهو بالمد على المشهور. واختلف فى تعيينه: فعن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس- وهو متوسد رداءه فى زمزم- فقلت له: أخبرنى عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت: هكذا كان محمد- صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم «1» . رواه مسلم.

قال النووى: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه بأن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من أظمأ الإبل، فإن العرب تسمى اليوم الخامس من أيام الورد ربعا، وكذا باقى الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرا. انتهى.

لكن قال ابن المنير: قوله: «إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما» يشعر بأنه أراد العاشر، لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح صائما تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهى الليلة العاشرة. انتهى. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، ومالك وأحمد وإسحاق، وخلائق. وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس يرد عليه معنى قوله: إن النبى- صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء فقالوا له يا رسول: يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال- صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1133) فى الصيام، باب: أى يوم يصام فى عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

ص: 428

التاسع» ، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم «1» . وهذا تصريح بأن الذى كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر. قاله النووى.

وقال القرطبى: عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو فى الأصل صفة الليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العشر الذى هو اسم للعقد، واليوم يضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة. وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر. وهذا قول الخليل وغيره. وقال ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقال ابن القيم. من تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل يوم عاشوراء اليوم التاسع بل قال للسائل صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذى يعده الناس يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صوم التاسع معه، وأخبر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك وهو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه فى المستقبل، وهو الذى روى «أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر» «2» وكل هذه الآثار يصدق بعضها بعضا. انتهى فليتأمل.

وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يصومه فى الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فما فرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1134) فى الصيام، باب: أى يوم يصام فى عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(2)

صحيح: أخرجه الترمذى (755) فى الصوم، باب: ما جاء فى عاشوراء أى يوم هو. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 429

ومن شاء تركه «1» . رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والترمذى.

واستفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذى وقع الأمر فيه بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه- صلى الله عليه وسلم كان فى ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك فى أول السنة الثانية، وفى السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم يوم عاشوراء إلا فى سنة واحدة، ثم فوض الأمر فى صومه إلى رأى المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة.

وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وقد روى عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا فى الجاهلية، فعظم فى صدورهم، فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك. قاله فى فتح البارى. وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال:«إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه» «2» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود، وفى رواية:

وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن فى الناس:

من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل «3» . رواه مسلم. قال النووى: اختلفوا فى حكم صوم عاشوراء فى أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبا.

واختلف أصحاب الشافعى فيه على وجهين: أشهرهما: عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجبا قط فى هذه الأمة، ولكنه كان متأكد

(1) صحيح: أخرجه البخارى (2002) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1125) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (4501) فى تفسير القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ

الآية. ومسلم (1126) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

(3)

صحيح: أخرجه مسلم (1135) فى الصيام، باب: من أكل فى عاشوراء فليكف بقية يومه. من حديث سلمة بن الأكوع- رضى الله عنه-.

ص: 430

الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبّا دون ذلك الاستحباب، والثانى: كان واجبا كقول أبى حنيفة. وتظهر فائدة الخلاف فى اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يأمروا بقضائه بعد صومه. وأصحاب الشافعى يقولون: كان مستحبّا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله:«أمر بصيامه» والأمر للوجوب، وبقوله:«فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه» . ويحتج الشافعية بقوله: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه» ، والشافعية يقولون أيضا: معنى قوله فى حديث سلمة: «فأمره أن يؤذن فى الناس من كان لم يصم فليصم الخ» . أن من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن كان لم ينو الصوم ولم يأكل أو أكل فليمسك بقية يومه لحرمة اليوم. واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن صوم الفرض يجب بنية فى النهار ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا فى النهار وأجزأهم. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأن المراد إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا: أنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية فى النهار فى الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل وغيره، انتهى.

وقال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت فى مسلم:«لما فرض رمضان ترك عاشوراء» «1» مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم: «المتروك تأكد استحبابه، والباقى مطلق استمرار الاهتمام به حتى فى عام وفاته- صلى الله عليه وسلم حيث قال:

«لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر» وترغيبه فى صومه وأنه يكفر السنة، فأى تأكيد أبلغ من هذا. انتهى.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4503) فى التفسير، باب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، ومسلم (1123) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.

ص: 431

وعن ابن عباس قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا؟» قالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من عدوهم، فصامه فقال:«أنا أحق بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه.

وفى رواية: فقال لهم: «ما هذا اليوم الذين تصومونه» ؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«فنحن أحق وأولى بموسى منكم» ، فصامه رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وفى أخرى: فنحن نصومه تعظيما له «1» ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود.

وقد أجاب صاحب «زاد المعاد» وغيره عما استشكله بعضهم فى هذا الحديث- وقال: إن رسول الله إنما قدم المدينة فى شهر ربيع الأول فكيف يقول ابن عباس إنه قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؟ - بأنه ليس فى الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين فى ربيع الأول، ثانى عشرة، ولكن أول علمه بذلك ووقوع القصة فى اليوم الذى كان بعد قدومه المدينة لم يكن وهو بمكة.

وقال فى الفتح: غايته أن فى الكلام حذفا تقديره: قدم- صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياما. ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذى قدم فيه- صلى الله عليه وسلم المدينة. وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى، لإضلالهم اليوم المذكور وهداية المسلمين له، ولكن سياق الأحاديث يدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.

انتهى. وقد استشكل أيضا رجوعه- صلى الله عليه وسلم إلى خبر اليهود، وهو غير مقبول.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (2004) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1130) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، وفى الباب عن عائشة.

ص: 432

وأجاب المازرى: بأنه يحتمل أنه- صلى الله عليه وسلم أوحى إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك. قال القاضى عياض ردّا على المازرى: قد روى مسلم أن قريشا كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هى صفة حال، وجواب سؤال، فقوله:«صامه» ليس فيه أن ابتداء صومه حينئذ، ولو كان هذا لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره. قال: وقد قال بعضهم يحتمل أنه- صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب منه فصامه، قال: وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث.

قال النووى: المختار قول المازرى، ومختصر ذلك أنه- صلى الله عليه وسلم كان يصومه كما تصومه قريش فى مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضا بوحى أو تواتر أو اجتهاد، لا بمجرد إخبار آحادهم. انتهى.

وقال القرطبى: لعل قريشا كانوا يستندون فى صومه إليه شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله- صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كما فى الحج، وأذن الله له فى صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك فى الوقت الذى يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، ولا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما فى حديث ابن عباس «إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال- صلى الله عليه وسلم:«فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» ، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم» «1» .

(1) تقدم.

ص: 433

وفى رواية: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» . رواه مسلم. وهذا دليل الشافعى وأصحابه وأحمد وإسحاق القائلين باستحباب صوم التاسع والعاشر جميعا، لأنه- صلى الله عليه وسلم صام العاشر ونوى صوم التاسع. قال النووى:

قال بعض العلماء: ولعل السبب فى صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود فى إفراد العاشر، وفى الحديث إشارة إلى هذا، وقيل للاحتياط فى تحصيل عاشوراء، والأول أولى. انتهى. وفى رواية البزار من حديث ابن عباس، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال- يوم عاشوراء-:«صوموه وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوما وبعده يوما» «1» . ولأحمد نحوه.

فمراتب صومه ثلاثة: أدناها أن يصام وحده، وأكملها أن يصام يوما قبله ويوما بعده، ويلى ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث. وقال بعضهم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب فى هذه العبادة، وذلك يحصل بأحد أمرين، إما بنقل العاشر إلى التاسع، وإما بصيامهما معا، والله أعلم. وفى البخارى من حديث أبى موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا قال النبى- صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم» «2» . وهذا ظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود، حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى. لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه، فلعله كان من جملة تعظيمهم فى شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحا فى مسلم «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم» «3» وهو بالشين المعجمة أى هيئتهم الحسنة. ومحصل ما ورد فى صيامه- صلى الله عليه وسلم عاشوراء أربعة أحوال:

(1) أخرجه أحمد (1/ 241) ، وابن خزيمة فى «صحيحه» (2095) .

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (2005) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1131) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، من حديث أبى موسى الأشعرى.

(3)

تقدم فى الذى قبله.

ص: 434

أولها: أنه كان يصومه بمكة، ولا يأمر الناس بصيامه كما تقدم فى حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية وكان- صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه

» الحديث.

الثانية: أنه- صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه، حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، كما تقدم فى حديث ابن عباس عند الشيخين وغيرهما.

الثالثة: أنه لما فرض صوم شهر رمضان ترك- صلى الله عليه وسلم صيامه وقال: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» «1» ويشهد له حديث عائشة السابق.

الحالة الرابعة: أنه- صلى الله عليه وسلم عزم فى آخر عمره أن لا يصومه مفردا، بل يضم إليه يوما آخر، مخالفة لأهل الكتاب فى صيامه، كما قدمناه.

وقد روى مسلم من حديث أبى قتادة مرفوعا: «أن صوم عاشوراء يكفر سنة وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين» «2» . وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. وقد قيل: الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ويوم عرفة منسوب إلى النبى- صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان أفضل. والله أعلم.

وأما ما ورى: من وسع على عياله فى يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها، فرواه الطبرانى والبيهقى فى «الشعب» وفى «فضائل الأوقات» ، وأبو الشيخ عن ابن مسعود، والأولان فقط عن أبى سعيد، والثانى فقط فى الشعب عن جابر وأبى هريرة، وقال: إن أسانيده كلها ضعيفة، ولكن إذا ضم

(1) تقدم.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (1162) فى الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داود (2425) فى الصوم، باب: فى صوم الدهر تطوعا. من حديث أبى قتادة- رضى الله عنه-.

ص: 435