المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٣

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

- ‌الفصل الأول فى طبه صلى الله عليه وسلم لذوى الأمراض والعاهات

- ‌النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية

- ‌رقية الذى يصاب بالعين:

- ‌عقوبة العائن:

- ‌ذكر رقية النبى ص التى كان يرقى بها

- ‌ذكر طبه ص من الفزع والأرق المانع من النوم:

- ‌ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:

- ‌ذكر طبه ص من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب:

- ‌ذكر طبه ص من داء الفقر:

- ‌ذكر طبه ص من داء الحريق:

- ‌ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:

- ‌ذكر دوائه ص من داء السحر:

- ‌ذكر رقية لكل شكوى:

- ‌رقيته ص من الصداع:

- ‌رقيته ص من وجع الضرس:

- ‌رقية لعسر البول:

- ‌رقية الحمى:

- ‌ذكر ما يقى من كل بلاء:

- ‌ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:

- ‌ذكر دواء داء الطعام:

- ‌ذكر دواء أم الصبيان:

- ‌النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية

- ‌ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة:

- ‌ذكر طبه ص للرمد:

- ‌ذكر طبه ص من العذرة:

- ‌ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن

- ‌ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه:

- ‌ذكر طبه ص للمفؤود:

- ‌ذكر طبه ص لذات الجنب:

- ‌ذكر طبه ص لداء الاستسقاء:

- ‌ذكر طبه ص من داء عرق النسا:

- ‌ذكر طبه ص من الأورام والخراجات:

- ‌ذكر طبه ص بقطع العروق والكى:

- ‌ذكر طبه ص من الطاعون:

- ‌ذكر طبه ص من السلعة

- ‌ذكر طبه ص من الحمى:

- ‌ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل:

- ‌ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذى أصابه بخيبر:

- ‌النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية

- ‌ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى:

- ‌ذكر طبه- ص من لدغة العقرب:

- ‌ذكر الطب من النملة:

- ‌ذكر طبه ص من البثرة:

- ‌ذكر طبه ص من حرق النار:

- ‌ذكر طبه ص بالحمية:

- ‌ذكر حمية المريض من الماء:

- ‌ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص:

- ‌ذكر الحمية من طعام البخلاء:

- ‌ذكر الحمية من داء الكسل:

- ‌ذكر الحمية من داء البواسير:

- ‌ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى:

- ‌ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته:

- ‌ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى:

- ‌الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا

- ‌الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:

- ‌الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات

- ‌المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته

- ‌النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: فى ذكر وضوئه ص وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به

- ‌الفصل الثانى فى وضوئه ص مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا

- ‌الفصل الثالث فى صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى مسحه ص على الخفين

- ‌الفصل الخامس فى تيممه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل السادس فى غسله صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الثانى فى ذكر صلاته ص

- ‌[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب

- ‌الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول فى فرضها

- ‌الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته ص وفيه فروع:

- ‌الفروع الأول: فى صفة افتتاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة

- ‌الفرع الثالث: فى ذكر قراءته ص الفاتحة وقوله آمين بعدها

- ‌الفرع الرابع: فى ذكر قراءته ص بعد الفاتحة فى صلاة الغداة

- ‌الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- صلى الله عليه وسلم فى صلاتى الظهر والعصر

- ‌الفرع السادس: فى ذكر قراءته ص فى صلاة المغرب

- ‌الفرع السابع: فى ذكر ما كان ص يقرأ فى صلاة العشاء

- ‌الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع العاشر: فى ذكر ما كان ص يقوله فى الركوع والرفع منه

- ‌الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده ص وما يقول فيه

- ‌الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه ص للتشهد

- ‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الرابع عشر: فى ذكر تسليمه ص من الصلاة

- ‌الفرع الخامس عشر: فى ذكر قنوته صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى سجوده ص للسهو فى الصلاة

- ‌الفصل الخامس فيما كان ص يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها

- ‌الباب الثانى فى ذكر صلاته ص الجمعة

- ‌الباب الثالث فى ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه

- ‌ذكر سياق صلاته ص بالليل

- ‌الباب الرابع فى صلاته ص الوتر

- ‌الباب الخامس فى ذكر صلاته ص الضحى

- ‌القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان:

- ‌الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان:

- ‌الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة

- ‌الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة

- ‌الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر

- ‌الفرع الثالث: فى راتبة الظهر

- ‌الفرع الرابع فى سنة العصر

- ‌الفرع الخامس فى راتبة المغرب

- ‌الفرع السادس فى راتبة العشاء

- ‌الفرع السابع فى راتبة الجمعة

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص العيدين

- ‌الفرع الأول فى عدد الركعات

- ‌الفرع الثانى فى عدد التكبير

- ‌الفرع الثالث فى الوقت والمكان

- ‌الفرع الرابع فى الأذان والإقامة

- ‌الفرع الخامس فى قراءته ص فى صلاة العيدين

- ‌الفرع السادس فى خطبته ص وتقديمه صلاة العيدين عليها

- ‌الفرع السابع فى أكله ص يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة

- ‌الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌الفصل الأول فى صلاته ص الكسوف

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص صلاة الاستسقاء

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌القسم الثالث فى ذكر صلاته ص فى السفر

- ‌الفصل الأول فى قصره ص الصلاة فيه وأحكامه

- ‌الفرع الأول فى كم كان ص يقصر الصلاة

- ‌الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة

- ‌الفصل الثانى فى الجمع

- ‌الفرع الأول فى جمعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى ذكر صلاته ص النوافل فى السفر

- ‌الفصل الرابع فى صلاته ص التطوع فى السفر على الدابة

- ‌القسم الرابع فى ذكر صلاته ص صلاة الخوف

- ‌القسم الخامس فى ذكر صلاته ص على الجنازة

- ‌الفرع الأول فى عدد التكبيرات

- ‌الفرع الثانى فى القراءة والدعاء

- ‌الفرع الثالث فى صلاته ص على القبر

- ‌الفرع الرابع فى صلاته ص على الغائب

- ‌النوع الثالث فى ذكر سيرته ص فى الزكاة

- ‌النوع الرابع فى ذكر صيامه صلى الله عليه وسلم

- ‌القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان

- ‌الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه

- ‌الفصل الثانى فى صيامه ص برؤية الهلال

- ‌الفصل الثالث فى صومه ص بشهادة العدل الواحد

- ‌الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم

- ‌الفصل الخامس فى وقت إفطاره ص

- ‌الفصل السادس فيما كان ص يفطر عليه

- ‌الفصل السابع فيما كان يقوله ص عند الإفطار

- ‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع فى سحوره صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل العاشر فى إفطاره ص فى رمضان فى السفر وصومه

- ‌القسم الثانى فى صومه ص غير شهر رمضان وفيه فصول

- ‌الفصل الأول فى سرده ص صوم أيام من الشهر وفطره أياما

- ‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

- ‌الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان

- ‌الفصل الرابع فى صومه ص عشر ذى الحجة

- ‌الفصل الخامس فى صومه ص أيام الأسبوع

- ‌الفصل السادس فى صومه ص الأيام البيض

- ‌النوع الخامس فى ذكر اعتكافه ص واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر

- ‌النوع السادس فى ذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

- ‌المقصد العاشر

- ‌الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص

- ‌الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف

- ‌الفصل الثالث

- ‌خاتمة

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

موصولا، ولو كان معاذ تابعيّا، لاحتمال أن يكون الذى بلغه له صحابيّا.

قال: وبهذا الاعتبار أورده أبو داود فى السنن، وبالاعتبار الآخر أورده فى المراسيل.

وخرج ابن السنى والطبرانى فى المعجم الكبير، بسند واه جدّا، عن ابن عباس: كان- صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فتقبل منى إنك أنت السميع العليم» «1» . وعن ابن عمر: كان- صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» «2» ، رواه أبو داود. وزاد رزين:«الحمد لله» فى أول الحديث.

وفى كتاب ابن السنى، عن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «الحمد لله الذى أعاننى فصمت ورزقنى فأفطرت» «3» .

‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

عن ابن عمر: أن النبى- صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال:«إنى لست كهيئتكم، إنى أطعم وأسقى» «4» . رواه البخارى ومسلم.

وللبخارى: أنه- صلى الله عليه وسلم واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال:«لست كهيئتكم، إنى أظل أطعم وأسقى» . وفى رواية أنس: واصل- صلى الله عليه وسلم فى آخر شهر

(1) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى الكبير، وابن السنى كما فى «ضعيف الجامع» (4350) .

(2)

حسن: أخرجه أبو داود (2357) فى الصوم، باب: القول عند الإفطار. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(3)

ضعيف: أخرجه ابن السنى، والبيهقى فى شعب الإيمان عن معاذ، كما فى «ضعيف الجامع» (4348) .

(4)

صحيح: أخرجه البخارى (1922) فى الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، أخرجه مسلم (1102) فى الصيام، باب: النهى عن الوصال فى الصوم. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

ص: 418

رمضان، فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال:«لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلى» - أو قال: «لست مثلكم- إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى» . وفى رواية: «لا تواصلوا» ، قالوا: إنك تواصل، قال:«لست كأحد منكم، إنى أطعم وأسقى» «1» . رواه البخارى ومسلم.

والمتعمقون: هم المتشددون فى الأمر، المجاوزون الحدود فى قول أو فعل. وفى رواية سعيد بن منصور وابن أبى شيبة من مرسل الحسن:«إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى» . وعن عائشة قالت: نهاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن الوصال، رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. فقال: «إنى لست كهيئتكم، إنى يطعمنى ربى ويسقينى» . رواه البخارى ومسلم إلا أن البخارى قال «نهى» ولم يقل: نهاهم. وعن أبى هريرة قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن الوصال فى الصوم، فأبوا فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال:«لو تأخر لزدتكم» كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، رواه البخارى.

والوصال: هو عبارة عن صوم يومين فصاعدا من غير أكل وشرب بينهما قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وقد اختلف فى معنى قوله «يطعمنى ربى ويسقينى» . فقيل: هو على حقيقته، وأنه- صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له فى ليالى صيامه. وتعقب: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وبأن قوله:«أظل» يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما.

وأجيب: بأن الراجح من الروايات لفظ «أبيت» دون «أظل» وعلى تقدير ثبوتها فهى محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلا لا نهارا، وأكثر الروايات إنما هو «أبيت» فكأن بعض الرواة عبر عنها ب «أظل» نظرا إلى اشتراكهما فى مطلق الكون. يقولون

(1) تقدم فى الذى قبله.

ص: 419

كثيرا: أضحى فلان كذا، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا «1» فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، وليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ «أظل» على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شئ من ذلك، لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره الشريف فى طست الذهب، مع أن استعمال أوانى الذهب الدنيوية محرمة.

وقال ابن المنير: الذى يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة فى الجنة، والكرامة لا تبطل العادة.

وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، وأكله وشربه فى الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال:«إنى لست فى ذلك كهيئتكم» ، أى على صفتكم فى أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمنى ربى ويسقينى ولا ينقطع بذلك مواصلتى، فطعامى وشرابى على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى.

وقال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطينى قوة الآكل والشارب، ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف فى القوة. أو المعنى: أن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب، ولا يحس بجوع ولا عطش.

والفرق بينه وبين الأول: أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا رى، بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثانى: يعطى القوة مع الشبع والرى.

ورجح الأول بأن الثانى ينافى حال الصائم ويفوت المقصود من الصوم

(1) سورة النحل: 58.

ص: 420

والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبى: ويبعده النظر إلى حاله- صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجر.

انتهى.

ويحتمل كما قاله ابن القيم فى «الهدى» وابن رجب فى اللطائف- أن يكون المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التى هى غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين، وبهجة النفوس، فللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجله وأنفعه، وقد يغنى هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها

عن الشارب وتلهيها عن الزاد

إذا اشتكت من كلال السير أو عدها

روح القدوم فتحيا عند ميعاد

ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيوانى، ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذى قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، وألطاف محبوبه

مكرم له غاية الإكرام مع الحب التام، أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب، فكيف بالحبيب الذى لا شئ أعظم منه ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانا، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا، ولهذا قال: إنى أظل عند ربى يطعمنى ويسقينى. انتهى.

وحكى النووى فى شرح المهذب، كما قاله فى شرح تقريب الأسانيد:

أن معناه أن محبة الله تشغلنى عن الطعام والشراب. قال: والحب البالغ يشغل عنهما. انتهى. فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة فى قوله: «يطعمنى ربى» دون أن يقول: يطعمنى الله؟ أجيب: بأن التجلى باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلى عظمة لا طاقة للبشر بها، وتجلى الربوبية تجلى رحمة وشفقة.

ص: 421

وقد اختلف الناس فى الوصال لنا، هل هو جائز أو محرم أو مكروه؟

فقال طائفة: إنه جائز إن قدر عليه، وهذا يروى عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوما، وذكر معه من الصحابة أيضا أخت أبى سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبى معمر، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمى، وأبا الجوزاء، كما نقله أبو نعيم فى الحلية.

ومن حجتهم أنه- صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النهى، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم، كما صرحت به عائشة فى حديثها، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقته أهل الكتاب فى تأخيرهم الفطر. ولا رغب عن السنة فى تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.

ومن أدلة الجواز أيضا: إقدام الصحابة عليه بعد النهى، فدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما قدموا عليه. وقال الأكثرون: لا يجوز الوصال، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ونص الشافعى وأصحابه على كراهته، ولهم فى هذه الكراهة وجهان: أصحهما: أنها كراهة تحريم، والثانى: أنها كراهة تنزيه. واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحاق جواز الوصال إلى السحر، لحديث أبى سعيد عند البخارى:«عنه- صلى الله عليه وسلم: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» «1» ، وهذا الوصال لا يترتب عليه شئ مما يترتب على غيره، لأنه فى الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له فى اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها فى السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه فى قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون قربة.

وقد صرح فى الحديث بأن الوصال من خصائصه- صلى الله عليه وسلم فقال: «إنى

(1) أخرجه الدارمى (1705) فى الصوم، باب: النهى عن الوصال فى الصوم. من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.

ص: 422