المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٣

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

- ‌الفصل الأول فى طبه صلى الله عليه وسلم لذوى الأمراض والعاهات

- ‌النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية

- ‌رقية الذى يصاب بالعين:

- ‌عقوبة العائن:

- ‌ذكر رقية النبى ص التى كان يرقى بها

- ‌ذكر طبه ص من الفزع والأرق المانع من النوم:

- ‌ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:

- ‌ذكر طبه ص من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب:

- ‌ذكر طبه ص من داء الفقر:

- ‌ذكر طبه ص من داء الحريق:

- ‌ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:

- ‌ذكر دوائه ص من داء السحر:

- ‌ذكر رقية لكل شكوى:

- ‌رقيته ص من الصداع:

- ‌رقيته ص من وجع الضرس:

- ‌رقية لعسر البول:

- ‌رقية الحمى:

- ‌ذكر ما يقى من كل بلاء:

- ‌ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:

- ‌ذكر دواء داء الطعام:

- ‌ذكر دواء أم الصبيان:

- ‌النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية

- ‌ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة:

- ‌ذكر طبه ص للرمد:

- ‌ذكر طبه ص من العذرة:

- ‌ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن

- ‌ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه:

- ‌ذكر طبه ص للمفؤود:

- ‌ذكر طبه ص لذات الجنب:

- ‌ذكر طبه ص لداء الاستسقاء:

- ‌ذكر طبه ص من داء عرق النسا:

- ‌ذكر طبه ص من الأورام والخراجات:

- ‌ذكر طبه ص بقطع العروق والكى:

- ‌ذكر طبه ص من الطاعون:

- ‌ذكر طبه ص من السلعة

- ‌ذكر طبه ص من الحمى:

- ‌ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل:

- ‌ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذى أصابه بخيبر:

- ‌النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية

- ‌ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى:

- ‌ذكر طبه- ص من لدغة العقرب:

- ‌ذكر الطب من النملة:

- ‌ذكر طبه ص من البثرة:

- ‌ذكر طبه ص من حرق النار:

- ‌ذكر طبه ص بالحمية:

- ‌ذكر حمية المريض من الماء:

- ‌ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص:

- ‌ذكر الحمية من طعام البخلاء:

- ‌ذكر الحمية من داء الكسل:

- ‌ذكر الحمية من داء البواسير:

- ‌ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى:

- ‌ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته:

- ‌ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى:

- ‌الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا

- ‌الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:

- ‌الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات

- ‌المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته

- ‌النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: فى ذكر وضوئه ص وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به

- ‌الفصل الثانى فى وضوئه ص مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا

- ‌الفصل الثالث فى صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى مسحه ص على الخفين

- ‌الفصل الخامس فى تيممه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل السادس فى غسله صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الثانى فى ذكر صلاته ص

- ‌[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب

- ‌الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول فى فرضها

- ‌الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته ص وفيه فروع:

- ‌الفروع الأول: فى صفة افتتاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة

- ‌الفرع الثالث: فى ذكر قراءته ص الفاتحة وقوله آمين بعدها

- ‌الفرع الرابع: فى ذكر قراءته ص بعد الفاتحة فى صلاة الغداة

- ‌الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- صلى الله عليه وسلم فى صلاتى الظهر والعصر

- ‌الفرع السادس: فى ذكر قراءته ص فى صلاة المغرب

- ‌الفرع السابع: فى ذكر ما كان ص يقرأ فى صلاة العشاء

- ‌الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع العاشر: فى ذكر ما كان ص يقوله فى الركوع والرفع منه

- ‌الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده ص وما يقول فيه

- ‌الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه ص للتشهد

- ‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الرابع عشر: فى ذكر تسليمه ص من الصلاة

- ‌الفرع الخامس عشر: فى ذكر قنوته صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى سجوده ص للسهو فى الصلاة

- ‌الفصل الخامس فيما كان ص يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها

- ‌الباب الثانى فى ذكر صلاته ص الجمعة

- ‌الباب الثالث فى ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه

- ‌ذكر سياق صلاته ص بالليل

- ‌الباب الرابع فى صلاته ص الوتر

- ‌الباب الخامس فى ذكر صلاته ص الضحى

- ‌القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان:

- ‌الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان:

- ‌الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة

- ‌الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة

- ‌الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر

- ‌الفرع الثالث: فى راتبة الظهر

- ‌الفرع الرابع فى سنة العصر

- ‌الفرع الخامس فى راتبة المغرب

- ‌الفرع السادس فى راتبة العشاء

- ‌الفرع السابع فى راتبة الجمعة

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص العيدين

- ‌الفرع الأول فى عدد الركعات

- ‌الفرع الثانى فى عدد التكبير

- ‌الفرع الثالث فى الوقت والمكان

- ‌الفرع الرابع فى الأذان والإقامة

- ‌الفرع الخامس فى قراءته ص فى صلاة العيدين

- ‌الفرع السادس فى خطبته ص وتقديمه صلاة العيدين عليها

- ‌الفرع السابع فى أكله ص يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة

- ‌الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌الفصل الأول فى صلاته ص الكسوف

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص صلاة الاستسقاء

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌القسم الثالث فى ذكر صلاته ص فى السفر

- ‌الفصل الأول فى قصره ص الصلاة فيه وأحكامه

- ‌الفرع الأول فى كم كان ص يقصر الصلاة

- ‌الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة

- ‌الفصل الثانى فى الجمع

- ‌الفرع الأول فى جمعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى ذكر صلاته ص النوافل فى السفر

- ‌الفصل الرابع فى صلاته ص التطوع فى السفر على الدابة

- ‌القسم الرابع فى ذكر صلاته ص صلاة الخوف

- ‌القسم الخامس فى ذكر صلاته ص على الجنازة

- ‌الفرع الأول فى عدد التكبيرات

- ‌الفرع الثانى فى القراءة والدعاء

- ‌الفرع الثالث فى صلاته ص على القبر

- ‌الفرع الرابع فى صلاته ص على الغائب

- ‌النوع الثالث فى ذكر سيرته ص فى الزكاة

- ‌النوع الرابع فى ذكر صيامه صلى الله عليه وسلم

- ‌القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان

- ‌الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه

- ‌الفصل الثانى فى صيامه ص برؤية الهلال

- ‌الفصل الثالث فى صومه ص بشهادة العدل الواحد

- ‌الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم

- ‌الفصل الخامس فى وقت إفطاره ص

- ‌الفصل السادس فيما كان ص يفطر عليه

- ‌الفصل السابع فيما كان يقوله ص عند الإفطار

- ‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع فى سحوره صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل العاشر فى إفطاره ص فى رمضان فى السفر وصومه

- ‌القسم الثانى فى صومه ص غير شهر رمضان وفيه فصول

- ‌الفصل الأول فى سرده ص صوم أيام من الشهر وفطره أياما

- ‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

- ‌الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان

- ‌الفصل الرابع فى صومه ص عشر ذى الحجة

- ‌الفصل الخامس فى صومه ص أيام الأسبوع

- ‌الفصل السادس فى صومه ص الأيام البيض

- ‌النوع الخامس فى ذكر اعتكافه ص واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر

- ‌النوع السادس فى ذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

- ‌المقصد العاشر

- ‌الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص

- ‌الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف

- ‌الفصل الثالث

- ‌خاتمة

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

وفى رواية مسلم: وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التى تلى الإبهام ويدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها «1» . وفى حديث ابن الزبير عنده أيضا: كان يشير بها ولا يحركها. الحديث «2» . وعند أبى داود من حديث وائل بن حجر: مد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها ويدعو. وكان- صلى الله عليه وسلم يستقبل بأصابعه القبلة فى رفع يديه وركوعه وفى سجوده وفى التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة فى سجوده «3» .

‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

كان- صلى الله عليه وسلم يتشهد دائما فى هذه الجلسة الأخيرة، ويعلم أصحابه أن يقولوا:«التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» «4» رواه مسلم من رواية ابن عباس.

وهو الذى اختاره الشافعى لزيادة «المباركات» لا تشهد ابن مسعود «5» ، وإن قاله القاضى عياض- رحمه الله تعالى- وعبارة الشافعى فيما أخرجه البيهقى بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعى جوابا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: «فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبى- صلى الله عليه وسلم، فروى

(1) صحيح: أخرجه مسلم (580) فى المساجد، باب: صفة الجلوس فى الصلاة، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (579) فيما سبق، من حديث عبد الله بن الزبير- رضى الله عنهما-.

(3)

صحيح: أخرجه أبو داود (726) فى الصلاة، باب: رفع اليدين في الصلاة، بسند صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(4)

صحيح: أخرجه مسلم (403) فى الصلاة، باب: التشهد فى الصلاة، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (831) فى الأذان، باب: التشهد فى الآخرة، ومسلم (402) فى الصلاة، باب: التشهد فى الصلاة.

ص: 227

ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعا وسمعته- يعنى حديث ابن عباس- صحيحا، ورأيته أكثر لفظا من غيره- يعنى من المرفوعات- أخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره «هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعلم عند الله.

وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة. وقال مالك- رحمه الله تشهد عمر بن الخطاب «1» الموقوف عليه أفضل، لأنه علمه للناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله، ومذهب الشافعى أن التشهد الأول سنة والثانى واجب. وجمهور المحدثين: أنهما واجبان.

وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثانى ركن تبطل الصلاة بتركه. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك رواية بوجوب الأخير. وقد كان- صلى الله عليه وسلم يأتى بالتشهدين.

وفى الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتنى عائشة قالت: هذا تشهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

وهو مثل حديث ابن مسعود سواء. رواه البيهقى بإسناد جيد. قال النووى: فى هذا الحديث فائدة حسنة وهى أن تشهده- صلى الله عليه وسلم بلفظ تشهدنا «2» . انتهى.

(1) صحيح موقوفا: الحديث أخرجه مالك فى «الموطأ» (1/ 90) ، وعنه الشافعى فى «مسنده» (ص 237) ، والحاكم فى «المستدرك» (1/ 398) ، والبيهقى فى «الكبرى» (2/ 139 و 142) ، والدار قطنى فى «سننه» (1/ 351) بسند ضعيف مرفوعا، والصحيح أنه موقوف عليه، وإن كان لنا فيه أسوة حسنة لقوله- صلى الله عليه وسلم:«عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» ، وفى رواية:«اقتدوا باللذين من بعدى، أبى بكر وعمر» .

(2)

أى يقول: (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) بدلا من (وأشهد أنى رسول الله) .

ص: 228

قال الحافظ ابن حجر: وكأنه «1» يشير إلى رد ما وقع فى الرافعى:

أنه- صلى الله عليه وسلم كان يقول فى التشهد: «وأشهد أنى رسول الله» ، وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحا. نعم وقع فى البخارى من حديث سلمة بن الأكوع قال:

خفّت أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال- صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله» «2» .

ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوى: علمهم أن يفردوه- صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ، وهو خطاب لبشر مع كونه منهيّا عنه فى الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه- صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: ما الحكمة فى العدول عن الغيبة إلى الخطاب فى قوله:

«السلام عليك أيها النبى» مع أن لفظ الغيبة هو الذى يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبى، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبى، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟.

أجاب الطيبى بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذى علمه للصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم فى الدخول فى حريم الحى الذى لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبى الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا (فإذا الحبيب فى حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته. انتهى) .

وقال الترمذى الحكيم: فى قوله: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» : من أراد أن يحظى بهذا السلام الذى يسلمه الخلق فى صلاتهم فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.

(1) الضمير عائد إلى الإمام النووى- رحمه الله.

(2)

صحيح: والحديث أخرجه البخارى (2484) فى الشركة، باب: الشركة فى الطعام.

ص: 229

وقال القفال فى فتاويه: وترك الصلاة يضر جميع المسلمين، لأن المصلى يقول: اللهم اغفر لى وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول فى التشهد:

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة مقصرا فى خدمة الله وفى حق رسوله، وفى حق نفسه، وفى حق كافة المسلمين. ولذلك عظمت المعصية بتركها.

واستنبط منه السبكى: أن فى الصلاة حقّا للعباد مع حق الله تعالى، وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين، من مضى ومن يجئ إلى يوم القيامة، لوجوب قوله فيها:«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» . انتهى.

وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه- صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، وما فى ذلك من المباحث فى فضل الصلاة- صلى الله عليه وسلم. وعن الطبرانى مرفوعا، عن سهل بن سعد:«لا صلاة لمن لم يصل على نبيه» «1» وكذا عن ابن ماجه والدار قطنى. وعن أبى مسعود الأنصارى- عند الدار قطنى-: «من صلى صلاة لم يصل فيها علىّ وعلى أهل بيتى لم تقبل منه» «2» .

وعن ابن مسعود: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تشهد أحدكم فى الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» «3» . رواه الحاكم. واغتر قوم بتصحيحه فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول عن رجل مبهم، وبالغ ابن العربى فى إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبى زيد من زيادة وترحم، فإنه قريب من

(1) ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى «سننه» (1/ 355)، والبيهقى فى «الكبرى» (2/ 379) وقال الدار قطنى: عبد المهيمن- أحد رواته- ليس بالقوى.

(2)

ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى «سننه» (1/ 355) من حديث أبى مسعود الأنصارى، وليس ابن مسعود كما فى النسخ، والتصويب من المصدر السابق، وقال الدار قطنى جابر- أحد رواته- ضعيف، وقد اختلف عنه.

(3)

ضعيف: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (1/ 402) ، من حديث ابن مسعود، وليس أبى مسعود، كما فى النسخ، والتصويب من المصدر السابق، وفى سنده جهالة، وضعف.

ص: 230

البدعة، لأنه- صلى الله عليه وسلم علمهم كيفية الصلاة بالوحى، ففى الزيادة على ذلك استدراك عليه. انتهى.

قال الحافظ ابن حجر: وابن أبى زيد ذكر ذلك فى الرسالة فى صفة التشهد، لما ذكر ما يستحب فى التشهد، ومنه: اللهم صل على محمد وآل محمد، فزاد: وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد إلخ. فإن كان إنكاره ذلك لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: وارحم محمدا، مردودة لثبوت ذلك فى عدة أحاديث أصحها فى التشهد:«السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته» .

قال: ثم وجدت لابن أبى زيد مستندا، فأخرج الطبرى فى تهذيبه «1» ، من طريق حنظلة بن على عن أبى هريرة رفعه:«من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة وشفعت له» ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصى، الراوى له عن حنظلة بن على فإنه مجهول، وهذا كله فيما يقال مضموما إلى السلام أو الصلاة.

وقد وافق ابن العربى الصيدلانى من الشافعية على المنع. ونقل القاضى عياض عن الجمهور الجواز مطلقا، وقال القرطبى فى «المفهم» : إنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره. ففى «الذخيرة» من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالبا إنما تكون لفعل ما يلام عليه. وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبى- صلى الله عليه وسلم أن يقول: رحمه الله، لأنه- صلى الله عليه وسلم قال:«من صلى على» ولم يقل: من

(1) هو كتاب «تهذيب الآثار» لابن جرير الطبرى، لو تم لكان من خير ما كتب فى بابه، حيث أن ابن جرير كان إماما مجتهدا مستقلا لم يتقيد بمذهب معين فكان سيكون كتابه فقها مستقلا قائما على الكتاب والسنة الصحيحة.

ص: 231

ترحم على، ولا من دعا لى، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيما له، فلا يعدل عنه إلى غيره. انتهى.

وأخرج أبو العباس السراج عن أبى هريرة: أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وفى حديث بريدة رفعه: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» .

ووقع فى حديث ابن مسعود عند أبى داود والنسائى: «على محمد النبى الأمى» «1» . وفى حديث أبى سعيد: «على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم» «2» ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم. وعند أبى داود من حديث أبى هريرة: «اللهم صل على محمد النبى وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته» «3» . ووقع فى آخر حديث ابن مسعود: «فى العالمين إنك حميد مجيد» «4» .

قال النووى فى شرح المهذب: ينبغى أن يجمع ما فى الأحاديث الصحيحة، فيقول: اللهم صل على محمد النبى الأمى وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك

مثله، ويزيد فى آخره: فى العالمين. وقال فى «الأذكار» مثله، وزاد: عبدك ورسولك بعد قوله: محمد فى «صل» ولم يزدها فى «بارك» . وقال فى «التحقيق والفتاوى» مثله، إلا أنه أسقط النبى الأمى.

(1) حسن: أخرجه أبو داود (981) فى الصلاة، باب: الصلاة على النبى- صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، من حديث عقبة بن عمر، ولم أقف على هذه الرواية من حديث ابن مسعود، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (4798) فى التفسير، باب: رقم (282) .

(3)

إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (982) فى الصلاة، باب: الصلاة على النبى- صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(4)

صحيح: وقد تقدم تخريجه.

ص: 232

وقد تعقبه الإسنوى فقال: لم يستوعب ما ثبت فى الأحاديث مع اختلاف كلامه. وقال الأذرعى: لم يسبق إلى ما قاله، والأظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتى بأكمل الروايات، ويقول- كما ثبت- هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة فى التشهد لم ترد مجموعة، وسبقه إلى معنى ذلك ابن القيم.

وقد كان- صلى الله عليه وسلم يدعو فى الصلاة: «اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم» . فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال:«إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» «1» . رواه البخارى ومسلم من رواية عائشة.

قال ابن دقيق العيد: «فتنة المحيا» : ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها- والعياذ بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت، و «فتنة الممات» : يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يكون المراد بها: فتنة القبر: ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله: «عذاب القبر» ، لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.

وروى الحكيم الترمذى فى «نوادر الأصول» عن سفيان الثورى: أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إنى أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل. وقد استشكل دعاؤه- صلى الله عليه وسلم بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وأجيب بأجوبة، منها أن قصد التعليم لأمته، ومنها: أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بالله لأمتى، ومنها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف الله، وإعظامه والافتقار إليه، وامتثال أمره فى

(1) صحيح: أخرجه البخارى (832) فى الأذان، باب: الدعاء قبل السلام، ومسلم (589) فى المساجد، باب: ما يستعاذ منه فى الصلاة، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

ص: 233

الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقيق الإجابة، لأن فى ذلك تحصيل الحسنات، ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كانت مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.

وأما الاستعاذة من فتنة الدجال، مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر عند مسلم: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه» «1» ، الحديث، والله أعلم.

وعن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد التشهد: «اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال الأعور، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» «2» . رواه أبو داود.

وعن على بن أبى طالب: أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان يقول ما بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» «3» .

رواه مسلم وغيره. وفى رواية له: وإذا سلم قال: «اللهم اغفر لى ما قدمت»

إلخ.

ويجمع بينهما: بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج الطريقين واحد. وأورده ابن حبان بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر فى أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، وسيأتى الجواب عما استشكل فى دعائه- صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء فى أدعيته- صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى-.

وحاصل ما ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم من المواضع التى كان يدعو بها فى داخل صلاته ستة مواطن:

(1) صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (2937) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال وصفة ما معه، من حديث النواس بن سمعان- رضى الله عنه-.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (590) فى المساجد، باب: ما يستعاذ منه فى الصلاة.

(3)

صحيح: أخرجه مسلم (771) فى صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل وقيامه.

ص: 234