الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغى أن يحمل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ «التربة» على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأجيب: بأنه ورد فى الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره.
وفى حديث على «وجعل لى التراب طهورا» أخرجه أحمد والبيهقى بإسناد حسن. وعن عمار: قال رجل لعمر بن الخطاب: إنى أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا فى سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبى- صلى الله عليه وسلم فقال:«إنما كان يكفيك هكذا» ، وضرب النبى- صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه «1» رواه البخارى ومسلم.
واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحباب التكرار فى التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. وعن أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبى- صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد على، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على، رواه البغوى فى شرح السنة وقال: حديث حسن. وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو مملوكا لإنسان كان يعرف رضاه.
الفصل السادس فى غسله صلى الله عليه وسلم
والغسل- بضم الغين- اسم للاغتسال. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيده وغيره.
وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: الغسل- بالفتح-: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذى يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء
(1) صحيح: أخرجه البخارى (338) فى التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما، ومسلم (368) فى الحيض، باب: التيمم.
كالإشنان. وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. وحقيقة الاغتسال:
غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية.
ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «1» وقوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا «2» . ففى الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: فَاطَّهَّرُوا «3» بينه قوله فى الآية الثانية: حَتَّى تَغْتَسِلُوا «4» . ويؤيده قوله تعالى فى الحائض: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ «5» المفسر ب «اغتسلن» . اتفاقا.
وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه بغسل واحد «6» . رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبى رافع: طاف- صلى الله عليه وسلم ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلا واحدا آخرا، قال:«هذا أزكى وأطيب وأطهر» «7» . رواه أحمد وأبو داود والنسائى.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء
(1) سورة المائدة: 6.
(2)
سورة النساء: 43.
(3)
سورة المائدة: 6.
(4)
سورة النساء: 43.
(5)
سورة البقرة: 222.
(6)
صحيح: أخرجه مسلم (309) فى الحيض، باب: جواز نوم الجنب، من حديث أنس- رضى الله عنه-.
(7)
حسن: أخرجه أبو داود (219) فى الطهارة، باب: الوضوء لمن أراد أن يعود، والنسائى فى «الكبرى» كما فى «التحفة» (9/ 206) ، وابن ماجه (590) فى الطهارة، باب: فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلا، وأحمد فى «المسند» (6/ 8)، قلت: وقد رد البعض هذا الحديث بحديث أنس السابق، والأمر أنه ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف، بل كان يفعل هذا مرة وذاك أخرى، ليدل الحديث على استحباب الغسل قبل المعاودة ولا خلاف فى ذلك.
فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث:«إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوآ» «1» رواه مسلم. وحمله بعضهم على الوضوء اللغوى، فقال: المراد به غسل الفرج، انتهى. وقالت عائشة: كان- صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جسده كله «2» . رواه البخارى.
ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة فى هذا الحديث عن هشام «قبل أن يدخلهما فى الإناء» «3» رواه الشافعى والترمذى وزاد أيضا:«ثم يغسل فرجه» «4» وكذا لمسلم وأبى داود. وهى زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه فى أثناء الغسل.
ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفى بغسلها فى الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة فى أول عضو.
وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث.
(1) صحيح: أخرجه مسلم (308) فى الحيض، باب: جواز نوم الجنب، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (248) فى الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل، ومسلم (316) فى الحيض، باب: صفة غسل الجنابة.
(3)
صحيح: أخرجه الترمذى (104) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الغسل من الجنابة.
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (316) فى الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، والنسائى (1/ 133) فى الطهارة، باب: ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء.
وقوله: «فيخلل بها أصول الشعر» أى شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سملة عن هشام- عند البيهقى-: يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضى عياض:
احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية فى الغسل. إما لعموم قوله:
«أصول الشعر» وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشئ يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله.
واختلف فى وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزنى: وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك فى الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما.
وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد فى الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
وفى قوله فى هذا الحديث: «ثلاث غرفات» استحباب التثليث فى الغسل. قال النووى: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به الماوردى، فإنه قال:
لا يستحب التكرار فى الغسل. قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى- ومنه لخصت ما ذكرته- قلت: وكذا قال الشيخ أبو على السنجى وكذا قال القرطبى. وقالت ميمونة: وضعت له- صلى الله عليه وسلم ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه «1» . رواه البخارى. ولم يقيد فى هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى الغسل، وهو مرة واحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها. وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق فى غسل الجنابة، لقوله:«ثم مضمض واستنشق» وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وتعقب: بأن الفعل
(1) صحيح: أخرجه البخارى (257) فى الغسل، باب: الغسل مرة واحدة.
المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك.
وعنها (توضأ- صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما)«1» رواه البخارى. وفيه التصريح بتأخير الرجلين فى وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما، إما بحمل رواية عائشة على المجاز، وإما بحمله على حالة أخرى. وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء. فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين.
وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: فى الأفضل قولان، قال النووى: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه.
قال: ولم يقع فى شئ من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس فى هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن الوضوء للغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسلها. وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأفيض على رأسى ثلاثا، وأشار بيديه كلتيهما» «2» رواه البخارى. وفيه عن أبى هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فلما قام فى مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا:«مكانكم» ، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه «3» . وقوله:«ذكر» أى تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم
(1) صحيح: أخرجه البخارى (249) فى الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل، من حديث ميمونة- رضى الله عنها-، وهو رواية للحديث السابق.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (254) فى الغسل، باب: من أفاض على رأسه ثلاثا، ومسلم (327) فى الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا، واللفظ للبخارى، ولعله اقتصر فى العزو للبخارى فقط لذلك.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (275) فى الغسل، باب: إذا ذكر فى المسجد أنه جنب، ومسلم (605) فى المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة.
الراوى ذلك من قرائن، أو بإعلامه له بعد ذلك. وظاهر قوله:«فكبر» الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول فى الصلاة. وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبى- صلى الله عليه وسلم غسلا وسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه «1» . وقد استدل بعضهم بقولها:«فناولته ثوبا فلم يأخذه» على كراهة التنشيف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال المهلب «2» : يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة بلل الماء، وللتواضع، أو لشئ رآه فى الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد فى هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة.
وقال التيمى فى شرحه: فى هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة فى التنشيف لأن كلّا منهما إزالة. وقال النووى: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه فى الصيف مباح فى الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، ولكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعى وغيره، ولفظه:«تنفضوا أيديكم فى الوضوء فإنها مراوح الشيطان» قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووى.
وقالت عائشة: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل
(1) صحيح: أخرجه البخارى (266) فى الغسل، باب: من أفرغ بيمينه على شماله فى الغسل.
(2)
هو: المهلب بن أحمد بن أبى صفرة، وقد تقدمت ترجمته.