الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت (صلوا كما رأيتمونى أصلى) ، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا يجوز بأقل منه.
قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر، فليس فيه أن ابتداءها كان باثنى عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفى مسلم:«انفضوا فى الخطبة» وفى رواية البخارى «انفضوا فى الصلاة» وهى محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار. انتهى.
الثانى عشر: أربعون غير الإمام عند الشافعى أيضا، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة.
الثالث عشر: خمسون، عند أحمد فى رواية، وحكيت عن عمر بن عبد العزيز وطائفة.
الرابع عشر: ثمانون، حكاه الرازى.
الخامس عشر: جمع كثر بغير حصر.
ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله فى فتح البارى.
الباب الثالث فى ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه
قال الله تعالى له- صلى الله عليه وسلم: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ «1» أى بالقرآن، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن. والهجود فى اللغة: النوم، وعن أبى عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلى بالليل، وعن الأزهرى:
الهاجد: النائم، وقال المازرى: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
(1) سورة الإسراء: 79.
وقوله: (نافلة لك) أى عبارة زائدة فى فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله:(فتهجد) أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، وروى الطبرى عن ابن عباس أن النافلة للنبى- صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته «1» ، وإسناده ضعيف.
وقيل معناه: زيادة لك خاصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو- صلى الله عليه وسلم يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتى بها- صلى الله عليه وسلم سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، ولهذا سمى نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات «2» .
وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل فى هذه السورة، تعنى يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ «3» فقام نبى الله- صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا، حتى أنزل فى آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة «4» . وروى محمد بن نصر فى قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة فى أن بين الإيجاب والنسخ سنة.
وحكى الشافعى عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وروى محمد ابن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبى عبيدة فى جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة لكن فى إسناده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ فى حقنا. وهل نسخ فى حقه- صلى الله عليه وسلم؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص.
(1) قاله الحافظ ابن حجر فى «فتح البارى» (3/ 3) .
(2)
انظر ما قبله.
(3)
سورة المزمل: 1.
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (746) فى صلاة المسافرين قصرها، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، وأحمد (1) من حديث عائشة.
وقالت عائشة: قام- صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، وفى رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:«أفلا أكون عبدا شكورا» قالت: فلما بدن وكثر شحمه- صلى الله عليه وسلم صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع «1» . رواه البخارى ومسلم.
والفاء فى قوله: «أفلا أكون» للسببية، وهى عن محذوف تقديره: أأترك تهجدى؟ فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟
قال ابن بطال: فى هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة فى العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لا يعلم، فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى.
ومحل ذلك- كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبى- صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه- صلى الله عليه وسلم قال:«وجعلت قرة عينى فى الصلاة» «2» كما أخرجه النسائى من حديث أنس، فأما غيره- صلى الله عليه وسلم فإذا خشى الملل ينبغى له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله- صلى الله عليه وسلم:
«خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» «3» انتهى.
لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد فى العبادة بمثل ما ذكر،
(1) صحيح: أخرجه البخارى (4837) فى التفسير، باب: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك، ومسلم (2820) فى صفة القيامة والجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد فى العبادة، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(2)
صحيح: أخرجه النسائى (7/ 61) فى عشرة النساء، باب: حب النساء. من حديث أنس ابن مالك- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (5862) فى اللباس، باب: الجلوس على الحمير ونحوه، ومسلم (782) فى الصيام، باب: صيام النبى فى غير رمضان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
خصوصا إذا كبر، فيقول: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره.
نعم كان يصلى بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه، فكيف بمن أثقلت ظهره الذنوب والأوزار، ولا يأمن عذاب النار، أن يغافل حال شيبته، ويتوانى عند ظهور شيبه فينبغى للإنسان أن يستعد قبل حلول مشيبه. «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك» «1» فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال تعالى منذرا لمن يدخل فى الصباح: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ «2» فكيف بقرب من دخل فى الصباح، وظهر كوكب نهاره فى أفق رأسه ولاح؟!
قال القرطبى: ظن من سأله- صلى الله عليه وسلم عن سبب تحمله المشقة فى العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك سمى شكورا، ومن ثم قال الله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «3» .
وفيه: ما كان النبى- صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد فى العبادة والخشية من ربه عز وجل، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم فى عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم، انتهى.
(1) صحيح: أخرجه الحاكم فى المستدرك، والبيهقى فى «شعب الإيمان» عن ابن عباس، وأحمد فى الزهد، وأبو نعيم فى الحلية، والبيهقى فى «شعب الإيمان» عن عمرو بن ميمون مرسلا، كما فى «صحيح الجامع» (1077) .
(2)
سورة هود: 81.
(3)
سورة سبأ: 13.