الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الحكيم «1» : قال بعض أهل التفسير فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «2» أى فى المنام. ورؤيا الأنبياء وحى بخلاف غيرهم، فالوحى لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان.
وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بنى آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمى قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغافلته عنها.
الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:
وفى البخارى من حديث أنس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» «3» .
والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلطه عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزآ من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته- صلى الله عليه وسلم.
وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه- صلى الله عليه وسلم فهى جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبى فهى جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق. وتعقب بقول مالك- كما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب. ثم قال: الرؤية جزء من النبوة.
(1) هو السابق.
(2)
سورة الشورى: 51.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (6983) في التعبير، باب: رؤيا الصالحين.
وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغى أن تكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤية بالنبوة، وجزء الشئ لا يستلزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا، وفى حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان:«ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» «1» . وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعا: «لم يبق بعدى من المبشرات إلا الرؤيا» «2» وفى حديث ابن عباس عند مسلم وأبى داود: أنه- صلى الله عليه وسلم كشف الستارة ورأسه معصوب فى مرضه الذى مات فيه، والناس صفوف خلف أبى بكر فقال:«يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» «3» ، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهى صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه.
وقوله: «من الرجل الصالح» لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله:«جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» كذا فى أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبى هريرة «جزء من خمسة وأربعين جزآ من النبوة» «4» ، وعنده أيضا من حديث ابن عمر «جزء من سبعين جزآ» «5» ، وعند الطبرانى:«جزء من ستة وسبعين» «6» ، وسنده
(1) صحيح: أخرجه ابن ماجه (3896) فى تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وأحمد فى «المسند» (6/ 381) ، وابن حبان فى «صحيحه» (6047) ، ولم أجده فى الجزء المطبوع من صحيح ابن خزيمة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(2)
صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (6/ 829) بسند صحيح.
(3)
صحيح: أخرجه مسلم (479) فى الصلاة، باب: النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود، وأبو داود (876) فى الصلاة، باب: فى الدعاء فى الركوع والسجود.
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (2263)(6) فى الرؤيا.
(5)
صحيح: أخرجه مسلم (2265) فى الرؤيا.
(6)
ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (10/ 223) ، من حديث ابن مسعود- رضى الله عنه-، بسند فيه الركين، هو: الربيع بن سهل الفزارى، ضعيف الحديث.
ضعيف، وعنه عن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا:«جزء من ستة وعشرين جزآ» . ووقع فى شرح مسلم للنووى وفى رواية عبادة: «أربعة وعشرين» . والذى يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووى، وأكثرها: من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
قال القاضى أبو بكر بن العربى: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبى، وإنما القدر الذى أراده النبى- صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة فى الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة.
وقال المازرى: لا يلزم العالم أن يعرف كل شئ جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدّا يقف عنده، فمنه ما يعلم به المراد جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل.
وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل ابن بطال عن أبى سعيد السفاقسى أن بعض أهل العلم ذكر أن الله تعالى أوحى إلى نبيه فى المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك فى اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحى فى المنام جزء من ستة وأربعين جزآ، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح. قال ابن بطال: هذا التأويل بعيد من وجهين:
أحدهما: أنه قد اختلف فى قدر المدة التى بعد بعثته- صلى الله عليه وسلم.
والثانى: أنه يبقى حديث السبعين جزآ بغير معنى.
وهذا الذى قاله من الإنكار فى هذه المسألة سبقه إليه الخطابى فقال: كان بعض أهل العلم يقولون فى تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق، وذلك أنه- صلى الله عليه وسلم أقام بعد الوحى ثلاثا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه فى منامه ستة أشهر، وهى نصف سنة، فهى جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة. قال الخطابى: وهذا وإن كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب
على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرا، ولم نسمع فيه أثرا ولا ذكر مدعيه فى ذلك خبرا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا.
وليس كل ما خفى علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمى الجمرات، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك فى موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا فى المناسبات غير ذلك ما يطول ذكره.
وعن أبى سعيد عن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «أصدق الرؤيا بالأسحار» «1» رواه الترمذى والدارمى. وروى مسلم من حديث أبى هريرة عن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» «2» . قال الخطابى فى «المعالم» فى قوله: «إذا اقترب الزمان» قولان:
أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استهوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا، قال:
والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار.
والثانى: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة.
وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذى تعتدل فيه الطبائع لا يختص به. وجزم ابن بطال بأن الثانى هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذى من طريق معمر عن أيوب فى هذا الحديث بلفظ: فى آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن. وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدى عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه.
(1) ضعيف: أخرجه الترمذى (2274) فى الرؤيا، باب: قوله لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، والدارمى (2146) ، وأحمد فى «المسند» (3/ 29، 68) ، والحاكم فى «المستدرك» (4/ 434) ، بسند ضعيف.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2263) فى الرؤيا، وطرفه الأول عند البخارى (7017) فى التعبير، باب: القيد فى المنام.
وقال القرطبى فى «المفهم» : المراد- والله أعلم- باخر الزمان المذكور فى الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم- عليهما السلام بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول.
وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا:
وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، وإنما كانت كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوى إدراكه، وانتقشت فيه المعانى على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق فى يقظته فإنه يستصحب ذلك فى نومه فلا يرى إلا صدقا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر المنام أحيانا، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصا.
وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هى من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هى من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره» «1» رواه البخارى. وفى رواية لمسلم: «ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا وكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» «2» . وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة، من البشرى.
وفى حديث أبى رزين عند الترمذى: «ولا يقصها إلا على وادّ» «3» - بتشديد الدال، اسم فاعل من الود- «أو ذى رأى» وفى أخرى:«ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» وفى أخرى: «لا تقص رؤياك إلا على عالم أو
(1) صحيح: أخرجه البخارى (6985) فى التعبير، باب: الرؤيا من الله.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2261) فى الرؤيا، من حديث أبى قتادة- رضى الله عنه-.
(3)
صحيح: أخرجه أبو داود (5020) فى الأدب، باب: ما جاء فى الرؤيا، والترمذى (2278) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى تعبير الرؤيا، وابن ماجه (3914) فى تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على وادّ، والدارمى (2148) ، وأحمد فى «المسند» (4/ 10 و 11 و 12 و 13) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
ناصح» . وفى حديث أبى سعيد عند مسلم: «فليحمد الله عليها وليحدث بها» «1» .
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره.
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه، ولا يذكرها لأحد أصلا. فى البخارى من حديث أبى هريرة خامسة: وهى الصلاة، ولفظه:
«فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» «2» . لكن لم يصرح البخارى بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة: وهى التحول من جنبه الذى كان عليه فقال: عن جابر رفعه: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذى كان عليه» «3» .
قال النووى: وينبغى أن تجمع هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأ فى رفع ضررها كما صرحت به الأحاديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لم ير فى شئ من الأحاديث الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية فى دفع شرها. انتهى.
ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قاله القرطبى، لأنه إذا قام يصلى تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة فى الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله فى أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها. وذكر بعضهم سابعة: وهى قراءة آية الكرسى، ولم يذكر لذلك مستندا، فإن أخذه من
(1) صحيح: أخرجه البخارى (6985) فى التعبير، باب: الرؤيا من الله، والحديث عند البخارى كما تقدم، وليس في مسلم، كما قال المصنف.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (7017) فى التعبير، باب: القيد فى المنام، ومسلم (2263) فى الرؤيا.
(3)
صحيح: أخرجه مسلم (2262) فى الرؤيا.
عموم قوله فى حديث أبى هريرة: «ولا يقربك شيطان» فيتجه، قال: وينبغى أن يقرأها فى صلاته المذكورة.
وحكمة التفل- كما قال القاضى عياض- أمر به طردا للشيطان الذى حضر الرؤيا المكروهة، تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد. وقد ورد التفل والنفث والبصق، قال النووى فى الكلام على النفث على الرقية- تبعا للقاضى عياض-: اختلف فى التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد لا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد:
يشترط فى التفل ريق يسير، ولا يكون فى النفث، وقيل عكسه. وسئلت عائشة عن النفث فى الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه.
قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء فى حديث أبى سعيد فى الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه.
قال القاضى: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء.
وقال النووى أيضا: وأكثر الروايات فى الرؤية «فلينفث» وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب فى الموضعين مختلف، لأن المطلوب فى الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان، وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم.
فالذى يجمع الثلاثة، الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له بصق. وأما قوله:
«فإنها لا تضره» فمعناه- كما قاله النووى-: أن الله تعالى جعل ما ذكر سبب للسلامة من المكروه المرتب على الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وأما التحول، فللتفاؤل بتحول تلك الحال التى كان عليها.
والحكمة فى قوله فى الرؤيا الحسنة: «ولا يخبر بها إلا من يحب» لأنه إذا حدث بها من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب، إما بغضا وإما حسدا، فقد تقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك.
وقد روى من حديث أنس مرفوعا: «الرؤيا لأول عابر» «1» . وهو حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشى، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم عن أبى رزين العقيلى رفعه:
«الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت» «2» .
وعند الدارمى بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف فى التجارة، فأتت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجى غائب، وتركنى حاملا، فرأيت فى منامى أن سارية بيتى انكسرت وأنى ولدت غلاما أعور، فقال:«خير يرجع زوجك إن شاء الله تعالى صالحا، وتلدين غلاما برّا» ، فذكرت ذلك ثلاثا، فجاءت ورسول الله- صلى الله عليه وسلم غائب، فسألتها فأخبرتنى بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكى، فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال:«مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» «3» .
وعند سعيد بن منصور بن مرسل عطاء بن أبى رباح: جاءت امرأة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالت: إنى رأيت كأن جائزة بيتى انكسرت، وكان زوجها غائبا، قال:«رد الله عليك زوجك، فرجع سالما» «4» الحديث. قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالما، فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهى لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب فى تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب فلا ينبغى أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثانى، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره.
(1) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (3915) فى تعبير الرؤيا، باب: علام تعبر به الرؤيا، من حديث أنس، وفيه يزيد بن أبان الرقاشى، وهو ضعيف.
(2)
صحيح: وقد تقدم، وطرفه «ولا يقصها إلا على واد» .
(3)
أخرجه الدارمى (2163)، وذكره الحافظ فى «الفتح» (12/ 433) وقال: سنده حسن.
(4)
ذكره الحافظ فى «الفتح» (12/ 433) وقال: سنده صحيح عن عطاء.
ومن آداب المعبر، ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى أبى موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا وشر لأعدائنا. ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع. وفى حديث ابن زمل «1» عند الطبرانى والبيهقى فى الدلائل: لما قص على النبى- صلى الله عليه وسلم رؤياه، فقال- صلى الله عليه وسلم:«خير تتلقاه وشر تتوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص على رؤياك» «2» الحديث، وسنده ضعيف جدّا، ويأتى- إن شاء الله تعالى-. ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا فى الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنه- صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة يقول:«هل رأى أحد الليلة رؤيا» «3» ، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصون، وبوب عليه البخارى: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل الغروب، فإن الحديث دل على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، فلا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها فى أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلب «4» : تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائى ما
(1) ذكره الحافظ فى «اللسان» (3/ 287) وقال: تابعى أرسل ولا يكاد يعرف، ليس بمعتمد، وقال ابن حبان فى الثقات، يقال له صحبة.
(2)
ضعيف: وهو جزء من حديث طويل أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (8/ 302) ، والبيهقى فى «الدلائل» (7/ 36- 38) .
(3)
الحديث أخرجه البخارى (7047) فى التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(4)
هو: المهلب بن أحمد بن أبى صفرة الأسدى الأندلسى المريى، مصنف «شرح صحيح البخارى» ، كان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء، وتوفى سنة 435 هـ.
يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان فى الرؤيا تحذير من معصية فيكف عنها، وربما كانت إنذارا لأمر فيكون له مترقبا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار. قاله فى فتح البارى.
وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائى أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إنى أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان فى اليقظة والمنام، اللهم إنى أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية، اللهم أرنى فى منامى ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل. إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائى تنحصر فى قسمين:
* أضغاث أحلام وهى لا تنذر بشئ وهى أنواع:
الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائى. كأنه يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع فى هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر: جاء أعرابى فقال: يا رسول الله، إنى حلمت أن رأسى قطع وأنا أتبعه، فزجره- صلى الله عليه وسلم وقال:«لا تخبر بتلعب الشيطان بك فى المنام» «1» .
الثانى: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحال عقلا.
الثالث: ما يحدث به نفسه فى اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو فى المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته فى اليقظة، أو ما يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا، وعن الماضى قليلا.
* القسم الثانى: الرؤيا الصادقة، وهى رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهى التى تقع فى اليقظة على وفق ما
(1) صحيح: أخرجه مسلم (2268) فى الرؤيا، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم: «من رآنى فى المنام فقد رآنى» .
وقعت فى النوم، وقد وقع لنبينا- صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة التى كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله- صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»
. الحديث رواه البخارى. وفى رواية: الرؤيا الصالحة.
وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة فى حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة فى الأصل أخص. فرؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع فى الرؤيا يوم أحد، فإنه- صلى الله عليه وسلم رأى بقرا تذبح، ورأى فى سيفه ثلما، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذى فى سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على الخلق أجمعين.
وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التى لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينورى فى «التعبير القادرى» :
الرؤيا الصالحة ما يقع بعينه، أو ما يعبر فى المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما فسر. واعلم أن الناس فى الرؤيا على ثلاث درجات:
الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
ومن عداهم: يقع فى رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال فى حقهم، وفسقة فالغالب على
(1) صحيح: الحديث أخرجه البخارى (3) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار: ويندر فى رؤياهم الصدق جدّا، ويشير إلى ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم:«وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا» «1» ، أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة.
وقد وقعت الصادقة من بعض الكفار كما فى رؤيا صاحبى السجن مع يوسف- عليه السلام، ورؤيا ملكهما وغير ذلك. وقد روى الإمام أحمد مرفوعا وصححه ابن حبان من حديث أبى سعيد: أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينورى أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثانى يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة، وعن محمد بن سيرين: رؤيا النهار مثل رؤيا الليل، والنساء بمثل الرجال، وعن القيروانى: أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه.
ومن مرائيه الكريمة- صلى الله عليه وسلم: شربه اللبن وتعبره بالعلم، كما فى حديث ابن عمر عند البخارى قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إنى لأرى الرى يخرج من أظفارى، ثم أعطيت فضلى- يعنى عمر-» ، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال:
«العلم» «2» . وفى رواية الكشميهنى: من أظافرى، وفى رواية صالح بن كيسان: من أطرافى.
وهذه الرؤية يحتمل بأن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول: ما أخرجه الحاكم والطبرانى من طريق أبى بكر بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده فى هذا الحديث: «فشربت حتى رأيته
(1) صحيح: وقد تقدم.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (3681) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشى العدوى- رضى الله عنه-، ومسلم (2391) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر- رضى الله عنه-.
يجرى فى عروقى بين الجلد واللحم» «1» ، على أنه محتمل أيضا. قال بعض العارفين: الذى خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذى ذكره قد يكون خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة.
وقال العارف ابن أبى جمرة: تأول النبى- صلى الله عليه وسلم اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبريل: أخذت الفطرة، انتهى. وقد جاء فى بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من حديث أبى هريرة رفعه: اللبن فى المنام فطرة.
وذكر الدينورى: أن اللبن المذكور فى هذا يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك فى الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذى أمر، وفى الحديث: أن علم النبى- رضى الله عنه- بالله لا يبلغ أحد درجته فيه، لأنه شرب حتى رأى الرى يخرج من أطرافه. وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا تأخذه فى الله لومة لائم، ووجه التعبير فى الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم فى كثرة النفع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدنى، والعلم للغذاء المعنوى.
ومن ذلك رؤيته- صلى الله عليه وسلم القميص وتعبيره بالدين. وعن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-، عن النبى- صلى الله عليه وسلم قال:«بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علىّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدى، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومرّ علىّ عمر وعليه قميص يجره» . قالوا: ما أولته يا رسول الله؟ قال:
«الدين» «2» ، رواه البخارى. وفى رواية الترمذى الحكيم من طريق أخرى فى هذا الحديث، فقال أبو بكر: علام تؤول هذا يا رسول الله؟
(1) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (3/ 92) ، والطبرانى فى «الكبير» (12/ 293) ، وفى «فضائل الصحابة» (1/ 253) ، من الطريق المذكور.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (23) فى الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان فى الأعمال، ومسلم (2390) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر- رضى الله عنه-.
و «الثدى» بضم المثلاثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدى، بفتح ثم سكون، والمعنى: أن القميص قصير جدّا بحيث لا يستر من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها. وقوله: «ومنها ما يبلغ دون ذلك» يحتمل أن يريد به من جهة السفل، وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما فى رواية الترمذى الحكيم المذكورة:
فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه.
ويجوز النصب فى قوله «الدين» والتقدير: أولته الدين، ويجوز الرفع.
وفى رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان. وقد قيل فى وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة فى الدنيا، والدين يسترها فى الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «1» .
واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربى: إنما أول- صلى الله عليه وسلم القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر القميص عورة البدن. قال:
وأما غير عمر فالذى كان يبلغ الثدى هو الذى يستر قلبه عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصى، والذى كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذى لم يستر رجله عن المشى إلى المعصية، والذى يستر رجله هو الذى احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذى يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
وأشار العارف ابن أبى جمرة: إلى أن المراد بالناس فى الحديث:
المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: والذى يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهى، وكان لعمر فى ذلك المقام العالى.
(1) سورة الأعراف: 26.
قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى فى القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه، والنكتة فى القميص أن لابسه إذا اختار نزعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل فى ذلك سابغ الأثواب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل. وفى الحديث: أن أهل الدين يتفاضلون فى الدين بالقلة والكثرة، وبالقوة والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد فى المنام ويذم فى اليقظة شرعا، أعنى جر القميص، لما روى من الوعيد فى تطويله.
ومن ذلك رؤيته- صلى الله عليه وسلم السوارين الذهب فى يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين. روى البخارى عن عبيد الله بن عبد الله قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم التى ذكر فقال ابن عباس ذكر لى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم إذ رأيت أنه وضع فى يدىّ سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما، فأذن لى فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان» «1» . فقال عبيد الله: أحدهما العنسى الذى قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.
وفى رواية أبى هريرة عند الشيخين: «بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع فى يدىّ سواران من ذهب، فكبرا على وأهمانى، فأوحى إلىّ أن أنفخهما، فأولتهما الكذابين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» «2» . قال المهلب: هذه الرؤيا ليست على وجهها، وإنما هى ضرب من المثل، وإنما أول النبى- صلى الله عليه وسلم السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشئ فى غير موضعه، فلما رأى فى يديه سوارين من ذهب وليسا من لبسه، لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعى ما ليس له.
(1) صحيح: أخرجه البخارى (4375) فى المغازى، باب: وفد بنى حنيفة، ومسلم (2273) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (7037) فى التعبير، باب: النفخ فى المنام، ومسلم (2274) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم.
وأيضا: ففى كونهما من ذهب، والذهب منهى عن لبسه، دليل على الكذب، وأيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شئ يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له فى نفخهما فطارا، فعرف أنه ينسب إليهما أمر، وأن كلامه بالوحى الذى جاء به يزيلهما من موضعهما.
وقال ابن العربى: كان النبى- صلى الله عليه وسلم يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسى، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت. ويحتمل أن يكون بوحى. والمراد ب «خزائن الأرض» التى ذكر، ما فتح على أمته من الغنائم ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التى فيها الذهب والفضة.
وقال القرطبى: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، ومما حرم على الرجال، وفى طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا، أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك، فكأن اليدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا، والزخرف من أسماء الذهب.
وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء تعريجا ناله ضرر، فإن غاب فى السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه.
ومن ذلك: رؤيته- صلى الله عليه وسلم المرأة السوداء الثائرة الرأس، تعبيرها بنقل وباء المدينة إلى الجحفة. روى البخارى من حديث عبد الله بن عمر، أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال:«رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة- وهى الجحفة- فأولت أن وباء المدينة نقل إليها» «1» .
(1) صحيح: أخرجه البخارى (7038) فى التعبير، باب: إذا رأى أنه أخرج الشئ من كورة فأسكنه موضعا آخر، وأطرافه (7039 و 7040) .
وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهى مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعرها أن الذى يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
وقال القيروانى من أهل التعبير: كل شئ غلبت عليه السوداء فى أكثر وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء فإنها أكثر استيحاشا.
ومن ذلك: رؤيته- صلى الله عليه وسلم أنه فى درع حصينة وبقرا تنحر وتعبير ذلك.
عن أبى موسى عن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب، ورأيت فيه بقرا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذى أتانا الله «1» بعد يوم بدر» «2» رواه البخارى ومسلم. وروى الإمام أحمد وغيره عن جابر: أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت كأنى فى درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة بالمدينة، والبقر بقرا» «3» . وهذه اللفظة الأخيرة وهى «بقر» بفتح الموحدة، وسكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا.
ولهذا الحديث سبب جاء بيانه فى حديث ابن عباس عند أحمد أيضا والنسائى والطبرانى، وصححه الحاكم من طريق أبى الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس فى قصة أحد، وإشارة النبى- صلى الله عليه وسلم عليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقوله- صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها
(1) سقط من الأصل، وزدناها من مصادر التخريج.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (3622) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (2272) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم.
(3)
حسن: أخرجه الدارمى (2159) ، وأحمد فى «المسند» (3/ 351) ، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد (1/ 271) ، والحاكم (2/ 141) و (3/ 41) يحسن به.
حتى يقاتل» وفيه: «إنى رأيت أنى فى درع حصينة» «1» الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه فى غزوة أحد من المقصد الأول.
والمراد بقوله: «وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذى أتانا الله بعد يوم بدر» فتح خيبر ثم مكة، أى ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.
قال فى فتح البارى: وفى هذا السياق إشعار بأن قوله فى الخبر «والله خير» من جملة الرؤيا. قال: والذى يظهر لى أن لفظة «والله خير» لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هى المحررة، وأنه رأى بقرا ورأى خيرا. فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق فى القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وبعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطال.
ومن ذلك رؤيته- صلى الله عليه وسلم أنه أتى برطب. روى مسلم عن أنس قال:
سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت الليلة فيما يرى النائم، كأنى فى دار عقبة بن رافع، وأتيت برطب من رطب ابن طاب «2» ، فأولته بأن الرفعة لنا فى الدنيا، والعاقبة فى الآخرة، وأن ديننا قد طاب» «3» .
ومن ذلك: رؤيته- صلى الله عليه وسلم سيفا يهزه، وتعبيره ما روى فى حديث أبى موسى المتقدم أنه قال:«ورأيت فى رؤياى هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين» «4» رواه الشيخان.
وهذه أيضا من ضرب المثل، ولما كان- صلى الله عليه وسلم يصول بالصحابة عبر عن
(1) حسن: وقد تقدم فى الشاهد الذى قبله.
(2)
رطب ابن طاب، هو نوع من أنواع تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب، رجل من أهلها. النهاية فى غريب الحديث مادة (طيب) .
(3)
صحيح: أخرجه مسلم (2270) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم.
(4)
صحيح: وقد تقدم قبل حديثين.
السيف بهم، وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفى الهزة الآخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم.
وقال أهل التعبير: السيف يصرف على أوجه؛ منها أن من نال سيفا فإنه ينال سلطانا، وإما ولاية وإما وديعة، وإما زوجة، وإما ولدا، فإن سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس، فإن سلما أو عطبا فكذلك. وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله بالأم وذوى الرحم، وإن جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده فى خصومة. وربما عبر السيف بسلطان جائر.
وقال بعض أهل التعبير أيضا: من رأى أنه أغمد سيفا فإنه يتزوج، أو ضرب شخصا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه، ومن رأى سيفا عظيما فهو فتنة، ومن قلد سيفا قلد أمرا، فإن كان قصيرا لم يدم أمره.
ومن ذلك: رؤيته- صلى الله عليه وسلم أنه على قليب. عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب، وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفى نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريّا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن» «1» .
وعبقرى القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم. وفى رواية: فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر. وفى رواية: فأتانى أبو بكر فأخذ الدلو من يدى ليريحنى. وفى رواية موسى عن سالم عن أبيه: رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفى نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام
(1) صحيح: أخرجه البخارى (3664) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا» ، ومسلم (2392) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر- رضى الله عنه-.
عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، فما رأيت من الناس يفرى فرية حتى ضرب الناس بعطن. رواه البخارى.
قال النووى: قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبى- صلى الله عليه وسلم، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر به قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام فى زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذى فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المستقى لهم منها، وفى قوله:«فأخذ الدلو من يدى ليريحنى» إشارة إلى خلافة أبى بكر بعد موته- صلى الله عليه وسلم، لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله:«وفى نزعه ضعف» فهو إخبار عن حاله فى قصر مدة ولايته، وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس فى قوله- صلى الله عليه وسلم:«والله يغفر له» نقض، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، إنما هى كلمة كانوا يقولونها. وقوله:«فاستحالت فى يده غربا» أى تحولت الدلو غربا- بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أى:
دلوا عظيما.
وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا عظيما دلى من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ فعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء على فانتشطت وانتضح عليه منها شئ. والعراقى: جمع عرقوة الدلو، وهى الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد يقال: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أى جذبت ورفعت. فهذه نبذة من مرائيه الكريمة- صلى الله عليه وسلم مع تعبيرها.
وأما ما رآه غيره فعبر- صلى الله عليه وسلم له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة. فقد كان- صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على الصحابة
فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها على أعبرها له، فيقص الناس عليه مرائيهم» «1» . وروى البخارى والترمذى عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رأيا؟» فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة:«هل رأى أحد منكم رؤيا» وقالوا: ما منا أحد رأى شيئا، قال:«لكنى أتانى الليلة آتيان، وإنهما ابتعثانى فقالا لى: انطلق، فانطلقت فأتيت على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه» «2» الحديث.
وأقام- صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه: «هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا، ما شاء الله» ثم ترك السؤال فكان يعبر لمن قص متبرعا. واختلف النقلة فى سبب تركه السؤال:
فقيل: سبب ذلك حديث أبى بكرة- عند الترمذى وأبى داود- أنه- صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «من رأى منكم الرؤيا؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبى بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة فى وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قالوا: فمن حينئذ لم يسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم أحدا عن رؤيا.
قال بعضهم: وسبب كراهته- صلى الله عليه وسلم إيثاره لستر العواقب وإخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض فى التعيين خشى أن يتواتر ويتوالى ما هو أبلغ فى الكشف من ذلك، ولله فى ستر خلقه حكمة بالغة ومشيئة نافذة.
وقال ابن قتيبة- فيما ذكره ابن المنير-: سبب تركه السؤال فى حديث ابن زمل: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال- صلى الله عليه وسلم وهو ثان
(1) صحيح: وقد تقدم من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (7047) فى التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، والترمذى (2294) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم الميزان والدلو، ولكنه عند الترمذى مختصرا.
رجليه: «سبحان الله وبحمده وأستغفر الله، إن الله كان توابا، سبعين مرة» ثم يقول: «سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه فى يوم أكثر من سبعمائة» ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: «هل رأى أحد منكم شيئا؟» قال ابن زمل: فقلت ذات يوم أنا يا رسول الله، قال:«خير تتلقاه وشر تتوقاه، وخير لنا وشر لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك» . قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، والناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عينى مثله، يرف رفيفا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ، فكأنى بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق فلم يضلوه يمينا وشمالا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشرفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشرفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا فى المرج يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت فى أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى آدم «1» ، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفزع الرجال طولا، وإذا عن يسارك رجل ربعة «2» تارّ أحمر، كثير خيلان الوجه «3» ، إذا هو تكلم أصغيتم إليه إكراما له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله. قال: فانتقع لون رسول الله- صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم سرى عنه، فقال: «أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذى رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما
(1) أقنى الأنف: ارتفاع أعلاه واحد يداب وسطه وسبوع طرفه، أو نتوء وسط القصبة، و (آدم) : أى أسمر.
(2)
التار: الممتلئ البدن.
(3)
خيلان: جمع خال، وهو الشامة فى الجسد.
الرعلة الثانية والثالثة- وقص كلامه- فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقانى، وأما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا فى آخرها ألفا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى، نكرمه بفضل الله إياه، وأما الرجل الربعة التار الأحمر، فذلك عيسى- عليه السلام نكرمه بفضل منزلته من الله، وأما الشيخ الذى رأيت كأننا نقتدى به فذلك إبراهيم- عليه السلام، وأما الناقة العجفاء الشارف التى رأيتنى أبعثها فهى الساعة عليها، أى على الأمة تقوم، لأنه لا نبى بعدى ولا أمة بعد أمتى» . قال الراوى: فما سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم بعد هذا أحدا عن رؤيا، إلا أن يجئ الرجل متبرعا فيحدثه بها» «1» رواه ابن قتيبة والطبرانى والبيهقى فى الدلائل، وسنده ضعيف جدّا.
ومن غريب ما نقل عنه- صلى الله عليه وسلم من التعبير، أن زرارة بن عمرو النخعى قدم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى وفد النخع، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت فى طريقى هذا رؤيا، رأيت أتانا «2» تركتها فى الحى ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«هل لك من أمة تركتها مصرة حملا؟» قال: نعم تركت أمة أظنها قد حملت، قال:«فقد ولدت غلاما وهو ابنك» ، قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى» ، فدنا منه، قال:«هل بك برص تكتمه؟» قال: نعم والذى بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به أحد، قال:«فهو ذاك» .
فقال: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان، قال:
ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيه وبهجته. قال: ورأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا. قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، آكلكم وأهلكم ومالكم فقال النبى- صلى الله عليه وسلم: «تلك فتنة تكون
(1) ضعيف: وقد تقدم حديث ابن زمل.
(2)
الأتان: أنثى الحمار.
فى آخر الزمان» ، قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: «يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس» ، وخالف- صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، يحسب المسئ أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد.
فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة، محشوّا حلاوة الحق، مكسوّا طلاوة الصدق مجلوّا بأنوار الوحى. والأسفع: الذى أصاب جسده لون آخر. والأحوى: الأسود الذى ليس بالشديد. والمسكتان: السواران من ذهب. وأطبق الرأس: عظامه. والاشتجار: الاختلاف والاشتباك. فإن قلت:
تعبيره- صلى الله عليه وسلم السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر.
أجيب: بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، وكان السواران من زى النعمان ليسا بمنكرين فى حقه، ولا موضوعين فى غير موضعهما عرفا، وأما النبى فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع فى غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما، ولله الحمد.
ومن ذلك: ما روى عن قيس بن عباد- بضم العين وتخفيف الموحدة- قال: كنت فى حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال:
سبحان الله، ما كان ينبغى لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع فى روضة خضراء، فنصب فيها، وفى رأسها عروة، وفى أسفلها منصف- والمنصف الوصيف- فقال: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال:«يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» «1» . رواه البخارى.
(1) صحيح: أخرجه البخارى (7010) فى التعبير، باب: الخضر فى المنام والروضة الخضراء، ومسلم (2484) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن سلام- رضى الله عنه-.
وفى رواية خرشة: بينما أنا نائم أتانى رجل فقال لى قم، فأخذ بيدى فانطلقت معه، فإذا أنا بجوادّ- بجيم ودال مشددة، جمع جادة وهى الطريق المسلوك- عن شمالى، قال: فأخذت لآخذ فيها- أى أسير فقال: لا تأخذ فيها فإنها طريق أهل الشمال.
وفى رواية النسائى من طريقه: فبينا أنا أمشى إذ عرض لى طريق عن شمالى، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها.
وفى رواية مسلم: فإذا منهج عن يمينى، فقال لى خذها هنا، فأتى بى جبلا فقال لى: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت، حتى فعلت ذلك مرارا.
وفى رواية ابن عون: فقال تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى، لا تزال متمسكا بالإسلام حتى تموت.
وفى رواية خرشة عند النسائى وابن ماجه قال: رأيت خيرا، أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء، زاد مسلم: ولن تناله.
وهذا علم من أعلام نبوة نبينا- صلى الله عليه وسلم فإن عبد الله بن سلام لم يمت شهيدا، وإنما مات على فراشه فى أول خلافة معاوية بالمدينة.
وقولهم إنه من أهل الجنة، أخذوه من قوله لما ذكر طريق الشمال: إنك لست من أهلها. وإنما قال: «ما كان ينبغى لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم» «1» على سبيل التواضع وكراهية أن يشار إليه بالأصابع، خشية أن يدخله العجب، عافانا الله من سائر المكاره.
وقال القيروانى: الروضة التى لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك انتهى. وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة، تدل لمن تمسك بها على قوته فى دينه، وإخلاصه فيه.
(1) هى فى رواية مسلم السابقة.
ومن ذلك، ما رواه البخارى عن أم العلاء، وهى امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله: وأريت لعثمان بن مظعون بعد موته فى النوم عينا تجرى، فجئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال:«ذاك عمله يجري له» «1» .
وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمان شئ من عمله بقى له ثوابه جاريا كالصدقة، وأنكره مغلطاى وقال: لم يكن له شئ من الأمور الثلاثة التى ذكرها مسلم فى حديث أبى هريرة رفعه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» «2» .
وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها، وهو السائب، مات فى خلافة أبى بكر، فهو أحد الثلاث. قال: وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن يكون له صدقة استمرت بعد موته.
وقال المهلب: العين الجارية تحتمل وجوها، فإن كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح، وإلا فلا. وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحى أو ميت. وقال آخر: عين الماء نعمة وبركة وخير، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكى لها أهل داره، والله أعلم.
فهذا طرف من تعبيره- صلى الله عليه وسلم، يهدى إلى غيره مما يشبهه، وإلا فالذى نقل عنه- صلى الله عليه وسلم من غرائب التأويل، ولطائف التعبير- كما قاله ابن المنير- لا تحصره المجلدات.
وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحدة من هذه الأمة فى علم أو عمل، هى من آثار معجزة نبيه- صلى الله عليه وسلم، وسر تصديقه، وبركات طريقه، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير، مما شاع وذاع، وامتلأت به الأسماع، طبق الأرض صدقا وصوابا، وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا، قضيت بأن ما منحه- صلى الله عليه وسلم
(1) صحيح: أخرجه البخارى (2687) فى الشهادات، باب: القرعة فى المشكلات.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (1631) فى الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.