الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشئ أعدله، ولأن الكسوف غالبا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتفق الكسوف صادف الذى يعتاد صيام البيض صائما، فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها. ورجح بعضهم صيام الثلاثة فى أول الشهر، لأن المرء لا يدرى ما يعرض له من الموانع، والله أعلم.
النوع الخامس فى ذكر اعتكافه ص واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر
اعلم أن الاعتكاف فى اللغة: الحبس والمكث واللزوم. وفى الشرع:
المكث فى المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. ومقصوده وروحه عكوف القلب على الله، وجمعيته عليه، والفكر فى تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق، ليكون ذلك أنسه يوم الوحشة فى القبر حين لا أنيس له. وليس بواجب إجماعا، إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدا عن قوم. واختلف فى اشتراط الصوم له:
ومذهب الشافعى: أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر.
وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط الصوم، فلا يصح اعتكاف المفطر.
واحتج الشافعى باعتكافه- صلى الله عليه وسلم فى العشر الأول من شوال «1» . رواه
(1) صحيح: أخرجه مسلم (1173) فى الاعتكاف، باب: متى يدخل من أراد الاعتكاف معتكفه، من حديث عائشة. ولم يروه البخارى بهذا اللفظ.
البخارى ومسلم، وبحديث عمر: أنه قال: يا رسول الله، إنى نذرت أن أعتكف ليلة فى الجاهلية، فقال:«أوف بنذرك» «1» . رواه البخارى ومسلم، والليل ليس محلا للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكى فأجازه فى كل مكان. وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف فى مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه. وفيه قول قديم للشافعى. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التى تقام فيها الصلوات. وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففى كل مسجد.
وقال الجمهور: بعمومه فى كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحبه له الشافعى فى الجامع. وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك. وخصه طائفة من السلف، كالزهرى بالجامع مطلقا، وأومأ إليه الشافعى فى القديم. وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجدى مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة. واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا فى أقله، فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام فى دون اليوم. حكاه ابن قدامة. وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه: يوم أو يومان. ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما ينطلق عليه اسم لبث، ولا يشترط القعود.
واتفقوا على فساده بالجماع.
وقد كان سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان «2» . رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة. وعن أبى هريرة
(1) صحيح: أخرجه البخارى (2043) فى الاعتكاف، باب: إذا نذر فى الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، ومسلم (1656) فى الأيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل إذا أسلم. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (2025) فى الاعتكاف، باب: الاعتكاف فى العشر الأواخر، ومسلم (1171) فى الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.
- رضى الله عنه-: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين فى العام الذى قبض فيه «1» . رواه البخارى. وعن أبى سعيد الخدرى أنه- صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط فى قبة تركية، ثم أطلع رأسه فقال: إنى اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة- يعنى ليلة القدر- ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لى إنها فى العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها فى العشر الأواخر والتمسوها فى كل وتر منه، قال: فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فبصرت عيناى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين «2» . رواه الشيخان.
وفى حديث عبادة بن الصامت: أنه- صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة «3» ، رواه البخارى. ولمسلم من حديث عبد الله بن أنيس: أنه- صلى الله عليه وسلم قال: أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأرانى فى صبيحتها أسجد فى ماء وطين، قال: فمطرت ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا وأثر الماء والطين فى جبهته وأنفه «4» . وفى سنن أبى داود عن ابن مسعود مرفوعا:
«اطلبوها ليلة سبع عشرة» «5» . وأخرج الطبرانى مرفوعا من حديث أبى
(1) صحيح: أخرجه البخارى (4998) فى فضائل القرآن، باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبى- صلى الله عليه وسلم. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (2027) فى الاعتكاف، باب: الاعتكاف فى العشر الأواخر. من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (49) فى الإيمان، باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. من حديث عبادة بن الصامت- رضى الله عنه-.
(4)
صحيح: أخرجه البخارى (2016) فى صلاة التراويح، باب: التماس ليلة القدر فى السبع الأواخر. من حديث أبى سعيد- رضى الله عنه-.
(5)
ضعيف: أخرجه أبو داود (1384) فى الصلاة، باب: من روى أنها ليلة سبع عشرة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
وقد اختلف العلماء فى ليلة القدر اختلافا كثيرا، وأفردها بعضهم بالتأليف، وقد جمع الحافظ أبو الفضل بن حجر من كلام العلماء فى ذلك أكثر من أربعين قولا، كساعة الجمعة. ومذهب الشافعى: انحصارها فى العشر الأخير، كما نص عليه الشافعى، فيما حكاه عنه الإسنوى.
وعن المحاملى فى «التجريد» : إنها تلتمس فى جميع الشهر، وتبعه عليه الشيخ أبو إسحاق فى «التنبيه» فقال: وتطلب ليلة القدر فى جميع شهر رمضان. ثم الغزالى فى كتبه. وتردد صاحب «التقريب» فى جواز كونها فى النصف الأخير، كذا نقله عنه الإمام وضعفه. وحكاه ابن الملقن فى شرح العمدة. وفى المفهم للقرطبى حكاية قول إنها ليلة النصف من شعبان.
ودليل الأول: حديث أبى سعيد الذى قدمناه، قال النووى: وميل الشافعى إلى أنها ليلة الحادى والعشرين أو الثالث والعشرين، أما الحادى والعشرون فلقوله- صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى سعيد:«فقد رأيت هذه الليلة، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها» «1» ، فبصرت عيناى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين، وأما الثالث والعشرون فلحديث عبد الله بن أنيس المتقدم أيضا. وجزم جماعة من الشافعية: بأنها ليلة الحادى والعشرين، ولكن قال السبكى: إنه ليس مجزوما به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده بليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها فى العشر الأخير. وعن ابن خزيمة- من أصحابنا- أنها تنتقل فى كل سنة إلى ليلة من ليالى العشر الأخير.
(1) تقدم.
وحاصله: قولان، ووجه، واختار النووى فى الفتاوى وشرح المهذب رأى ابن خزيمة. وجزم ابن حبيب من المالكية، ونقله الجمهور، وحكاه صاحب «العدة» من الشافعية ورجحه: أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، ولم تكن فى الأمم قبلهم.
وهو معترض: بحديث أبى ذر عند النسائى، حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قلت: بل هى باقية. وعمدتهم قول مالك فى «الموطأ» بلغنى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله تعالى ليلة القدر. وهذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح من حديث أبى ذر كما قاله الحافظان ابن كثير فى تفسيره وابن حجر فى فتح البارى.
قال: وقد ظهر لليلة القدر علامات؛ منها: ما فى صحيح مسلم عن أبى بن كعب أن الشمس تطلع فى صبيحتها لا شعاع لها، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعا:«ليلة القدر لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة» «1» ، ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أنها صافية، كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب يرمى به فيها، وإن من أماراتها أن الشمس فى صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها حينئذ «2» .
وروى البيهقى فى «فضائل الأوقات» أن المياه المالحة تعذب فى تلك الليلة «3» . وقد كان- صلى الله عليه وسلم يجتهد فى العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد فى غيره «4» . رواه مسلم من حديث عائشة. وفى البخارى عنها: كان رسول
(1) أخرجه ابن خزيمة فى «صحيحه» (2190) من حديث جابر، ولم أقف على رواية ابن عباس.
(2)
انظر «فتح البارى» لابن حجر (4/ 260) .
(3)
ذكره الحافظ ابن حجر فى «المصدر السابق» .
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (1175) فى الاعتكاف، باب: الاجتهاد فى العشر الأواخر من شهر رمضان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
الله- صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله «1» . وجزم عبد الرزاق بأن «شد مئزره» هو اعتزاله النساء، وحكاه عن الثورى. وقال الخطابى: يحتمل أن يراد به الجد فى العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزرى، أى: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معا، ويحتمل أن يراد به الحقيقة والمجاز، فيكون المراد: شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وتشمر للعبادة.
وقوله: «وأحيا ليله» أى: سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعا، لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته، وهو نحو قوله:«لا تجعلوا بيوتكم قبورا» «2» ، أى:
لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور. فقد كان- صلى الله عليه وسلم يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها فى بقية الشهر.
فمنها: إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويشهد له حديث عائشة من وجه ضعيف «وأحيا الليل كله» وفى المسند عنها أيضا، قالت: كان- صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر «3» ، وفى حديث ضعيف عن أنس عند أبى نعيم: كان- صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان قام ونام فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا ويحتمل أن تريد بإحياء الليل غالبه، وقد قال الشافعى فى القديم: من شهد العشاء والصبح فى جماعة ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. وروى فى حديث مرفوع عن أبى هريرة: «من صلى العشاء الآخرة فى جماعة فى رمضان فقد أدرك ليلة القدر» «4» . رواه أبو الشيخ.
(1) صحيح: أخرجه البخارى (2024) فى صلاة التراويح، باب: العمل فى العشر الأواخر من رمضان. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(2)
صحيح: أخرجه أبو داود (2042) فى المناسك، باب: زيارة القبور، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(3)
تقدم.
(4)
أخرجه البيهقى، كما فى «كنز العمال» (24092) .