المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٣

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

- ‌الفصل الأول فى طبه صلى الله عليه وسلم لذوى الأمراض والعاهات

- ‌النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية

- ‌رقية الذى يصاب بالعين:

- ‌عقوبة العائن:

- ‌ذكر رقية النبى ص التى كان يرقى بها

- ‌ذكر طبه ص من الفزع والأرق المانع من النوم:

- ‌ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:

- ‌ذكر طبه ص من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب:

- ‌ذكر طبه ص من داء الفقر:

- ‌ذكر طبه ص من داء الحريق:

- ‌ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:

- ‌ذكر دوائه ص من داء السحر:

- ‌ذكر رقية لكل شكوى:

- ‌رقيته ص من الصداع:

- ‌رقيته ص من وجع الضرس:

- ‌رقية لعسر البول:

- ‌رقية الحمى:

- ‌ذكر ما يقى من كل بلاء:

- ‌ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:

- ‌ذكر دواء داء الطعام:

- ‌ذكر دواء أم الصبيان:

- ‌النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية

- ‌ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة:

- ‌ذكر طبه ص للرمد:

- ‌ذكر طبه ص من العذرة:

- ‌ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن

- ‌ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه:

- ‌ذكر طبه ص للمفؤود:

- ‌ذكر طبه ص لذات الجنب:

- ‌ذكر طبه ص لداء الاستسقاء:

- ‌ذكر طبه ص من داء عرق النسا:

- ‌ذكر طبه ص من الأورام والخراجات:

- ‌ذكر طبه ص بقطع العروق والكى:

- ‌ذكر طبه ص من الطاعون:

- ‌ذكر طبه ص من السلعة

- ‌ذكر طبه ص من الحمى:

- ‌ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل:

- ‌ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذى أصابه بخيبر:

- ‌النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية

- ‌ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى:

- ‌ذكر طبه- ص من لدغة العقرب:

- ‌ذكر الطب من النملة:

- ‌ذكر طبه ص من البثرة:

- ‌ذكر طبه ص من حرق النار:

- ‌ذكر طبه ص بالحمية:

- ‌ذكر حمية المريض من الماء:

- ‌ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص:

- ‌ذكر الحمية من طعام البخلاء:

- ‌ذكر الحمية من داء الكسل:

- ‌ذكر الحمية من داء البواسير:

- ‌ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى:

- ‌ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته:

- ‌ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى:

- ‌الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا

- ‌الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:

- ‌الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات

- ‌المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته

- ‌النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: فى ذكر وضوئه ص وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به

- ‌الفصل الثانى فى وضوئه ص مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا

- ‌الفصل الثالث فى صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى مسحه ص على الخفين

- ‌الفصل الخامس فى تيممه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل السادس فى غسله صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الثانى فى ذكر صلاته ص

- ‌[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب

- ‌الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول فى فرضها

- ‌الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته ص وفيه فروع:

- ‌الفروع الأول: فى صفة افتتاحه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة

- ‌الفرع الثالث: فى ذكر قراءته ص الفاتحة وقوله آمين بعدها

- ‌الفرع الرابع: فى ذكر قراءته ص بعد الفاتحة فى صلاة الغداة

- ‌الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- صلى الله عليه وسلم فى صلاتى الظهر والعصر

- ‌الفرع السادس: فى ذكر قراءته ص فى صلاة المغرب

- ‌الفرع السابع: فى ذكر ما كان ص يقرأ فى صلاة العشاء

- ‌الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع العاشر: فى ذكر ما كان ص يقوله فى الركوع والرفع منه

- ‌الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده ص وما يقول فيه

- ‌الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه ص للتشهد

- ‌الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده صلى الله عليه وسلم

- ‌الفرع الرابع عشر: فى ذكر تسليمه ص من الصلاة

- ‌الفرع الخامس عشر: فى ذكر قنوته صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابع فى سجوده ص للسهو فى الصلاة

- ‌الفصل الخامس فيما كان ص يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها

- ‌الباب الثانى فى ذكر صلاته ص الجمعة

- ‌الباب الثالث فى ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه

- ‌ذكر سياق صلاته ص بالليل

- ‌الباب الرابع فى صلاته ص الوتر

- ‌الباب الخامس فى ذكر صلاته ص الضحى

- ‌القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان:

- ‌الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان:

- ‌الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة

- ‌الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة

- ‌الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر

- ‌الفرع الثالث: فى راتبة الظهر

- ‌الفرع الرابع فى سنة العصر

- ‌الفرع الخامس فى راتبة المغرب

- ‌الفرع السادس فى راتبة العشاء

- ‌الفرع السابع فى راتبة الجمعة

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص العيدين

- ‌الفرع الأول فى عدد الركعات

- ‌الفرع الثانى فى عدد التكبير

- ‌الفرع الثالث فى الوقت والمكان

- ‌الفرع الرابع فى الأذان والإقامة

- ‌الفرع الخامس فى قراءته ص فى صلاة العيدين

- ‌الفرع السادس فى خطبته ص وتقديمه صلاة العيدين عليها

- ‌الفرع السابع فى أكله ص يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة

- ‌الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌الفصل الأول فى صلاته ص الكسوف

- ‌الفصل الثانى فى صلاته ص صلاة الاستسقاء

- ‌الفصل الثالث

- ‌الفصل الرابع

- ‌القسم الثالث فى ذكر صلاته ص فى السفر

- ‌الفصل الأول فى قصره ص الصلاة فيه وأحكامه

- ‌الفرع الأول فى كم كان ص يقصر الصلاة

- ‌الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة

- ‌الفصل الثانى فى الجمع

- ‌الفرع الأول فى جمعه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى ذكر صلاته ص النوافل فى السفر

- ‌الفصل الرابع فى صلاته ص التطوع فى السفر على الدابة

- ‌القسم الرابع فى ذكر صلاته ص صلاة الخوف

- ‌القسم الخامس فى ذكر صلاته ص على الجنازة

- ‌الفرع الأول فى عدد التكبيرات

- ‌الفرع الثانى فى القراءة والدعاء

- ‌الفرع الثالث فى صلاته ص على القبر

- ‌الفرع الرابع فى صلاته ص على الغائب

- ‌النوع الثالث فى ذكر سيرته ص فى الزكاة

- ‌النوع الرابع فى ذكر صيامه صلى الله عليه وسلم

- ‌القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان

- ‌الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه

- ‌الفصل الثانى فى صيامه ص برؤية الهلال

- ‌الفصل الثالث فى صومه ص بشهادة العدل الواحد

- ‌الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم

- ‌الفصل الخامس فى وقت إفطاره ص

- ‌الفصل السادس فيما كان ص يفطر عليه

- ‌الفصل السابع فيما كان يقوله ص عند الإفطار

- ‌الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع فى سحوره صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل العاشر فى إفطاره ص فى رمضان فى السفر وصومه

- ‌القسم الثانى فى صومه ص غير شهر رمضان وفيه فصول

- ‌الفصل الأول فى سرده ص صوم أيام من الشهر وفطره أياما

- ‌الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

- ‌الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان

- ‌الفصل الرابع فى صومه ص عشر ذى الحجة

- ‌الفصل الخامس فى صومه ص أيام الأسبوع

- ‌الفصل السادس فى صومه ص الأيام البيض

- ‌النوع الخامس فى ذكر اعتكافه ص واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر

- ‌النوع السادس فى ذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

- ‌المقصد العاشر

- ‌الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ص

- ‌الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف

- ‌الفصل الثالث

- ‌خاتمة

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

وصمت وقصر وأتممت «1» ، وقال: إن إسناده حسن. لكن يمكن حمله على أن قولها: «فى رمضان» متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان فى رمضان، واعتمر- صلى الله عليه وسلم فى تلك السنة من الجعرانة، لكن فى ذى القعدة كما تقدم.

وأما قول ابن القيم- فى الهدى أيضا-: ولم يكن فى عمره- صلى الله عليه وسلم عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحى ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجا من مكة فى تلك المدة أصلا، فالعمرة التى فعلها وشرعها هى عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى.

فيقال عليه: بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على مشروعيته. وروى الفاكهى وغيره من طريق محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم. ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها.

فثبت بذلك أن ميقات العمرة الحل وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء والله أعلم.

‌النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته

اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذى من حديث أنس رفعه:«الدعاء مخ العبادة» «2» . وقد تواترت الأخبار عنه- صلى الله عليه وسلم بالترغيب فى الدعاء والحث عليه. وأخرج الترمذى وصححه ابن

(1) أخرجه الدار قطنى فى «سننه» (2/ 188) .

(2)

ضعيف: أخرجه الترمذى (3371) فى الدعوات، باب: ما جاء فى فضل الدعاء، من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

ص: 511

حبان والحاكم عنه- صلى الله عليه وسلم «من لم يسأل الله يغضب عليه» «1» . وقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: إنى لا أحمل همّ الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفى هذا يقول القائل:

لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله

من جود كفك ما عودتنى الطلبا

فإنه سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل:

قالوا أتشكو إليه

ما ليس يخفى عليه

فقلت ربى يرضى

ذل العبيد لديه

وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «2» بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء هو العبادة «3» .

قال الشيخ تقى الدين السبكى: الأولى حمل الدعاء فى الآية على ظاهره. وأما قوله تعالى بعد ذلك عَنْ عِبادَتِي «4» فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا:

فالوعيد إنما هو فى حق ترك الدعاء استكبارا، ومن فعل ذلك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.

(1) حسن: أخرجه الترمذى (3373) فى الدعوات، باب: ما جاء فى فضل الدعاء، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(2)

سورة غافر: 60.

(3)

صحيح: أخرجه الترمذى (3477) فى الدعوات، باب: ما جاء فى جامع الدعوات عن النبى من حديث فضالة بن عبيد- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(4)

سورة غافر: 60.

ص: 512

وقال القشيرى فى «الرسالة» : اختلف أى الأمرين أولى، الدعاء أو السكوت والرضاء؟ فقيل الدعاء، وهو الذى ينبغى ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أولى لما فى التسليم من الفضل. انتهى.

وشبهتهم: أن الداعى لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند.

وأجيب: بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء، لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى.

وقد أرشد- صلى الله عليه وسلم أمته لكيفية الدعاء فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبى- صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء» ، رواه الترمذى من حديث فضالة بن عبيد. وقال- صلى الله عليه وسلم فى رجل يدعو:«أوجب إن ختم بامين» «1» . رواه أبو داود. وقال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم على المسألة فإن الله لا مكره له» «2» ، رواه البخارى وغيره.

ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا فى جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله فى الإجابة، فإنه يدعو كريما، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم من نفسه، يعنى التقصير، فإن الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «3» . وقال- صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول:

دعوت فلم يستجب لى» رواه الشيخان وغيرهما.

(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (938) فى الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (6339) فى الدعوات، باب: ليعزم المسألة فإنه لا مكره له، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(3)

سورة الأعراف: 14.

ص: 513

وكان- صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك «1» ، رواه أبو داود من حديث عائشة: والجوامع: التى تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة.

وكان- صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه: «اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى إليها معادى، واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر» «2» . رواه مسلم من حديث أبى هريرة.

وكان يقول: «اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى، وزدنى علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» «3» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة.

وكان يقول: «اللهم متعنى بسمعى وبصرى. واجعلهما الوارث منى، وانصرنى على من ظلمنى، وخذ منه بثأرى» «4» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة أيضا.

وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» «5» . رواه الشيخان من حديث أنس.

وكان يقول: «ربّ أعنى ولا تعن على، وانصرنى ولا تنصر على، وامكر

(1) تقدم تخريجه فى الذى قبله.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2720) فى الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(3)

أخرجه الترمذى (3599) فى الدعوات، باب: فى العفو والعافية. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، وقال الألبانى: صحيح دون قوله والحمد لله.

(4)

صحيح: أخرجه الترمذى (3973) فى الدعوات، باب: متعنى بسمعى وبصرى، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (4522) فى تفسير القرآن، باب: ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، ومسلم (2688) فى الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة فى الدنيا. من حديث أنس- رضى الله عنه-.

ص: 514

لى ولا تمكر على، واهدنى وانصرى على من بغى على، رب اجعلنى لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، مطواعا لك، مخبتا إليك، أواها منيبا، رب تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، وثبت حجتى، وسدد لسانى، واهد قلبى، واسلل سخيمة صدرى» «1» رواه الترمذى.

وكان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إنى أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلنى، أنت الحى الذى لا تموت، والجن والإنس يموتون» «2» رواه الشيخان عن ابن عباس.

وكان يقول: «اللهم إنى أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى» «3» .

رواه مسلم والترمذى من حديث ابن مسعود.

وكان يقول: «اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفر لى جدى وهزلى، وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى، اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير» «4» رواه الشيخان من حديث أبى موسى.

وكان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك» «5» . رواه الترمذى من حديث أم سلمة.

(1) صحيح: أخرجه الترمذى (3551) فى الدعوات، باب: فى دعاء النبى. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2717) فى الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(3)

صحيح: أخرجه مسلم (2721) فى الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل. من حديث ابن مسعود- رضى الله عنه-.

(4)

صحيح: أخرجه البخارى (6398) فى الدعوات، باب: قول النبى اللهم اغفر لى ما قدمت. من حديث عبد الله بن قيس- رضى الله عنه-.

(5)

صحيح: أخرجه الترمذى (2140) فى القدر، باب: ما جاء فى أن القلوب بين أصبعى الرحمن، من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 515

وكان يقول: «اللهم عافنى فى جسدى، وعافنى فى سمعى وبصرى، واجعلهما الوارث منى، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» «1» رواه الترمذى.

وكان يقول: «اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد، ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» «2» رواه النسائى.

وكان يقول: «اللهم إنى أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون» «3» . رواه فى الموطأ.

وكان يدعو: «اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عنى الدين وأغننى من الفقر، وأمتعنى بسمعى وبصرى وقوتى، وتوفنى فى سبيلك» «4» رواه فى الموطأ.

وكان- صلى الله عليه وسلم يتعوذ فيقول: «اللهم إنى أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذبك من فتنة المحيا والممات» «5» . رواه الشيخان من حديث أنس. وفى رواية أبى داود «اللهم إنى أعوذبك من الهم والحزن وضلع الدين وغلبة الرجال» «6» .

(1) ضعيف الإسناد: أخرجه الترمذى (3480) فى الدعوات، باب: ما جاء فى جامع الدعوات. من حديث عائشة- رضى الله عنها-، وقال الألبانى: ضعيف الإسناد.

(2)

صحيح: أخرجه النسائى (1/ 51) فى الطهارة، باب: الوضوء بماء الثلج. من حديث عائشة وأصله فى الصحيح، وقال الألبانى: صحيح الإسناد.

(3)

أخرجه مالك فى الموطأ فى النداء، باب: عن الدعاء فى الصلاة المكتوبة، عن مالك أنه بلغه، والترمذى (3233) فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة ص. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(4)

أخرجه مالك فى الموطأ (493) فى النداء للصلاة، باب: ما جاء فى الدعاء، عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه

الحديث.

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (2823) فى الجهاد والسير، باب: ما يتعوذ من الجبن، ومسلم (2706) فى الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من العجز والكسل. من حديث أنس بن مالك- رضى الله عنه-.

(6)

ضعيف: أخرجه أبو داود (1555) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

ص: 516

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، ومن سيئ الأسقام» «1» رواه أبو داود والنسائى، من حديث أنس.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم» «2» . رواه مسلم من حديث عائشة.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذبك من هذه الأربع» «3» رواه الترمذى والنسائى من حديث ابن عمرو بن العاص.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك» «4» ، رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضا.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم» «5» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» «6» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة أيضا.

(1) صحيح: أخرجه أبو داود (1554) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، والنسائى (5493) فى الاستعاذة، باب الاستعاذة من الجنون، من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(2)

تقدم.

(3)

صحيح: أخرجه النسائى (8/ 263) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(4)

صحيح: أخرجه مسلم (2739) فى الذكر والدعاء، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

(5)

صحيح: أخرجه أبو داود (1544) في الصلاة، باب: فى الاستعاذة، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(6)

ضعيف: أخرجه أبو داود (1546) فى الصلاة، باب: الاستعاذة، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

ص: 517

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» «1» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى هريرة أيضا.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو، وشماتة الأعداء» «2» . رواه النسائى.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردى ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت فى سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» «3» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى اليسر.

وكان يتعوذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك «4» . رواه النسائى.

وكان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نجعلك فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» «5» . رواه أبو داود.

وكان يعوذ الحسن والحسين ويقول- «إن أبا كما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق» - «أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» «6» . رواه البخارى والترمذى.

(1) حسن: أخرجه أبو داود (1547) فى الصلاة، باب: الاستعاذة. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(2)

ضعيف: أخرجه أبو داود (1555) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى، فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(3)

صحيح: أخرجه أبو داود (1552) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، من حديث أبى اليسر- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(4)

صحيح: أخرجه النسائى (8/ 271) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة، من عين الجان، من حديث أبى سعيد- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(5)

صحيح: أخرجه أبو داود (1537) فى الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا خاف قوما، من حديث عبد الله بن قيس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(6)

صحيح: أخرجه البخارى (3371) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: «واتخذ الله إبراهيم خليلا» . من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

ص: 518

وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه- صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى:

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «1» ووجوب عصمته، وأجيب:

بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة فى قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «2» . ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته وللتشريع، والله أعلم.

وكان- صلى الله عليه وسلم عند الكرب- وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه ويغمه. - يدعو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين ورب العرش العظيم» «3» رواه البخارى. وفى رواية:

«لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرضين ورب العرش الكريم» .

قال الطيبى: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية، ومنه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التى تدل على تمام القدرة، والحلم الذى يدل على العلم.

إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية.

انتهى. وكان- صلى الله عليه وسلم إذا همه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: «سبحان الله العظيم» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء. فالجواب: إن التعرض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارة بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء عليه. وقد قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان:

أأذكر حاجتى أم قد كفانى

حياؤك إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوما

كفاه من تعرضك الثناء

(1) سورة الفتح: 2.

(2)

سورة النصر: 1.

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (6345) فى الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

ص: 519

قال سفيان الثورى: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء، فكيف بالخالق.

وكان- صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: «يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث» «1» رواه أبو داود من حديث أنس.

وقال- صلى الله عليه وسلم: «ما كربنى أمر إلا تمثل لى جبريل فقال: يا محمد قل:

توكلت على الحى الذى لا يموت، والحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا» «2» رواه الطبرانى عن أبى هريرة. وتقدم فى المقصد الثامن مزيد لذلك.

وكان- صلى الله عليه وسلم يقول فى الضالة: «اللهم رادّ الضالة وهادى الضالة أنت تهدى من الضلالة، اردد علىّ ضالتى بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك» «3» . رواه الطبرانى فى الصغير من حديث ابن عمر.

وكان- صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما «4» . رواه أبو داود عن أنس: وقال أبو موسى الأشعرى- كما عند البخارى- دعا النبى- صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه «5» . وعنده أيضا من حديث ابن عمر: رفع- صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» «6» .

(1) أخرجه الترمذى (3524) فى الدعوات، من حديث أنس- رضى الله عنه-، وقال الترمذى: حديث غريب.

(2)

ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (7/ 52) و (10/ 258) وقال: رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف.

(3)

ذكره الهيثمى فى «المجمع» (10/ 133) وقال: رواه الطبرانى فى الثلاثة، وفيه عبد الرحمن بن أبى عباد المكى، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

(4)

أخرجه أبو داود (1487) فى الصلاة، باب: الدعاء، وقال الشيخ الألبانى: صحيح بلفظ جعل ظاهر كفيه مما يلى وجهه وباطنهما مما يلى الأرض.

(5)

أخرجه البخارى (تعليقا) فى الدعوات، باب: رفع الأيدى فى الدعاء.

(6)

صحيح: أخرجه البخارى (4339) فى المغازى، باب: بعث النبى خالد بن الوليد إلى بنى خزيمة. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

ص: 520

لكن فى حديث أنس «لم يكن النبى- صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى شئ من دعائه إلا فى الاستسقاء» «1» وهو حديث صحيح. ويجمع بينه وبين ما تقدم:

بأن الرفع فى الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان فى حذو الوجه مثلا، وفى الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت فى كل منهما «حتى يرى بياض إبطيه» بل يجمع: بأن تكون رؤية البياض فى الاستسقاء أبلغ منها فى غيره، وإما أن الكفين فى الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال الحافظ عبد العظيم المنذرى: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. انتهى.

وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود أنه- صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا دعا حذو منكبيه. وفى رواية ابن ماجه: وبسطهما. وهذا يقتضى أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف. قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التى وردت فى رفع اليدين فى الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء. وروى ابن عباس: كان- صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلى وجهه. رواه الطبرانى فى الكبير بسند ضعيف.

وهل يمسح بهما وجهه؟ أما فى القنوت فى الصلاة فالأصح، لا، لعدم وروده فيه، قال البيهقى: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئا، وإن روى عن بعضهم فى الدعاء خارج الصلاة، وقد روى فيه عن النبى- صلى الله عليه وسلم خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم فى الدعاء خارجها، فأما فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى أن لا يفعله.

وقد دعا- صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» «2» . رواه البخارى. وفى «الأدب المفرد» له، عن أنس قال: قالت أم

(1) صحيح: أخرجه البخارى (1031) فى الجمعة، باب: رفع الإمام يده فى الاستسقاء، من حديث أنس- رضى الله عنه-.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (6334) فى الدعوات، باب: قول الله تعالى وصل عليهم.. من حديث أنس- رضى الله عنه-.

ص: 521

سليم- وهى أم أنس-: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له» «1» .

وفى الصحيح: إن أنسا كان فى الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل- وقيل- سنة ثلاث- وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو المعتمد. وأكثر ما قيل فى سنه: أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه بلغ تسعا وتسعين سنة. وأما كثرة ولده، فروي مسلم قال أنس:«فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادون على نحو المائة اليوم» «2» . وورد فى حديث رواه الشيخان «أن أنسا قال: أخبرتنى ابنتى أمينة- بضم الهمزة وفتح الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون- أنه دفن من صلبى إلى مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون» .

وقال ابن قتيبة فى «المعارف» : كان بالبصرة ثلاث ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة بن بدر، وأنس، وزاد غيره رابعا: وهو المهلب بن أبى صفرة.

وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لى النبى- صلى الله عليه وسلم: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له» ، فقد دفنت من صلبى مائة واثنين، وإن ثمرتى لتحمل فى السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة «3» . وأخرج الترمذى عن أبى العالية فى ذكر أنس: وكان له بستان يؤتى فى كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك «4» .

ورجاله ثقات.

ودعا- صلى الله عليه وسلم لمالك بن ربيعة السلولى أن يبارك له فى ولده، فولد له

(1) صحيح: وقد تقدم.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2481) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أنس. من حديث أنس بن مالك.

(3)

أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (7/ 20) .

(4)

صحيح: أخرجه الترمذى (3833) فى المناقب، باب: مناقب أنس بن مالك- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 522

ثمانون ذكرا، رواه ابن عساكر. وأرسل- صلى الله عليه وسلم إلى على يوم خيبر، وكان أرمد، فتفل فى عينيه وقال:«اللهم أذهب عنه الحر والبرد» ، قال: فما وجدت حرّا ولا بردا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناى «1» .

وبعث- صلى الله عليه وسلم عليّا إلى اليمن قاضيا فقال: يا رسول الله، لا علم لى بالقضاء، فقال:«ادن منى» ، فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال:«اللهم اهد قلبه وثبت لسانه» ، قال على: فو الله ما شككت فى قضاء بين اثنين «2» ، رواه أبو داود وغيره.

وعاد- صلى الله عليه وسلم عليّا من مرض فقال: «اللهم اشفه اللهم عافه» ، ثم قال:

«قم» ، قال على: فما عاد لى ذلك الوجع بعد «3» . رواه الحاكم وصححه البيهقى وأبو نعيم. ومرض أبو طالب، فعاده النبى- صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخى ادع ربك الذى تعبد أن يعافينى، فقال:«اللهم اشف عمى» ، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخى، إن ربك الذى تعبد ليطيعك، فقال:«وأنت يا عماه لئن أطعت الله ليطيعنك» . رواه ابن عدى والبيهقى وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرد به الهيثمى، وهو ضعيف. ودعا- صلى الله عليه وسلم لابن عباس:«اللهم فقهه فى الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل» «4» . رواه البغوى وابن سعد. وفى البخارى: «اللهم علمه الكتاب» «5» فكان عالما بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه فى الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى. وقال للنابغة الجعدى لما قال:

(1) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (9/ 122) وعزاه للطبرانى فى الأوسط.

(2)

صحيح: أخرجه ابن ماجه (2310) فى الأحكام، باب: ذكر القضاة. من حديث على ابن أبى طالب- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .

(3)

أخرجه الترمذى (3564) فى الدعوات عن رسول الله، باب: فى دعاء المريض، من حديث على بن أبى طالب- رضى الله عنه-، ولفظه.. اللهم عافه أو اشفه- شكية الشاك- فما اشتكيت وجعى بعد قال الترمذى: وهذا حديث حسن صحيح. وقال الألبانى: ضعيف.

(4)

صحيح: بمعناه، وانظر ما بعده.

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (75) فى العلم، باب: قول النبى اللهم علمه الكتاب. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

ص: 523

ولا خير فى حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمى صفوه أن يكدرا

ولا خير فى علم إذا لم يكن له

حكيم إذا ما أورد الأمر أصدرا

«لا يفضض الله فاك» «1» أى لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرا. رواه البيهقى. وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن، وفى رواية ابن أبى أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرا وإذا سقطت له سن، نبتت له أخرى، وعند ابن السكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته- صلى الله عليه وسلم.

وسقاه- صلى الله عليه وسلم عمرو بن أحطب ماء فى قدح قوارير، فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال:«اللهم جمله» ، فبلغ ثلاثا وتسعين سنة وما فى لحيته ورأسه شعرة بيضاء «2» ، رواه الإمام أحمد من طريق أبى نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس فى لحيته شعرة بيضاء «3» .

وصححه ابن حبان والحاكم.

وأخرج البيهقى عن أنس أن يهوديّا أخذ من لحية النبى- صلى الله عليه وسلم فقال:

«اللهم جمله» . فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد الرزاق:

أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودى للنبى- صلى الله عليه وسلم ناقة، فقال:«اللهم جمله» ، فاسود شعره، حتى صار أشد سوادا من كذا وكذا. قال معمر:

وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم يشب. أخرجه ابن أبى شيبة وأبو داود فى المراسيل والبيهقى وقال: مرسل شاهد لما قبله. وقال- صلى الله عليه وسلم لابن الحمق الخزاعى، وقد سقاه- صلى الله عليه وسلم:«اللهم متعه بشبابه» ، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء، رواه أبو نعيم وغيره.

(1) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 126)، وقال: رواه البزار، وفيه يعلى بن الأشدق، وهو ضعيف.

(2)

أخرجه أحمد (5/ 340) من حديث أبى زيد الأنصارى- رضى الله عنه-.

(3)

أخرجه أحمد (5/ 340) من حديث أبى زيد الأنصارى- رضى الله عنه-.

ص: 524

وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها- صلى الله عليه وسلم ووضع يده على صدرها ثم قال:«اللهم مشبع الجاعة لا تجع فاطمة بنت محمد» قال عمران بن حصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على الصفرة فى وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره يعقوب بن سليمان الأسفراينى فى دلائل الإعجاز. ودعا- صلى الله عليه وسلم لعروة بن الجعد البارقى فقال:«اللهم بارك فى صفقة يمينه» قال فما اشتريت شيئا قط إلا وربحت فيه.

وقال لجرير وكان لا يثبت عل الخيل، وضرب فى صدره:«اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا» . قال فما وقعت عن فرسى بعد «1» . وقال لسعد بن أبى وقاص: «اللهم أجب دعوته» . فكان مجاب الدعوة. رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط. ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس، زاد البيهقى من وجه آخر، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة «2» . الحديث.

قال القاضى عياض: وقد فتح الله عليه ومات فحفر الذهب فى تركته بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكن أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن لأنه طلقها فى مرض موته على ثمانين ألفا. وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته، وعوارفه العظيمة، أعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير، وردت عليه تحمل من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها.

وذكر المحب الطبرى، مما عزاه للصفوة عن الزهرى: أنه تصدق بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس فى سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة فى سبيل الله،

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3020) فى الجهاد والسير، باب: حرق الدور والنخيل. من حديث جرير- رضى الله عنه-.

(2)

أخرجه أحمد (3/ 271) من حديث عبد الرحمن بن عوف- رضى الله عنه-.

ص: 525

وكان عامة ماله من التجارة. ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز- وهو الدم بالوبر- حتى استعطفته قريش.

ولما تلى- صلى الله عليه وسلم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «1» قال عتيبة بن أبى لهب.

كفرت برب النجم، «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» . فخرج عتيبة مع أصحابه فى عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر أسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: من أى شئ ترتعد؟ فو الله ما نحن وأنت فى هذا إلا سواء، فقال: إن محمدا دعا على، ولا والله ما أظلت هذه السماء من ذى لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يديه فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رؤسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس، ومات. ذكره يعقوب الأسفراينى: وتقدم فى ذكره أولاده- صلى الله عليه وسلم قصة بنحو هذه.

وعن مازن الطائى، وكان بأرض عمان، قلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحياء ويهب لى ولدا، فقال- صلى الله عليه وسلم:«اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وائته بالحياء، وهب له ولدا» قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لى حيان بن مازن. رواه البيهقى.

ولما نزل- صلى الله عليه وسلم بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال- صلى الله عليه وسلم: «قطع صلاتنا قطع الله أثره فأقعد فلم يقم» «2» . رواه أبو داود والبيهقى، لكن سنده ضعيف.

(1) سورة النجم: 1.

(2)

ضعيف: أخرجه أبو داود (706) فى الصلاة، باب: ما يقطع الصلاة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

ص: 526

وأكل رجل عنده بشماله فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، قال:

«لا استطعت» فما رفعها إلى فيه بعد «1» . والرجل هو بسر- بضم الموحدة وسكون المهملة- ابن راعى العير، بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية.

وطلب- صلى الله عليه وسلم معاوية، فقيل له إنه يأكل، فقال فى الثانية:«لا أشبع الله بطنه» ، فما شبع بطنه أبدا «2» ، رواه البيهقى من حديث ابن عباس، وكان معاوية رديفه يوما فقال:«يا معاوية، ما يلينى منك؟» قال: بطنى؟ قال:

«اللهم املأه علما وحلما» . رواه البخارى فى تاريخه. وقال لابن ثروان:

«اللهم أطل شقاءه وبقاءه» فأدرك شيخا كبيرا شقيّا يتمنى الموت.

وكم له- صلى الله عليه وسلم من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضى عياض بابا فى الشفاء ذكر فيه طرفا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفراينى فى كتابه «دلائل الإعجاز» فكم أجابه الله تعالى إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله.

وأما حديث أبى هريرة عند البخارى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» «3» فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء- صلى الله عليهم وسلم- من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أن لكل نبى دعوة مجابة فقط.

وأجيب: بأن المراد بالإجابة فى الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهم على رجاء الإجابة. وقيل: معنى قوله «لكل نبى

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2021) فى الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامها، من حديث سلمة بن عمرو بن الأكوع- رضى الله عنه-.

(2)

صحيح: أصله فى مسلم (2604) فى البر والصلة، باب: من لعنه النبى أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (6304) فى الدعوات، باب: لكل نبى دعوة مستجابة، ومسلم (199) فى الإيمان، باب: اختباء النبى دعوة الشفاعة لأمته. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

ص: 527

دعوة» أى أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة فى أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة:

فمنها ما يستجاب ومنها لا يستجاب. وقيل: لكل نبى منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «1» وقول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي «2» ، وقول سليمان: رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إشارة إلى قوله: قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب.

وأما قول الكرمانى فى شرحه على البخارى: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبى- صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لكل نبى دعوة مستجابة، وإجابة الباقى فى مشيئة الله تعالى، فقال العينى: هذا السؤال لا يعجبنى، فإن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبى- صلى الله عليه وسلم مستجابة. وقوله:«لكل نبى دعوة مستجابة» لا ينفى ذلك، لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه- صلى الله عليه وسلم دعا بشئ فلم يستجب.

وفى هذا الحديث بيان فضيلة نبينا- صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره، - صلوات الله وسلامه عليهم-.

وظاهر الحديث يقتضى أنه- صلى الله عليه وسلم أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طلبها فحصل من النبى- صلى الله عليه وسلم فى الدنيا حكاه صاحب مزيد الفتح.

وقد أمر الله النبى- صلى الله عليه وسلم بالترقى فى مراتب التوحيد بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «3» فإنه ليس أمرا بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم بذلك،

(1) سورة نوح: 26.

(2)

سورة مريم: 5، 6.

(3)

سورة محمد: 19.

ص: 528

ولا بالثبات، لأنه معصوم، فتعين أن يكون للترقى فى مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أن العلم به تعالى والسير إليه لا نهاية له أبدا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية فى العالم منتظم فى سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا اكتفى بعلمها له- صلى الله عليه وسلم فى الآية فالشأن كله فى تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى له- صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «1» وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «2» ، لأنه لا بد فى أول السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هى المرادة بقوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «3» ، والمرتبة الثانية هى المرادة بقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «4» وفى استيفاء مباحث ذلك طول، يخرج عن الغرض، وقد تقدم جملة من أذكاره- صلى الله عليه وسلم مفرقة فى الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك.

وقد كان- صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه فى اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة «5» . كما رواه عنه أبو هريرة عند البخارى. وظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه- صلى الله عليه وسلم يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثانى ما أخرجه النسائى بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر: أنه سمع النبى- صلى الله عليه وسلم يقول: «أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه» فى المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله: من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنا لنعد لرسول الله- صلى الله عليه وسلم فى المجلس: «رب اغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور» ، مائة مرة «6» . ويحتمل أن يريد بقوله فى حديث أبى هريرة «أكثر من سبعين

(1) سورة المزمل: 8.

(2)

سورة الأعراف: 205.

(3)

سورة المزمل: 8.

(4)

سورة الأعراف: 205.

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (6307) فى الدعوات، باب: استغفار النبى فى اليوم والليلة. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(6)

صحيح: أخرجه الترمذى (3434) فى الدعوات، باب: ما يقول إذا قام من المجلس، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 529

مرة» المبالغة. ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ «أكثر» مبهم، فيمكن أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع فى طريق أخرى عن أبى هريرة، من رواية معمر عن الزهرى بلفظ «إنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة» لكن خالف معمر أصحاب الزهرى فى ذلك.

نعم أخرج النسائى أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبى سلمة بلفظ: «إنى لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» «1» . وأخرج النسائى أيضا من طريق عطاء، عن أبى هريرة: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإنى أتوب إليه فى اليوم مائة مرة» «2» .

واستغفاره- صلى الله عليه وسلم تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك، وتقدم ما ينتظم فى سلك ذلك. فإن قلت: ما كيفية استغفاره- صلى الله عليه وسلم؟.

فالجواب: أنه ورد فى حديث شداد بن أوس، عند البخارى: رفعه «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . قال:

«من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقنا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» «3» فتعين أن هذه الكيفية هى الأفضل، وهو- صلى الله عليه وسلم لا يترك الأفضل.

وأما قراءته- صلى الله عليه وسلم وصفتها، فكانت مدّا، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم «4» . رواه البخارى عن أنس: ونعتتها أم سلمة: قراءة

(1) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (10268) .

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2702) فى الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (6306) فى الدعوات، باب: أفضل الاستغفار. من حديث شداد بن أوس- رضى الله عنه-.

(4)

صحيح: أخرجه البخارى (5046) فى فضائل القرآن، باب: مد القراءة. من حديث أنس- رضى الله عنه-.

ص: 530

مفسرة حرفا حرفا «1» . رواه أبو داود والنسائى والترمذى. وقالت أيضا: كان- صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «2» ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «3» ثم يقف «4» . رواه الترمذى: وقالت حفصة:

كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها «5» . رواه مسلم. وقال البراء: كان يقرأ فى العشاء وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ «6» فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه- صلى الله عليه وسلم «7» . رواه الشيخان.

فقد كانت قراءته- صلى الله عليه وسلم ترتيلا لا هذا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنى بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانا، كما رجع يوم الفتح فى قراءة إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «8» . وحكى عبد الله بن مغافل ترجيعه: ثلاث مرات «9» ، ذكره البخارى.

وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» «10» ،

(1) ضعيف: أخرجه الترمذى (2923) فى فضائل القرآن، باب: ما جاء كيف كانت قراءة النبى، والنسائى (1022) فى الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت. من حديث أم سلمة- رضى الله عنها-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .

(2)

سورة الفاتحة: 1.

(3)

سورة الفاتحة: 2.

(4)

صحيح: أخرجه الترمذى (2927) فى القراآت، باب: فى فاتحة الكتاب. من حديث أم سلمة- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(5)

صحيح: أخرجه مسلم (733) فى صلاة المسافرين، باب: جواز النافلة قائما وقاعدا.

(6)

سورة التين: 1.

(7)

صحيح: أخرجه البخارى (769) فى الأذان، باب: القراءة فى العشاء، ومسلم (464) فى الصلاة، باب: القراءة فى العشاء. من حديث البراء- رضى الله عنه-.

(8)

سورة الفتح: 1.

(9)

صحيح: أخرجه البخارى (4281) فى المغازى، باب: أين ركز النبى الراية يوم الفتح، من حديث عبد الله بن مغافل- رضى الله عنه-.

(10)

صحيح: أخرجه النسائى (2/ 179) فى الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت. من حديث البراء- رضى الله عنه-. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

ص: 531

وقوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» «1» . وقوله: «ما أذن الله لشئ كإذنه لنبى حسن الصوت يتغنى القرآن» «2» . أى ما استمع الله لشئ كاستماعه لنبى يتغنى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن يأذن أذنا بالتحريك. علمت أن هذا الترجيع منه- صلى الله عليه وسلم كان اختيارا، لا اضطرارا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغافل يحكيه ويفعله اختيارا ليتأسى به وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول:«كان يرجع فى قراءته» فنسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا.

وقد استمع- صلى الله عليه وسلم ليلة لقراءة أبى موسى الأشعرى، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا. أى حسنته وزينته بصوتى تزيينا. وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله «زينوا القرآن بأصواتكم» من باب القلب، أى: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك تأييدا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شئ حلية، وحلية القرآن حسن الصوت» «3» . والله أعلم. وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة اختلافا كثيرا يطول ذكره، وفصل النزاع فى ذلك أن يقال: إن التطريب والتغنى على وجهين.

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خلا فى ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى للنبى- صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا،

(1) صحيح: أخرجه البخارى (7527) فى التوحيد، باب: قول الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (7482) فى التوحيد، باب: قول الله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده

من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(3)

ضعيف: أخرجه عبد الرزاق فى الجامع، والضياء عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (4722) .

ص: 532

والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التخزين والتطريب فى القراءة. ولكن النفوس تستجلبه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذى كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنى المحمود، وهو الذى يتأثر به التالى والسامع.

والوجه الثانى: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس فى الطبائع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعليم والتكلف، فهذه هى التى كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها.

وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التى هى على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم اتقى لله من أن يقرؤا بها ويسوغوها، ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرؤن بالتخزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقراءة، ويقرؤنه بسجاياهم تارة، وتطريبا أخرى، وهذا أمر فى الطباع، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضى الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه- صلى الله عليه وسلم، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال:

«ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى.

والمعروف فى كلام العرب أن التغنى إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع، كما قال الشاعر:

تغن بالشعر إذا ما كنت قائله

إن الغناء لهذا الشعر مضمار

وروى ابن أبى شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعا: «تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه» «1» . الحديث والله أعلم. وقد صح أنه- صلى الله عليه وسلم سمع أبا موسى

(1) ذكره الحافظ فى «الفتح» (9/ 71) .

ص: 533

الأشعرى يقرأ فقال: «لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود» «1» . يعنى من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعانى. وفى طريق آخر- كما تقدم- أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا «2» . قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير عند المبالغة فى التحبير، لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته.

وقد كان داود- عليه السلام إذا أراد أن يتكلم على بنى إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتى النساء، ثم يأمر سليمان فينادى فى الضواحى والنواحى والآكام والأودية والجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرا إلى الصحراء، فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتى الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ فى الثناء على الله بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ فى النياحة على المذنبين فتموت طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبى الله، قد استجر الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادى منادى سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو حميم فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتى فتقف على زوجها أو ابنها أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود فى اليوم الثانى قال: يا سليمان، ما فعل عباد بنى إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلم جرا. فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا ربّ داود، أغضبان أنت على داود حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفا منك أو شوقا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، وأقام داود- عليه السلام على ذلك ما شاء الله تعالى.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (5048) فى فضائل القرآن، باب: حسن الصوت بالقراءة للقرآن، ومسلم (793) فى صلاة المسافرين، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن. من حديث أبى موسى- رضى الله عنه-.

(2)

صحيح: وقد تقدم.

ص: 534

ولا تظن بما ذكرته من حال بنى إسرائيل أنهم فى ذلك أعلى من هذه الأمة، فأما المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبى موسى الأشعرى- رضى الله عنه-، وأما الموت من الموعظة شوقا أو خوفا فلنا فيه طريقان:

أحدهما: أن نقول إن القوة التى أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية بل القوة الروحانية، والتأييدات الإلهية. فلفرط قوة هذه الأمة- إن شاء الله تعالى- تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها، لتوالى أحوال الذكر وأطوار اليقين. وقد قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذى فرق بينهم وبين من قبلهم. ألا ترى أن داود وسليمان- عليهما السلام وهما أصحاب المزامير- لم يتفق لهما الموت كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما فى الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية التى أمدهما بها. ولا خلاف بأن داود- عليه السلام وإن لم يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته، وأما نواحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذى يزيده شرفا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقد رأى إنسانا يبكى من الموعظة فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. عبر عن القوة بالقسوة تواضعا، ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة.

والطريق الثانى: أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة مثل ما اتفق فى مجلس داود- عليه السلام من موت المستمعين للذكر فى مجلس السماع قديما وحديثا، ولأبى إسحاق الثعلبى جزء فى قتلى القرآن رويناه، وعندى من ذلك جملة أرجو تدوينها، بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكى أن مريدا لأبى تراب النخشبى كان يتجلى له الحق تعالى فى كل يوم مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد لرأيت أمرا عظيما، فلما ارتحل المريد مع شيخه أبى تراب النخشبى لأبى يزيد

ص: 535

ووقع بصر المريد عليه وقع ميتا، فقال له أبو تراب يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد كان يدعى رؤية الحق فقال له أبو يزيد قد كان صاحبك صادقا، وكان الحق يتجلى له على قدر مقامه، فلما رآنى تجلى له على قدر ما رأى، فلم يطق فمات. واصطلاح أهل الطريق فى التجلى معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية علية ولم يكونوا يعنون بالتجلى رؤية البصر التى قيل فيها لموسى- عليه السلام على خصوصيته- لَنْ تَرانِي «1» والتى قيل فيها على العموم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «2» . وإذا فهمت أن مرادهم الذى أثبتوه غير المعنى الذى حصل منه الناس على اليأس فى الدنيا، ووعد الخواص به فى الآخرى، فلا ضير بعد ذلك عليك. ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولى السرائر. انتهى ملخصا.

وإذا علمت هذا فاعلم أن السماع فى طريق القوم معروف، وفى الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب فى «القوت» عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا الجنيد، والسرى وذى النون، واحتج له الغزالى فى «الإحياء» بما يطول ذكره، خصوصا فى أوقات السرور المباحة، تأكيدا له وتهييجا، كعرس وقدوم غائب، ووليمة وعقيقة وحفظ قرآن، وختم درس أو كتاب أو تأليف.

وفى الصحيحين من حديث عائشة: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان فى أيام منى تدففان وتضربان، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف- صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال:«دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» «3» . وفى رواية: دخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وعندى جاريتان

(1) سورة الأعراف: 143.

(2)

سورة الأنعام: 103.

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (988) فى الجمعة، باب: إذا فاته العيد يصلى ركعتين، ومسلم (892) فى صلاة العيدين، باب: الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه فى أيام العيد. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

ص: 536

تغنيان بغناء يوم بعاث- بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلاثة- اسم حصن للأوس، وبالمعجمة تصحيف، أى تنشدان الأشعار التى قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه- صلى الله عليه وسلم وقال: «دعهما» . واستدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بالة وبغير آلة.

وتعقب: بأن فى الحديث الآخر عند البخارى عن عائشة: «وليستا بمغنيتين» «1» فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيا، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح.

قال القرطبى: قولها- يعنى عائشة-: «ليستا بمغنيتين» أى ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين، وهو الذى يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا إذا كان فى شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف فى تحريمه. قال: وأما ما ابتدعته الصوفية فى ذلك فمن قبيل ما لا يختلف فى تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت فى كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنىّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة. انتهى.

والحق: أن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمن للصفات العلية، أو النعوت النبوية المحمدية، عريّا عن الآلات المحرمة، والحظوظ

(1) صحيح: أخرجه البخارى (952) فى الجمعة، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

ص: 537

الخسيسة الغبية، والشبه الدنية، وآثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه، بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل، لئلا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن فى غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف، إلا نادرا.

وقد نقل عن الإمام الشافعى ومالك وأبى حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطانى، وإذا كان النظر فى السماع باعتبار تأثيره فى القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما فى القلب، وهو لمن يرتقى لربه ترقية مثير للكامن فى النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «1» فما كان فى القلب من رقة ووجد وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنا لذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار سيما فى أرباب البدايات.

وقد شوهد تأثير السماع حتى فى الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم، فقد شوهد تدلى الطيور من الأغصان على أولى النغمات الفائقة، والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه فى سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادى، وأعياه الإعياء تحت الحمل إذا سمع منادى الحداء يمد عنقه ويصغى إلى الحادى، ويسرع فى سيره، وربما أتلف نفسه فى شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه.

(1) سورة الأعراف: 172.

ص: 538

وقد حكى مما ذكره فى «الإحياء» عن أبى بكر الدينورى: أن عبدا أسود قتل جمالا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محملة أحمالا ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام فى ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل وقطع حباله وحصل له ما غيبه عن حسه، حتى خر لوجهه. فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج، زائد فى غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذا البهائم تتأثر بالنغمات، فتأثير النفوس الإنسانية أولى. وقد قال:

نعم لولاه ما ذكر العقيق

ولا جابت له الفلوات نوق

نعم أسعى إليك على جفونى

تدانى الحى أو بعد الطريق

إذا كانت تحن لك المطايا

فماذا يفعل الصب المشوق

فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدى على الوفوى حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطا لقلوب المريدين وترويحا لأسرار السالكين، فإن النفوس- كما قدمناه- لها حظ من الألحان، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية بهذه النغمات الفائقة والأوزان الرائقة، تشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوى المحمدى، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف.

تنبيه: زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيرا.

والحجة عن ذلك: أن جلال القرآن لا تحتمله القوى البشرية المحدثة، ولا تحتمله صفاتها المخلوقة، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدعت وتحيرت، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، والشعر نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما فى الأبيات من الإشارات واللطائف، شاكل بعضها بعضا فكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق. قاله أبو نصر السراج «1» .

(1) هو عبد الله بن على الطوسى أبو نصر السراج زاهد صوفى على طريقة السنة. توفى سنة (378 هـ) . الأعلام (4/ 104) ، شذرات الذهب (3/ 91) ، معجم المطبوعات (1017) .

ص: 539