الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الطّائف]
وفي هذه السّنة وهي العاشرة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى (الطّائف) ، إلى ثقيف، وأقام فيهم شهرا يدعوهم إلى الله، وسألهم أن يمنعوه، فردّوا عليه قوله، واستهزؤوا به، فسألهم أن يكتموا عنه لئلّا تشمت به/ قريش، فلم يفعلوا.
فلمّا انصرف عنهم أغروا به سفهاءهم يصيحون خلفه ويسبّونه، حتّى اجتمعوا عليه، وألجؤوه إلى حائط «1» ، فاشتدّ كربه لذلك صلى الله عليه وسلم ودعا حينئذ بدعاء الكرب:«لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم» ، ثمّ قال:
«اللهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس يا أرحم الرّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني «2» ، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة [من] أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «3» حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» .
فنزل عليه جبريل عليه السلام، وقال: إنّ الله قد سمع قولك وسمع قولهم، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره فيهم بما شئت، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم
(1) الحائط: البستان.
(2)
يتجهّمني: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
(3)
العتبى: الاسترضاء بالرّجوع عن الذّنب والإساءة.
من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «1» .
وروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم أشدّ عليك من يوم (أحد) ؟ قال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت] «2» ، وكان أشدّ ما لقيت منهم [يوم العقبة]، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل- أي: بتحتيّة مكرّرة- ابن عبد كلال- أي: بالضّم- فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا ب (قرن الثّعالب)«3» ، فرفعت رأسي، وإذا سحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني وقال:
إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثمّ قال: / يا محمّد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟» أي: جبلي
(1) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 6/ 35. وأخرج مسلم برقم (1795/ 111) بعضه. عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
لقد لقيت من قومك: قال صاحب السّيرة الحلبيّة، ج 1/ 357: أي: أهل ثقيف كما هو المتبادر. ثمّ رأيت الحافظ ابن حجر قال: المراد بقوم عائشة في قوله: «لقد لقيت من قومك» : قريش لا أهل الطّائف الّذين هم ثقيف، لأنّهم كانوا السّبب الحامل على ذهابه صلى الله عليه وسلم لثقيف، ولأنّ ثقيفا ليسوا قوم عائشة رضي الله عنها. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج 1/ 514) .
(3)
قرن الثّعالب: اسم موضع قرب مكّة. وأصل القرن: كلّ جبل صغير منقطع من جبل كبير. ولعلّه سمّي بذلك لكثرة الثّعالب فيه.