الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأمّا أسامة فقال: يا رسول الله، أهلك، والله ما نعلم إلّا خيرا.
وأمّا عليّ فقال: يا رسول الله، لن يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال:«يا بريرة، هل رأيت في عائشة شيئا يريبك؟» ، قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ.
فائدة [: في حرص الصّحابة على إراحة خاطره صلى الله عليه وسلم]
قال العلماء: إنّما رأى عليّ رضي الله عنه من النّبيّ صلى الله عليه وسلم انزعاجا وقلقا، فأراد راحة خاطره.
قلت: وممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشدّ عليهم من كلّ أمر: أنّ عمر لمّا قال للأنصاريّ: أجاء الغسانيّ؟
قال: بل أشدّ، اعتزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم نساءه «1» .
[خطبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشأن الإفك]
قالت عائشة/: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في النّاس واستعذر من عبد الله بن أبيّ «2» ، فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهل بيتي إلّا خيرا، ولقد ذكروا
(1) أخرجه البخاريّ، برقم (5505) . قلت: ونصّ الخبر في «البخاريّ» ؛ قال عمر رضي الله عنه: (فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فلقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، فقال: افتح
…
افتح، فقلت:(جاء الغسّانيّ؟)، فقال: بل أشدّ من ذلك؛ اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة
…
) . (أنصاريّ) .
(2)
استعذر: طلب العذر في قتله.
رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا» .
فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان «1» في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفّضهم حتّى سكتوا.
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة.
قالت: وأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما «2» ، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء «3» ، فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت
(1) تثاور الحيّان: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب.
(2)
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ، ج 8/ 474: أي: اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أمّ مسطح الخبر، واليوم الّذي خطب النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّاس، واللّيلة الّتي تليه.
(3)
قال السّهيليّ في «الرّوض الأنف» ، ج 4/ 23: كان نزول براءة عائشة رضي الله عنها بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسّرين، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ، ج 1/ 475: عن ابن حزم: أنّ المدّة كانت خمسين يوما أو أزيد. والله أعلم.
بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه» .
فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أدري ما أقول له، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:
والله ما أدري ما أقول له، فقلت: والله لئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم ذلك- لا تصدّقوني بذلك، وقد استقرّ في أنفسكم ما تحدّث به النّاس، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أنّي منه لبريئة لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف- والتمست اسم يعقوب فدهشت «1» - إذ قال/: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [سورة يوسف 12/ 18] .
قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّ الله سيبرّئني، وما كنت أظنّ أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من ذلك، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما قام من مجلسه حتّى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء «2» ، من ثقل الوحي، ثمّ سرّي عنه وهو يضحك، وقال:«أبشري يا عائشة، فقد برّأك الله» ، فقلت: لا أحمد إلّا الله الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه» .
قال العلماء: فبيّنت أنّهم لا حمد لهم بالنّسبة إلى براءتها لعلمهم بحسن سيرتها.
(1) دهش المرء: ذهب عقله من وله أو فزع أو حياء.
(2)
البرحاء: الشّدّة الّتي كانت تصيبه عند نزول الوحي.
(3)
أخرج البخاريّ قصّة حديث الإفك، برقم (3910- 4473) .