المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الرابعة: جوز الشافعي رحمه الله، والقاضيان، وأبو علي - إعمال المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة - الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي - جـ ٣

[تاج الدين ابن السبكي - تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌(الكتاب الأول: في الكتاب

- ‌(الباب الأول: في اللغات

- ‌الفصل الأول: في الوضع)

- ‌أحدها: سببه:

- ‌الأمر الثاني: في الموضوع:

- ‌الأمر الثالث: الموضوع له:

- ‌الأمر الرابع: في فائدة الوضع:

- ‌الأمر الخامس:

- ‌(الفصل الثاني: في تقسيم الألفاظ

- ‌تنبيهات:

- ‌(فائدة):

- ‌خاتمة:

- ‌(الفصل الثالث: في الاشتقاق

- ‌الاشتقاق في اللغة:

- ‌فوائد:

- ‌فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور:

- ‌فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور:

- ‌(الفصل الرابع: في الترادف

- ‌ توالي الألفاظ

- ‌الأول: اللفظي:

- ‌الثاني(1): التأكيد المعنوي:

- ‌فائدتان:

- ‌(الفصل الخامس: في الاشتراك)

- ‌المشترك:

- ‌ الأولى: في إثباته

- ‌(الثانية: إنه خلاف(3)الأصل وإلا لم يُفْهم ما لم يُسْتَفْسَر

- ‌(الثالثة: مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض

- ‌(الرابعة: جَوَّز الشافعي رحمه الله، والقاضيان، وأبو علي - إعمالَ المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة

- ‌(الخامسة: المشترك إنْ تَجَرَّدَ عن القرينة فمجمل

- ‌(الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز

- ‌الحقيقة الشرعية:

- ‌والمنقولة الشرعية:

- ‌فائدة:

- ‌تنبيه:

- ‌فائدة:

- ‌فائدتان:

- ‌خاتمة:

- ‌ المجاز إما أن يقع في مفرداتِ الألفاظ فقط، أو في تركيبها فقط(3)أو فيهما جميعًا:

- ‌(الثالثة: شَرْط المجاز العلاقة المعتبرُ نوعُها

- ‌الجهة الأولى: السببية:

- ‌العلاقة الثانية: المسببية:

- ‌العلاقة الثالثة: المشابهة:

- ‌العلاقة الرابعة: المضادة:

- ‌العلاقة الخامسة: الكلية:

- ‌العلاقة السادسة: الجزئية:

- ‌العلاقة السابعة: الاستعداد

- ‌العلاقة الثامنة: المجاورة:

- ‌العلاقة العاشرة: الزيادة

- ‌العلاقة الحادية عشر: النقصان:

- ‌العلاقة الثانية عشر: التعلق:

- ‌(الرابعة: المجاز بالذات لا يكون في الحرف

- ‌(الخامسة: المجاز خلاف الأصل

- ‌خاتمة:

- ‌(السادسة: يُعدل إلى المجاز لثِقَل لفظ الحقيقة:

- ‌(السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا:

- ‌(الثامنة: علامة الحقيقة سبق الفهم، والعراء عن القرينة)

- ‌(الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم

- ‌الأحوال اللفظية المخلة بالإفهام:

- ‌ التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه

- ‌(الأول: النقل أولى من الاشتراك لإفراده

- ‌(الثاني: المجاز خير منه

- ‌(الثالث: الإضمار خيرٌ منه

- ‌(الرابع: التخصيص خيرٌ

- ‌(الخامس: المجاز خير من النقل

- ‌(السادس: الإضمار خير منه

- ‌(السابع: التخصيص أولى لما تقدم

- ‌(الثامن: الإضمار مثل المجاز

- ‌(التاسع: التخصيص خير

- ‌(العاشر: التخصيص خير من الإضمار

- ‌(الفصل الثامن(1): في تفسير حروف يُحتاج إليها

- ‌ الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة

- ‌خاتمة:

- ‌(الثانية: الفاء للتعقيب إجماعًا

- ‌فرع:

- ‌(الثالثة: "في" للظرفية ولو تقديرًا

- ‌(الرابعة: "مِنْ" لابتداء الغاية

- ‌(الخامسة: الباء تُعَدِّي اللازم

- ‌(السادسة: إنما للحصر؛ لأنَّ "إنَّ" للإثبات، و"ما" للنفي

- ‌فائدة:

- ‌(الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ

- ‌ الأولى: لا يخاطبنا الله بالمهمل؛ لأنه هذيان

- ‌(الثانية: لا يُعْنَى خلاف الظاهر من غير بيان

- ‌(الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه:

- ‌فائدة:

- ‌(الرابعة: تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عن غيره

- ‌فائدة:

- ‌قاعدة:

- ‌(الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ}

- ‌(السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص)

- ‌خاتمة:

- ‌(السابعة: النص إما أن يستقل ىإفادة الحكم أوْ لا

الفصل: ‌(الرابعة: جوز الشافعي رحمه الله، والقاضيان، وأبو علي - إعمال المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة

فيصدق أنه مشترك بين الشيء ولازمه

(1)

(2)

.

قال: ‌

‌(الرابعة: جَوَّز الشافعي رحمه الله، والقاضيان، وأبو علي - إعمالَ المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة

. ومنعه أبو هاشم، والكرخي، والبصري، والإمام).

اختلف أهل العلم في صحة إطلاق اللفظة الواحدة، من متكلم واحد، في وقت واحد، إذا كانت مُشْتَرَكة

(3)

بين معنيين على المعنيين معًا: فذهب الشافعي

(4)

رضي الله عنه، والقاضيان أبو بكر الباقلاني، وعبد الجبار بن أحمد

(5)

، وأبو علي الجبائي - إلى صحة ذلك بطريق الحقيقة، بشرط أن لا يمتنع الجمع لأمرٍ خارج كما في الضدين، والنقيضين

(6)

. وإلى هذا أشار

(1)

فالكلام النفساني ملزوم، واللساني لازم.

(2)

انظر المسألة في: المحصول 1/ ق 1/ 367، التحصيل 1/ 213، الحاصل 1/ 326، نهاية السول 2/ 121، السراج الوهاج 1/ 318، شرح الأصفهاني 1/ 213، مناهج العقول 1/ 228.

(3)

في (ص): "مشتركًا".

(4)

وكذا مالك رضي الله عنه. انظر: شرح تنقيح الفصول ص 114.

(5)

هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الحسن الهَمَذانيّ الأسَداباذِيّ، العلَّامة المتكلم، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية. كان إمام الاعتزال في زمانه، وتخرَّج به خَلْقٌ في الرأي الممقوت. من مصنفاته: دلائل النبوة، التفسير، طبقات المعتزلة، المغني، شرح الأصول الخمسة، وغيرها. توفي بالرَّيِّ سنة 415 هـ. انظر: سير 17/ 244، تاريخ بغداد 11/ 113، الطبقات الكبرى 5/ 97، طبقات المفسِّرين 1/ 256، لسان الميزان 3/ 386.

(6)

انظر: التلخيص 1/ 231، المحصول 1/ ق 1/ 371، المعتمد 1/ 301.

ص: 652

المصنف بقوله: "الغير المتضادة" أي: أنه ليس محل الخلاف في المتضادة. وإدخال الألف واللام على "غير" ليس بشائع

(1)

(2)

. ولم يتعرض المصنف للنقيضين

(3)

؛ لأن الإمام زعم أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركًا بين الشيء ونقيضه

(4)

. (والحق جوازه)

(5)

، وقد مُثِّل لذلك بلفظة "إلى" على رأي مَنْ زعم

(6)

أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.

وما استدل به المانع من أنَّ اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهومَيْه، والتردد حاصل قبل وضع اللفظ له وسماعه، فيكون وضع اللفظ لهما عبثًا

(7)

- ضعيف؛ لأنا نمنع حَصْر الفائدة فيما ذكره من التردد، وهذا

(1)

في (غ): "بسائغ".

(2)

قال في المصباح المنير 2/ 112 مادة (غير): وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} . إنما وصف بها المعرفة (يَقْصد الاسم الموصول في قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ})؛ لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها ووُصف بها المعرفة، ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام، لأنها لما شابهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة - جاز أن يدخلها ما يُعَاقِب الإضافة وهو الألف واللام. ولك أن تمنع الاستدلال وتقول: الإضافة هنا ليست للتعريف، بل للتخصيص، والألف واللام لا تفيد تخصيصًا، فلا تعاقب إضافة التخصيص، مثل: سوى وحسب، فإنه يضاف للتخصيص، ولا تدخله الألف واللام. اهـ. وانظر: آداب البحث والمناظرة ق 2/ 27.

(3)

يعني: لم يقل المصنف في متنه: الغير المتضادة والمتناقضة.

(4)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 368.

(5)

سقطت من (ص)

(6)

في (ت): "يزعم".

(7)

هذا دليل الإمام رحمه الله تعالى في مَنْع وَضْع المشترك للنقيضين: وهو أن اللفظ =

ص: 653

لأنه كما يفيد التردد بين مفهوميه، يفيد أيضًا إخراج ما عداهما عن أن يكون مرادَ المتكلم، ألا ترى أن قوله تعالى:{إِلَى الْمَرَافِقِ}

(1)

كما يفيد التردد بين دخول المرفق وعدمه على تقدير أن يكون مشتركًا بينهما يفيد أيضًا إخراج العضد عن الأمر بالغَسْل، فدعوى أن الوضع لهما

(2)

عبث عَرِيةٌ عن التحقيق.

ولو سلمنا انحصار الفائدة فيما ذكره لكن يحصل بعد الوضع من الفائدة ما لا يحصل قبله، وهو تَعَيُّن أحدِهما بأدنى قرينةٍ حاليةٍ أو مقالية، بخلاف ما قَبْل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك

(3)

.

سلمنا صحة الدليل

(4)

لكن إنْ كان الواضع الله تعالى فلا يُعَلَّل

(5)

، ولعل فيه فائدة لم نَطَّلِع

(6)

على غامض سرها. وإنْ كان العِبَادَ فالدليل إنما ينفي ما يكون مشتركًا بينهما بوضعِ قبيلةٍ واحدة، لا ما يحصل بوضع

= لا بُدَّ وأن يكون بحالٍ متى أُطْلق أفاد شيئًا، وإلا كان عبثًا، والمشترك بين النفي والإثبات لا يفيد إلا التردد بين النفي والإثبات، وهذا معلوم لكل أحد، وحاصل قبل سماع اللفظ، فيكون اللفظ المشترك بين النقيضين خالٍ عن الفائدة، وهو عبث.

(1)

سورة المائدة: الآية 6.

(2)

أي: للمعنيين المتناقضين.

(3)

يعني: قبل وضع اللفظ المشترك بين النقيضين لا يزول التردد بالقرينة الحالية، أو المقالية؛ لأنهما لا تفيدان قبل وضع اللفظ المشترك.

(4)

وهو دليل المانع من أن اللفظ المشترك بين النقيضين لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه. . . إلخ.

(5)

في (ص): "فلا تعلل".

(6)

في (غ)، و (ك):"يُطَّلَع".

ص: 654

قبيلتين

(1)

.

وأما المتضادة فَمَثَّل بعضهم لها "بالقرء" وهو فاسد؛ لأن الشارع إذا قال: اعْتَدِّي بقرء لم يمتنع أن تعتد بالطهر والحيضة، وإنْ كانا ضدين في نفسهما. والمثال الصحيح لذلك صيغة: افعل، عند مَنْ يجعلها حقيقةً في الطلب، وفي التهديد، فإنها مشتركة إذَنْ بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما، ولا الحمل عليهما. وقد يُمَثَّل له بما إذا قال: اعتدي بقرء في خمسة عشر يومًا

(2)

.

هذا أحد المذاهب في المسألة، أعني: أنه

(3)

يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، بشرط أن لا يكونا ضدين ولا نقيضين. وهو المختار عند المصنف.

وذهب أبو هاشم، والكرخي، وأبو الحسين البصري، والإمام فخر الدين، وغيرهم إلى امتناع ذلك

(4)

.

(1)

لأن التردد لا يتحقق بوضع قبيلتين، إذ كل قبيلة تقصد معنى معينًا، فلا يصح إطلاق اللفظ على المعنيين في آن واحد؛ لمخالفته للوضع اللغوي.

(2)

فهنا لا يمكن الجمع بين الطهر والحيض، وكل منهما يحتمل أن يكون هو المراد، وهذا بناءً على قول الشافعية ومَنْ وافقهم بأن أقصى مدة الحيض خمسة عشر يومًا، وإلا فعلى قول الحنفية الذين يجعلون أقصى مدة الحيض عشرة أيام، يتعين حمل "القرء" على الطهر.

(3)

سقطت من (ت).

(4)

وهو الذي يُعَبَّر عنه بأنه لا عموم للمشترك، وهو مذهب الحنفية. انظر: كشف الأسرار للنسفي 1/ 139، المعتمد 1/ 300، 301، المحصول 1/ ق 1/ 371، 372.

ص: 655

ثم اختلف المانعون في سبب المنع، فمِنْ قائلٍ: سبب المنع أمر يرجع إلى القصد، أي: لا يصح أن يُقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازًا، ولكنه يمكن أن يُقْصَد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة، ويكون قد خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد، ولكل أحدٍ أنْ يُطلِق لفظًا ويريدَ به ما شاء

(1)

. وهذا ما ذهب إليه الغزالي

(2)

، وأبو الحسين البصري

(3)

.

ومِنْ قائلٍ سببه

(4)

الوضع الحقيقي [واختاره الإمام]

(5)

أي: أن

(1)

يعني: مَنْ أطلق اللفظ المشترك على معنييه - فقد ابتدأ وضعًا جديدًا ليس له أصل في اللغة. وقوله: "ولكل أحدٍ أن يطلق لفظًا ويريد به ما شاء"، يعني به أن مثل هذا الإطلاق خارج عن الوضع اللغوي.

(2)

انظر: المستصفى 3/ 290 - 292.

(3)

انظر: المعتمد 1/ 301.

(4)

سبب المنع لعموم المشترك.

(5)

عبارة: "واختاره الإمام" وردت في (ص)، و (ك)، و (غ): متقدمة على هذا المكان، إذ وردت بعد قوله:"وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصرى، واختاره الإمام". وقد وردت العبارة كذلك في (ت)، إلا أنه سقط منها لفظة "الإمام". وهذا العزو إلى الإمام - بناءً على هذه الجملة - غير صحيح؛ فإنه قال في المحصول 1/ ق 1/ 373:"ثم اختلفوا (أي: المانعون): فمنهم مَنْ منع منه لأمر يرجع إلى القصد. ومنهم مَنْ منع منه لأمرٍ يرجع إلى الوضع، وهو المختار". فاتضح بهذا النقل أن مَحَلَّ هذه الجملة إنما هو بعد قوله: "ومن قائل: سببه الوضع الحقيقي". وسيشير الشارح - رحمه الله تعالى - بعد قليل إلى رأي الغزالي وأبي الحسين - رحمهما الله تعالى - من غير أن يضم إليهما ذكر الإمام، وقد ذكر الشارح أيضًا رأي الغزالي =

ص: 656

الواضع لم يضع اللفظ المشترك على الجميع

(1)

بل على البدل، فلا يصح إطلاقه بطريق الحقيقة على الجميع، ولكن يجوز أن يُرَاد به جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة مشعرةٍ بذلك، وهذا ما اختاره ابنُ الحاجب

(2)

.

= وأبي الحسين في جمع الجوامع، ولم يَعْزُ ما قالاه إلى الإمام. انظر: جمع الجوامع مع المحلي 1/ 296، فَعُلم مِنْ هذا أن تقديم هذه الجملة سهو من النساخ، والله تعالى أعلم بالصواب، على أن نسخة (ت) لم تعز مقالة الغزالي وأبي الحسين إلى الإمام إلا أن فيها ركاكة، إذ الجملة في (ت) كما هو واضح:"وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري واختاره". ولعل ناسخ (ت) أدرك الخطأ في هذه النسبة وحذف لفظة الإمام، وعلى كل فالصواب في وضع العبارة: إما أن تؤخر كما فعلت، وهو الأقرب والأحسن، والموافق لكلام الشارح في شرحه هذا وغيره. أو توضع الجملة كما في (ت) من غير نسبة إلى الإمام، إلا أن فيها ركاكة لا تليق بالشارح رحمه الله تعالى. تنبيه: وجدت في رفع الحاجب للشارح رحمه الله تعالى أنه قال: "وقال (أبو الحسين والغزالي) والإمام (يصح أن يراد) من اللفظ المشترك، وذي الحقيقة والمجاز - المعنيان (لا أنه لغة) فإن اللغة مانعة منه". رفع الحاجب 3/ 137. إلا أن المحقق فهم من لفظ الإمام إمام الحرمين، ولذلك ذكر في الهامش الاحالة على "البرهان" وهذا على مصطلح ابن الحاجب في "مختصره" فإنه يريد بـ "الإمام" إمام الحرمين كما قال الزركشي، انظر: تعليق الدكتور محمد مظهر بقا على بيان المختصر 1/ 164، ولكن كما هو واضح لفظة "الإمام" هنا ليست من كلام ابن الحاجب، بل هي من كلام الشارح.

(1)

في (غ)، و (ك):"الجمع".

(2)

انظر: بيان المختصر 2/ 161. وقد نقل الزركشي - رحمه الله تعالى - كلام الشارح من غير عزو إليه كما يفعل ذلك كثيرًا، من قوله سابقًا: "ثم اختلف المانعون في سبب المنع" إلى هذا الموطن ولم ينسب قول الغزالي وأبي الحسين إلى الإمام، بل ذكر الإمام في القائلين بأن سبب المنع هو الوضع الحقيقي، ولو كانت نسخة الزركشي =

ص: 657

وقال إمام الحرمَيْن ما نصه: "الذي أراه في اللفظ المشترك إذا ورد مطلقًا لم يُحْمل في مُوجِب الإطلاق على المحامل، فإنه صالح لإفادة آحاد المعاني على البدل، ولم يُوضَع وَضْعًا مُشْعِرًا بالاحتواء عليها، وادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل، وهذا القول يجري في الحقائق وجِهات المجاز

(1)

.

فإن قيل: أيجوز أن يراد به جميع محامله؟

قلنا: (لا يمتنع)

(2)

ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك، مثل: أن يذكر الذاكر محامل "العَيْن" فيذكر بعضُ الحاضرين لفظ "العين" ويتبيَّن مِنْ حاله أنه يريد تطبيقه (على ما جرى)

(3)

". انتهى

(4)

. وهو مُحْتَمِل لكل من المقالتين

(5)

المتقدمتين، وسياقه إلى اختيار الغزالي وأبي الحسين أقرب

(6)

(7)

.

= من "الإبهاج" فيها ذكر الإمام مع الغزالي وأبي الحسين لاستدرك عليه هذا الخطأ الواضح البيِّن، وهذا يؤكد ما أشرت إليه قريبًا، والله تعالى أعلم.

(1)

يعني: أن المشترك إذا ورد مطلقًا لا يصح أن يراد به جميع معانيه، لا حقيقة ولا مجازًا.

(2)

في (ت): "لا يمنع". وفي البرهان: "لا نمنع". وفي نسخةٍ منه: "لا يمتنع".

(3)

في البرهان: "على جميع ما جرى".

(4)

انظر: البرهان 1/ 344 - 345.

(5)

وهما ما سبق ذكرهما في سبب منع المانعين لعموم المشترك.

(6)

لاحظ أنه لم يذكر الإمام مع الغزالي وأبي الحسين، مما يدل على خطأ النسخ في المخطوطة في ذكره معهما سابقًا.

(7)

لأن قوله: "وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز" يدل على منعه لعموم المشترك سواء في معانيه الحقيقية أو المجازية، فقوله بعد ذلك: بأنه لا يمتنع حمله =

ص: 658

ومنهم: مَنْ منع من ذلك مطلقًا، وقال: لا يجوز أن يُرَاد باللفظ المشترك أكثر من معنى واحد في حالة واحدة، لا لغة ولا وضعًا جديدًا.

ثم عند المجوِّزين لا فرق بين المفرد والمجموع، والمُثبَت والمنفي. ومنهم من فرَّق، وسيأتي في كلام المصنف في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.

وهنا كلامان نَذْكُرهما قبل الخوض في الحِجاج:

أحدهما: أن هذا الخلاف في استعمال اللفظ المشترك في معنييه جارٍ في استعماله في مجازَيْه مثل أن يقول: والله لا أشتري. ويريد السوم، وشراء الوكيل

(1)

، كما صرح به الإمام أبو المظفر بن السمعاني

(2)

في "القواطع"

(3)

وغيرُه. وفي حقيقته ومجازه مثل: أن يُطْلِق النكاح ويريد به العقد والوطء جميعًا، وقد جرى الشافعي رضي الله عنه على منوالٍ واحدٍ فجوَّز

= على جميع معانيه - يدل على أن هذا الحمل خارج عن الوضع اللغوي. لكن قوله: "لا يمتنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك" فيه إشارة إلى جواز ذلك مجازًا؛ إذ القرينة أمارة المجاز، فلو صَرَّح كما صَرَّح الغزالي وأبو الحسين بأنه لا يمتنع ذلك إذا قصده ويكون خارجًا عن الوضع اللغوي - أمكن أن يُنسب له قولهما، لكن كلامه متردد، وهو إليهما أقرب.

(1)

أي: يريد بقوله: "لا أشتري" سومَ الشراء، وشراءَ الوكيل، وكلاهما مجازان.

(2)

هو الإمام العلَّامة أبو المظفَّر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميميّ السمعانيّ المروزيّ، مفتي خراسان، وشيخ الشافعية، وحيد عصره، وشافعي وقته. ولد سنة 426 هـ. من مصنفاته: الاصطلام، البرهان، الأمالي، منهاج أهل السنة، وغيرها. توفي رحمه الله سنة 489 هـ. انظر: وفيات 3/ 211، الطبقات الكبرى 5/ 335، سير 19/ 114.

(3)

انظر: القواطع 2/ 101.

ص: 659

استعمال اللفظ في حقيقتيه، وفي حقيقته ومجازه، وحَمْله

(1)

عند الإطلاق عليهما، وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من "الأم" عند الكلام، فيما إذا عُقِد لرجلين على امرأة ولم يُعْلم السابق منهما، ذَكر ذلك في باب الوصية من "المَطْلب"

(2)

.

وأما القاضي رحمه الله فَعَظُم نكيره على مَنْ يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا، وقال في تحقيق إنكاره: "اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أصل

(3)

اللسان، وإنما تصير مَجَازًا إذا تُجُوِّز بها عَنْ مقتضى الوضع، وتَخَيُّلُ

(4)

الجمع بين الحقيقة والمجاز محاولة

(5)

الجمع بين النقيضين"

(6)

، وهذا من القاضي تصريح بأنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معًا؛ لما يلزم منه من الجمع بين النقيضين

(7)

.

(1)

قوله: "وحَمْله"، معطوف على:"استعمال"، أي:"وجَوَّز حَمْلَه".

(2)

انظر: الأم 5/ 16، البحر المحيط 2/ 393.

(3)

في (ص): "أهل". وهو خطأ.

(4)

في (ص): "ويحيل". وهو خطأ.

(5)

العبارة كما في "البرهان": "كمحاولة".

(6)

انظر: البرهان 1/ 344، والعبارة لا توجد في التلخيص 1/ 230، ولا في التقريب والإرشاد الصغير 1/ 422.

(7)

عزو هذا القول للقاضي بهذا الإطلاق فيه نظر، بل القاضي يُجَوِّز إرادة الحقيقة والمجاز إذا قصدهما المتكلم، أما إذا قصد الحقيقة فقط أو المجاز فقط - فهنا يمتنع الجمع بينهما يقول رحمه الله تعالى: "كل لفظة تنبئ عن معنيين: فإن كانا متناقضين لا يتحقق اجتماعهما - فلا تجوز إرادتهما باللفظة الواحدة. وكل معنيين غير متناقضين تنبئ اللفظة عن كل واحدٍ منهما فتجوز إرادتهما باللفظة وإن أُطلقت مرة واحدة. ثم =

ص: 660

الثاني: أن محل الخلاف في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي العددي، أي: في كل فردٍ فردٍ، وذلك بأن يَجْعَله يدل على كلٍ منهما على حدتِه بالمطابقة في الحالة التي يدل على المعنى الآخر بها، وليس المراد الكلي المجموعي أي: يَجْعَل مجموع المعنيين مدلولًا مطابقيًا

(1)

(كدلالة الخمسة على آحادها، ولا الكلي البدلي أي: يجعل كل واحد مدلولًا مطابقيًا)

(2)

على البدل، ذكره صاحب "التحصيل"

(3)

.

= كما يجوز إرادة معنيين بلفظة واحدة وضعت لهما حقيقة، فكذلك يجوز إرادة معنيين بلفظ هو حقيقة في أحدهما مجاز في الثاني". التلخيص 1/ 231. وقال أيضًا:"مُطْلِق هذا اللفظ (أي: المشترك) لو خطر له قَصْر اللفظ على الحقيقة، أو قصر اللفظ على المجاز - لم يُتَصَوَّر الجمع بين المعنيين، فلا يتقرر استعماله على حقيقة مع الجمع بينها (في نسخة التلخيص: بينهما. وهو خطأ) وبين وجه التجوز، فإن الحقيقة تقتضي قَصْرها، والتجوز يقتضي تعديتها عن أصل وضعها فافهم ذلك. واعلم أن إرادة الجمع إنما تصح ممن لم يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز، ولكن يقتصر على إرادة المسيس من غير تعرض لوجه الاستعمال حقيقة وتجوزًا". التلخيص 1/ 232. وإذا كان من لم يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز يصلح حمل لفظه عليهما - فحمل اللفظ عليهما من قصدهما من باب أولى، ويدل عليه قول القاضي أيضًا بعد ذلك: "فإنا نعلم قطعًا جواز إرادة المختلِفَيْن غير المتناقِضَيْن معًا، وجاحد ذلك مفصح بالعناد". التلخيص 1/ 234. ويقصد بالمختلفين إرادة الحقيقتين، أو المجازين، أو الحقيقة والمجاز كما هو مُصَرَّح من السياق قبله. وانظر: التقريب والإرشاد الصغير 1/ 422 - 427، وانظر: البحر المحيط 2/ 402. وكلام القاضي وما نقله الزركشي في تفسيره يحتاج إلى تروٍ وتأمل، حتى لا يُفهم على خلاف مراده، والله أعلم بالصواب.

(1)

في (ت): "مطابقًا".

(2)

سقطت من (ت).

(3)

انظر: التحصيل 1/ 214.

ص: 661

وقال الأصفهاني في "شرح المحصول" إنه رأى في تصنيفٍ آخرَ لصاحب "التحصيل" أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي، فإن أكثرهم صَرَّحُوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى

(1)

.

قال: (لنا: الوقوع في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}

(2)

والصلاة

(3)

من الله مغفرة، ومن غيره استغفار. قيل: الضمير

(4)

متعَدِّد فيتعدد الفعل. قلنا: مَعْنًى لا لفظًا، وهو المدعى).

استدل على جواز استعمال اللفظ المشترك

(5)

في معنييه بوقوعه

(6)

في آيتين:

إحداهما: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق

(7)

، ومن الملائكة

(1)

انظر: البحر المحيط 2/ 395، 396، نهاية السول 2/ 127، وقد بَيَّن الشيخ المطيعي بأن القول الأول هو الصحيح، وأما القول بأن الخلاف في الكلي المجموعي فهو ضعيف جدًا، بل وهم.

(2)

سورة الأحزاب: الآية 56.

(3)

في (ص): "وهي".

(4)

أي: الضمير في {يُصَلُّونَ} وهو واو الجماعة.

(5)

في (ص): "للمشترك". وهو خطأ.

(6)

في (ص): "في وقوعه". وهو خطأ.

(7)

للعلماء في تفسير الصلاة من الله تعالى أقوال عدة: كالرحمة، والثناء، والبركة، =

ص: 662

الاستغفار

(1)

، وهما مفهومان متغايران؛ فيكون لفظ الصلاة مشتركًا بينهما، وقد أُطْلِق عليهما دفعة واحدة، فإنه أسندها إلى الله تعالى، وإلى الملائكة.

فإن قلت: لو كان معنى الصلاةِ المغفرةَ والاستغفارَ - لم يُعَدَّ بعَلَى؛ لأنهما لا يُعَدَّيان إلا باللام، تقول: غفرتُ لزيد، واستغفرت له. ولا تقول: غفرت عليه، واستغفرت عليه.

قلت: لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلى.

واعلم أنه وقع في بعض نسخ المنهاج: "والصلاة من الله تعالى مغفرة" كما أوردناه، وهو الذي أورده الغزالي

(2)

، وفي بعضها "رحمة" وكذلك ذكر

(3)

الإمام

(4)

، والتعبير "بمغفرة" أحسن؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء بخير

(5)

، وهو محال من الله تعالى، فَحُمِل على المغفرة.

وأما حَمْله على الرحمة فغير ممكن؛ لأن حقيقة الرحمة: رقة القلب،

= وغيرها، ولعل الشارح - رحمه الله تعالى - يقصد بالاتفاق كون هذا المعنى من جملة معاني الصلاة من الله تعالى بالاتفاق. انظر: زاد المسير 6/ 398، 418، معاني القرآن للفراء 2/ 345، فتح القدير 4/ 300، لسان العرب 14/ 464، المصباح المنير 1/ 371، مادة (صلا).

(1)

ومن معاني صلاة الملائكة أيضًا: الدعاء. انظر: المراجع السابقة.

(2)

انظر: المستصفى 3/ 293، وكذا أورده صاحب الحاصل 1/ 330.

(3)

في (غ): "ذكره".

(4)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 375.

(5)

في (ك): "بالخير".

ص: 663

وهى مستحيلة في حق الله تعالى ولا تطلق عليه إلا مجازًا، ومَنْ فَسَّر الصلاة بالرحمة فرارًا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا العظيم، وصار كمن فسر قوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

(1)

بمعنى: جلس، فإنه فسر شيئًا ظاهره محال بالمحال

(2)

(3)

.

ولقائل أن يقول: إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء - فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز، فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لا في حقيقتيه، والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه، نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازُه في حقيقتيه.

واعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله: {يُصَلُّونَ}

(4)

فيه ضميران: أحدهما: عائد إلى

(5)

الله تعالى. والثاني: عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: إن الله يصلي وملائكته

(6)

يصلون. فلا يكون حينئذ اسْتَعْمل

(7)

اللفظ الواحد في معنييه، بل استعمل

(1)

سورة طه: الآية 5.

(2)

في (ك): "بمحال".

(3)

هذا على منهج المؤولة من الأشاعرة، ومال المتقدمون منهم إلى إثبات جميع الصفات مع نفي الظاهر المقتضي للتشبيه، فيثبتون جميع الصفات من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، فكما أن ذاته تعالى لا تشبهها الذوات فكذا صفاته تعالى.

(4)

سورة الأحزاب: الآية 56.

(5)

في (ص): "على".

(6)

في (ص): "والملائكة".

(7)

في (ت): "استعمال".

ص: 664

لفظين في معنيين، وليس النزع فيه.

وأجاب في الكتاب: بأن الفعل

(1)

لم يتعدد في اللفظ قطعًا، وإنما تعدد في المعنى، فاللفظ واحد والمعنى متعدد، وذلك عين الدعوى.

واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج: بجواز أن تكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار: وهو الاعتناء، وإظهار الشرف، فقال: "الأظهر عندنا أن هذا

(2)

إنما أُطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين: وهو العناية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، لشرفه، وحرمتِه والعنايةُ من الله تعالى مغفرة، ومن الملائكة استغفار ودعاء". قال:"وكذلك العذر عن السجود"

(3)

يعني: في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.

وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء

(4)

مجاز؛ لعدم تبادر الذهن إليه، والأصل عدم المجاز.

فإن قلت: لو لم نَحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز

(5)

، وإذا دار اللفظ بين التواطؤ وبين الاشتراك والمجاز فحَمْله على التواطؤ أولى.

(1)

وهو: {يُصَلُّونَ} .

(2)

أي: قوله تعالى: {يُصَلُّونَ} .

(3)

انظر: المستصفى 3/ 294، وكذا في كشف الأسرار للنسفي 1/ 139.

(4)

سقطت من (ت).

(5)

يعني: إما أن يكون إطلاق {يُصَلُّونَ} على المغفرة والاستغفار اشتراك أو مجاز.

ص: 665

قلت: إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة، من غير دليل مقتضٍ لأحدها بخصوصه، أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين، وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار؛ لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق

(1)

.

فإن قلت: سَلَّمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف، وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز، ولكن المجاز أولى من الاشتراك، فليُحمل عليه.

قلت: هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك؛ إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه، سواء أحملناه

(2)

على الاعتناء أم لم نحمله. نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي

(3)

.

واعْتُرِض على الاحتجاج بالآية أيضًا: بأنه يجوز أن يكون قد حُذف الخبر للقرينة، كقوله:

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راضٍ، والرأي مختلف

(4)

(1)

أي: ولم يتبادر إلى الاعتناء بإظهار الشرف.

(2)

في (ت). و (ص)، و (ك):"حملناه".

(3)

وحمله على مفهومه المجازي لا يمنع الاشتراك؛ إذ لا تعارض بين المعنى المجازي والاشتراك، فيبقى الاشتراك، ويكون هو المراد باللفظ.

(4)

تقدير الكلام: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. فراضون خبر "نحن" محذوف؛ لدلالة "راض" الذي هو خبر "أنت" عليه، فكذلك الآية. والبيت قائله قيس بن الخطيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية، على الصواب. قاله الشيخ محمد محيي الدين في تعليقه على ابن عقيل 1/ 245.

ص: 666

ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكتُه يصلون

(1)

.

وأجيب: بأن الإضمار خلاف الأصل. وهذا الجواب لا يَحْسن ممن يقول: الحمل على الجميع بطريق المجاز

(2)

؛ فإنه يُعْترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز، وهذا مجاز فلِمَ رَجَّح أحدَ المجازين على الآخر!

قال: (وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ}

(3)

الآية. قيل: حرف

(4)

العطف بمثابة العامل. قلنا: إنْ

(5)

سُلِّم فبمثابته (في العمل)

(6)

بعينه).

(1)

وإعراب الجملة كالتالي: إنَّ: حرف ناسخ. ولفظ الجلالة اسم إنَّ منصوب. يصلي: الفعل والفاعل في محل رفع خبر إن. وملائكته: الواو عاطفة. ملائكته مبتدأ، ويصلون: جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة المبتدأ والخبر جملة اسمية معطوفة على جملة: "إن الله يصلي" فيكون من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات، أي: ليست "ملائكته" معطوفة على لفظ "الجلالة"، هذا في حال تقدير رفع "ملائكته" وأن خبر "إن" يصلي، وأما في حال النصب فتكون معطوفة على لفظ الجلالة ويكون "يصلون" خبر "إنَّ"، فيكون العطف من باب عطف المفردات. انظر: شرح ابن عقيل 1/ 375.

(2)

أي: الجواب بأن الإضمار خلاف الأصل لا يحسن ممن يقول بحمل "يصلون" على المغفرة والاستغفار بطريق المجاز.

(3)

في (ك): {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} إلى آخر الآية.

(4)

في (غ)، و (ك):"حروف".

(5)

في (ك): "وإن".

(6)

لم ترد في نهاية السول 2/ 123، والسراج الوهاج 1/ 323، وشرح الأصفهاني 1/ 214. وسيشير الشارح رحمه الله تعالى إلى أن هذه الزيادة في بعض النسخ.

ص: 667

الآية الثانية: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}

(1)

.

وجه الاحتجاج: أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين، والسجود مشترك بين وضع الجبهة والخضوع

(2)

، فإما أن يراد به معنى غيرهما، أو وَضْع الجبهة وحده، أو الخضوع وحده، (أو يرادا)

(3)

معًا.

والكل باطل سوى القسم الرابع، فالأول: لكونه خلاف الأصل، إذ الأصل عدمه

(4)

، والثاني كذلك؛ لامتناع إسناده إلى كل واحد، والثالث كذلك؛ لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثيرٍ من الناس

(5)

بالذكر فائدة؛ إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات، فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية؛ فتعين الرابع، وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملًا في مدلولَيْه المختلِفَيْن دفعة واحدة، وهو المدَّعى.

واعْتُرِض على الاحتجاج بهذا: بأنَّا

(6)

لا نسلم أن هذا استعمال

(1)

سورة الحج: الآية 18.

(2)

انظر: لسان العرب 3/ 204، المصباح 1/ 286، مادة (سجد).

(3)

في (ت): "أو إما أن يرادا".

(4)

أي: الأصل عدم معنى غيرهما.

(5)

في قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} .

(6)

في (ت): "أنا".

ص: 668

للفظ

(1)

الواحد

(2)

في معانِيه، إنما هو استعمال ألفاظٍ متعددة؛ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل، فيكون التقدير: أن الله يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، إلى آخره. ولا نزاع في جواز ذلك

(3)

.

وأجاب عنه المصنف: بأنا أولًا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل، ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل - فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه

(4)

، وهو هنا

(5)

باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول

(6)

.

وفي بعض النسخ: "فبمثابته في العمل" أي: يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى

(7)

.

(1)

في (ت): "اللفظ".

(2)

سقطت من (ت).

(3)

أي: لا نزاع في جواز استعمال ألفاظٍ متعددة، في معانٍ مختلفة، والمعنى: ليس في الآية إعمالٌ للفظ المشترك في مدلوليه دفعة واحدة، بل يكون لفظ "يسجد" مستعملًا مرة في معنى، ومستعملًا مرة أخرى في معنى آخر. انظر: شرح الأصفهاني 1/ 220.

(4)

هذا الجواب على نُسَخ "المنهاج" التي ليس بها الزيادة المشار لها سابقًا، والجواب بدون الزيادة: إنْ سُلِّم فبمثابته بعينه.

(5)

سقطت من (ت).

(6)

وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} وهم الملائكة عليهم السلام.

(7)

وكذا أشار الإسنوي في نهاية السول 2/ 132 إلى هذه النُّسَخ. والمعنى: أن المعطوف والمعطوف عليه يشتركان في الإعراب، ولا يلزم من ذلك الاشتراك في المعنى من =

ص: 669

قال: (قيل: يحتمل وضعه للمجموع أيضًا فالأعمال في البعض. قلنا: فيكون المجموع مستندًا

(1)

إلى كل واحدٍ وهو باطل).

هذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين، ووجهه: أنه لا حجة فيما استدللتم به

(2)

؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وُضَع له

(3)

أيضًا، كما وضع للإفراد بل نقول: لا بد من هذا، وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له، وحينئذ فيكون السجود موضوعًا لثلاث معان: للخضوع منفردًا

(4)

. ولوضع الجبهة منفردًا، ولمجموعهما. وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالًا له في بعض ما وُضع له، وهو خلاف المدعى.

وأجاب: بأنه لو كان كذلك

(5)

للزم أن تكون المغفرة والاستغفار مُسْنَدًا

(6)

إلى كل واحدٍ من الله تعالى والملائكة، وهو واضح البطلان.

= كل وجه، إذ قد يحصل الاختلاف من بعض الوجوه. فمثلًا قولنا: جاء زيد وعمرو. الاشتراك في المجيء حاصل، لكن قد يكون مجيء أحدهما يختلف عن مجيء الآخر، إذ قد يكون أحدهما قد جاء راكبًا، والآخر ماشيًا مثلًا.

(1)

في (ك)، ونهاية السول 2/ 123، وشرح الأصفهاني 1/ 214:"مسندًا".

(2)

أي: على الاشتراك.

(3)

أي: للمجموع.

(4)

في (ت)، و (ك):"مفردًا".

(5)

أي: لو كان حمل اللفظ على المجموع، وعلى الإفراد حقيقة.

(6)

في (ص)، و (غ):"مستندا".

ص: 670

ويلزم أيضًا أن يكون معنى السجود: الذي هو وضع الجبهة على الأرض، والخضوع مُسْنَدًا

(1)

إلى الذواتِ

(2)

وهو باطل أيضًا. وفيه نظر، فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أُسْنِد المجموع

(3)

إلى واحد فقط، أما إذا اسْتُعْمِل في بعض المعاني مع اتحاد المسند إليه مثل: الطير يسجد، بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المسند إليه ليرجع كل واحد (إلى واحد)

(4)

(5)

فلا يلزم هذا المحذور، والدليلان المذكوران من هذا القبيل، فالأولى في الجواب أن يَمْنَع وَضْعَه للمجموع، وسَنَدُ المنع أنه خلاف الأصل؛ إذ يلزم منه الاشتراك؛ لأنه يكون موضوعًا لكل فردٍ و

(6)

للمجموع، والاشتراك على

(1)

في (ص): "مستندا".

(2)

في (ص): "الدواب". ويغلب على الظن أن ناسخ (ص) تصرف من عنده؛ إذ لعله ظن أنها مُصَحَّفة وأن الذوات خاص بالعقلاء وهم البشر، فأبدلها بالدواب، والمراد بالذوات هي الذوات المذكورة في الآية وهي قوله تعالى:{وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} . ويدل على ما قلتُ أن الإسنوي قال في شرحه 2/ 133: "وأجاب عنه المصنف: بأنه يلزم أن يكون المجموع من وضع الجبهة والخضوع مسندًا إلى كل واحدٍ من الشجر والدواب وغيره مما ذُكِر"، بل كلام الماتن رحمه الله تعالى صريح في هذا إذ يقول في جوابه:"قلنا: فيكون المجموع مستندًا إلى كل واحد، وهو باطل". فقوله: "إلى كل واحد" يدل على أن الشارح عبر بالذوات الشامل للجميع، لا بالدواب الخاص بواحد فقط. ومن الواضح أن لفظة "الدواب" ليست خطأ، والمعنى بها صحيح، ولكن الظاهر من كلام الماتن هو التعميم، فيكون تعبير الشارح بلفظ "الذوات" أقرب إلى المتن. والله أعلم.

(3)

أي: وَضْع الجبهة والخضوع، والمغفرة والاستغفار.

(4)

سقطت من (ت).

(5)

أي: ليرجع كل واحدٍ من المعاني إلى واحد من المسند إليه.

(6)

سقطت الواو من (غ).

ص: 671

خلاف الأصل.

قال: (احتج المانع: بأن الواضع إن لم يضع للمجموع

(1)

لم يجز استعماله فيه. قلنا: لِمَ لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع).

احتج مَنْ منع

(2)

استعمال اللفظ في حقيقتيه معًا: بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعًا لمجموع المعنيين معًا أيضًا

(3)

أوْ لا. إنْ كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع لا يكون استعمالًا له في جميع ما وضع له بل في البعض؛ لأن مدلول اللفظ حينئذ (هذا وحده)

(4)

(وهذا وَحْده)

(5)

، ومجموعهما من حيث هو كذلك، فالمجموع من حيث هو مجموع بعضُ ما وُضع له.

وإنْ كان الثاني

(6)

لم يجز استعماله فيه؛ لأنه حينئذ يكون استعمالًا للفظ في غير ما وضع له.

وأجاب في الكتاب: بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه، بل يكون الوضع لكل واحدٍ كافيًا في الاستعمال في

(1)

في (ت)، و (غ):"المجموع".

(2)

سقطت من (ت).

(3)

أي: كما أنه موضوع لكل معنى، فهو موضوع لمجموع المعنيين.

(4)

في (ص): "هذا وهذا وحده".

(5)

سقطت من (ت).

(6)

أي: إنْ كان موضوعًا لكل معنى على حدة، وليس لمجموع المعنيين معًا.

ص: 672

المجموع مجازًا. ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز، فلا يحسن ممن يجعله

(1)

حقيقة.

ويمكن تقرير الجواب على وجه آخر، فيقال: الوضع لكل واحدٍ كافٍ لاستعماله في الجميع، ويكون ذلك الاستعمالُ استعمالًا له

(2)

فيما وضع له؛ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ، ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع، وإنما يُشْترط ذلك أن لو كان المراد أنه

(3)

يكون مستعملًا في المجموع بحيث يكون المجموع مدلولًا مطابَقِيًا واحدًا، كدلالة الخمسة على آحادها

(4)

، ولكن ليس ذلك المدعى

(5)

. وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب "التحصيل" مِنْ حصر الخلاف في الكلي العددي

(6)

.

قال: (ومن المانعين مَنْ جَوَّز في الجمع

(7)

والسلب، والفرق ضعيف).

ليس كل مَنْ منع استعمال المشترك

(8)

في معنييه مَنَع مطلقًا، بل منهم

(1)

أي: ممن يجعل استعماله في معنييه.

(2)

سقطت من (ت)، و (غ).

(3)

في (غ)، و (ك):"به".

(4)

فالخمسة تدل على المجموع بالمطابقة، وعلى الأفراد بالتضمن، عكس ما نحن فيه.

(5)

أي: لا ندعي أن اللفظ وضع للمجموع بالمطابقة، بل بالتضمن؛ لأنه ما دام أنه وضع للأفراد بالمطابقة، فإنه يتضمن الوضع للمجموع.

(6)

انظر: التحصيل 1/ 214.

(7)

في (ص): "الجميع". وهو خطأ، لأن المراد الجمع الذي هو ضد المفرد.

(8)

سقطت من (ت).

ص: 673

من أطلق مَنْعَه، وقد تقدم البحث معه. ومنهم مَنْ فَرَّق، وافترق هؤلاء إلى فرقتين:

الفرقة الأولى: فَرَّقت بين النفي والإثبات، فقالت

(1)

: يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات.

واحتجوا: بأن النكرة في سياق النفي تعم؛ فيجوز أن يُراد به مدلولاته المختلفة.

وأجيب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مُقْتَضى الإثبات، ومُقْتَضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ (لا يعم السلبُ الجميع)

(2)

. فإنْ أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه. وإنْ أردتم أنه

(3)

يعم في أفراد مدلول واحدٍ، لا في أفراد المدلولات المختلفة - فمسلَّم، ولا يُجْديكم شيئًا

(4)

.

(1)

في (ك): "وقالت".

(2)

في (ص): "لا يعم السلب والجمع". وهو خطأ؛ لأن المعنى أن السلب لا يعم جميع معاني المشترك، بل ينفي المعنى الواحد المثبت فقط، ولا علاقة له بالمعاني الأخرى؛ لكونها غير ثابتة حتى تنفى.

(3)

سقطت من (ت).

(4)

يعني: إن أردتم بعموم السلب للمشترك أنه: ما يعم أفراد معنى واحد - فهذا العموم مُسَلَّم، ولكن هذا لا يُجْديكم، إذ ليس هو المشترك المصطلح عليه، فالمشترك المصطلح عليه: هو ما شَمَل معاني مختلفة، فعموم السلب له يكون شاملًا لجميع المعاني، لا لأفراد معنى واحد.

ص: 674

الفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد.

واحتجوا: بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد، فقولك:(ثلاث عيون)

(1)

- في قوة قولك: عين، وعين، وعين. فكما يجوز أن تُريد بالأولى

(2)

الجارية مثلًا، وبالثانية الباصرة، وبالثالثة عين الشمس - فكذا في الجمع.

وأجاب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد، ولو سلمناه

(3)

لكنه في حكم تعديد أفراد نوعٍ واحد، كما علم من استقراء اللغة. فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة، فكذلك استعمال الجمع

(4)

.

واعلم أن التثنية عند هذا المفصِّل مُلْحَقة بالجمع، والله أعلم.

قال: (ونُقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطًا).

(1)

في (ص): "ثلاثة عيون". وهو خطأ؛ لأن عيون مؤنث سماعي، لأن كلَّ عضوٍ في الإنسان زوجان فهو مؤنث.

(2)

في (ت)، و (ص):"بالأول". وهو خطأ، والصواب ما أثبته.

(3)

في (ت): "ولو سلمنا".

(4)

أي: أن المفردات التي هي: عين، وعين، وعين، لم يستعمل واحدٌ منها في أكثر من معنى، بل كل واحدٍ منها يستعمل في معنى مختلف عن الآخر، فكما لا يجوز استعمال المفرد الواحد في أكثر من معنى، فكذلك الجمع لا يجوز استعماله في أكثر من معنى.

ص: 675

الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بَيِّن، وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك: على جعل اللفظ دليلًا على المعنى، كتسمية الولد زيدًا. وهذا هو الوضع اللغوي، وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى

(1)

يصير فيه أشْهَرَ من غيره، وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة: الشرعي

(2)

، والعرفيين الخاص والعام.

والاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم

(3)

، وهو الحقيقة. أو غير مسماه لعلاقة وهو المجاز.

والحَمْل: اعتقاد السامع مرادَ المتكلم من لفظه، أو ما اشتمل على مراده

(4)

.

فالمراد

(5)

: كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر، واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد به

(6)

الحيض والمُشْتَمِل

(7)

نحو: حَمْلُ مَن يَحْمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن؛ لاشتماله على مراد المتكلم احتياطًا.

إذا عرفت ذلك فالوضع أمرٌ راجع إلى الواضع، وقد

(1)

في (ت): "حيث".

(2)

في (ص): "الشرعية".

(3)

أي: إرادة معنى اللفظ بما حَكَمَ به المتكلم.

(4)

يعني: فالحَمْل اعتقاد للمراد، أو اعتقاد لما يشتمل على المراد.

(5)

هذا تمثيل للجزء الأول من التعريف: اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه.

(6)

سقطت من (ص).

(7)

هذا تمثيل للجزء الثاني من التعريف: ما اشتمل على مراده.

ص: 676

سلف الكلام في وضع المشترك، والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه، والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول: اختلف مستعملو المشترك في معنيَيْه أنه هل يجب حمله على ذلك

(1)

إذا تجرد عن قرينة صارفة؟

فَنُقِل عن

(2)

الشافعي والقاضي وجوبُ ذلك

(3)

، ونقله الإمام في

(1)

أي: على معنييه.

(2)

سقطت من (ت).

(3)

في هذا النقل عن القاضي - رحمه الله تعالى - نظر؛ إذ صَرَّح في "التقريب والإرشاد" بخلافة، إذ قال:"فإن قيل: فهل يجب حمل الكلمة الواحدة التي يصح أن يراد بها معنى واحد، ويصح أن يُراد بها معنيان - على أحدهما، أو عليهما بظاهرها، أم بدليل يقترن بها؟ قيل: بل بدليل يقترن بها لموضع احتمالها للقصد بها تارة إليهما، وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتَمِل من القول، وليس بموضوع في الأصل لأحد مُحْتَمِلَيْه". التقريب والإرشاد الصغير 1/ 427. وقال في "التلخيص" 1/ 234: "فإنا نقول: إذا احتمل إرادةَ المعنيين، واحتمل تخصيصَ اللفظ بأحدهما - فيتوقف في معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع أو التخصيص"، ولذلك قال الزركشي - رحمه الله تعالى - بعد أن أورد هذا النقل من "التلخيص": "فظهر أن الصواب في النقل عن القاضي المذهب الثالث: وهو التوقف". البحر المحيط 2/ 395. ولذلك لما قال الشارح رحمه الله تعالى في جمع الجوامع كما في شرح المحلي عليه: (وعن القاضي) هو عند التجرد عن القرائن المعيِّنة والمُعَمِّمة (مجمل) أي غير متضح المراد منه (ولكن يُحمل عليهما احتياطًا). - قال البناني معلِّقًا على قوله: (مجمل ولكن يُحمل عليهما احتياطًا): كذا نقله عن القاضي الإمامُ الرازي، لكن الذي في "تقريبه" أنه لا يجوز حمله عليهما، ولا على أحدهما إلا بقرينة، ويبعد أن يقال: هذا مقيِّد لذلك. اهـ. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 296. وقول البناني: "ويبعد أن يقال: هذا مقيِّد لذلك" معناه والله أعلم: يبعد أن يقال إن القول بالحمل للاحتياط مقيِّد للإطلاق =

ص: 677

"مناقب الشافعي" عن القاضي عبد الجبار أيضًا

(1)

، والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع المُنَكَّر

(2)

عن الجبائي، فافهم ذلك. وحجتهم أنه لو لم يجب

(3)

فإما أن لا يُحْمَل على واحدٍ منها، ويلزم تعطيل النص أو يُحْمل على واحدٍ، وهو ترجيح بدون مرجح.

وقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مُجْملًا، وبه قال الإمام تفريعًا على القول بجواز الاستعمال

(4)

.

= بالمنع إلا بقرينة؛ إذ في نسبة هذا القول نظر؛ لأن كلامه في "التقريب" و"التلخيص" ينافيه. وهذا الذي نسبه الماتن إلى القاضي وتبعه عليه الشارح بل شراح المنهاج كالإسنوي، والجاربردي، والأصفهاني هو في الأصل - كما قال البناني - منقولٌ عن الإمام في المحصول 1/ ق 1/ 380، وانظر: نهاية السول 2/ 140، السراج الوهاج 1/ 329، شرح الأصفهاني 1/ 222، بل وهذا النقل عن القاضي موجود في كتب أخرى كالتحصيل 1/ 217، والحاصل 1/ 332، ونفائس الأصول 2/ 763، وغاية الوصول شرح لب الأصول ص 46، وهو كذلك في جمع الجوامع كما نقلت عنه، وهو أمر يدعو للغرابة والتأمل، وربما كَثْرة نقلِ هذا القول عن القاضي دون مراجعة كلامه أوقعت هؤلاء في مثل هذا. هذا ما ظهر للعبد الفقير كاتب هذه السطور، والله تعالى أعلم بالصواب.

(1)

سقطت من (ت).

(2)

سقطت من (ص).

(3)

أي: لو لم يجب حمل المشترك على معنييه.

(4)

أي: بجواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، فاللفظ يجوز أن يراد به جميع معانيه، ويجوز أن يراد به أحد معانيه، إذن فاللفظ من قبيل المجمل. فالإمام فَرَّع القول بالإجمال على قول مَن يقول بجواز الجمع بين المعنيين، ومذهبه هو المنع من ذلك كما سبق بيانه.

ص: 678

واحتج عليه: "بأنه إن

(1)

لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه. وإنْ كان موضوعًا له فهو أيضًا موضوعٌ لكلٍ من الأفراد، فاللفظ

(2)

دائرٌ بين كل واحدٍ من الفردين وبين المجموع، فيكون

(3)

الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحًا من غير مرجح. فإن قلت: حَمْلُه على المجموع أحوط فيجب الأخذ به. قلت: الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه"

(4)

هذا كلام الإمام.

واعترض عليه صاحب "التحصيل": بأن هذا ينفي جواز الاسنعمال

(5)

فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعًا على الجواز لا يستقيم

(6)

.

بقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به (هل هو للاحتياط)

(7)

أوْ لأنه عنده من باب العموم؟

(1)

في (ت): "لو". والمثبت موافق لما في "المحصول".

(2)

في (ت)، و (غ):"واللفظ".

(3)

سقطت من (ت).

(4)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 380.

(5)

أي: بأن هذا الاستدلال ينفي جواز استعمال المشترك في معانيه مع عدم القرينة؛ لأن المسألة مفترضة عند التجرد من القرينة.

(6)

انظر: التحصيل 1/ 217، والمعنى والله أعلم: أن هذا الاستدلال ينفي جواز استعمال المشترك في معانيه، كما ينفي وجوب حمل المشترك على معانيه، وهذا الاستدلال على نفي وجوب الحمل مبني على القول بجواز الاستعمال، فيكون على هذا قد استدل على نفي جواز الاستعمال بجواز الاستعمال، وهو تناقض.

(7)

في (ت): "هل إنه من باب الاحتياط".

ص: 679

اضطرب النقل فيه: فمِنْ ناقلٍ أنه من باب الاحتياط، وعليه جَرَى في الكتاب. ومِنْ ناقلٍ أنه عندهم من باب العموم، وبه يُشْعر إيراد إمام الحرمين، فإنه صَدَّر كلامه بقوله:"ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمولٌ على حميع معانيه"

(1)

، وعليه جرى الغزالي فقال:"الاسم المشترك بين مسميَيْن لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للشافعي والقاضي"

(2)

، وتَبِعه الآمدي

(3)

، وقد قَدَّمنا أن القاضي فَصَل بين الحقيقة والمجاز، فلم يقل بالحمل [فيهما]

(4)

وبين المشترك، فقال بالحمل فيه

(5)

. ويحصل بهذا التفصيل في الحملِ مذاهب:

أحدُها: حمل اللفظ على معنييه سواء أكان

(6)

أحدهما مجازًا، أم كانا حقيقتين، وهو رأي الشافعي. والثاني عكسه. والثالث: التفصيل، وهو رأي القاضي

(7)

.

(1)

انظر: البرهان 1/ 343.

(2)

انظر: المستصفى 1/ 290.

(3)

أي: تبعه في نسبة القول بالعموم إلى الشافعي والقاضي. انظر: الآمدي 1/ 22.

(4)

في (ت)، و (ص)، و (ك)، و (غ):"فيها". وهو خطأ؛ لأن المعنى أنه لم يقل بالحمل على الحقيقة والمجاز معًا في آن واحد، وهذا النقل عن القاضي غير صحيح كما سبق بيانه.

(5)

أي: بحمل اللفظ المشترك على حقيقتيه.

(6)

في (ت)، و (ص)، و (ك):"كان".

(7)

مذهب القاضي رحمه الله تعالى هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، لكن الفارق بينهما أن الشافعي يحمل عليهما عند التجرد عن القرينة، والقاضي لا يحمل عليهما إلا بقرينة، لأن اللفظ المحتمل عنده من قبيل المجمل، فلا يحمل على معانيه أو أحدها =

ص: 680

وهل هو

(1)

للاحتياط أو للعموم؟ فيه هذا الخلاف

(2)

.

والمختار عندنا أنه

(3)

للاحتياط، وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد، والمشترك مسمياته متعددة! وأيضًا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية، ولا كذلك العام

(4)

.

وأما ما يقال: كيف يحسن من القاضي جَعْل الحَمْل

(5)

من باب العموم وهو مِنْ منكري صيغ العموم

(6)

؟ !

فجوابه: أنه إنما يُنْكِر وَضْعها للعموم، ولا ينكر استعمالها

(7)

. والله أعلم

(8)

.

= إلا بقرينة. انظر: البحر المحيط 2/ 392، 395، 401، الإحكام للآمدي 2/ 242.

(1)

أي: هل حمل اللفظ على حقيقته ومجازه عند القائل به.

(2)

أي: الخلاف في حمل المشترك على معنييه، فمن قائل: يحمل من باب الاحتياط، ومن قائل: يحمل من باب العموم.

(3)

أي: حمل اللفظ المشترك على معنييه، وحمل اللفظ على حقيقته ومجازه. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 296، 298.

(4)

لأن أفراد المشترك معانيه، وهي متناهية. وأفراد العام ما يدخل تحته من المشخصات، وهي غير متناهية.

(5)

أي: حَمْل المشترك على معنييه.

(6)

أورد هذا الاستشكال القرافي رحمه الله تعالى عن الأبياري في "شرح البرهان" ووافقه عليه، ولم يُجب عنه. انظر: نفائس الأصول 2/ 768، شرح تنقيح الفصول ص 117.

(7)

أي: استعمالها في العموم، فيمكن أن تستعمل في العموم وإن لم تكن موضوعة له، لأن الاستعمال أعم من الوضع.

(8)

انظر مسألة عموم المشترك في: المحصول 1/ ق 1/ 371، التحصيل 1/ 214، الحاصل 1/ 328، نهاية السول 2/ 123، السراج الوهاج 1/ 319، شرح الأصفهاني =

ص: 681

ونختم المسألة بفوائد:

إحداها:

(1)

قد علمتَ نَقْلَ الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ في معنييه، وحَمْلِه عند الإطلاق

(2)

عليهما. وقد قال الرافعي في باب التدبير: "الأشبه أن اللفظ المشترك لا يُراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها"

(3)

ذكره في مسألة: إنْ رأيتَ عَيْنًا فأنتَ حرٌّ

(4)

. وقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من

(5)

كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعُوْد: "في المسألة يعني: هذه نظرٌ للأصوليين"

(6)

فسياق كلامه لا يقتضي أن الشافعي يرى

(7)

ذلك، وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك

(8)

! واعلم أن الخلاف في المسألة مشهور بين أصحابنا، وقد حكى الماوردي في "الحاوي" في أوائل كتاب الأشربة في

= 1/ 214، البحر المحيط 2/ 384، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 294، الإحكام 2/ 242، بيان المختصر 2/ 161، فواتح الرحموت 1/ 201، تيسير التحرير 1/ 235، شرح الكوكب 3/ 189.

(1)

في (غ)، و (ك):"أحدها".

(2)

أي: عند عدم القرينة.

(3)

انظر: العزيز شرح الوجيز 13/ 414.

(4)

فالعين لفظ مشترك، فلو أريد به جميع معانيه - لم يحصل العتق إلا بعد رؤية جميع المعاني للعين، وفي هذا بُعْد.

(5)

في (ت)، و (ك):"في".

(6)

انظر: العزيز 7/ 79.

(7)

في (ص): "رأى".

(8)

أي: خلاف القول بعموم المشترك.

ص: 682

المسألة أوجهًا: ثالثها التفرقة بين الجمع والسلب

(1)

.

وقد قدمنا أن الفقيه في "المطلب" أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز، فليكن المشترك كذلك بطريق أولى

(2)

.

الثانية: استدل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في طائفة

(3)

المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذَنوبٍ

(4)

من ماء فأهريق عليه، وذلك بالرواية التي جاء فيها:"صبوا عليه ذنوبًا من ماء"

(5)

ووجهه: بأن صيغة الأمر توجهت إلى صَبِّ الذنوب،

(1)

انظر: الحاوي 17/ 303.

(2)

يعني: إذا حمل الشافعي اللفظ على حقيقته ومجازه - فإنَّ حمله للمشترك على معنييه من بابٍ أولى.

(3)

والمراد بطائفة المسجد: ناحيته. والطائفة: القطعة من الشيء. انظر: سبل السلام 1/ 24، والمصباح المنير 2/ 28، مادة (طوف).

(4)

في المصباح 1/ 225، مادة (ذنب):"والذَنُوب وَزَان رسول: الدلو العظيمة. قالوا: ولا تسمى ذَنُوبًا حتى تكون مملوءة ماءً، وتذكر وتؤنث، فيقال: هو الذنوب، وهي الذنوب. وقال الزجاج: مذكر لا غير. وجَمْعه ذِناب، مثل: كتاب". وانظر: سبل السلام 1/ 24.

(5)

أخرجه البخاري 1/ 89، في كتاب الوضوء، باب ترك النبيِّ صلى الله عليه وسلم والناسِ الأعرابيَّ حتى فَرَغ من بوله في المسجد، رقم 216، وباب صَبِّ الماء على البول في المسجد، رقم 217، 218، وباب يُهريق الماء على البول، رقم 219. وأخرجه مسلم 1/ 236، في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم 284، 285.

ص: 683

والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها، فتناوُلُ الصيغة له

(1)

استعمالُ

(2)

اللفظِ في حقيقته وهو الوجوب. والزائد على ذلك مستحب، فتناوُلُ الصيغة لهُ استعمالٌ

(3)

لها في الندب، وهو مجاز فيه على الصحيح. فقد اسْتُعْملت

(4)

صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها، وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب

(5)

.

الثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبيينٍ لمحله، واعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظًا له حقيقةٌ ومجازٌ فتارة يقصد الحقيقة فقط، فيُحْمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع، وتارة (يقصد المجاز)

(6)

فقط، فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضًا. وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ. وتارةً يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة، أو يقصدهما معًا، فهذا هو محل النزاع. وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جارٍ وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه، وهو في غاية البعد؛ فإن اللفظ لا يُحْمل على المجاز إلا بقرينة

(7)

(8)

.

(1)

أي: للقدر الذي يغمر النجاسة.

(2)

قوله: "استعمال"، خبر المبتدأ:"فتناول".

(3)

قوله: "استعمال"، خبر المبتدأ:"فتناول".

(4)

في (ت): "استعمل".

(5)

انظر: البحر المحيط 2/ 406.

(6)

في (ص): "يقصد بها المجاز".

(7)

بخلاف الحقيقة، فإنه وإنْ سكت عنها، فإنها يمكن أن تكون مرادة للمتكلم؛ إذ الأصل الحمل على الحقيقة.

(8)

نقل الزركشي كلام الشارح من غير تصريح باسمه، بل عَبَّر عنه ببعض المتأخرين. =

ص: 684

الرابعة: يُضاهي الخلافَ الأصوليَّ في حمل المشترك على

(1)

معنييه في الفقه صورٌ

(2)

:

منها: لو وقف على مواليه، وله موالٍ مِنْ أعلى وموالٍ من أسفل. فأوجهٌ:

أرجحها: عند الغزالي بطلانه، وهو منقدح

(3)

على رأي مَنْ يمنع

(4)

استعمال المشترك في معنييه.

والثاني: يصح

(5)

ويُصرف إلى الموالي من أعلى.

والثالث: يصح ويقسم بينهم، وهو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق

(6)

، وشيخه القاضي

(7)

أبي الطيب

(8)

، وفقًا لقاعدة الشافعي

(9)

.

= انظر: البحر المحيط 2/ 404.

(1)

في (غ): "في".

(2)

قوله: "صور"، فاعل يُضاهي مُؤَخَّر، و"الخلاف الأصولي": مفعول به مقدم.

(3)

أي: متجه.

(4)

في (ت)، و (غ):"منع"

(5)

أي: الوقف.

(6)

انظر: تكملة المجموع للمطيعي 15/ 355.

(7)

سقطت من (ت).

(8)

هو الإمام العلّامة القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبريّ الشافعيّ، شيخ الإسلام، وفقيه بغداد. ولد سنة 348. من مصنفاته: شرح مختصر المزنيّ، التعليقة الكبرى، شرح فروع ابن الحداد المصري، وغيرها. توفي رحمه الله ببغداد سنة 450 هـ. انظر: تاريخ بغداد 9/ 358، سير 17/ 668، الطبقات الكبرى 5/ 12.

(9)

وهو الأصح في المذهب كما في تمهيد الإسنوي ص 180، وانظر: نهاية المحتاج 5/ 381.

ص: 685

والرابع: يُصْرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالاحسان إلى العتقاء.

والخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا، وهو متجه على رأي مَنْ يُجَوِّز الاستعمال ويمنع الحمل.

ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها أن لفظ "الموالي" مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل. فإنْ قيل بما قاله بعض الأصحاب: بأنّ صِدْقَه عليهما من قبيل التواطؤ: وهو الموالاة والمناصرة - زالت المضاهاة

(1)

ومنها: قال الإمام في باب التدبير من "النهاية" ونقله الرافعي عنه: "الرجل إذا قال لعبده: إن رأيتَ عينًا فأنتَ حر. والعين اسم مشترك بين الباصرة

(2)

، وعين الماء، والدينار

(3)

، وأحد الإخوة من الأب والأم

(4)

، ولم ينو المعلِّق شيئًا - فهل يعتق العبد إذا رأى شيئًا منها؟ فيه تردد". قال:"والوجه، الحكم بأنه يعتق به"

(5)

.

فإن قلت: هلا قلنا: لا يعتق إلا برؤية الجميع جَزْمًا؛ لأنَّ رأيَ صاحب المذهب حمل المشترك على معانيه؟ قلت: كان السبب في عدم الحمل على

(1)

لأن لفظ "الموالي" يكون متواطئًا لا مشتركًا، فلا يكون هذا الفرع مشابهًا لمسألة المشترك هنا.

(2)

في (ص): "الناظرة".

(3)

سواء ضُرِب أو لم يضرب. المصباح 2/ 92، لسان العرب 13/ 305.

(4)

أي: يقال للواحد منهم عين، وللجمع أعيان. انظر: لسان العرب 13/ 306، مادة (عين).

(5)

أي: بواحدٍ من تلك المعاني.

ص: 686

جميع معانيه أن الصفة في التعليق تتحقق بأول الأفراد فيقع العتق، كما لو قال: إنْ دخلتَ الدار فأنت حر - يعتق بأول الدخول في بعضها، وإن لم يدخل الجميع

(1)

.

ومنها: إذا أوصى بعُودٍ من عِيدانه، والعود مشترك بين الخشب، والذي يُضرب به، والذي يُتَبَخَّر به

(2)

- فهل يحمل على الجميع؟ بناه الرافعي على الخلاف الأصولي، والمسألة تحتاج مزيد بسط، ومحل ذلك كتابنا "الأشباه والنظائر".

الخامسة: قال الأصحاب: إذا قال لها: أنتِ طالق في كل قُرءٍ طلقةً. طَلُقت في كل طهر طلقة، وأصح الوجهين عندهم أن القرءَ حقيقةٌ في الطهر والحيض. والثاني: أنه

(3)

مجاز في الحيض حقيقة في الطهر، فقد يقال: لِمَ لا طلقت في الطهر واحدة وفي الحيض أخرى، وفاءً بالأصل المتقدم في حمل اللفظ المطلق على حقيقتيه، أو على حقيقته ومجازه؟ ويمكن أن يقال في جوابه: إنه غلب استعماله في الطهر، فلم يستعمل في الحيض إلا في قليل، مثل: قوله عليه السلام: "دعي الصلاة أيامَ أقرائك"

(4)

فلم يكن

(1)

انظر المسألة في: التمهيد ص 179.

(2)

في (ص): "يُبَخَّر به".

(3)

في (ص): "أنها". وهو خطأ.

(4)

أخرجه أبو داود 1/ 191 - 193، في كتاب الطهارة، باب في المرأة تُستحاض، ومَن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض، رقم 280، 281. والنسائي 1/ 183 - 184، في كتاب الحيض والاستحاضة، باب ذكر الأقراء، رقم 356 - 358. ومعنى الحديث أخرجه البخاري 1/ 91، في كتاب الوضوء، باب غسل =

ص: 687