الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنقول هذا الترجيح مدفوع بقوله تعالى: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}
(1)
والباء للسببية؛ فيدل على أن المراد: الذي يُفعل به التطهير
(2)
.
قال:
(الثالث: الإضمار خيرٌ منه
؛ لأن احتياجه إلى القرينة في صورةٍ واحتياج الاشتراك إليها في صورتين).
الإضمار أولى من الاشتراك:
لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة: وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، بخلاف المشترك فإنه مُفْتَقِر إلى القرينة في جميع صُوَرِه؛ إذ ليس البعض فيه أولى من البعض.
وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله: "في صورتين" مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}
(3)
. أي: أن لفظ "القرية" يحتمل أن يكون مَقُولًا بالاشتراك على الأهل والأبنية، ويحتمل أن يكون حقيقةً في الأبنية فقط، والأهل مضمر.
= إذ طهارة الماء لا تتكرر في ذاتها، فحَمْل اللفظ على مطهِّر القابل للتكرار مجازًا - أولى من حمله على طاهر غير القابل للتكرار، والمجاز أولى من الاشتراك.
(1)
سورة الأنفال: الآية 11.
(2)
أي: دعوى الترجيح بالمجاز على الاشتراك غير مقبولة؛ لأن هناك آية أخرى تفسِّر معنى "طهور" الوارد في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وهي قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ، والباء للسببية، أي: ينزل عليكم الماء الذي تتطهرون بسببه، فمعنى الطهور: هو الذي يُفعل به التطهير، فيكون إطلاق المطهِّر على ماء السماء من باب الحقيقة، لا من باب ترجيح المجاز على الاشتراك.
(3)
سورة يوسف: الآية 82.
فيقول المناظر: الإضمار أولى؛ لما قلناه.
ومن أمثلته: قولنا: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه؛ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ}
(1)
وجارية الابن حليلة له
(2)
؛ لأن الحليلة فعيلة من الحِلِّ: وهي المرأة التي يَحِل وطؤها، (فحليلة الابن: المرأة التي يَحِل له وطؤها)
(3)
والجارية المملوكة للابن كذلك فتكون حليلة له، وإذا كانت حليلةً للابن اندرجت تحت الآية؛ فتكون محرمة على الأب
(4)
.
فيقول الحنفي: حليلة الرجل: هي المرأة التي تحل له بالنكاح، وهي الزوجة
(5)
. ودليله النقل، قال الجوهري:"الحليلة الزوجة"
(6)
.
فنقول: لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة.
فإن قلت: الأصل في الإطلاق الحقيقة.
قلت: نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم - فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرنا أيضًا، أو مجازًا فيه. والثاني
(7)
باطل؛ لأنه يلزم منه ترجيح
(1)
سورة النساء: الآية 23.
(2)
سقطت من (ص)، و (غ)، و (ك).
(3)
سقطت من (ت)، و (غ).
(4)
انظر: التفسير الكبير 10/ 35.
(5)
انظر: أحكام القرآن للجصاص 2/ 129.
(6)
انظر: الصحاح 4/ 1673، مادة (حلل).
(7)
أي: كون إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا.
الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الاشتقاق في دلالته عليها
(1)
؛ وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة: هي الزوجة - من استعمال العرب، والاستعمال أعم مِنْ أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز. ونحن دللنا باشتقاق لفظ "الحليلة" المُقْتَضِي لما هو أعم من الزوجة، فليكن
(2)
أرجح لبعد الخطأ فيه. والأول
(3)
أيضًا باطل؛ لأنه يلزم منه الاشتراك.
فإن قلت: لو لم يكن مشتركًا، بل كان حقيقة فيما ذكرتم
(4)
مجازًا فيما ذكرنا
(5)
- لزم الإضمار؛ لأن جارية الابن لا تحرم على الأب على التأبيد بالإجماع، بل ما دامت مملوكة، والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأبيد، فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الابن لا على التأبيد؛ لجواز أن يقال: وحلائل أبنائكم بالنكاح، وبملك اليمين ما دامت حليلتهم
(6)
. والإضمار أيضًا خلاف الأصل، فوقع التعارض بين الاشتراك
(1)
أي: إذا جعلنا إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا، وعلى الزوجة حقيقة - فإنه يلزم منه ترجيح الاستعمال في دلالته على الحقيقة، على الاشتقاق في دلالته على الحقيقة؛ لأن كلمة الحليلة مشتقة من الحِلِّ، وهذا شامل للزوجة والجارية، فجَعْلُ الحقيقة موافقةً للمعنى المشتق منه أولى وأرجح مِنْ جعلها موافقة للاستعمال فقط، فكان قول الشافعية أولى.
(2)
أي: فليكن تدليلنا بالاشتقاق.
(3)
وهو أن يكون قولكم وقولنا حقيقة.
(4)
وهم الحنفية الذين يقصرون الحليلة على الزوجة.
(5)
وهم الشافعية الذين يجعلون الحليلة للزوجة والجارية، والمعنى: إن جعلنا إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا.
(6)
قوله: "ما دامت حليلتهم" هو الإضمار الذي يصح به تحريم جارية الابن لا على التأبيد.
والإضمار.
قلت: الإضمار أولى.
ومنها: قولنا
(1)
: الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل صلاة لم يُقْرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج"
(2)
وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها.
فإن قال الخصم: لفظ "الصلاة" مفهومٌ مشترك في عُرْف الشرع؛ لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة، وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف، وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض، وليس بينها قدر مشترك نجعل اللفظ حقيقةً فيه، فيكون مشتركًا مُجْملًا يسقط
(3)
الاستدلال به.
قلنا: المشترك عندنا يُحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة، فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومِه.
فإن قلت: وجب جَعْلُ اللفظ غير منقول حذرًا من الاشتراك
(4)
، ويكون ههنا
(5)
إضمارٌ تقديره: كل صلاة من الصلوات
(1)
في (ص): "قراءة".
(2)
سبق تخريجه.
(3)
في (ت)، و (غ):"سقط".
(4)
أي: غير منقول إلى عرف الشرع؛ لأن الاشتراك في لفظ الصلاة من حيث العرف الشرعي.
(5)
سقطت من (ت).