الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال رحمه الله:
(الفصل الثامن
(1)
: في تفسير حروف يُحتاج إليها
.
وفيه مسائل:
الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة
؛ ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، مثل: تقاتَل زيد وعمرو، وجاء زيد وعمرٌو قبله؛ ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا يُوجِبان الترتيب).
هذا الفصل معقودٌ لتفسير حروفٍ تشتد حاجة الفقيه إلى معرفتها؛ لكثرة وقوعها في الدلائل، وقد أودعه مسائل:
الأولى: في حكم الواو العاطفة وبدأ بها؛ لأنها أصل الباب، وفيها مذاهب:
أحدها: أنها للترتيب، وهو الذي اشْتَهر من أصحاب الشافعي، كما
(2)
قال إمام الحرمين
(3)
، وهو قضية كلام الماوردي حيث استدل على الترتيب في الوضوء بآية الوضوء، وقال:"قد عُطِف بحرف الواو وذلك موجِب للترتيب لغةً وشرعًا"
(4)
.
والثاني: أنها للمعية، وعليه الحنفية، كما قال إمام الحرمين
(5)
ثم قال:
(1)
في (ت)، و (غ):"السادس". وهو خطأ.
(2)
سقطت من (ت).
(3)
انظر: البرهان 1/ 181، وعبارته:"فاشتهر من مذهب الشافعي رحمه الله المصير إلى أنها للترتيب".
(4)
انظر: الحاوي 1/ 168.
(5)
نص عبارته: "وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أنها للجمع". البرهان =
"وقد زل الفريقان" يعني: القائلين بالترتيب والمعية.
والثالث: وهو المختار، أنها لمطلق الجمع لا تدل على ترتيب ولا معية. فإذا قلت: جاء زيد وعمرو فقد أشركت بينهما في الحكم، من غير تعرض لمجيئهما (معًا، أو لمجيء)
(1)
أحدهما بعد الآخر، فهي للقدر المشترك بين الترتيب والمعية
(2)
. (وهذا ما نقله القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية" عن أكثر أصحابنا)
(3)
.
= 1/ 181. ويقصد إمام الحرمين بالجمع هو المعية كما يَتَبَيَّن من مناقشته لرأي الحنفية. انظر البرهان 1/ 182، 183. وقد نقل الإسنوي مذهب الحنفية من "البرهان" كما فعل الشارح. والصواب أنها عندهم لمطلق الجمع، قال في تيسير التحرير 2/ 64:(الواو للجمع فقط) أي: بلا شرط ترتيبٍ ولا معية. اهـ. وفي فواتح الرحموت 1/ 229: (الواو للجمع مطلقًا) سواء كان بالمعية أو بالترتيب أو بالعكس. اهـ. وانظر: أصول السرخسي 1/ 200، فتح الغفار 2/ 4. والعجيب من الشيخ محمد بن بخيت المطيعي الحنفي كيف سكت عن هذا الخطأ، ولم يستدرك على الإسنوي هذا الأمر الظاهر! انظر: نهاية السول مع المطيعي 2/ 185. قال الزركشي في البحر المحيط 3/ 142: "وقال ابن برهان: هو (أي: مطلق الجمع) قول الحنفية بأسرهم، ومعظم أصحاب الشافعي. قلت: وهو الذي صح عن الشافعي". والصواب أنه قول معظم الحنفية. انظر: كشف الأسرار 2/ 109.
(1)
سقطت من (ت).
(2)
قال الزركشي رحمه الله تعالى: "فتبين بهذا أنها لمجرد الجمع، وأنها كالتثنية لا ترتيب فيها ولا معية؛ فلذلك تأتي بعكس الترتيب، كقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}. والمعية: نحو: اختصم زيد وعمرو. وللترتيب نحو: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}، ولم توضع لشيءٍ بخصوصه، بل لما يعمها من الجمع المطلق". البحر المحيط 3/ 141.
(3)
سقطت من (ت).
ونُقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يمتنع الجمع، مثل:{ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}
(1)
، ويشبه أن لا يكون هذا مذهبًا رابعًا مُفَصِّلًا؛ لأنَّ الموضوع للقدر المشترك بين معنيين
(2)
إذا تعذر حمله على أحدهما يُحْمل على الآخر، ولا يكون حمله عليه لكونه
(3)
موضوعًا له، بل لتعذر الحمل على صاحبه، وانحصار الأمر فيه
(4)
. ونقل بعضهم عن الفراء أنها للترتيب
(5)
.
وقد استدل في الكتاب على المذهب المختار بثلاثة أوجه:
أحدها: إجماع النحاة، قال أبو علي الفارسي:"أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق"، وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعًا من "كتابه" أنها للجمع المطلق
(6)
.
الثاني: أنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، فإنك تقول: تقاتَل زيدٌ وعمرو. والتفاعل يقتضي صدور الفعل من الجانبين معًا وذلك
(1)
سورة الحج: الآية 77.
(2)
سقطت من (ت).
(3)
في (ص)، و (ك):"للقرينة". وهو خطأ ظاهر؛ لأن المسألة مفروضة عند تعذر الحمل على أحد المعنيين، لا عند وجود قرينة تعيِّن المراد.
(4)
أي: الظاهر من كلام الفراء أنه يقول بأن الواو لمطلق الجمع، سواء بترتيب أو بغيره، فحملها على الترتيب حيث يستحيل الجمع ليس قولًا رابعًا مفصِّلًا؛ إذ القاعدة في المشترك المعنوي حَمْلُه على أحد معنييه عند تَعذُّر الآخر، ولا يكون حمله على أحد المعنيين لكونه موضوعًا له، بل لتعذر الآخر.
(5)
انظر: البحر المحيط 3/ 143، 148.
(6)
انظر: المحصول 1/ ق 1/ 507، البحر المحيط 3/ 142.
ينافي الترتيب
(1)
. وتقول: جاء زيد وعمرو قبله. ويمتنع هنا أن تكون الواو للترتيب، وإلا لزم التناقض
(2)
، وإذا استعملت في غير الترتيب وجب أن لا تكون حقيقةً في الترتيب دفعًا للاشتراك.
وهذا الدليل لا يُثْبِت المُدَّعى وإنما ينفي كونها للترتيب.
والثالث: أن النحاة قالوا: واو العطف في المختَلِفات بمثابة واو الجمع وياء التثنية في المتفقات؛ ولذلك أنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة وتثنيتها
(3)
- استعملوا واو العطف، ثم إن واو الجمع والتثنية لا يُوجبان الترتيب، فكذلك واو العطف.
وهذا الدليل كالذي قبله لا ينفي القول بالمعية. وهنا أمور:
أحدها: أنه أطلق الواو، والصواب تقييده بواو العطف؛ لتخرج واو "مع"، وواو الحال. مثل: سرت والنيل، فإنهما يدلان على المعية بلا شك.
وثانيها: حكايته الإجماع قلَّد فيه الإمام
(4)
، والإمام حكاه عن الفارسي، وكذلك نقله السيرافي
(5)
والسهيلي. وفيه نظر، فإن الخلاف
(1)
انظر: شذا العرف ص 46.
(2)
لأن قوله: "قَبْله" ينافي الترتيب بأنه أتى بعده، فالواو هنا لمطلق الجمع.
(3)
أي: في كلمة واحدة، مثل: زيد، وعمرو، وبكر، يمتنع أن تجتمع في كل كلمة واحدة، وتثنيتها.
(4)
انظر: المحصول 1/ ق 1/ 507.
(5)
هو الإمام العلامة أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان السِّيرافيّ - نسبةً إلى مدينة سِيرَاف وهي من بلاد فارس - الحنفيّ، شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة معرفةً بالنحو =
موجود عند النحويين في ذلك
(1)
، كما هو عند غيرهم، وقد سبق النقلُ عن الفراء، ولذلك
(2)
قال شيخنا أبو حيان في "الارتشاف": "ما نقله السهيلي والسيرافي من إجماع النحويين بصريهم وكوفيهم على ذلك غير صحيح"
(3)
.
وثالثها: وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر، ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح "الإلمام" عن بعض المُبَاحِثين المتعلِّقين بعلم المعقول: أنه فَرَّق بين مطلق الماء، والماء المطلق بما حاصله: أن الحكم المعلَّق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد، والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق، ولا يلزم من توقف الحكم على مطلق الحقيقة توقُّفُه على الحقيقة المقيدة بقيد الإطلاق
(4)
.
= والفقه واللغة والشعر والعَرُوض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة. صام أربعين سنةً أو أكثر الدهر كلَّه. من مصنفاته: "شرح كتاب سيبويه" لم يُسبق إلى مثله، شواهد سيبويه، أخبار النحاة البصريين، وغيرها. توفي ببغداد سنة 368 هـ. انظر: سير 16/ 247، الجواهر المضية 2/ 66، بغية الوعاة 1/ 507.
(1)
في شرح ابن عقيل 2/ 226: أن الواو لمطلق الجمع عند البصريين، ومذهب الكوفيين أنها للترتيب.
(2)
في (ص): "وكذلك".
(3)
انظر: ارتشاف الضَّرَب 4/ 1982، والنقل بتصرف.
(4)
مطلق الماء: الحقيقة من غير قيدٍ، فالماء هنا غير مقيد؛ لأنه قدم الصفة وأخَّر الموصوف، وجَرَّد الموصوف عن الصفة والقيد، فالمراد حقيقة الماء فقط بدون أي قيد. والماء المطلق: الحقيقة المقيدة بقيد الإطلاق، فهنا قدَّم الموصوف، وأخَّر الصفة، فأصبحت قيدًا للموصوف، فالمراد حقيقة الماء المقيدة بقيد الإطلاق.
قلت: و
(1)
قد جرى البحث (مع والدي)
(2)
أطال الله بقاه في قاعدة: مطلق الشيء، والشيء المطلق. ولا شك أنه إذا أُخذ المطلق قيدًا في الشيء كان المراد بالأول: حقيقة الماهية، وبالثاني: هي بقيد الإطلاق. فالأول: لا بقيد
(3)
، والثاني: بقيد "لا"
(4)
، وقولنا:"بقيد لا" يفيد التجرد عن جميع القيود إلا قيدَ "لا"، وقد لا يراد ذلك بل يراد التجرد عن قيود معروفة. ولذلك أمثلةٌ:
منها: مطلق الماء، والماء المطلق.
فالأول: ينقسم إلى: الطهور، والطاهر غير الطهور، والنجس. وكل من الطاهر غير الطهور، والنجس، ينقسم بحسب ما يتغير به، ويُخرجه ذلك عن أن يُطلق عليه اسم الماء.
والثاني: وهو الماء المطلق لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما يصدق على أحدها وهو الطهور؛ وذلك لأنه أُخِذ فيه قيد الإطلاق: وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها أن يقال له ماءً إلا مقيَّدًا، كقولنا: ماءٌ متغيِّر بزعفران، أو أشنان، أو نحوه
(5)
. وماء اللحم، وماء الباقلاء، وما أشبه
(1)
سقطت الواو من (ت).
(2)
في (غ)، و (ك):"مع الشيخ الإمام".
(3)
أي: هو مجرد عن القيود مطلقًا سواء بالنفي أو الإثبات.
(4)
قوله: "بقيد لا" هو معنى قولنا: "الشيء المطلق"؛ لأن الإطلاق: هو نفي كلِّ قيدٍ، يعني فالشيء المطلق هو المقيد بنفي كل قيدٍ، فلو أردت أن تقيده بأي قيد غير الإطلاق - يقال لك: لا تقيده؛ لأنه مقيَّد بقيد "لا"، أي: مقيد بنفي القيد.
(5)
في (ت): "ونحوه".
ذلك
(1)
.
ومنها: اسم الرقبة، وحقيقتها
(2)
تصدق على السليمة والمعيبة، والمطلقة
(3)
لا تصدق إلا على السليمة، فلا يجزي في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة لإطلاق الشارع إياها
(4)
، والرقبة المطلقة مقيدةٌ بالإطلاق، بخلاف مطلق الرقبة.
ومنها: الدرهم المذكور في العقود قد يُقيَّد بالناقص والكامل، وحقيقته
(5)
منقسمة إليهما، وإذا أُطلق
(6)
يتقيد بالكامل المتعارف في الرواج بين الناس.
ومنها: الثمن، والأجرة، والصداق، ونحوها من الأعواض
(7)
المجعولة في الذمة ينقسم إلى: الحال، والمؤجل. وإذا أطلقت إنما تحمل على الحال،
(1)
أي: كل هذه لا يقال عنها الماء فقط، بل لا يطلق عليها جميعًا الماء إلا مقيدًا بقيد. أما الماء الطهور فيطلق عليه الماء فقط؛ لأنه ماء مطلق، أي: متجرد عن القيود التي تمنع إطلاق الماء عليه إلا مقيدًا.
(2)
أي: مطلق الرقبة.
(3)
أي: الرقبة المطلقة.
(4)
أي: لأن الشارع أمر بعتق الرقبة ولم يقيِّد بأيِّ قيد، فالمراد منه الرقبة المطلقة، أي: المجردة عن كل قيد، وهي الرقبة السليمة.
(5)
أي: حقيقة مطلق الدرهم.
(6)
يعني: إذا قلنا: الدرهم. وسكتنا فلم نذكر أيَّ قيد آخر فهو درهم مطلق، ويراد به الكامل المتعارف عليه بين الناس.
(7)
في (ص): "الأعراض". وهو خطأ.
فالإطلاق قيد اقتضى ذلك
(1)
.
ومنها: حقيقة القرابة يدخل فيها الأب والابن وغيرهما من القرابات، وعند الإطلاق لا يدخل فيها (الأب والابن)
(2)
؛ لأنهما أَعْلا مِنْ أن يُطْلق فيهما لفظ القرابة؛ لما لهما من الخصوصية المقتضية لمزيدٍ على بقية القرائب، فيقال: إنهما أقرب الأقارب. وأفعل التفضيل يستدعي المشاركة، فلولا ما قلناه من تحقق معنى القرابة فيهما - لما صدق عليهما أنهما أقرب الأقارب، وإنما امتنع إطلاق القرابة عليهما لما يقتضيه الإطلاق من التقييد بالقرابة العامة التي لا مزيد فيها على مجرد القرابة.
هذا ما حرره والدي أيده الله تعالى حال البحث، وكان أصل البحث في مسألة القرابة فلذلك أوردناها، وقد أوردت عليه إذ ذاك سؤالات وألف مختصرًا لطيفًا في ذلك، وأجاب عنها، فلنذكرها على وجه السؤال والجواب:
فإن قلت: اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة، لا للحقيقة المطلقة، فتقييدكم إياه عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين؟
قلت: مِنْ جهة إطلاق المتكلم، فصار إطلاقه قيدًا في اللفظ.
فإن قلت: من المعلوم أنه ليس في اللفظ
(3)
، فهل
(1)
أي: مطلق الثمن والأجرة والصداق ونحوها ينقسم إلى الحال والمؤجل، لكن الثمن والأجرة والصداق المطلقة (أي: التي ذكرت بدون قيد) تُحْمل على الحال.
(2)
في (غ): "الابن والأب".
(3)
أي: ليس في اللفظ قيد الإطلاق، فمِنْ أين جئت بهذا القيد؟ .
يقولون: إنَّ ذلك قرينةٌ حالية أو لفظية؟ .
قلت: هي من قبيل القرائن اللفظية، وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية، وهي هيأةٌ صادرة من المتكلم عند كلامه، وذلك أنَّ
(1)
الكلام قد يخرج عن كونه كلامًا بالزيادة والنقصان، وقد لا يخرج عن كونه كلامًا، ولكن يتغير معناه بالتقييد، فإنك إذا قلت: قام الناس - كان كلامًا يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس. (فإذا قلت: إن قام الناس - خرج عن كونه كلامًا بالكلية)
(2)
. فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا - لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدًا
(3)
. وقد علمتَ أنَّ لإفادة "قام الناسُ" الإخبار
(4)
بقيام جميعهم شرطين:
أحدهما: أن لا يبتدئه بما يخالفه
(5)
.
والثاني: أن لا يختمه بما يخالفه
(6)
وله شرط ثالث أيضًا: وهو أن يكون صادرًا عن قصدٍ، فلا عبرة بكلام الساهي والنائم، فهذه ثلاثة شروط.
(1)
في (ت): "لأن".
(2)
سقطت من (ت).
(3)
في (ت)، و (غ):"ما عدا زيد". انظر: شرح ابن عقيل 1/ 617.
(4)
في (غ)، و (ك):"للإخبار".
(5)
كما مَثَّل بقوله: إنْ قام الناس. أو يقول: ما قام الناس.
(6)
وذلك كما مثل بقوله: قام الناس إلا زيدًا.
فإن قلت: من أين لنا اشتراط ذلك، واللفظ وحده كافٍ في الإفادة؛ لأن الواضع وضعه لذلك.
قلت: وَضْع الواضع له معناه: أنه جَعَله متهيئًا
(1)
لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له
(2)
على الوجه المخصوص. والمفيد
(3)
في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.
فإن قلت: لو سمعنا: "قام الناس"، ولم نعلم مِنْ قائله هل قَصَده؟ وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيِّره؟ - هل لنا أن نُخْبِر عنه بأنه قال: قام الناس؟
قلت: قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات، وكذلك ما قبله وبالله التوفيق.
وإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعِهِ الاعتراضُ على قول المصنف: "الجمع المطلق"، وأنَّه كان الأسَدُّ أن يقول: مطلقُ الجمع. فساق النظرُ إلى ذكر هذه المباحث الجليلة.
قال: (قيل: أنكر "ومن عصاهما" مُلَقِّنًا: "و
(4)
من عصى الله ورسوله". قلت: ذلك لأن الإفراد أشد تعظيمًا. قيل: لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدة، بخلاف: أنت طالق طلقتين. قلنا: الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ، وقوله: طلقتين - تفسير لطالق).
(1)
في (ت): "يتهيأ".
(2)
أي: للفظ.
(3)
في (ص): "والمقيد". وهو خطأ.
(4)
سقطت الواو من (ت).
احتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين:
الأول: ما رَوَى مسلمٌ في صحيحه، أن رجلًا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما
(1)
فقد غوى". فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"
(2)
. وهذا يدل على أنها
(3)
للترتيب؛ (إذ لو كانت)
(4)
للجمع لما حسن الذم.
أجاب: بأن ذلك ليس لأنها للترتيب؛ بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم، ومما يدل على هذا أنه لا ترتيب بين عصيان الله وعصيان نبيه صلى الله عليه وسلم، بل معصيةُ الله هي
(5)
معصيةُ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لتلازمهما
(6)
.
(1)
في (ت): "ومن عصاهما".
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 594، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم 870. وأحمد في المسند 4/ 256، 379. وأبو داود في السنن 5/ 259، كتاب الأدب، رقم 4981. والنسائي في السنن 6/ 90، كتاب النكاح، باب ما يكره من الخطبة، رقم 3279. والحاكم في المستدرك 1/ 289، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(3)
أي: الواو.
(4)
في (ت)، و (غ):"فلو كان".
(5)
سقطت من (ت)، و (ص).
(6)
أي: الترتيب في معصية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتصور؛ لكونهما متلازمين، فاستعمال الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل لنا عليكم. انظر: نهاية السول 2/ 186.
فإن قلت: ما
(1)
الجمع بين إنكاره صلى الله عليه وسلم على هذا الخطيب مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَنْ كن فيه وَجَد بهن حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما"
(2)
. وقال في حديث آخر: "فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم ويَعْذِرانكم"
(3)
، فقد جمع بينهما في ضمير واحد؟
قلت: قد أجيب بوجهين:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك على الخطيب؛ لكونه عُدولًا عن الأَوْلى والأفضل، لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضي للتعليم. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعل إلا الأَوْلى، فإنه في مقامِ تشريعٍ وتبيين، فَفِعْل الأَوْلى له بتبيينه الأَوْلى ليدل على الجواز
(4)
.
(1)
في (غ): "فما".
(2)
أخرجه البخاري 1/ 14، في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16. وانظر الأرقام 21، 5694، 6542. ومسلم 1/ 66، في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم 43. والنسائي 8/ 94 - 97، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب طعم الإيمان، وباب حلاوة الإيمان، رقم 4987، 4988. والترمذي 5/ 16، في كتاب الإيمان، باب 10، رقم الحديث 2624، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه 2/ 1338، في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم 4033. وأحمد في المسند 3/ 103، 174، 248، 288.
(3)
أخرجه مسلم 3/ 1405 - 1406، في كتاب الجهاد، باب فتح مكة، رقم الحديث 1780، والبيهقي 9/ 117، في كتاب السير، باب فتح مكة حرسها الله تعالى.
(4)
أي: فَفِعْلُ الأَوْلى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكون بتبيينه الأولى في حق غيره؛ ليدل بفعله وبيانه على الجواز، فقد دلَّ صلى الله عليه وسلم بفعله على الجواز، وببيانه على الأولى، وهو في كلتا الحالتين فاعلٌ للأولى في حقه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو في مقام التشريع والبيان.
والثاني: أن حُسْن الكلام إيجازًا وإطنابًا مما يختلف باختلاف المقام؛ فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة، وربَّ آخَر لا يقتضي ذلك، والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فناسب بَسْطَ العبارة والمبالغةَ في الإيضاح
(1)
.
(1)
تكلم الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - على حديث: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"، وَوَجْه الجمع بينه وبين حديث:"ومن يعصهما فقد غوى"، وذكر أوجهًا عديدة، وذكر وجهًا منها بقوله:"ويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغةُ عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَنْ يُخْشى عليه توهم التسوية". الفتح 1/ 61، 62. والظاهر أن الحافظ رحمه الله تعالى ارتضى هذا الجواب؛ لكونه لم يورد عليه اعتراضًا، بخلاف غيره من الأجوبة، وهذا هو الأقرب والأظهر، وأما تعليل إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الخطيب عَدَل عن الأولى والأفضل، فهو لا يتناسب مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "بئس الخطيب أنت"، المفيد بأنه وقع في أمرٍ محرم أو شديد الكراهة. وأما تعليل الإنكار بأن الخطيب في موضع التفصيل والترغيب والدعوة إلى الله تعالى فهو فيما يظهر أضعف من سابقه، كيف وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . ." - دعوةٌ وأيُّ دعوة، وترغيب وأي ترغيب، فهو مقتض للتفصيل والترغيب. كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الحاجة:"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه. . ." أخرجه أبو داود بإسناد صحيحٍ، كما قال النووي في شرح مسلم 6/ 160، فالأظهر - كما سبق - أن يكون في المجلس من يُخشى عليه توهم التسوية، أو يكون الخطيب ذاتُه خشي النبي صلى الله عليه وسلم عليه تَوَهُّمَ التسوية، وعلى هذا يُنهى عن الجمع بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الضمير حيث يُخشى توهمُ التسوية، وحيث لا يُخشى فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.