الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجيب: بأنه يُلهم
(1)
العاقل بأن واضعًا وضعها، وإنْ سُلِّم لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة فقط. وقال الأستاذ: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي، والباقي مصطلح).
هذا الفصل باحث عن الواضع، وهو:
الأمر الخامس:
فنقول: ذهب عَبَّاد بن سليمان الصيمري
(2)
ومَنْ وافقه إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما، وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: وهو الذي اقتضاه نقل الآمدي عنه، أن تلك المناسبة الطبيعية (حاملةٌ للواضع على الوضع
(3)
. وهو أقل نكيرًا، ولا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات؛ إذ لو كان كذلك لما وقع المُشْتَرَك بين الضدين، ولَمَا اختلفت دَلالات الألفاظِ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة؛ إذ المناسبة الطبيعية لا تختلف باختلافهما
(4)
.
(1)
في (ت)، و (غ):"ألهم".
(2)
هو أبو سهل عباد بن سلمان بن علي البصريّ المعتزليّ، من أصحاب هشام بن عمرو.
قال الذهبي: "يخالف المعتزلة في أشياء اخترعها لنفسه". من مصنفاته: إنكار أن يخلق الناسُ أفعالهم، تثبيت دلالة الأعراض، إثبات الجزء الذي لا يتجزأ. انظر: سير 10/ 551، الفهرست للنديم ص 215. ملاحظة: هكذا ورد اسمه في المرجعين: عباد بن سلمان.
(3)
انظر: الإحكام 1/ 73، ولم يُصَرِّح الآمدي باسم عباد، بل قال: فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك".
(4)
في (ص)، و (ت):"باختلافها".
والثاني: وهو أعظم نكيرًا، أن تلك المناسبة الطبيعية وحدها كافيةٌ في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني، من غير احتياج إلى الوضع. وهو معلوم الفساد
(1)
)
(2)
وهو الذي اقتضاه نقل الإمام عنه
(3)
.
واحتج عباد: بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبةٌ بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمَّى المعيَّن ترجيحًا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح.
والجواب: أن الواضع إنْ كان هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمى المعيَّن كتخصيص وجودِ العالم بوقتٍ مقدَّرٍ دون غيره. وإنْ كان الناس فيحتمل أن يكون السبب حضور ذلك اللفظ بالبال في ذلك الوقت دون غَيره.
وإذا بطلت المناسبة الطبيعية)
(4)
، وظهر أنَّ مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري - حان النظر في الكلام في الواضع، وفيه كلامُ الكتاب.
فالواضع إنْ كان هو الله تعالى: فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومَنْ وافقه، وهو المسمى بالتوقيف.
وإن كان هو العبد: فهو مذهب أبي هاشم، وهو المسمّى بالاصطلاح
(1)
لأنه يلزم منه أن المناسبة الطبيعية هي الواضع، وهذا واضح الفساد.
(2)
سقطت من (ت).
(3)
انظر: المحصول 1/ ق 1/ 243، 244.
(4)
سقطت من (ت).
والتواطؤ.
وإنْ كان منهما: فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله، والباقي من العبد، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق.
أو العكس، وهو مذهب ضعيف لم يَذْكُرْه في الكتاب.
وأما جمهور المحققين كالقاضي فمَنْ
(1)
بعده فقد توقفوا في الكل، وقالوا بإمكان كل واحدٍ من هذه الاحتمالات الأربعة، وهو الذي اختاره في الكتاب، حيث قال:"ولم يثبت تعيين الواضع".
وقال ابن الحاجب: "الظاهر
(2)
قول الأشعري"
(3)
. ومعنى هذا: القولُ بالوقفِ
(4)
؛ لعدم القطع بواحد من هذه الاحتمالات، وترجيح
(5)
مذهب الأشعري بغلبة الظن.
وقد كان بعض الفقهاء
(6)
يقول: إنَّ هذا الذي قاله
(7)
ابن الحاجب مذهب لم يقل به أحد؛ لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته،
(1)
في (ك): "ومن".
(2)
سقطت من (ت).
(3)
انظر: بيان المختصر 1/ 278.
(4)
أي: معنى قول ابن الحاجب: بأن الظاهر مذهب الأشعري، هو القول بالوقف. فمرد مذهب ابن الحاجب إلى الوقف.
(5)
في (ص): "ويرجح".
(6)
في (ص)، و (غ)، و (ك):"الضعفاء".
(7)
في (ك): "قال".
فالقول بالظهور لا قائل به.
وهذا ضعيف؛ فإنَّ المتوقِّف لعدم قاطعٍ قد يرجِّح بالظن، ثم إنْ كانت المسألة ظنية اكتُفي في العمل بها بذلك الترجيح، وإلا تُوقف عن العمل بها
(1)
.
وقد احتج الشيخ رضوان الله عليه بأوجه:
الأول: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}
(2)
الآية دلت على أن
(3)
التعليم من الله تعالى، وإذا ثبت هذا في الأسماء ثبت أيضًا في الأفعال والحروف؛ لأنه لا قائل بالفرق؛ ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء مِنْ تعليم الأفعال والحروف؛ (ولأن الاسم إنما سُمِّي اسمًا لكونه علامةً على مُسمَّاه، والأفعال والحروف)
(4)
كذلك، فهي أسماء، وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسامُ فهو اصطلاح مُحْدَث للنحاة واللغويين
(5)
.
(1)
اعتبر الآمدي رحمه الله تعالى المسألة ظنية، ورجَّح مذهب الأشعري رحمه الله تعالى بالظهور. قال في الإحكام 1/ 75:"والحق أن يقال: إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع لبعض هذه المذاهب - فالحق ما قاله القاضي أبو بكر؛ إذ لا يقين من شيءٍ منها على ما يأتي تحقيقه. وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق - فالحق ما صار إليه الأشعري؛ لما قيل من النصوص، لظهورها في المطلوب". وعلى هذا فقول ابن الحاجب سبقه به الآمدي، رحمهما الله تعالى.
(2)
سورة البقرة: الآية 31.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
سقطت من (ت).
(5)
يعني: لما كانت الأفعال والحروف علامات على مسمياتها، فهي أيضًا من هذه =
الثاني: قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}
(1)
ذمهم على تسمية بعض الأشياء
(2)
بما سَمَّوها به من تلقاء أنفسهم، فلولا التوقيف في كلِّها لما استحقوا الذمَّ بذلك
(3)
.
ولِقائل أنْ يقول في الاستدلال بهذا اعتراف بكون البعض اصطلاحًا
(4)
(5)
.
الثالث: قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}
(6)
ولا يجوز أن يكون المراد اختلاف تأليفات الألسنة وتركيبها؛ لأن ذلك في غير الألسن أبلغ وأكمل، فلا يفيد تخصيص الألسنة بالذكر، فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات: إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو إطلاق اسم العلة على المعلول، أو اسم المحل
= الجهة أسماء، وهو يشير بهذا إلى أن قوله تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} ليس المراد بها الأسماء الاصطلاحية، بل المراد بها العلامات على مسمياتها، وهذا شامل للاسم والفعل والحرف.
(1)
سورة النجم: الآية 23.
(2)
في (ص): "الأسماء".
(3)
قال الإسنوى في توجيه الدليل: "فثبت التوقيف في البعض المذموم عليه، ويلزم من ذلك ثبوته في الباقي، وإلا يلزم فساد التعليل بكونه ما أنزله". نهاية السول 2/ 23.
(4)
في (ك)، و (غ):"اصطلاحيًا".
(5)
لأنه قال في الآية: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} فدل هذا على أن البعض اصطلاح من العباد، غاية ما في الأمر أنها تسمية لم يأذن الله تعالى بها، فَذَمَّها من جهة عدم الإذن، وهذا يفيد أن التسمية من العبد إذا وقعت مع الإذن فلا حرج فيها.
(6)
سورة الروم: الآية 22.
على الحال، وحينئذ فلولا أنها توقيفية لما امتن علينا بها.
الرابع: أنها لو كانت اصطلاحيةً لاحتاج الواضع في تعليمها إلى اصطلاح آخر بَيْنه وبين مَنْ يُعلِّمه، ثم إنَّ الفرض أنَّ ذلك الطريق أيضًا لا يفيد لذاته، فلا بد من اصطلاح آخر؛ ويلزم التسلسل
(1)
.
ولقائل أنْ يقول: هذا الدليل يُبْطل مذهب أبي هاشم، ولا يُثْبِت مذهب الشيخ
(2)
.
الخامس: وهو كالرابع، أنها لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير؛ إذ لا حَجْر في الاصطلاح، وحينئذ يرتفع الوثوق عن الشرع، فإن كل لفظ شرعي نستعمله في معنى جاز والحالة هذه أن يكون مستعملًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غير ذلك المعنى
(3)
.
وأجاب في الكتاب عن الوجه الأول: بأن المرادَ من الأسماء في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ}
(4)
علاماتُ الأشياء
(5)
(1)
لأنه لما لم يفد الاصطلاح الأول معناه بذاته؛ لكون السامع خال الذهن عن دلالة ذلك الاصطلاح - لم يفد الاصطلاح الثاني معناه بذاته أيضًا؛ لأنه لا فرق بين الاصطلاحين في خلو الذهن عن دلالة الاصطلاح على معناه، ويلزم من هذا التسلسل، وهو أن كل اصطلاح يحتاج إلى اصطلاح يُبَيِّنه وهكذا.
(2)
أي: هذا الدليل يبطل الاصطلاح، ولا يثبت التوقيف. وكذا قال الإسنوي في نهاية السول 2/ 24.
(3)
لأن الاصطلاح يتغير من زمانٍ إلى آخر.
(4)
سورة البقرة: الآية 31.
(5)
في (غ): "للأشياء".
وخصائصُها، فيعلِّمه مثلًا أنَّ الخيل تصلح للكَرِّ والفَرِّ، والجمال للحَمْل، والثيران للزرع، وهذا لأن الاسم مشتق من السِّمَة أو من السُّمُو
(1)
، وعلى كل تقدير فكل ما يُعرِّف ماهيةً، ويكشِف عن حقيقةٍ - يكون اسمًا، وتخصيص الاسم بهذه الألفاظ عُرْف حادث. ولو سلَّمنا أن المراد بالأسماء ما ذكرتم فلا يلزم التوقيف؛ إذ من الجائز (أن تكون الأسماء)
(2)
التي علمها الله لآدم قد وضعتها
(3)
طائفة مخلوقةٌ قبله.
وفي هذين الجوابين نظر:
أما الأول فإنه خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من الأسماء الألفاظ.
وأما الثاني فالأصل عدم استعمالٍ سابق.
ومنهم مَنْ أجاب بجواب آخر: وهو أن المراد من التعليم أنه تعالى ألْهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه من العلوم ما لأجله قَدَر على الوضع. قال الإمام: "وليس لأحد أن يقول: التعليم: إيجاد العلم، بل التعليم: فعلٌ صالحٌ لأن يترتب عليه حصول العلم؛ ولذلك يقال: علَّمته
(4)
فلم يتعلم"
(5)
.
(1)
السِّمة: العلامة. والسمو: العلو والرفعة، فهو علامة على المسمى، أو هو تنويه ورِفْعة له. والأول هو مذهب الكوفيين، والثاني مذهب البصريين. انظر: المصباح المنير 1/ 310، 2/ 336، لسان العرب 14/ 401، مادة (سما، وسم).
(2)
في (ص): "أن يكون من الأسماء".
(3)
في (غ): "وضعها".
(4)
في (ت): "علمه".
(5)
المحصول 1/ ق 1/ 256.
وهذا أيضًا خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم (الإيجاد دون الإلهام)
(1)
(2)
. قال بعضهم: وأصل التفعيل لإثبات أثر الثلاثي المشتق منه، يقال: سودتُه فتسود، وقول الإمام: يقال: علمتُه فلم يتعلم - ممنوع
(3)
.
قلت: وهذا المنع غير منقدح، وقد كان الإمام علاء الدين الباجي، يقول: لو لم يصح: علَّمتُه فما تعلم - لما صح: علَّمتُه فتعلم؛ لأنه إذا كان التعليم يقتضي إيجاد العلم وهو علة فيه، فمعلوله وهو التعلم
(4)
يوجد معه بناءً على أن العلة مع المعلول، والفاء في قولنا: فتعلم - تقتضي تعقيبَ التعلم
(5)
. وإنْ قلنا: إن المعلول يتأخر، فنقول: لا فائدة قي قولنا: فتعلم؛
(1)
في (ص): "الإيجاد الأول للإلهام". وهو خطأ.
(2)
المعنى: أن القائلين بأن المراد بالتعليم في الآية هو أن الله تعالى ألهم آدم عليه السلام الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه العلوم والقدرة على الوضع، بنوا هذا التفسير على معنى التعليم، وأن معناه: هو الفعل الصالح لأن يترتب عليه حصول العلم، وهو هنا إلهام الله تعالى لآدم أن يضع اللغة، وتمكينه من ذلك، وإعطاؤه القدرة عليه حتى حَصَل عن تلك القدرة العلمُ باللغة. هذا ما قاله الرازي. وردَّ عليه الشارح بأن تفسير التعليم بما ذكر خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم إيجاد العلم، لا الإلهام.
(3)
يعني: أن الفعل علَّم (وهو على وزن فَعَّل، ومصدره تفعيل) مشتقٌ من الثلاثي عَلِم. ومعنى التفعيل: إثباتُ أثر الثلاثي، فعلَّمتُه معناه: أتبتُّ فيه العلم، فقول الإمام: عَلَّمتُه فلم يتعلَّم، غير صحيح؛ لأن قوله: علمتُّه - يعني: أثبتُّ فيه العلم، فهذا الإثبات ينافيه قوله: لم يتعلَّم. انظر: معاني فَعَّل في شذا العرف ص 43، 44.
(4)
في (ص): "التعليم". وهو خطأ.
(5)
يعني: أن التعلم جاء بعد التعليم، وهذا ينافي كون العلم معلول للتعليم؛ إذ المعلول مقارن لعلته، والفاء تفيد معنى التعقيب بأن التعلم بعد التعليم، فيكون بين =
لأن التعلُّم قد فُهِم من قولنا: علمتُه. فوضح أنه لو لم يصح: علمتُه فما تعلم - لكان إما أن لا يصح: علمتُه فتعلم، بناءً على أن العلةَ مع المعلول، أوْ لا يكون في قولنا: فتعلَّم - فائدة، بناءً على تأخر المعلول.
فإنْ قلت: أليس أنه لا يقال: كَسَّرتُه فما انكسر، فما وجه صحة قولنا مع ذلك: علَّمتُه فما تعلم؟
قلت: فَرَّق والدي أحسن الله إليه بينهما: بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمورٍ من المعلِّم ومن المتعلم، فكأن
(1)
علَّمتُه موضوعًا للجزء الذي من المعلِّم فقط؛ لعدم إمكان فعلٍ من المخلوق يحصل به العلم ولا بد، بخلاف الكسر فإنَّ أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار
(2)
. وهو جواب دقيق.
والإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ
(3)
، فالمتوقف (إنْ
= الكلامين منافاة: علَّمته (أي: أثبت فيه العلم، فالعلم ثابت مع التعليم) فتعَلَّم (وهذا يفيد بأن التعلم حصل بعد التعليم)، فكما لا يصح: علمته فلم يتعلم، كذلك لا يصح: علمته فتعلم، والتنافي في الأول من جهة النفي والإثبات، وفي الثاني من جهة التعقيب وعدمه.
(1)
في (ص): "وكأن": و (المكتوب في (ت)، و (غ)، و (ك):"فكان". وفي (ص): "وكأن". ولكن النسخ المخطوطة كثيرًا ما تهمل التنقيط ووضع الهمز. فيتعين فيها تقدير الهمز، والله أعلم).
(2)
لأن الكسر لا يحتاج إلا إلى فِعْل المكسِّر، وليس هناك أمرٌ ثاني.
(3)
يعني: والإنصاف أن هذه الآية: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} ظاهرة فيما ادعاه الشيخ أبو الحسن الأشعري من التوقيف، لا قطعية فيه.
توقف)
(1)
؛ لعدم
(2)
القطع - فهو مصيب. وإن ادَّعى عدم الظهور فغير مصيب
(3)
. هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه في "شرح العنوان"
(4)
.
وأجاب
(5)
عن الثاني: وهو التمسك بقوله: {مَا أنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}
(6)
: بأنا لا نسلم أنه ذمهم على تسميتهم بعضَ الأشياء، إنَّما ذمهم على اعتقادهم كونها آلهة. وإليه أشار بقوله:"والذم للاعتقاد".
وعن الثالث: وهو التمسك بقوله: {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ}
(7)
: بأنه إذا انتفت الحقيقة وهي أن يكون المراد بها
(8)
الجارحة، وثبت العدول إلى المجاز
(9)
- فليس صَرْفُكَ إياه إلى اللغات أولى مِنْ صرفنا إياه إلى الإقدار
(10)
(1)
سقطت من (ت).
(2)
في (ك): "بعدم".
(3)
يعني: أن مَنْ توقف عن قولٍ من الأقوال في تحديد مَنْ هو الواضع؛ لعدم القطع في أحدٍ من تلك الأقوال - فتوقفه صحيح، وهو مصيب في هذا. وإنْ توقف لعدم ظهور أحد الأقوال على غيرها - فهو غير مصيب.
(4)
سبق النقل أن هذا هو رأي الآمدي رضي الله عنه.
(5)
أي: المصنف.
(6)
سورة النجم: الآية 23.
(7)
سورة الروم: الآية 22.
(8)
في (ت): "أنها".
(9)
وهي: اللغات.
(10)
في (ك): "الاقتدار".
على اللغات، أو مخارجِ اللغات. وإليه أشار بقوله: "والتوقيف
(1)
يعارضه الإقدار
(2)
"
(3)
.
ولقائل أن يقول: مجاز المستدل أولى؛ لأنه أقل إضمارًا، وما ذكرتموه يلزم منه كثرة الإضمار، أو الإضمار والمجاز معًا؛ إذ يصير تقدير الآية: واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات، أو: اختلاف اقتداركم باللغات، على أنه أطلق اللسان وأراد الاقتدار، كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة، فعلى الأول يلزم كثرة الإضمار، وعلى الثاني يلزم المجاز والإضمار معًا. وأما على ما ذكره الشيخ فلا يلزم إلا
(4)
الإضمار الذي هو أقل من إضماركم؛ لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكره: واختلاف لغات ألسنتكم فكان أولى
(5)
. فإن قلت: لعله مِنْ إطلاق اسم
(6)
العلة على المعلول، أو المحل على الحال، كما ذكرتم في تقرير الاستدلال.
قلت: حينئذ يقع التعارض بين الإضمار والمجاز، والمجاز
(1)
في (غ): "التوقف".
(2)
في (ك): "الاقتدار".
(3)
يعني: إن استدل القائلون بالتوقيف بالآية، متأولين معنى الألسن بالمعنى المجازي فللمخالفين أن يعارضوهم في هذا التأويل ويقولون: المراد بالألسن في الآية الإقدار على اللغات أو مخارجها، فلا تكون الآية - على هذا التفسير - متعرضة للواضع من هو؟
(4)
سقطت من (ت)، (ك).
(5)
لأن الإضمار هنا لكلمة واحدة، وهي اللغات.
(6)
سقطت من (ت).
أولى
(1)
. قال صفي الدين الهندي: "والأولى أن يجاب: بأنا لا نسلم أن اختلاف اللغات إنما يكون آية أن لو كانت اللغات توقيفية، وهذا لأن واضعها وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على مذهب أهل الحق في أفعال العباد"
(2)
.
وأجاب المصنف عن الرابع: بأنا لا نسلم أنه يحتاج
(3)
في تعليمها إلى اصطلاح آخر، بل يحصل العلم بترديد اللفظ: وهو تكراره مرة بعد أخرى، مع القرائن كالإشارة إلى المسمَّى ونحوها، وبهذا الطريق تعلمت الأطفال. ولو سلَّمنا ذلك فما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها بالتوقيف كما تدعون، بل بعضها؛ لأنه يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو قول الأستاذ.
وعن الخامس: بأنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع، فإن التغيير لو وقع لاشتهر لكونه من مهمات الأمور.
وأما أبو هاشم فقد احتج على مذهبه: بأنها لو لم تكن اصطلاحية لكانت توقيفية، أو البعض والبعض؛ لعدم الواسطة بينهما. والقول بالتوقيف باطل مطلقًا، فثبت كونها اصطلاحية. وإنما قلنا ببطلان التوقيف؛
(1)
المعنى: أن رأي الشيخ أبي الحسن أرجح بكل حال؛ لأننا لو أوَّلنا الآية بالإضمار - كما هو رأي المخالف - فإضماره أقل. ولو أوّلنا الآية بالمجاز - كما هو رأي الشيخ - فيقع التعارض بين التأويل بالمجاز والتأويل بالإضمار، والمجاز أولى، فيكون رأي الشيخ بالتوقيف هو الراجح ..
(2)
انظر: نهاية الوصول 1/ 87.
(3)
في (ك): "محتاج".
لأنه إما أن يكون بالوحي، أو بخلق علم ضروري في عاقل أو في غير عاقل، والكل باطل.
أما الأول: فلاقتضائه تقدم البعثة (على اللغة)
(1)
وهي متأخرة عنها؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}
(2)
.
وأما الثاني: فلأنه اقتضى أن لا يكون ذلك العاقل مكلَّفًا؛ لأنه إذا علم بالضرورة أنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى - فلا بد وأن يعرف الله تعالى ضرورةً، وإذا عَرَفه ضَرورةً لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة لحصولها.
وأما الثالث: فبعيد جدًا أن يصير غير العاقل عالمًا بهذه الكيفيات العجيبة.
والجواب: أنه يجوز أن يكون الله تعالى ألهم العاقل بأنَّ واضعًا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، لا أن الله تعالى هو الواضع حتى يلزم عدم التكليف. ولو سلَّمنا ما ذكرتم فإنما يلزم رفع التكليف بالمعرفة لا رفع التكليف مطلقًا
(3)
.
وهذا الجواب ضعيف؛ لأن معرفة الله تعالى واجبة قطعًا، والتوقيف بخلق العلم الضروري مستبعد؛ لكونه خلاف المعتاد، فالأولى في الجواب أن يقال: إنه حصل بطريق الوحي، ولا
(4)
يلزم ما ذكره؛ لأن الآية وإنْ دلت
(1)
سقطت من (ت).
(2)
سورة إبراهيم: الآية 4.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
في (ك): "فلا".
على تقدم اللغة على بعثة الرسل بالرسالة - فلا تدل على ما تقدمها
(1)
على بعثة الأنبياء، فيجوز تقدم نبوة آدم وإيحاء اللغات إليه، ثم إنَّ آدم عليه السلام يُعَلِّمها لغيره، ثم يُرْسل إليهم باللسان الذي تعلموه منه.
وأما الأستاذ فذكر في الكتاب مقالتَه مجرَّدة عن الدليل؛ لإمكان استخراج دليله من حجج الفريقين بأن يقال: إذا بطل التوقيف والاصطلاح في الكل - تعين (أن يكون)
(2)
البعض والبعض، وحينئذ
(3)
فنقول: القدر الذي يقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وإلا يلزم التسلسل؛ لاحتياج التعليم في كل اصطلاح إلى اصطلاحٍ سابق عليه، وأما الباقي فمصطلح. وجوابه: يُعْلم مما
(4)
سبق.
وبتقرير الأجوبة عن أدلة الجازمين يتعين الوقف الذي اختاره صاحب الكتاب.
وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في هذه المسألة في جواز قلب اللغة
(5)
، فعند الشيخ لا يجوز دون القائلين بالاصطلاح. وبنى بعضهم على الخلاف فيها ما إذا عقد
(6)
صداقًا في السر وصداقًا في العلانية المسألة
(1)
في (ك): "تقدمها".
(2)
سقطت من (ت).
(3)
في (ص)، و (ك):"فحينئذٍ".
(4)
في (ت): "بما".
(5)
يعني: قلب استعمالات الألفاظ لغير معانيها المعروفة.
(6)
في (ص): "اعتقد". وهو خطأ.
المشهورة
(1)
، ويلتحق بذلك ما إذا استعملا لفظ المفاوضة وأرادا شركة العِنان حيث نَصَّ الشافعي على جوازه
(2)
.
(1)
قال الإسنوي رحمه الله تعالى مبينًا وجه انبناء هذه المسألة على مسألة الواضع: "إذا علمت هذا فمن فروع المسألة: المعروفة بمهر السر والعلانية، وهي ما إذا تزوج الرجل امرأة بألفٍ وكانا قد اصطلحا على تسمية الألف بألفين (يعني يُطْلق لفظ الألف في العقد، ويراد به ألفان، فالألْف اسم للألفين) فهل الواجب ألف، وهو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي؟ أو ألفان نظرًا إلى الوضع الحادث؟ فيه خلاف، والصحيح اعتبار اللغة". التمهيد ص 138.
فائدة: قال في شرح المحلي على المنهاج النووي: (ولو توافقوا على مهرٍ سرًا وأعلنوا زيادة - فالمذهب وجوب ما عُقِد به) فإن عقد سرًا بألف ثم أعيد العقد علانية بألفين تجملًا فالواجب ألف. وإن توافقوا سرًا على ألف من غير عقد، ثم عقد علانية بألفين - فالواجب ألفان. وعلى هاتين الحالتين حُمِل نص الشافعي في موضعٍ على أن المهر مهر السر، وفي آخَرٍ على أنه مهر العلانية. . . ثم المعتبر توافق الولي والزوج، وقد يحتاج إلى مساعدة المرأة. اهـ. انظر إلى الشرح المذكور مع حاشيتي قليوبي وعميرة 3/ 281، وانظر: نهاية المحتاج 6/ 339.
(2)
انظر نص الشافعي في الأم 3/ 231، وفي تحفة المحتاج 5/ 282:(وشركة المفاوضة) بفتح الواو من تفاوضًا في الحديث: شَرَعا فيه جميعًا، أو مِنْ قوم فوضى، أي: مستوين (ليكون بينهما كسبُهما) ببدن أو مالٍ من غير خلط (وعليهما ما يعرض من غُرم) بنحو غصب، أو إتلاف. وهي باطلة أيضًا؛ لاشتمالها على أنواع من الغرر فيختص كل بما كسبه. اهـ مع اختصار يسير. قال في نهاية المحتاج زيادة على ما في التحفة:"نعم لو نويا هنا شركة العنان وثَمَّ مالٌ بينهما صَحَّت". نهاية المحتاج 5/ 3. وفي التحفة أيضًا 5/ 283: (وشركة العنان). . . وسيعلم أنها: اشتراكهما في مالٍ لهما ليتجرا فيه (صحيحه) إجماعًا؛ ولسلامتها من سائر أنواع الغرر. من عنان الدابة؛ لاستوائهما في التصرف وغيره، كاستواء طرفي العنان. أو لمَنْع كلِّ الآخر مما يريد =
والحق أن بناء المسألتين على هذا الأصل غير صحيح؛ فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف؟ لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على إطلاق لفظ الثوب على الفرس
(1)
، أو الألْف على الألْفين مثلًا
(2)
(3)
.
قال: (وطريق معرفتها النقل المتواتر، والآحاد، (واستنباط العقل)
(4)
من النقل، كما إذا نُقل أنَّ الجمعَ المعرَّف باللام يدخله الاستثناء، وأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فيحكم بعمومه، وأما العقل الصِّرْف
(5)
فلا يجدي).
هذا هو: الأمر السادس: في بيان كيفية الطريق إلى
(6)
معرفة وضع
= كمَنْع العنان للدابة. أو مِنْ عَنَّ: ظهر؛ لظهورها بالإجماع عليها. أو مِنْ عنان السماء، أي: ما ظهر منها، فهي على غير الأخير بكسر العَيْن على الأشهر، وعليه بفتحها. اهـ. وانظر: نهاية المحتاج 5/ 4، شرح المحلي على المنهاج 2/ 333. وهذه المسألة الفرعية مبنية على أنه هل يجوز قلب اللغة أو لا؟ فمن لا يجوِّز وهم القائلون بالتوقيف يلزمهم منع استخدام المفاوضة بمعنى العنان، ومَنْ يجوز قلب اللغة يجوز هذا بناءً على أن اللغة كلها اصطلاحية. هذا على افتراض انبناء هذه المسألة على القاعدة المذكورة.
(1)
هذا إشارة إلى مسألة المفاوضة والعنان، وأنهما لفظان مختلفان، هل يصح إطلاق أحدهما على الآخر، كإطلاق الثوب على الفرس؟ .
(2)
هذا إشارة إلى مسألة الصداق، وأنه هل يصح أن يريد بالألف ألفين؟
(3)
انظر: البحر المحيط 2/ 246.
(4)
في (غ): "والاستنباط للعقل".
(5)
أي: الخالص. المصباح 1/ 363، مادة (صرف).
(6)
في (ك): "في".
الألفاظ لمعانيها:
وذلك بطريق الحَصْر: إما النقل الصِّرف، أو العقل الصرف، أو المركب منهما.
الأول: النقل: وهو إما متواتر، أو آحاد.
الأول: المتواتر: كالسماء؛ والأرض، والحر، والبرد. وهو مفيد للقطع.
والثاني
(1)
: الآحاد: كالقرء
(2)
، ونحوه. وهو
(3)
مفيد للظن.
الثاني: العقل الصِّرْف: قال في الكتاب: "وهو لا يجدي"
(4)
أي: لا ينفع؛ إذ لا مجال للعقل في معرفة الموضوعات اللغوية.
الثالث: المركب منهما: كما إذا نُقل إلينا أن الجمع المُعَرَّف بالألف واللام يجوز أن يدخله الاستثناء، ونُقِل إلينا أن الاستثناء: إخراج بعض
(5)
ما يتناوله اللفظ - فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المُحَلَّى بالألف واللام للعموم.
وقد بلغنا أن الإمام العلامة زين الدين بن الكتناني
(6)
رحمه الله اعترض
(1)
في (ص): "الثاني".
(2)
في (ص)، و (ت):"كالفرس"، وهو تصحيف؛ إذ الفرس يدخل في المنقول بالتواتر.
(3)
في (ك): "فهو".
(4)
في (ت): "فلا يجدي".
(5)
سقطت من (ص)، و (غ)، و (ك).
(6)
هو عمر بن أبي الحرم بن عبد الرحمن بن يونس، الشيخ زين الدين بن الكَتْنانِيّ، الفقيه الأصوليّ، شيخ الشافعية. ولد سنة 653 هـ. قال ابن السبكي: "وكان قد =
على التمثيل بهذا، وقال: هاتان المقدمتان نقليتان، وإذا تركب الدليل من مقدمتين نقليتين لم يصح أن يقال: إنه مركب من العقل والنقل. وهذا عجيب
(1)
؛ فإنه لولا العقل لما صح الاستنتاج من المقدمتين النقليتين، وتركيبُهما على الوجه المُنْتِج، وبيانُ صحة الإنتاج
(2)
مِنْ فعل العقل، والجزء الصوري
(3)
للقياس عقلي
(4)
.
= وَلَع في آخر عمره بمناقشة الشيخ محيي الدين النوويّ، وأكثر من ذلك، وكتب على "الروضة" حواشِيَ وقف والدي - أطال الله عمره - على بعضها، وأجاب عن كلامه". توفي سنة 738 هـ. انظر: الطبقات الكبرى 10/ 377، الدرر 3/ 161.
(1)
في (ت): "عجب".
(2)
أي: صحة نتيجة القياس.
(3)
وهو التركيب مِنْ مقدمة صغرى وكبرى.
(4)
انظر مسائل فصل الوضع في: المحصول 1/ ق 1/ 243 - 297، التحصيل 1/ 194 - 199، الحاصل 1/ 274 - 295، الإحكام 1/ 73، نهاية السول 2/ 11 - 30، السراج الوهاج 1/ 243 - 259، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 261 - 267، 269 - 271، نهاية الوصول 1/ 75 - 115، تيسير التحرير 1/ 49 - 56، فواتح الرحموت 1/ 177 - 185، بيان المختصر 1/ 275 - 286، المسودة ص 562 - 564.
الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ