الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة
فيها زالت دولة الجراكسة بملوك بني عثمان خلّد الله دولتهم وأبّد سيادتهم.
وفيها توفي القاضي برهان الدّين إبراهيم السّمديسي المصري الحنفي [1] .
قال في «الكواكب» : ولي نيابة القضاء والوظائف الدينية بالقاهرة، وناب عن عمّه القاضي شمس الدّين السّمديسي في إمامة الغورية.
وتوفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى وصلّي عليه في الجامع [2] الأزهر. انتهى وفيها برهان الدّين أبو الوفاء إبراهيم بن زين الدّين أبي هريرة عبد الرحمن بن شمس الدّين محمد بن مجد الدّين إسماعيل الكركي الأصل القاهري [3] المولد والدار والوفاة، الحنفي إمام السلطان، ويعرف بابن الكركي.
قال في «النّور السافر» : ولد وقت الزوال من يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، وأمه أم ولد جركسية، وحفظ القرآن، و «أربعين النّووي» و «الشاطبية» و «مختصر القدوري» و «ألفية ابن مالك» وغيرها.
وعرض محفوظاته على أئمة عصره، كالشهاب ابن حجر، والعلم البلقيني،
[1] ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 112) .
[2]
في «أ» : (بالجامع) .
[3]
ترجمته في «النور السافر» ص (108) .
والقلقشندي، واللولوي السقطي، وابن الدّيري، وابن الهمام، وجماعة آخرين، وكتبوا كلّهم له، وسمع «صحيح مسلم» أو أكثره على الزّين الزّركشي، وأقبل على العلم وتحصيله، فأخذ الفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية، وكذا أخذ عن النجم الغزّي، والعزّ عبد السلام البغدادي، وسمع عليه «الشفا» وقرأ «الصحيحين» على الشّهاب بن العطّار، وحضر دروس الكمال بن الهمام، ولازم التّقي الحصني، والتّقي الشّمنّي، والكافيجي، وعظم اختصاصه بهم، وأخذ عن الشّمنّي التفسير، وعلوم الحديث، والفقه، والأصلين، والعربية، والمعاني، والبيان، ورتّبت له الوظائف الكثيرة، من جملتها دينار كل يوم، ونوه به في قضاء الحنفية، وكان شأنه أعلى من ذلك إذ كان القضاة وغيرهم يترددون إليه، ومال الأفاضل من الغرباء وغيرهم من الاستفادة منه والمباحثة معه، ولم يزل يزيد اختصاصه بالسلطان قايتباي بحيث لم يتخلف عنه في سفر ولا غيره.
قال السخاوي: إنه تمنى بحضرته الموت فانزعج من ذلك وقال: بل أنا أتمناه لتقرأ عند قبري وتزورني، وصنّف، وأفتى، وحدّث، وروى، ونظم، ونثر، ونقّب، وتعقب، وخطب، ووعظ، وقطع، ووصل، وقدّم، وأخر.
ومن تصانيفه فتاوى في الفقه مبوبة في مجلدين، و «حاشية على توضيح ابن هشام» هذا كله مع الفصاحة، والبلاغة، وحسن العبارة، والضبط، وجودة الخط، ولطف العشرة، والميل إلى النّادرة، واللطف، ومزيد الذكاء، وسرعة البديهة، والاعتراف بالنّعمة، والطبع المستقيم، إلى أن تنكد خاطر السلطان من جهته في سنة ست وثمانين فمنعه من الحضور في حضرته، فتوجه للإقراء في بيته فنون العلم والفتيا، وحجّ ثلاث حجّات، وأخذ عن أهل الحرمين، وأخذوا عنه. انتهى كلام صاحب «النّور» .
وقال ابن فهد: إنه تولى قضاء الحنفية بالقاهرة في زمن الأشرف بن قايتباي في سنة ثلاث وتسعمائة، ثم عزل سنة ست، واستمرّ معزولا إلى أن مات.
وقال في «الكواكب السائرة» : كانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان غريقا تجاه منزله من بركة الفيل بسبب أنه كان توضأ بسلالم قيطونه فانفرك به القبقاب
فانكفأ في البركة ولم يتفق أحد يسعفه فاستبطأوه وطلبوه فوجدوا عمامته عائمة وفردة القبقاب على السّلّم فعلموا سقوطه في البركة فوجدوه ميتا، ونال الشهادة، ودفن من الغد بفسقيته [1] التي أنشأها بتربة الأتابك يشبك بقرب السلطان قايتباي، وتردد الأمير طومان باي الذي صار سلطانا بعد موت الغوري إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته هو ومن بمصر من الأعيان. انتهى وفيها برهان الدّين أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد القلقشندي [2] الشيخ الإمام العلّامة المحدّث الحافظ الرّحلة القدوة الشافعي القاهري.
أخذ عن جماعة، منهم الحافظ ابن حجر، والمسند عزّ الدّين بن الفرات الحنفي، وغيرهما، وخرّج لنفسه «أربعين حديثا» .
قال البدر العلائي: إنه آخر من يروي عن الشّهاب الواسطي، وأصحاب الميدومي، والتّاج الشّرابشي، والتّقي الغزنوي، وعائشة الكنانية، وغيرهم، وقال الشعراوي.
كان عالما صالحا زاهدا، قليل اللهو والمزاح [3] ، مقبلا على أعمال الآخرة، حتى ربما يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل، انتهت إليه الرئاسة وعلو السّند في الكتب الستة والمسانيد والإقراء. قال: وكان لا يخرج من داره إلّا لضرورة شرعية، وليس له تردد إلى أحد من الأكابر، وكان إذا ركب بغلته وتطيلس يصير الناس كلّهم ينظرون إليه من شدّة الهيبة والخفر الذي عليه.
وتوفي فقيرا بحصر البول يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة عن إحدى وتسعين سنة لا تزيد يوما ولا تنقص يوما وصلي عليه بالجامع الأزهر، ودفن بتربة الطويل خارج باب الحديد من صحراء القاهرة.
قال الشعراوي: وكأن الشمس كانت في مصر فغربت أي عند موته.
[1] في «أ» : (بفسيقيته) .
[2]
ترجمته في «متعة الأذهان» (ق 24) ، و «الكواكب السائرة» (1/ 108) ، و «النور السافر» (110) .
[3]
في «أ» : (والمزح) .
وفيها برهان الدّين إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطّرابلسي ثم الدمشقي [1] نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلّامة.
أخذ عن السّخاوي، والديمي، وغيرهما، وكان منقطعا في خلوة بالمؤيدية عند الشيخ صلاح الدّين الطّرابلسي، ثم طلب العلم واشتغل، وترقى مقامه عند الأتراك بواسطة اللّسان، ثم صار شيخ القجماسية.
وتوفي في آخر هذه السنة وصلّي عليه وعلى البرهانين ابن الكركي المتقدم، وابن أبي شريف الآتي في السنة التي بعد هذه غائبة بجامع دمشق.
وفيها أحمد بن أبي بكر العيدروس [2] الشيخ الصّالح الولي العجيب.
قال في «النّور» : أمه بهية بنت الشيخ علي بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن الشقّاف، وأمها فاطمة بنت الشيخ عمر المحضار بن الشيخ عبد الرحمن الشقّاف فولده الشيخ عمر من الجهتين كما ولده أيضا الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن مرتين وقد تميّز بهذا عن غيره من بني عمه كما أشار إليه العلّامة بحرق حيث يقول فيه [3] :
أصيل [4] السّيادة لا ينتمي
…
إلى جدّ [5] إلّا هو السّيّد
لئن شاركته بنو العيدروس
…
بفخر هو الشمس لا يجحد
فقد خصّه الله من بينهم
…
بآيات مجد له تشهد
حوى سرّ جدّيه من أمه
…
فطاب له الفرع والمحتد
فهو الوارث لأبيه وجدّه وحامل الراية من بعده، وولي عهده، فقد قام بالمقام أتمّ قيام، ونهض بما نهض به آباؤه الكرام فساد وجاد وبنى معاقل المجد، وشاد
[1] ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 112) ، و «النور السافر» (111) .
[2]
ترجمته في «النور السافر» (105) .
[3]
الأبيات في «النور السافر» (105) .
[4]
في «النور» : (أصل) ولا يستقيم بها الوزن.
[5]
في «النور» : (حدّ) ولا يستقيم بها المعنى.
وأحيا الرواتب التي أسسها أبوه والأوراد، وواظب [1] على إطعام الطعام وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام باذلا جاهه وماله في إيصال النّفع إلى أهل الإسلام، واتفق أن ثمن الكسوة التي اشتراها في آخر ختمة لرمضان صلّاها بلغ خمسة آلاف دينار أو أكثر وحكى أن خبز مطبخه كان إذا ركموه يبلغ إلى سطح الدار، ودور عدن عالية جدا بحيث أنها تكون على ثلاثة قصور غالبا. قال الراوي:
فعجبت وقلت: ما كان بعدن إذ ذاك سائل. قالوا: لا ما كان في زمنه وزمن والده في عدن سائل أصلا.
ومحاسنه- رحمه الله تعالى- أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، ورثاه العلّامة بحرق بمرثية حسنة منها [2] :
لمن تبنى مشيدات القصور
…
وأيام الحياة إلى قصور
إلى أن قال:
وروّعت الأنام [3] بفقد شخص
…
رزئت به على بشر كثير
شهاب ثاقب من نور بدر
…
تبقي من شموس من بدور
وهي طويلة.
وتوفي في سلخ المحرم بعدن ودفن بها في قبة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة تقريبا. انتهى ملخصا.
وفيها السيد أحمد البخاري [4] العارف بالله تعالى الشريف الحسيني.
قال في «الكواكب» : صحب في بدايته الشيخ العارف بالله تعالى خواجه عبيد الله السّمرقندي، ثم صحب بأمره الشيخ الإلهي، وسار معه إلى بلاد الرّوم، وترك أهله وعياله، ببخارى، وكان الشيخ الإلهي يعظّمه غاية التعظيم، وعيّن له
[1] في «أ» : (ووظب) وهو خطأ.
[2]
القصيدة بكاملها في «النور السافر» (106- 107) .
[3]
في «أ» : (الأيام) .
[4]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 152- 153) .
جانب يمينه، وكان يقول: إن السيد أحمد البخاري صلّى بنا الفجر بوضوء العشاء ست سنين.
وسئل السيد أحمد عن نومه في تلك المدة. قال: كنت آخذ بغلة الشيخ وحماره في صبيحة كل يوم وأصعد الجبل لنقل الحطب إلى مطبخ الشيخ، وكنت أرسلهما ليرتعا في الجبل واستند إلى جبل [1] وأنام ساعة، وذهب بإذن شيخه إلى الحجاز على التجريد والتوكل، وأعطاه الشيخ حمارا وعشرة دراهم، وأخذ من سفرة الشيخ خبزة واحدة، ولم يصحب سوى ذلك إلا مصحفا ونسخة من «المثنوي» فسرق المصحف، وباع «المثنوي» بمائة درهم، وكان مع ذلك على حسن حال وسعة نفقة. وجاور بمكّة المشرّفة قريبا من سنة، ونذر أن يطوف بالكعبة كل يوم سبعا ويسعى بين المروتين سبعا، وكان كل ليلة يطوف تارة ويجتهد أخرى، وتارة يستريح، ولا ينام ساعة مع ضعف بنيته، وزار القدس الشريف وسكنه مدة، ثم رجع إلى شيخه وخدمته ببلدة سيما، ثم وقع في نفسه زيارة مشايخ القسطنطينية فاستأذن من شيخه فأذن له، فذهب إليها، ثم كتب إلى شيخه يرغبه في سكناها، فرحل إليه شيخه، ثم لما مات شيخه كان خليفته في مقامه ورغب الناس في خدمته حتّى تركوا المناصب واختاروا خدمته، وكان على مجلسه الهيبة والوقار، وكان له أشراف على الخواطر، ولا يجري في مجلسه ذكر الدنيا أصلا، وكانت طريقته الأخذ بالعزيمة، والعمل بالسّنّة، والتجنب عن البدعة، والعزلة، والجوع، والصّمت، وإحياء الليل، وصوم النهار، والمحافظة على الذكر الخفي.
وتوفي بقسطنطينية ودفن عند مسجده وقبره يزار ويتبرّك به، قيل: ولما وضع في قبره توجه هو بنفسه إلى القبلة وصلى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى وفيها أحمد الزواوي [2] ، الشيخ الصّالح العابد.
أخذ الطريق عن الشيخ شعبان البلقطري، وكان ورده في اليوم والليلة عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال المناوي في «طبقات الأولياء» : كان عابدا، زاهدا، جزل الألفاظ،
[1] في «أ» : (شجرة) .
[2]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 152) .
لطيف المعاني، يفعل قوله في النّفوس ما لا تفعله المثالث والمثاني، ولما سافر الغوري إلى قتال ابن عثمان جاء إلى مصر ليرد ابن عثمان عنها، فعارضه بعض أوليائها فلحقه داء البطن، فتوجه إلى دمنهور الوحش فمات في الطريق ودفن بدمنهور. انتهى وفيها بدر الدّين حسن بن عطية بن محمد بن فهد العلوي الهاشمي المكّي الشافعي [1] الإمام المسند.
ولد يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وأخذ عن والده وعمّه الحافظ تقي الدّين وأبي الفتح المراغي، وعبد الرحيم الأسيوطي، وابن حجر العسقلاني، واجتمع به ابن طولون في سنة عشرين وأجازه ولم يسمع منه، وتوفي في هذه السنة.
وفيها حسام الدّين حسين بن حسن بن عمر البيري ثم الحلبي الشافعي الصّوفي [2] .
قال في «الكواكب» : وصفه شيخ الإسلام الوالد في رحلته وغيرها بالشيخ الإمام الكبير العلّامة المفتي العارف بالله تعالى.
ولد ببيرة الفرات، ثم انتقل إلى حلب، وجاور بجامع الطواشي، ثم بالأجيهية، ثم ولي في سنة أربع وتسعمائة النظر والمشيخة بمقام سيدي إبراهيم بن أدهم، وكان له ذوق، ونظم، ونثر بالعربية والفارسية والتركية، وله رسالة في القطب والإمام، وعرّب شيئا من «المثنوي» من الفارسية وشيئا من «منطق الطير» من التركية منه:
اسمعوا يا سادتي صوت اليراع
…
كيف يحكي عن شكايات الوداع
ومنه:
ما ترى قطّ حريصا قد شبع
…
ما حوى الدّرّ الصدف حتى قنع
[1] ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 177) .
[2]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 184) .
ومن شعره رضي الله عنه:
بقايا حظوظ النّفس في الطبع أحكمت
…
كذلك أوصاف الأمور الذّميمة
تحيّرت في هذين والعمر قد مضى
…
إلهي فعاملنا بحسن المشيئة
انتهى ملخصا.
وفيها المولى سعدي بن ناجي [1] بيك أخو المولى جعفر جلبي بن ناجي بيك الرّومي الحنفي العالم الفاضل.
قرأ على جماعة من الموالي، منهم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده، والمولى محمد بن الحاج حسين، وبرع، واشتهرت فضائله، ودرّس في مدرسة السلطان مراد خان الغازي ببروسا، ثم أعطي مدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية، ثم إحدى الثمانية، ثم حجّ وعاد فأعطي تقاعدا بثمانين عثمانيا.
وكان فاضلا في سائر الفنون، خصوصا العربية، وله باللسان العربي إنشاء وشعر في غاية الجودة، وله حواش على «شرح المفتاح» للسيد الشريف، وحاشية على «باب الشهيد من شرح الوقاية» لصدر الشريعة ونظم «عقائد النسفي» بالعربية، وله رسائل [2] أخرى. قاله في «الكواكب» .
وفيها المولى عبد الرحمن [3] بن علي، المعروف بابن المؤيد الأماسي الرّومي [4] الحنفي العالم العلّامة المحقّق الفهامة.
ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة، واشتغل بالعلم [5] ببلده، ولما بلغ سنّ الشباب صحب السلطان أبا يزيد خان حين كان أميرا بأماسية، فوشى به المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد، فأمر بقتله، فبلغ
[1] ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 208) و «الشقائق النعمانية» (197) .
[2]
في «أ» : «رسالة» .
[3]
في «أ» : «عبد الرحيم» وما جاء في «ط» هو الصواب.
[4]
ترجمته في «الشقائق النعمانية» (176) ، و «الطبقات السنية» (4/ 292) ، و «الكواكب السائرة» (1/ 232) .
[5]
في «أ» : «في العلم» .
السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فأعطاه عشرة آلاف درهم وخيلا وسائر أهبة السفر، وأخرجه ليلا من أماسية ووجهه إلى بلاد حلب، وكانت إذ ذاك في أيدي الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، فأقام هناك مدة، واشتغل بها في النحو، فقرأ في «المفصّل» [1] ، ثم أشار عليه بعض تجّار العجم أن يذهب إلى المولى جلال الدّين الدّواني ببلدة شيراز، ووصف له بعض فضائله، فخرج مع تجّار العجم، وقصد المنلا المذكور، فقرأ عليه زمانا كثيرا، وحصّل عنده من العلوم العقلية، والعربية، والتفسير، والحديث، كثيرا، وأجازه، وشهد له بالفضل التّام بعد أن أقام عنده سبع سنين، فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد على تخت السلطنة، سافر إلى الرّوم، فصحب موالي الرّوم، وتكلّم معهم فشهدوا بفضله وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندرخانه بالقسطنطينية، ثم إحدى [2] ، الثمانية، ثم قضاء القسطنطينية، ثم أدرنه، ثم قضاء العسكر بولاية أناضولي [3] ، ثم بولاية روم إيلي، ثم عزل، وجرت له محنة، ثم لما [4] تولى السلطان سليم خان أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة، وسافر معه إلى بلاد العجم لمحاربة الشاه إسماعيل، ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل في عقله في شعبان سنة عشرين، وعيّن له كل يوم مائتي درهم، ورجع إلى القسطنطينية معزولا، وكان قبل اختلاله بالغا الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية، ماهرا في التفسير، مهيبا، حسن الخطّ جدا، ينظم الشّعر بالفارسية والعربية، وله مؤلفات بقي أكثرها في المسودات، منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم الكلام، ورسالة في تحقيق الكرة المدحرجة.
وتوفي بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان، وقيل: في تاريخ وفاته [5] :
[1] في «ط» : «الفصل» وهو تحريف.
[2]
في «أ» : «أحد» .
[3]
في «أ» : «أناظولا» .
[4]
ليست اللفظة في «أ» .
[5]
الأبيات في «الشقائق والكواكب» .
نفسي الفداء لحبر حل حين قضى
…
في روضة وهو في الجنّات محبور
مقامه في علا الفردوس مسكنه
…
أنيسه في الثّرى الولدان والحور
قل للّذي يبتغي تاريخ رحلته
…
(نجل المؤيّد مرحوم ومغفور)[1]
وفيها قاضي القضاة محيى الدّين عبد القادر، المعروف بابن النّقيب القاهري [2] الشافعي الإمام العلّامة.
قرأ على جماعة من الأعلام، منهم الكمال بن أبي شريف، وزكريا الأنصاري، وتولى قضاء مصر مرارا [3] ، وكان لا يصلي الصّبح صيفا ولا شتاء إلّا في الجامع الأزهر، يمشي كل يوم من المدرسة الناصرية إليه، وكان متواضعا، سريع الدّمعة، وكان بيده مشيخة الخانقاه الصّلاحية سعيد السعداء، وتدريس الظّاهرية الجديدة، برقوق بين القصرين، وكان مارّا بالقصبة ليلة الاثنين حادي عشر ربيع الأول فرفسه بغل فانكسر ضلعه أو فخذه ومات في اليوم الثاني.
وفيها تاج الدّين عبد الوهاب الذاكر المصري [4] الشيخ الصّالح المسلك المربي المجد الدّاعي إلى الله تعالى.
ربي يتيما بمكتب مدرسة الحسامي، فلما ترعرع تعلّق على صنعة البناء، ثم وفقه الله تعالى للاجتماع على الشيخ نور الدّين بن خليل عرف بابن عين الغزال، فلازمه وصار يحضر المحافل، ويتردّد إلى الشيخ تقي الدّين الأوجاقي، حتّى اشتهر، فجمع الناس، ولازم الذكر والخير، وأقرأ «البخاري» و «الشفا» و «العوارف» بروايته لها عن العزّ بن الفرات، وعن التّقي الأوجاقي، ونازع العلائي أن يكون سمع من العزّ بن الفرات، وكان نيّر الوجه، حسن السّمت، كثير
[1] كذا في «آ» و «ط» و «الكواكب السائرة» : «ومغفور» ولا يصح العدد فيها على حساب الجّمل، وفي «الشقائق» وهو الصواب:
نجل المؤيد مرحوم ومبرور 83 91 294 454 922
[2]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 253) .
[3]
في ط: «مرات» .
[4]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 258- 259) .
الشفاعات، شديد الاهتمام بقضاء حوائج الناس، مجدا في العبادة، دائم الطّهارة، لا يتوضأ عن حدث إلا كل سبعة أيام، وسائر طهاراته تجديد، وانتهى أمره آخرا إلى أنه كان يمكث اثني عشر يوما لا يتوضأ عن حدث، ولم يعرض ذلك لأحد في عصره إلّا الشيخ أبي السعود الجارحي، وامتحنه قوم دعوه وجعلوا يطعمونه سبعة أيام ولم يحدث، ثم علم أنهم امتحنوه فدعا عليهم فانقلبت بهم المركب، فقيل له في ذلك، فقال: لا غرق وإنما هو تأديب وينجون، فكان كذلك ثم ندم على الدعاء عليهم، وقال: لا بد لي من المؤاخذة، فمرض أكثر من أربعين يوما، ومكث خمسا وعشرين سنة لم يضع [1] جنبه على الأرض إنما ينام جالسا على حصير، وقال عند موته: لي أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء، وقد طويت سجادتي من بعدي.
وتوفي يوم الخميس ثالث عشري جمادي الآخرة، ودفن بزاويته قريبا من حمّام الدودحين. قاله في «الكواكب» .
وفيها عزّ الدّين الصّابوني الحلبي [2] الحنفي، المعروف بابن عبد الغني ابن عمّ أبي بكر بن الموازيني.
كان خطيبا جيد الخطبة، ولي خطابة جامع الأطروش بحلب، فلما دخل السلطان سليم خان حلب في هذه السنة صلى الجمعة بالجامع المذكور خلف المذكور فحظي بسبب ذلك، ولم يلبث أن توفي في هذه السنة، وكان في قدميه اعوجاج بحيث لا يتردّد في الشوارع إلّا راكبا.
وفيها عائشة بنت يوسف بن أحمد [3] بن ناصر بنت الباعوني المعروفة بالباعونية الشيخة الصّالحة الأريبة العالمة العاملة أم عبد الوهاب الدمشقية أحد أفراد الدّهر [4] ونوادر الزّمان فضلا وأدبا وعلما وشعرا وديانة وصيانة.
[1] في «أ» : «يضجع» وما هنا يوافق ما في الكواكب.
[2]
ترجمته في «در الحبب» (1/ 2/ 894- 895) ، و «الكواكب السائرة» (1/ 260) .
[3]
ترجمتها في «در الحبب» (1/ 2/ 1060- 1069) ، و «متعة الأذهان» (112- 113) ، و «الكواكب السائرة» (1/ 287- 292) .
[4]
في «ط» : «الدهور» .
تنسكت على يد السيد الجليل إسماعيل الخوارزمي، ثم على خليفة المحيوي يحيى الأرموي، ثم حملت إلى القاهرة، ونالت من العلوم حظا وافرا، وأجيزت بالإفتاء والتدريس، وألّفت عدة مؤلفات، منها «الفتح الحنفي» يشتمل على كلمات لدنيّة ومعارف سنية، وكتاب «الملامح الشريفة والآثار المنيفة» يشتمل على إنشادات صوفية ومعارف ذوقية، وكتاب «درر [1] الغائص في بحر المعجزات والخصائص» وهو قصيدة رائية، وكتاب «الإشارات الخفية في المنازل العلية» وهي أرجوزة اختصرت فيها «منازل السائرين» للهروي، وأرجوزة أخرى لخصت فيها «القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع» للسخاوي، و «بديعية» وشرحتها، وغير ذلك. ومن كلامها: وكان مما أنعم الله به عليّ أنني بحمده لم أزل أتقلب في أطوار الإيجاد في رفاهية [2] لطائف البرّ الجواد إلى أن خرجت إلى هذا العالم المشحون بمظاهر تجلياته الطافح بعجائب قدرته، وبدائع إرادته، المشوب موارده بالأقدار والأكدار الموضوع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار دار ممر لا بقاء لها إلى دار القرار فربّاني اللطف الرّبّاني في مشهد النّعمة والسّلامة، وغذّاني بلبان مدد [3] التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة، وفي بلوغ درجة التمييز أهّلني الحقّ لقراءة كتابه العزيز، ومن عليّ بحفظه على التمام ولي من العمر حينئذ ثمانية أعوام، ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف حتى بلغت درجة التكليف في كلام آخر.
ولما دخلت القاهرة ندبت لقضاء مآرب لها تتعلق بولد لها كان في صحبتها المقر أبو [4] الثنا محمود بن أجا الحلبي صاحب دواوين الإنشاء بالديار المصرية فأكرمها وولدها وأنزلها في حريمه، وكانت قد مدحته بقصيدة أولها [5] :
روى البحر أصباب [6] العطا عن نداكم
…
ونشر الصّبا عن مستطاب ثناكم
[1] في «ط» : (در) .
[2]
ليست اللفظة في «أ» .
[3]
في «ط» : (مداد) وهو خطأ.
[4]
في «أ» : (أبا) وهو خطأ.
[5]
البيت في «در الحبب» (1/ 2/ 1064) و «الكواكب» (1/ 288) .
[6]
جاء في حاشية «الكواكب» ما يلي: في الهامش بخط متأخر ما يلي: «لعل صوابه أخبار» .
فعرضها على شيخ الأدباء السيد عبد الرحيم العبّاسي القاهري فأعجب بها، وبعث إليها بقصيدة من بديع نظمه فأجابت عنها بقصيدة مطلعها [1] :
وافت تترجم عن حبر هو البحر
…
بديعة زانها مع حسنها الخفر
ومن شعرها [2] :
نزّه الطّرف في دمشق ففيها
…
كلّ ما تشتهي وما تختار
هي في الأرض جنة فتأمّل
…
كيف تجري من تحتها الأنهار
كم سما في ربوعها كلّ قصر
…
أشرقت من وجوهها الأقمار
وتناغيك بينها صارخات [3]
…
خرست [4] عند نطقها الأوتار
كلّها روضة وماء زلال
…
وقصور مشيدة وديار
وذكر ابن الحنبلي: أنها دخلت حلب في هذه السنة والسلطان الغوري بها لمصلحة لها كانت عنده، فاجتمع بها من وراء حجاب البدر السّيوفي، وتلميذه الشمس السّفيري، وغيرهما. ثم عادت إلى دمشق وتوفيت بها في هذه السنة.
وفيها السلطان الملك الأشرف أبو النّصر قانصوه بن عبد الله الجركسي المشهور بالغوري [5] وسمّاه ابن طولون جندب، وجعل قانصوه لقبا له.
والغوري نسبة إلى طبقة الغور أحد الطبقات التي كانت بمصر معدة لتعليم المؤدبين.
قال ابن طولون: كان يذكر أن مولده في حدود الخمسين وثمانمائة وترقي في المناصب حتّى صار نائب طرسوس، فانتزعها منه جماعة السلطان أبي يزيد بن
[1] البيت في «در الحبب» (1/ 2/ 1065) و «الكواكب» (1/ 288) .
[2]
الأبيات في «الكواكب» (1/ 292) .
[3]
في «الكواكب» : (صارحات) .
[4]
في «ط» : (خرصت) تحريف.
[5]
ترجمته.
عثمان فهرب منها وعاد إلى حلب، فلما انتصر عسكر مصر على الأروام عاد إلى طرسوس مرة ثانية، ثم أخذها الأروام مع ما والاها فهرب منها أيضا إلى حلب ثم نصر عسكر مصر ثانيا فعاد إليها مرة ثالثة، ثم أعطي نيابة ملطية، فلما مات الملك الأشرف قايتباي رجع إلى مصر ووقعت له أمور في دولة الملك الناصر بن قايتباي، ثم أعطاه تقدمة ألف، ثم في دولة جان بلاط أعطاه رأس نوبة النّوب، ثم تنقّلت به الأحوال إلى أن صار سلطانا.
قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه «نزهة الناظرين» : تولى الملك يوم الاثنين عيد الفطر مستهل شوال سنة ست وتسعمائة بعد أن هاب أمر الجلوس على تخت الملك، وجعل بعضهم يحيل على بعض في الجلوس عليه، فاتفقوا على الغوري لأنهم رأوه [1] ليّن العريكة، سهل الإزالة- أي وقت أرادوا- وليس الأمر كما ظنوا، فقال لهم أقبل ذلك بشرط أن لا تقتلوني بل إذا أردتم خلعي وافقتكم، فاستوثق منهم وبويع بقلعة الجبل بحضرة الخليفة المستنصر بالله والقضاة الأربع وأصحاب الحلّ والعقد، فأقام سلطانا خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، وكان ذا رأي وفطنة كثير الدّهاء والعسف قمع الأمراء وأذل المعاندين، حتّى اشتد ملكه وهيبته فهادته الملوك وأرسلت قصادها إليه كملك الهند، واليمن، والمغرب، والرّوم، والمشرق، والعبد، والزّنج، وفكّ الأسرى منهم، وكان له المواكب الهائلة، ومهد طريق الحجّ بحيث كان يسافر فيه النّفر اليسير، وكانت فيه خصال حسنة، وكان يصرف لمطبخ الجامع الأزهر في رمضان ستمائة وسبعين دينارا، ومائة قنطار عسل، وخمسمائة إردب قمح للخبز المفرق فيه.
وفي أيامه بنى دائرة الحجر الشريف وبعض أروقة المسجد الحرام وباب إبراهيم، وجعل علوه قصرا شاهقا وتحته ميضأة، وبنى عدة خانات وآبار في طريق [2] الحج المصري، منها خان في العقبة والأزلم وأنشأ مدرسة بسوق الجملون بالقاهرة والتربة المقابلة لها والمئذنة المعتبرة بالجامع الأزهر، والبستان
[1] في «ط» : «يروه» .
[2]
في «أ» : (طرق) .
تحت القلعة، والمنتزه العجيب بالملقة، وأنشأ مجرى الماء من مصر إلى القلعة، وعمر بعض أبراج الإسكندرية، وغير ذلك من جوامع وقصور ومنتزهات، إلا أنه كان شديد الطّمع، كثير الظّلم والعسف، مصادرا للناس في أخذ أموالهم، وبطل الميراث في أيامه بحيث كان إذا مات أحد أخذ ماله جميعا. كذا قال القطبي، فجمع أموالا عظيمة وخزائن وأمتعة، وافتتح اليمن، واتخذ مماليك لنفسه، فصاروا يظلمون الناس، وأظهروا الفساد وأضروا العباد وهو يغضي عنهم ويحكى أن بعض مماليكه اشترى متاعا ولم يرض صاحبه بقيمته، فقال له: شرع الله، فضربه بالدبوس فشج رأسه، وقال: هذا شرع الله فسقط مغشيا عليه، وذهب بالمتاع ولم يقدر أحد يتكلم، فرفع بعض الصّالحين يديه ودعا على الجندي وعلى سلطانه بالزوال، ثم قالت له نفسه: كيف يزول ملك هذا السلطان العظيم الذي ملأت جنوده وسطوته الأرض فلم يمض إلا قليل، ثم وقعت فتنة [1] بينه وبين السلطان سليم ملك الرّوم بسبب إسماعيل شاه، فقصد كل منهما الآخر في عسكرين عظيمين، فالتقيا بموضع يسمّى مرج دابق شمالي حلب بمرحلة، خامس عشري رجب، فانهزم عسكر الغوري بمكيدة خير بك والغزّالي من جماعته، وفقد الغوري تحت سنابك الخيل في مرج دابق، وأقام السلطان سليم بعد الوقعة في بلاد الشام أشهرا، وأمر بعمارة قبر الشيخ محيي الدّين بن عربي بصالحية دمشق.
ثم تولى في تلك المدة بمصر الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري، ووقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها، ثم سلّم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة، وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور.
وبه انقرضت دولة الجراكسة.
وفي آخر أيام الغوري في حدود العشرين ظهرت الفرنج البرتقال [2] على بنادر [3] الهند استطرقوا إليها من بحر الظلمات من وراء جبال القمر منابع النيل، فعاثوا في أرض الهند، ووصل أذاهم وفسادهم إلى جزيرة العرب وبنادر اليمن
[1] ليست اللفظة في «ط» .
[2]
قلت: ويعرفون الآن بالبرتغال.
[3]
في «أ» : (البرتقان على بندار) .
وجدّة، فلما بلغ السلطان الغوري ذلك جهّز إليهم خمسين غرابا مع الأمير حسين الكردي، وأرسل معه فيها [1] عسكرا عظيما من التّرك والمغاربة واللوند، وجعل له جدّة أقطاعا، وأمره بتحصينها، فلما وصل حسين الكردي شرع في بناء سورها وإحكام أبراجها، وهدم كثيرا من بيوت الناس، مع عسف وشدة ظلم، بحيث بنى السّور جميعه في دون عام ثم توجه بعساكره إلى الهند في حدود سنة إحدى وعشرين، فاجتمع بسلطان كجرات خليل شاه فأكرمه وعظّمه، وهرب الفرنج عن البنادر لما سمعوا بوصوله، ثم عاد حسين الكردي على اليمن فافتتحها من بني طاهر ملوكها، وقتل سلاطينها في هذه السنة، وترك بها نائبا في زبيد اسمه برسباي الجركسي، وتمّ الأمر الذي لا مزيد عليه له وللسلطان الغوري، وإذا تمّ أمر بدا نقصه، ثم عاد حسين إلى جدّة، وقدم مكّة، فبلغه زوال دولة الغوري.
وورد أمر السلطان سليم بقتل حسين الكردي فأخذه شريف مكّة بغتة وقيّده، وشمّت به، وأرسله لبحر جدّة فغرّقه فيه.
فائدة: تولى مصر اثنان وعشرون سلطانا مسهّم الرّق من الجراكسة وغيرهم، أيبك التركماني، وقطر المعزي، والظّاهر بيبرس، وقلاوون، وكتبغا، ولاجين، وبيبرس الجاشنكير، وبرقوق، والمؤيد شيخ، وططر، وبرسباي، وجقمق، وإينال، وخشقدم، وبلباي، وتمربغا، وقايتباي، وقانصوه، وطومان باي، وجنبلاط، والغوري، وطومان باي، ابن أخيه آخر الدولة المصرية الجركسية، ومما قيل فيه:
وكان شخصا حسن المجالسة
…
وهو انتهاء مدّة الجراكسه
وعدة [2] سلاطين الجراكسة اثنان وعشرون أيضا، ومدتهم مائة وثمان وأربعون سنة، والله أعلم.
وفيها القاضي بدر الدّين محمد بن أبي العبّاس أحمد البهوتي [3] المصري العالم الشافعي.
[1] ليست اللفظة في «ط» .
[2]
في «ط» : (عدد) .
[3]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 31- 32) .
كان من أعيان المباشرين بمصر، وكان ذا ثروة ووجاهة زائدة، حتّى هابه بنو الجيعان وغيرهم من أرباب الديوان، وكان قد عرض بعض الكتب في حياة والده على الشّرف المناوي، والجلال البكري، والمحبّ بن الشّحنة والسّراج العبادي، وغيرهم، وكان ملازما للشيخ محمد البكري النازل بالحسينية، وله فيه اعتقاد زائد، ولما دخل السلطان سليم مصر وتطلب الجراكسة ببيوت مصر وجهاتها خشي القاضي بدر الدّين على نفسه وعياله، فحسن عنده أن يتوجه بهم إلى مصر القديمة عند صهره نور الدّين البكري فأنزلهم في الشختور [ثم أتى مسرعا لينزل معهم فوضع قدمه على حافة الشختور][1] فاختلت به فسقط في النيل، فغرق، فاضطربوا لغرقه فانحدر الشختور إلى الوطاق العثماني فظنوا أنهم من الجراكسة المتشبهين بالنساء، فأحاطوا بهم وسلبوهم ما معهم بعد التّفتيش فبينما هم كذلك إذ أتى زوجه القاضي بدر الدّين المخاض فرحمها شخص بقرب قنطرة قيدار فوضعت ولدا ذكرا في منزله، وكان القاضي بدر الدّين يتمنى ذلك وينذر عليه النّذور فلم يحصل إلّا على هذا الوجه وأحيط بماله وبما [2] جمعه فاعتبروا يا أولي الأبصار، وكان ذلك في آخر هذه السنة.
وفيها محمد بن حسن، الشهير بابن عنان [3] الشيخ العالم الصالح الناسك العارف بالله تعالى الشافعي الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة.
قال المناوي في «طبقاته» إمام تقدم في جامع الإيمان، وعارف أشرقت بضوء شمسه الأكوان، كثير التعبد، غزير التهجد، وافر الجلالة عليه القبول أي دلالة عالي الرّتبة، لا يقاس به غيره، ولا يشبه عظيما في الديانة ممدودا من الله بالإعانة، سلك طريق الهداية، واعتنى بالتصوف أتمّ عناية، أخذ عنه الشعراوي، وقال: ما رأيت مثله، وكان مشايخ عصره بين يديه كالأطفال، وله كرامات منها أنه أشبع خمسمائة فقير من عجين أمه، وكان نصف [4] ويبة ومنها أنه كان بالإسكندرية
[1] ما بين الرقمين سقط من «ط» .
[2]
في «آ» : «وما» .
[3]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 39- 40) .
[4]
في «ط» : (وصف) وهو تحريف.
رجل إذا غضب على رجل قال: يا قمل، رح إليه فيمتلئ قملا فلا ينام ويعجز عن تنقيته، فذهب إليه، وقال: ما تعمل يا شيخ القمل، وأخذه بيده ورماه في الهواء فلم يعرف له خبر.
ومنها أنه سافر هو والشيخ أبو العبّاس الغمري، فاشتد الحرّ، وعطش الغمري وليس هناك ماء فأخذ ابن عنان طاسة وغرف بها من الأرض اليابسة، وقال:
اشرب، فقال الغمري: الظّهور يقطع الظّهور، فقال: لولا خوف الظّهور جعلتها بركة يشرب منها إلى يوم القيامة.
ومنها أنه أتى برجل أكل محارتين فسيخا وحملين تمرا في ليلة واحدة، فوضع له رغيفا صغيرا في فمه فلم تزل تلك أكلته كل يوم حتّى مات، وكانت أوقاته مضبوطة لا يصغي لكلام أحد ويقول: كل نفس مقوم على صاحبه بسنة وغضب من أهل بلاده لعدم قبولهم الأمر بالمعروف، فقدم مصر، وسكن بسطح جامع الغمري، وكان كل مسجد أقام به لا يقيم إلا على سطحه شتاء وصيفا، وكان يقول لصحبه احرصوا عليّ إيمانكم في هذا الزّمان فإنه لم يبق مع غالب الناس عمل يعتمد عليه، وأما الأعمال الصالحة فقد تودّع منها لكثرة العلل فيها.
وقال: من أراد أن يسمع كلام الموتى في قبورهم فليعمل على كتم الأسرار، فإن المانع من سماعه عدم القدرة على الكتمان. ولما احتضر بسطح جامع باب البحر مات نصفه الأسفل فصلّى وهو قاعد فأضجعوه لما فرغ، فما زال يهمهم بشفتيه والسّبحة في يده حتّى صعدت روحه، وذلك في شهر ربيع الأول عن نحو مائة وعشرين سنة ودفن خلف محراب جامع المقسم وبنى عليه ولده [1] الشيخ أبو الصّفا قبة وزاوية.
وفيها شمس الدّين محمد بن رمضان [2] الشيخ الإمام العالم العلّامة الدمشقي مفتي الحنفية بها.
[1] في «ط» : (والده) وهو خطأ.
[2]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 49- 50) .
قال الحمصي: كان قد انعزل عن الناس وتنصّل [1] من حرفة الفقهاء، ولازم العزلة إلى أن مات.
قال النّجم الغزّي: وكان سبب عزلته انقطاعه إلى الله تعالى على يد سيدي علي بن ميمون، وكانت وفاة صاحب الترجمة في تاسع ربيع الآخر بدمشق.
وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن صدقة [2] الشيخ الواعظ المصري.
قال في «الكواكب» : كان يعظ بالأزهر وغيره إلّا أنه تزوج بامرأة زويلية فافتتن بها فيما ذكره العلائي حتّى باع «فتح الباري» و «القاموس» وغيرهما من النفائس، وركبته ديون كثيرة، ثم خالعها وندم، وأراد المراجعة، فأبت عليه إلّا أن يدفع إليها خمسين دينارا فلم يقدر إلّا على ثلاثين منها فلم تقبل فبعث بها إليها، وبعث معها سمّا قاتلا. وقال: إن لم تقبلي الثلاثين وإلّا أتحسى هذا السّمّ، فردّتها عليه فتحسى السّمّ، فمات من ليلته في ربيع الأول. انتهى وفيها جمال الدّين محمد بن الفقيه موى الضجاعي [3] ، أحد المدرّسين بمدينة زبيد.
قال في «النور» : كان فقيها عالما فاضلا.
توفي بزبيد يوم الخميس الثاني من صفر. انتهى.
[1] في «أ» : «وتنقل» ورواية «ط» أجود لذلك أثبتها.
[2]
ترجمته في «الكواكب السائرة» (1/ 55- 56) .
[3]
ترجمته في «النور السافر» (107- 108) .