الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث، وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث (1) ، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم والزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم، فاعلال النقاد لحديث بالتفرد يجب أخذه بنظر الاعتبار وعدم التسرع بالجواب الذي يقول فيه:((بل هو ثقة لا يضر تفرده)) ذلك لأن التأمل في الرواية وكيفية السماع يمكن الناقد من الحكم الصحيح عليها بالقبول أو الرد (2)
نموذج للتفرد وأثره في اختلاف الفقهاء: حكم الجمع بين الصلاتين في السفر
(3)
اختلف الفقهاء في حكم الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال:
القول الأول: قال الامام مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه، والهادوية من الزيدية يجوز الجمع بين الصلاتين تقديما وتأخيرا، الا أن المشهور عن الامام مالك أن الجمع انما يكون لمن جد به السير، أما النازل فلا يجوز له ذلك. وانما يصلي كل صلاة في وقتها.
القول الثاني: قال بعض الفقهاء لا يجوز الجمع بين الصلاتين بسبب السفر، وانما يجوز في موضعين فقط: يجمع الحاج بين الظهر والعصر تقديما يوم عرفة مع
(1) أنظر الباعث الحثيث ص26.
(2)
أنظر ظفر الاماني ص242 وما بعدها و 323 وما بعدها، والحديث المعلول للمليباري ص64.
(3)
الجمع بين الصلاتين هو أن يجمع المسافر بين الظهر والعصر في وقت أيهما شاء تقديما وتأخيرا، أي: بأن يقدم العصر فيصليها مع الظهر أو يؤخر الظهر فيصليها مع العصر، وكذا المغرب والعشاء (مسائل من الفقه المقارن: 1/174)
الامام، وبين المغرب والعشاء تأخيرا في مزدلفة وهذا بسبب النسك لا بسبب السفر، وبهذا قال أبو حنيفة.
القول الثالث: قال الامام أحمد في أصح الروايتين عنه يجوز الجمع بين الصلاتين تأخيرا لا تقديما ويبدو أن هذا هو مذهب ابن حزم. (1)
ومن أدلة أصحاب المذهب الأول:
حديث أنس، قال:((كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر الى وقت العصر ثم يجمع بينهما، واذا زاغت صلى الظهر ثم ركب)) متفق عليه (2) .
قال الحافظ ابن حجر: ((وقد احتج بهذا الحديث من أبى جمع التقديم)) ثم قال: ((لكن روى هذا الحديث اسحاق بن راهويه، عن شبابة، فقال: ((كان اذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل)) أخرجه الاسماعيلي (3)) )
قال الحافظ: ((وأعل بتفرد اسحاق بذلك، عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به، عن اسحاق؛ وليس ذلك بقادح؛ فانهما امامان حافظان)) (4) .
اذن فرواية الصحيحين تدل على جمع التأخير، ورواية اسحاق التي أخرجها الاسماعيلي تدل على جمع التقديم أيضا؛ فهي اذا حجة على ابن حزم ومن وافقه
(1) ينظر لتفصيل الأقوال والأدلة: مسائل من الفقه المقارن 1/174-180 وكذلك المحرر 1/234، والمغني 2/271، والانصاف 2/334، وكشاف القناع 2/3، والمدونة 1/11، وبداية المجتهد 1/134، والقوانين الفقهية 97، والخرشي 2/67، والأم 1/77، وحلية العلماء 2/204، والمجموع 4/226، ومغني المحتاج 1/271، ورد المحتار 1/381.
(2)
صحيح البخاري 2/58 رقم (1112) ، صحيح مسلم 2/151 رقم (704)
(3)
فتح الباري 2/583.
(4)
المصدر السابق.